Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-Hijr 15:94–99
15:94Page 267
فَٱصۡدَعۡ بِمَا تُؤۡمَرُ وَأَعۡرِضۡ عَنِ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ٩٤
Then declare what you are commanded1 and turn away from the polytheists.2
﴿فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ﴾ قالَ الكَلْبِيُّ: أيْ أظْهِرْهُ واجْهَرْ بِهِ يُقالُ: صَدَعَ بِالحُجَّةِ إذا تَكَلَّمَ بِها جِهارًا، ومِن ذَلِكَ قِيلَ لِلْفَجْرِ صَدِيعٌ لِظُهُورِهِ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ أمْرًا مِن صَدْعِ الزُّجاجَةِ وهو تَفْرِيقُ أجْزائِها أيِ افْرُقْ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وأصْلُهُ عَلى ما قِيلَ الإبانَةُ والتَّمْيِيزُ، والباءُ عَلى الأوَّلِ صِلَةٌ وعَلى الثّانِي سَبَبِيَّةٌ، و«ما» جُوِّزَ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْ بِالَّذِي تُؤْمَرُ بِهِ فَحُذِفَ الجارُّ فَتَعَدّى الفِعْلُ إلى الضَّمِيرِ فَصارَ تُؤْمَرُهُ ثُمَّ حُذِفَ، ولَعَلَّ القائِلَ بِذَلِكَ لَمْ يَعْتَبِرْ حَذْفَهُ مَجْرُورًا لِفَقْدِ شَرْطِ حَذْفِهِ بِناءً عَلى أنَّهُ يُشْتَرَطُ في حَذْفِ العائِدِ المَجْرُورِ أنْ يَكُونَ مَجْرُورًا بِمِثْلِ ما جُرَّ بِهِ المَوْصُولُ لَفْظًا ومَعْنًى ومُتَعَلِّقًا، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ بِالصَّدْعِ بِهِ فَحُذِفَتِ الباءُ الثّانِيَةُ ثُمَّ الثّالِثَةُ ثُمَّ لامُ التَّعْرِيفِ ثُمَّ المُضافُ ثُمَّ الهاءُ، وهو تَكَلُّفٌ لا داعِيَ لَهُ ويَكادُ يُورِثُ الصُّداعَ، والمُرادُ بِما يُؤْمَرُ بِهِ الشَّرائِعُ مُطْلَقًا، وقَوْلُ مُجاهِدٍ كَما أخْرَجَهُ عَنْهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ: إنَّ المَعْنى اجْهَرْ بِالقُرْآنِ في الصَّلاةِ يَقْتَضِي بِظاهِرِهِ التَّخْصِيصَ ولا داعِيَ لَهُ أيْضًا كَما لا يَخْفى، وأظْهَرُ مِنهُ في ذَلِكَ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّ المُرادَ ﴿بِما تُؤْمَرُ﴾ القُرْآنُ الَّذِي أُوحِيَ إلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ يُبَلِّغَهم إيّاهُ، وأنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً أيْ فاصْدَعْ بِمَأْمُورِيَّتِكَ وهو الَّذِي عَناهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِقَوْلِهِ: أيْ بِأمْرِكَ مَصْدَرٌ مِنَ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ، وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى مَذْهَبِ مَن يُجَوِّزُ أنْ يُرادَ بِالمَصْدَرِ أنْ والفِعْلُ المَبْنِيُّ لِلْمَفْعُولِ والصَّحِيحُ أنَّ ذَلِكَ لا يَجُوزُ. ورُدَّ بِأنَّ الِاخْتِلافَ في المَصْدَرِ الصَّرِيحِ هَلْ يَجُوزُ انْحِلالُهُ إلى حَرْفٍ مَصْدَرِيٍّ وفِعْلٍ مَجْهُولٍ أمْ لا أمّا أنَّ الفِعْلَ المَجْهُولَ هَلْ يُوصَلُ بِهِ حَرْفٌ مَصْدَرِيٌّ فَلَيْسَ مَحَلَّ النِّزاعِ، فَإنْ كانَ اعْتِراضُهُ عَلى الزَّمَخْشَرِيِّ في تَفْسِيرِهِ بِالأمْرِ وأنَّهُ كانَ يَنْبَغِي أنْ يَقُولَ بِالمَأْمُورِيَّةِ فَشَيْءٌ
صفحة 86
آخَرُ سَهْلٌ، ثُمَّ لا يَخْفى ما في الآيَةِ مِنَ الجَزالَةِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: عَنْ رُؤْيَةِ ما في القُرْآنِ مِنها، ويُحْكى أنَّ بَعْضَ العَرَبِ سَمِعَ قارِئًا يَقْرَأُها فَسَجَدَ فَقِيلَ لَهُ في ذَلِكَ فَقالَ: سَجَدْتُ لِبَلاغَةِ هَذا الكَلامِ، ولَمْ يَزَلْ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مُسْتَخْفِيًا كَما رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَبْلَ نُزُولِ ذَلِكَ فَلَمّا نَزَلَتْ خَرَجَ هو وأصْحابُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿وأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ﴾ أيْ لا تَلْتَفِتْ إلى ما يَقُولُونَ ولا تُبالِ بِهِمْ فَلَيْسَتِ الآيَةُ مَنسُوخَةً، وقِيلَ: هي مِن آياتِ المُهادَنَةِ الَّتِي نَسَخَتْها آيَةُ السَّيْفِ، وأخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو داوُدَ في ناسِخِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما
15:95Page 267
إِنَّا كَفَيۡنَٰكَ ٱلۡمُسۡتَهۡزِءِينَ ٩٥
Indeed, We are sufficient for you against the mockers
﴿إنّا كَفَيْناكَ المُسْتَهْزِئِينَ﴾ بِكَ أوْ بِكَ وبِالقُرْآنِ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ بِقَمْعِهِمْ وتَدْمِيرِهِمْ.
أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ، والبَيْهَقِيُّ وأبُو نُعَيْمٍ كِلاهُما في الدَّلائِلِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ قالَ: «المُسْتَهْزَءُونَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ والأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ والأسْوَدُ بْنُ المُطَّلِبِ والحارِثُ بْنُ عُطَيْلٍ السَّهْمِيُّ والعاصُ بْنُ وائِلٍ فَأتاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَشَكاهم إلَيْهِ فَأراهُ الوَلِيدَ فَأوْمَأ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى أكْحُلِهِ فَقالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ما صَنَعْتَ شَيْئًا قالَ: كَفَيْتُكَهُ، ثُمَّ أراهُ الأسْوَدَ بْنَ المُطَّلِبِ فَأوْمَأ إلى عَيْنَيْهِ فَقالَ: ما صَنَعْتَ شَيْئًا قالَ: كَفَيْتُكَهُ. ثُمَّ أراهُ الأسْوَدَ بْنَ عَبْدِ يَغُوثَ فَأوْمَأ إلى رَأْسِهِ فَقالَ: ما صَنَعْتَ شَيْئًا قالَ: كَفَيْتُكَهُ ثُمَّ أراهُ الحارِثَ فَأوْمَأ إلى بَطْنِهِ فَقالَ: ما صَنَعْتَ شَيْئًا قالَ: كَفَيْتُكَهُ، ثُمَّ أراهُ العاصَ بْنَ وائِلٍ فَأوْمَأ إلى أخْمُصِهِ فَقالَ: ما صَنَعْتَ شَيْئًا قالَ: كَفَيْتُكَهُ. فَأمّا الوَلِيدُ فَمَرَّ بِرَجُلٍ مِن خُزاعَةَ وهو يَرِيشُ نَبْلًا فَأصابَ أُكْحَلَهُ فَقَطَعَها، وأمّا الأسْوَدُ بْنُ المُطَّلِبِ فَنَزَلَ تَحْتَ سَمُرَةٍ فَجَعَلَ يَقُولُ: يا بَنِيَّ ألا تَدْفَعُونَ عَنِّي قَدْ هَلَكْتُ أُطْعَنُ بِالشَّوْكِ في عَيْنِي فَجَعَلُوا يَقُولُونَ: ما نَرى شَيْئًا فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتّى عَمِيَتْ عَيْناهُ، وأمّا الأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ فَخَرَجَ في رَأْسِهِ قُرُوحٌ فَماتَ مِنها وأمّا الحارِثُ فَأخَذَهُ الماءُ الأصْفَرُ في بَطْنِهِ حَتّى خَرَجَ رَجِيعُهُ مِن فِيهِ فَماتَ مِنهُ، وأمّا العاصُ فَرَكِبَ إلى الطّائِفِ فَرَبَضَ عَلى شَبْرَقَةٍ فَدَخَلَ في أخْمُصِ قَدَمِهِ شَوْكَةٌ فَقَتَلَتْهُ،» وقالَ الكِرْمانِيُّ في شَرْحِ البُخارِيِّ: إنَّ المُسْتَهْزِئِينَ هُمُ السَّبْعَةُ الَّذِينَ ألْقَوْا الأذى ورَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يُصَلِّي كَما جاءَ في حَدِيثِ البُخارِيِّ وهُمْ: عَمْرُو بْنُ هِشامٍ وعُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ وشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ والوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ وأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ وعُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ، وعِمارَةُ بْنُ الوَلِيدِ، وفي الأعْلامِ لِلسُّهَيْلِيِّ أنَّهم قَذَفُوا بِقَلِيبِ بَدْرٍ وعَدَّهم بِخِلافِ ما ذُكِرَ. وفي الدُّرِّ المَنثُورِ وغَيْرِهِ رِواياتٌ كَثِيرَةٌ مُخْتَلِفَةٌ في عِدَّتِهِمْ وأسْمائِهِمْ وكَيْفِيَّةِ هَلاكِهِمْ وعَدَّ الشَّعْبِيُّ مِنهم هَبّارَ بْنَ الأسْوَدِ. وتَعَقَّبَهُ في البَحْرِ بِأنَّ هَبّارًا أسْلَمَ يَوْمَ الفَتْحِ ورَحَلَ إلى المَدِينَةِ فَعَدُّهُ وهْمٌ، وهَذا مُتَعَيِّنٌ إذا كانَتْ كِفايَتُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إيّاهم بِالإهْلاكِ كَما هو الظّاهِرُ، وقَدْ ذَكَرَ الإمامُ نَحْوَ ما ذَكَرْنا مِنَ اخْتِلافِ الرِّواياتِ ثُمَّ قالَ: ولا حاجَةَ إلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، والقَدْرُ المَعْلُومُ أنَّهم كانُوا طائِفَةً لَهم قُوَّةٌ وشَوْكَةٌ لِأنَّ أمْثالَهم هُمُ الَّذِينَ يَقْدِرُونَ عَلى مِثْلِ هَذِهِ السَّفاهَةِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في عُلُوِّ قَدْرِهِ وعِظَمِ مَنصِبِهِ، ودَلَّ القُرْآنَ عَلى أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أفْناهم وأبادَهم وأزالَ كَيْدَهم.
15:96Page 267
ٱلَّذِينَ يَجۡعَلُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَۚ فَسَوۡفَ يَعۡلَمُونَ ٩٦
Who make [equal] with Allāh another deity. But they are going to know.
﴿الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ أيِ اتَّخَذُوا إلَهًا يَعْبُدُونَهُ مَعَهُ تَعالى، وصِيغَةُ الِاسْتِقْبالِ لِاسْتِحْضارِ الحالِ الماضِيَةِ، وفي وصْفِهِمْ بِذَلِكَ تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وتَهْوِينٌ لِلْخَطْبِ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالإشارَةِ إلى أنَّهم لَمْ يَقْتَصِرُوا عَلى الِاسْتِهْزاءِ بِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَلِ اجْتَرَءُوا عَلى
صفحة 87
العَظِيمَةِ الَّتِي هي الإشْراكُ بِهِ سُبْحانَهُ ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ما يَأْتُونَ ويَذَرُونَ وفِيهِ مِنَ الوَعِيدِ ما لا يَخْفى.
وفِي البَحْرِ أنَّهُ وعِيدٌ لَهم بِالمُجازاةِ عَلى اسْتِهْزائِهِمْ وشِرْكِهِمْ في الآخِرَةِ كَما جُوزُوا في الدُّنْيا
15:97Page 267
وَلَقَدۡ نَعۡلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدۡرُكَ بِمَا يَقُولُونَ ٩٧
And We already know that your breast is constrained by what they say.
﴿ولَقَدْ نَعْلَمُ أنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ﴾ مِن كَلِماتِ الشِّرْكِ والِاسْتِهْزاءِ، وتَحْلِيَةُ الجُمْلَةِ بِالتَّأْكِيدِ لِإفادَةِ تَحَقُّقِ ما تَتَضَمَّنُهُ مِنَ التَّسْلِيَةِ. وصِيغَةُ المُضارِعِ لِإفادَةِ اسْتِمْرارِ العِلْمِ حَسَبَ اسْتِمْرارِ مُتَعَلِّقِهِ بِاسْتِمْرارِ ما يُوجِبُهُ مِن أقْوالِ الكَفَرَةِ
15:98Page 267
فَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ ٱلسَّٰجِدِينَ ٩٨
So exalt [Allāh] with praise of your Lord and be of those who prostrate [to Him].
﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ فافْزَعْ إلى رَبِّكَ فِيما نابَكَ مِن ضِيقِ الصَّدْرِ بِالتَّسْبِيحِ مُلْتَبِسًا بِحَمْدِهِ أيْ قُلْ: سُبْحانَ اللَّهِ والحَمْدُ لِلَّهِ أوْ فَنَزِّهْهُ عَمّا يَقُولُونَ حامِدًا لَهُ سُبْحانَهُ عَلى أنْ هَداكَ لِلْحَقِّ، فالتَّسْبِيحُ والحَمْدُ بِمَعْناهُما اللُّغَوِيِّ كَما أنَّهُما عَلى الأوَّلِ بِمَعْناهُما العُرْفِيِّ أعْنِي قَوْلَ تَيْنِكَ الجُمْلَتَيْنِ، وفي التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ما لا يَخْفى مِنَ اللُّطْفِ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والإشْعارُ بِعِلَّةِ الحُكْمِ أعْنِي الأمْرَ المَذْكُورَ ﴿وكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ أيِ المُصَلِّينَ فَفِيهِ التَّعْبِيرُ عَنِ الكُلِّ بِالجُزْءِ. وهَذا الجُزْءُ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ البَعْضُ أفْضَلُ الأجْزاءِ لِما صَحَّ مِن قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ««أقْرَبُ ما يَكُونُ العَبْدُ مِن رَبِّهِ وهو ساجِدٌ»».
ولَيْسَ هَذا مَوْضِعَ سَجْدَةٍ خِلافًا لِبَعْضِهِمْ. وفي أمْرِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِما ذُكِرَ إرْشادٌ لَهُ إلى ما يَكْشِفُ بِهِ الغَمَّ الَّذِي يَجِدُهُ كَأنَّهُ قِيلَ: افْعَلْ ذَلِكَ يَكْشِفْ عَنْكَ رَبُّكَ الغَمَّ والضَّيْمَ الَّذِي تَجِدُهُ في صَدْرِكَ ولِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِأمْرِ الصَّلاةِ جِيءَ بِالأمْرِ بِها كَما تَرى مُغايِرًا لِلْأمْرِ السّابِقِ عَلى هَذا الوَجْهِ المَخْصُوصِ. وفي ذَلِكَ مِنَ التَّرْغِيبِ فِيها ما لا يَخْفى. وقَدْ كانَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إذا أحْزَنَهُ أمْرٌ فَزِعَ إلى الصَّلاةِ وصَحَّ ««حُبِّبَ لِي مِن دُنْياكُمُ النِّساءُ والطِّيبُ وجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي في الصَّلاةِ»».
وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ في الآيَةِ إشارَةً إلى التَّرْغِيبِ بِالجَماعَةِ فِيها. وإنَّ في عَدَمِ تَقْيِيدِ السُّجُودِ بِنَحْوٍ لَهُ أوْ لِرَبِّكَ إشارَةً إلى أنَّهُ مِمّا لا يَكادُ يَخْطُرُ بِالبالِ إيقاعُهُ لِغَيْرِهِ تَعالى فَتَدَبَّرْ.
15:99Page 267
وَٱعۡبُدۡ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأۡتِيَكَ ٱلۡيَقِينُ ٩٩
And worship your Lord until there comes to you the certainty [i.e., death].
﴿واعْبُدْ رَبَّكَ﴾ دُمْ عَلى ما أنْتَ عَلَيْهِ مِن عِبادَتِهِ سُبْحانَهُ، قِيلَ: وفي الإظْهارِ بِالعُنْوانِ السّالِفِ آنِفًا تَأْكِيدٌ لِما سَبَقَ مِن إظْهارِ اللُّطْفِ بِهِ ﷺ والإشْعارِ بِعِلَّةِ الأمْرِ بِالعِبادَةِ ﴿حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾ أيِ المَوْتُ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ والحَسَنِ وقَتادَةَ وابْنِ زَيْدٍ، وسُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ مُتَيَقِّنُ اللُّحُوقِ بِكُلِّ حَيٍّ، وإسْنادُ الإتْيانِ إلَيْهِ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ مُتَوَجِّهٌ إلى الحَيِّ طالِبٌ لِلْوُصُولِ إلَيْهِ، والمَعْنى دُمْ عَلى العِبارَةِ ما دُمْتَ حَيًّا مِن غَيْرِ إخْلالٍ بِها لَحْظَةً، وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: اليَقِينُ النَّصْرُ عَلى الكافِرِينَ الَّذِي وعَدَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وأيًّا ما كانَ فَلَيْسَ المُرادُ بِهِ ما زَعَمَهُ بَعْضُ المُلْحِدِينَ مِمّا يُسَمُّونَهُ بِالكَشْفِ والشُّهُودِ، وقالُوا: إنَّ العَبْدَ مَتى حَصَلَ لَهُ ذَلِكَ سَقَطَ عَنْهُ التَّكْلِيفُ بِالعِبادَةِ وهي لَيْسَتْ إلّا لِلْمَحْجُوبِينَ، ولَقَدْ مَرَقُوا بِذَلِكَ مِنَ الدِّينِ وخَرَجُوا مِن رِبْقَةِ الإسْلامِ وجَماعَةِ المُسْلِمِينَ.
وذَكَرَ بَعْضُ الثِّقاتِ أنَّ هَذا الأمْرَ كانَ بَعْدَ الإسْراءِ والعُرُوجِ إلى السَّماءِ، أفَتَرى أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمْ يَتَّضِحْ لَهُ لَيْلَتَئِذٍ صُبْحُ الكَشْفِ والشُّهُودُ ولَمْ يَمَنَّ عَلَيْهِ بِاليَقِينِ عَظِيمُ الكَرَمِ والجُودِ؟ اللَّهُ أكْبَرُ لا يَتَجاسَرُ عَلى ذَلِكَ مَن في قَلْبِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ مِن إيمانٍ أوْ رِزْقِ حَبَّةٍ خَرْدَلٍ مِن عَقْلٍ يَنْتَظِمُ بِهِ في سَلْكِ الإنْسانِ، وأيْضًا لَمْ يَزَلْ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ما دامَ حَيًّا آتِيًا بِمَراسِمِ العِبادَةِ قائِمًا بِأعْباءِ التَّكْلِيفِ لَمْ يَنْحَرِفْ عَنِ الجادَّةِ قَدْرَ
صفحة 88
حادَّةٍ أفَيُقالُ: إنَّهُ لَمْ يَأْتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَتّى تُوُفِّيَ ذَلِكَ اليَقِينُ ولِذَلِكَ بَقِيَ في مَشاقِّ التَّكْلِيفِ إلى أنْ قَدَمَ عَلى رَبِّ العالَمِينَ؟ لا أرى أحَدًا يَخْطُرُ لَهُ ذَلِكَ بِجَنانٍ ولَوْ طالَ سُلُوكُهُ في مَهامِّهِ الضَّلالَةُ وبانَ. نَعَمْ ذَكَرَ بَعْضُ العُلَماءِ الكِرامِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ نَعْلَمُ﴾ إلَخْ كَلامًا مُتَضَمِّنًا شَيْئًا مِمّا يَذْكُرُهُ الصُّوفِيَّةُ لَكِنَّهُ بَعِيدٌ بِمَراحِلَ عَنْ مَرامِ أُولَئِكَ اللِّئامِ، فَفي الكَشْفِ أنَّهُ تَعالى بَعْدَ ما هَدَمَ قَواعِدَ جَهالاتِ الكَفَرَةِ وأبْرَقَ وأرْعَدَ بِما أظْهَرَ مِن صَنِيعِهِ بِالقائِلِينَ نَحْوَ مَقالاتِ أُولَئِكَ الفَجَرَةِ فَذَلِكَ الكَلامُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولَقَدْ نَعْلَمُ﴾ مُؤَكِّدًا هَذا التَّأْكِيدَ البالِغَ الصّادِرَ عَنْ مَقامِ تَسَخُّطٍ بالِغٍ وكِبْرِياءٍ لِيُنَفِّسَ عَنْ حَبِيبِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أشَدَّ التَّنْفِيسِ، ثُمَّ أرْشَدَ إلى ما هو أعْلى مِن ذَلِكَ مِمّا تَأهَّلَهُ لِمُسامَرَةِ الجَلِيسِ لِلْجَلِيسِ وقالَ تَعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ إشارَةٌ إلى التَّوَجُّهِ إلَيْهِ بِالكُلِّيَّةِ والتَّجَرُّدِ التّامِّ عَنِ الأغْيارِ والتَّحَلِّي بِصِفاتٍ مِن تَوَجُّهٍ إلَيْهِ بِحُسْنِ القَبُولِ والِافْتِقارِ إذْ ذَلِكَ مُقْتَضى التَّسْبِيحِ والحَمْدِ لِمَن عَقِلَهُما، ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿وكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ دَلالَةً عَلى الِاقْتِرابِ المُضْمَرِ فِيهِ لِأنَّ السُّجُودَ غايَةُ الذِّلَّةِ والِافْتِقارِ وهو مَظْهَرُ الفَناءِ حَتّى نَفْسِهِ وشِرْكِ البَقاءِ بِمَن أمْرُهُ بِخَمْسِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى شَأْنُهُ: ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ﴾ إلَخْ ظاهِرُهُ ظاهِرٌ وباطِنُهُ يُومِئُ إلى أنَّ السَّفَرَ في اللَّهِ تَعالى لا يَنْقَطِعُ والشُّهُودُ الَّذِي عَلَيْهِ يَسْتَقِرُّ لا يَحْصُلُ أبَدًا فَما مِن طامَّةٍ إلّا وفَوْقَها طامَّةٌ.
إذا تَغَيَّبْتُ بَدا وإنْ بَدا غَيَّبَنِي
وعَنْ لِسانِ هَذا المَقامِ ﴿رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ اه، هَذا ولا يَخْفى مِمّا ذَكَرَهُ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ مُناسَبَةُ خاتِمَةِ هَذِهِ السُّورَةِ لِفاتِحَتِها، وأنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ولَقَدْ نَعْلَمُ﴾ إلَخْ في مُقابَلَةِ ﴿وقالُوا يا أيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ وأحْكَمُ.
* * *
ومِن بابِ الإشارَةِ فِيما تَقَدَّمَ مِنَ الآياتِ: ما قالُوهُ مِمّا مُلَخَّصُهُ ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ أيْ أخْبِرْهم بِأنِّي أغْفِرُ خَطِراتِ قُلُوبِ العارِفِينَ بَعْدَ إدْراكِهِمْ مَواضِعَ خَطَرِها وتَدارُكِهِمْ ما هو مَطْلُوبٌ مِنهم وأرْحَمُهم بِأنْواعِ الفَيُوضاتِ وأُوصِلُهم إلى أعْلى المُكاشَفاتِ والمُشاهَداتِ ﴿وأنَّ عَذابِي هو العَذابُ الألِيمُ﴾ وهو عَذابُ الِاحْتِجابِ والطَّرْدِ عَنِ البابِ.
وقالَ ابْنُ عَطاءٍ: هَذِهِ الآيَةُ إرْشادٌ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلى كَيْفِيَّةِ الإرْشادِ كَأنَّهُ قِيلَ: أقِمْ عِبادِي بَيْنَ الخَوْفِ والرَّجاءِ لِيَصِحَّ لَهم سَبِيلُ الِاسْتِقامَةِ في الطّاعَةِ فَإنَّ مَن غَلَبَ عَلَيْهِ رَجاؤُهُ عَطَّلَهُ ومَن غَلَبَ عَلَيْهِ خَوْفُهُ أقْنَطَهُ وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ فِيها إشارَةً إلى تَرْجِيحِ جانِبِ الخَوْفِ عَلى الرَّجاءِ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ أجْرى وصْفَيِ الرَّحْمَةِ عَلى نَفْسِهِ عَزَّ وجَلَّ ولَمْ يَجْرِ العَذابُ عَلى ذَلِكَ السُّنَنِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ المَذْكُورَ في كَثِيرٍ مِنَ الكُتُبِ أنَّهُ يَنْبَغِي لِلْإنْسانِ أنْ يَكُونَ مُعْتَدِلَ الرَّجاءِ والخَوْفِ إلّا عِنْدَ المَوْتِ فَيَنْبَغِي أنْ يَكُونَ رَجاؤُهُ أزْيَدَ مِن خَوْفِهِ، وفي المَقامِ كَلامٌ طَوِيلٌ يُطْلَبُ مِن مَوْضِعِهِ ﴿لَعَمْرُكَ إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ قالَ النَّوَوِيُّ: أيْ بِحَياتِكَ الَّتِي خُصِّصْتَ بِها مِن بَيْنِ العالَمِينَ، وقالَ القُرَشِيُّ: هَذا قَسَمٌ بِحَياةِ الحَبِيبِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
وإنَّما أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِها لِأنَّها كانَتْ بِهِ تَعالى ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ أيِ المُتَفَرِّسِينَ، وذَكَرُوا أنَّ لِلْفِراسَةِ مَراتِبَ فَبَعْضُها يَحْصُلُ بِعَيْنِ الظّاهِرِ، وبَعْضُها ما يُدْرِكُهُ آذانُ العارِفِينَ مِمّا يَنْطِقُ بِهِ الحَقُّ بِألْسِنَةِ الخَلْقِ، وبَعْضُها ما يَبْدُو في صُورَةِ المُتَفَرِّسِ مِن أشْكالِ تَصَرُّفِ الحَقِّ سُبْحانَهُ وإنْطاقِهِ وجُودِهِ لَهُ حَتّى يَنْطِقَ جَمِيعُ شَعَراتِ بَدَنِهِ بِألْسِنَةٍ مُخْتَلِفَةٍ فَيَرى ويَسْمَعُ مَن ظاهِرِ نَفْسِهِ ما يَدُلُّ عَلى وُقُوعِ الأُمُورِ الغَيْبِيَّةِ، وبَعْضُها ما يَحْصُلُ بِحَواسِّ الباطِنِ حَيْثُ وجَدَتْ بِلُطْفِها أوائِلَ المُغَيَّباتِ بِاللّائِحَةِ، وبَعْضُها ما يَحْصُلُ مِنَ النَّفْسِ الأمّارَةِ بِما يَبْدُو فِيها مِنَ التَّمَنِّي والِاهْتِزازِ وذَلِكَ سِرُّ مَحَبَّتِهِ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى
صفحة 89
إذا أرادَ فَتْحَ الغَيْبِ ألْقى في النَّفْسِ آثارَ بِوادِيهِ إمّا مَحْبُوبَةٌ فَتُتَمَنّى وإمّا مَكْرُوهَةٌ فَتُنَفَّرُ ولا يَعْرِفُ ذَلِكَ إلّا رَبّانِيُّ الصِّفَةِ، وبَعْضُها ما يَحْصُلُ لِلْقَلْبِ إمّا بِالإلْهامِ وإمّا بِالكَشْفِ، وبَعْضُها ما يَحْصُلُ لِلْعَقْلِ وذَلِكَ ما يَقَعُ مِن أثْقالِ الوَحْيِ الغَيْبِيِّ عَلَيْهِ، وبَعْضُها ما يَحْصُلُ لِلرُّوحِ بِالواسِطَةِ وغَيْرِ الواسِطَةِ، وبَعْضُها ما يَحْصُلُ لِعَيْنِ السِّرِّ وسَمْعِهِ، وبَعْضُها ما يَحْصُلُ في سِرِّ السِّرِّ ظُهُورُ عَرائِسِ أقْدارِ الغَيْبَةِ مُلْتَبِساتٍ بِإشْكالٍ إلَهِيَّةٍ رَبّانِيَّةٍ رُوحانِيَّةٍ فَيُبْصِرُ تَصَرُّفَ الذّاتِ في الصِّفاتِ ويَسْمَعُ الصِّفاتِ بِوَصْفِ الحَدِيثِ والخِطابِ مِنَ الذّاتِ بِلا واسِطَةٍ وهُناكَ مُنْتَهى الكَشْفِ والفِراسَةِ. وسُئِلَ الجُنَيْدُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَنِ الفِراسَةِ فَقالَ: آياتٌ رَبّانِيَّةٌ تَظْهَرُ في أسْرارِ العارِفِينَ فَتَنْطِقُ ألْسِنَتُهم بِذَلِكَ فَتُصادِفُ الحَقَّ، ولَهم في ذَلِكَ عِباراتٌ أُخْرى.
﴿فاصْفَحِ الصَّفْحَ الجَمِيلَ﴾
رَوى عَمْرُو بْنُ دِينارٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الحَنَفِيَّةِ عَنْ أبِيهِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ قالَ: الصَّفْحُ الجَمِيلُ صَفْحٌ لا تَوْبِيخَ فِيهِ ولا حِقْدَ بَعْدَهُ مَعَ الرُّجُوعِ إلى ما كانَ قَبْلَ مُلابَسَةِ المُخالَفَةِ، وقِيلَ: الصَّفْحُ الجَمِيلُ مُواساةُ المُذْنِبِ بِرَفْعِ الخَجَلِ عَنْهُ ومُداواةِ مَوْضِعِ آلامِ النَّدَمِ في قَلْبِهِ ﴿ولَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي﴾ وهي الصِّفاتُ السَّبْعَةُ أعْنِي الحَياةَ والعِلْمَ والقُدْرَةَ والإرادَةَ والبَصَرَ والسَّمْعَ والكَلامَ، ومَعْنى كَوْنِها مَثانِي أنَّها ثُنِّيَ وكُرِّرَ ثُبُوتُها لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَكانَتْ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أوَّلًا في مَقامِ وُجُودِ القَلْبِ وتَخَلُّقِهِ بِأخْلاقِهِ واتِّصافِهِ بِأوْصافِهِ، وثانِيًا في مَقامِ البَقاءِ بِالوُجُودِ الحَقّانِيِّ، وقِيلَ: مَعْنى كَوْنِها مَثانِي أنَّها ثَوانِي الصِّفاتِ القائِمَةِ بِذاتِهِ سُبْحانَهُ عَزَّ وجَلَّ ومَوالِيدِها،
وجاءَ ««لازالَ العَبْدُ يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوافِلِ حَتّى أُحِبَّهُ فَإذا أحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ»» الحَدِيثَ ﴿والقُرْآنَ العَظِيمَ﴾ وهو عِنْدُهُمْ: الذّاتُ الجامِعُ لِجَمِيعِ الصِّفاتِ ﴿لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ أزْواجًا مِنهُمْ﴾ إلى آخِرِهِ. قالَ بَعْضُهم في ذَلِكَ: غارَ الحَقُّ سُبْحانُهُ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يَسْتَحْسِنَ مِنَ الكَوْنِ شَيْئًا ويُعِيرَهُ طَرَفَهُ وأرادَ مِنهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ تَكُونَ أوْقاتُهُ مَصْرُوفَةً إلَيْهِ وحالاتُهُ مَوْقُوفَةً عَلَيْهِ وأنْفاسُهُ النَّفِيسَةُ حَبِيسَةً عِنْدَهُ، وكانَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَما أرادَ مِنهُ سُبْحانَهُ ولِذَلِكَ وقَعَ في المَحَلِّ الأعْلى ﴿ما زاغَ البَصَرُ وما طَغى﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾ قَدْ مَرَّ عَنِ الكَشْفِ ما فِيهِ مَقْنَعٌ لِمَن أرادَ الإشارَةَ مِنَ المُسْتَرْشِدِينَ، هَذا وأسْألُ اللَّهَ سُبْحانَهُ أنْ يَحْفَظَنا مِن سُوءِ القَضا ويَمُنَّ عَلَيْنا بِالتَّوْفِيقِ إلى ما يُحِبُّ ويَرْضى بِحُرْمَةِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وآلِهِ وأصْحابِهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أجْمَعِينَ ما جَرى في تَفْسِيرِ كِتابِ اللَّهِ تَعالى قَلَمٌ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences