Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
An-Nahl 16:103–105
16:103Page 279
وَلَقَدۡ نَعۡلَمُ أَنَّهُمۡ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُۥ بَشَرٞۗ لِّسَانُ ٱلَّذِي يُلۡحِدُونَ إِلَيۡهِ أَعۡجَمِيّٞ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيّٞ مُّبِينٌ ١٠٣
And We certainly know that they say, "It is only a human being who teaches him [i.e., the Prophet (ﷺ)]." The tongue of the one they refer to is foreign,1 and this [recitation, i.e., Qur’ān] is [in] a clear Arabic language.
﴿ولَقَدْ نَعْلَمُ أنَّهم يَقُولُونَ﴾ غَيْرَ ما نُقِلَ عَنْهم مِنَ المَقالَةِ الشَّنْعاءِ ﴿إنَّما يُعَلِّمُهُ﴾ أيْ يُعَلِّمَ النَّبِيَّ ﷺ القُرْآنَ، وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ كَلامِ قَتادَةَ ومُجاهِدٍ وغَيْرِهِما واخْتِيرَ كَوْنُ الضَّمِيرِ لِلْقُرْآنِ لِيُوافِقَ ضَمِيرَ ( أنْزَلَهُ ) أيْ يَقُولُونَ إنَّما يُعَلِّمُ القُرْآنَ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿بَشَرٌ﴾ عَلى طَرِيقِ البَتِّ مَعَ ظُهُورِ أنَّهُ نَزَّلَهُ رُوحُ القُدُسِ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وتَأْكِيدُ الجُمْلَةِ لِتَحْقِيقِ ما تَتَضَمَّنُهُ مِنَ الوَعِيدِ، وصِيغَةُ الِاسْتِقْبالِ لِإفادَةِ اسْتِمْرارِ العِلْمِ
صفحة 233
بِحَسْبِ الِاسْتِمْرارِ التَّجَدُّدِيِّ في مُتَعَلِّقِهِ فَإنَّهم مُسْتَمِرُّونَ عَلى التَّفَوُّهِ بِتِلْكَ العَظِيمَةِ، وفي البَحْرِ أنَّ المَعْنى عَلى المُضِيِّ فالمُرادُ عَلَّمَنا وعَنَوْا بِهَذا البَشَرِ قِيلَ: جَبْرًا الرُّومِيَّ غُلامَ عامِرِ بْنِ الحَضْرَمِيِّ وكانَ قَدْ قَرَأ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ وكانَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَجْلِسُ إلَيْهِ إذا آذاهُ أهْلُ مَكَّةَ فَقالُوا ما قالُوا.
ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ السُّدِّيِّ، وقِيلَ: مَوْلًى لِحُوَيْطِبِ بْنِ عَبْدِ العُزّى اسْمُهُ عائِشٌ أوْ يَعِيشُ كانَ يَقْرَأُ الكُتُبَ وقَدْ أسْلَمَ وحَسُنَ إسْلامُهُ قالَهُ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ، وقِيلَ: أبا فَكِيهَةَ مَوْلًى لِامْرَأةٍ بِمَكَّةَ قِيلَ اسْمُهُ يَسارٌ وكانَ يَهُودِيًّا قالَهُ مُقاتِلٌ وابْنُ جُبَيْرٍ إلّا أنَّهُ لَمْ يَقُلْ كانَ يَهُودِيًّا.
وأخْرَجَ آدَمُ بْنُ أبِي إياسٍ والبَيْهَقِيُّ وجَماعَةٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمٍ الحَضْرَمِيِّ قالَ: كانَ لَنا عَبْدانِ نَصْرانِيّانِ مِن أهْلِ عَيْنِ التَّمْرِ يُقالُ لِأحَدِهِما يَسارٌ ولِلْآخَرِ جَبْرٌ وكانا يُصَنِّعانِ السُّيُوفَ بِمَكَّةَ وكانا يَقْرَآنِ الإنْجِيلَ فَرُبَّما مَرَّ بِهِما النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهُما يَقَرَءانِ فَيَقِفُ ويَسْتَمِعُ فَقالَ المُشْرِكُونَ: إنَّما يَتَعَلَّمُ مِنهُما، وفي بَعْضِ الرِّواياتِ أنَّهُ قِيلَ لِأحَدِهِما إنَّكَ تُعَلِّمُ مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ لا بَلْ هو يُعَلِّمُنِي. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ: «كانَ بِمَكَّةَ غُلامٌ أعْجَمِيٌّ رُومِيٌّ لِبَعْضِ قُرَيْشٍ يُقالُ لَهُ: بَلْعامُ وكانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يُعَلِّمُهُ الإسْلامَ فَقالَتْ قُرَيْشٌ: هَذا يُعَلِّمُ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن جِهَةِ الأعاجِمِ».
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الضَّحّاكِ أنَّهُ سَلْمانُ الفارِسِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وضُعِّفَ هَذا بِأنَّ الآيَةَ مَكِّيَّةٌ وسَلْمانَ أسْلَمَ بِالمَدِينَةِ، وكَوْنُها إخْبارًا بِأمْرٍ مَغِيبٍ لا يُناسِبُ السِّباقَ، ورِوايَةُ أنَّهُ أسْلَمَ بِمَكَّةَ واشْتَراهُ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وأعْتَقَهُ بِها قِيلَ ضَعِيفَةٌ لا يُعَوَّلُ عَلَيْها كاحْتِمالِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ.
وقَدْ أخْبَرَنِي مَن أثِقُ بِهِ عَنْ بَعْضِ النَّصارى أنَّهُ قالَ لَهُ: كانَ نَبِيُّكم صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَتَرَدَّدُ إلَيْهِ في غارِ حِراءٍ رَجُلانِ نَصْرانِيٌّ ويَهُودِيٌّ يُعَلِّمانِهِ، ولَمْ أجِدْ هَذا عَنْ أحَدٍ مِنَ المُشْرِكِينَ وهو كَذِبٌ بَحْتٌ لا مَنشَأ لَهُ وبُهْتٌ مَحْضٌ لا شُبْهَةَ فِيهِ، وإنَّما لَمْ يُصَرَّحْ بِاسْمِ مَن زَعَمُوا أنَّهُ يُعَلِّمُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَعَ أنَّهُ أُدْخِلَ في ظُهُورِ كَذِبِهِمْ لِلْإيذانِ بِأنَّ مَدارَ خَطَئِهِمْ لَيْسَ بِنِسْبَتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلى التَّعَلُّمِ مِن شَخْصٍ مُعَيَّنٍ بَلْ مِنَ البَشَرِ كائِنًا مَن كانَ مَعَ كَوْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَعْدِنًا لِعُلُومِ الأوَّلِينَ والآخَرِينَ ﴿لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أعْجَمِيٌّ﴾ اللِّسانُ مَجازٌ مَشْهُورٌ عَنِ التَّكَلُّمِ، والإلْحادُ المَيْلُ يُقالُ: لَحَدَ وألْحَدَ إذا مالَ عَنِ القَصْدِ، ومِنهُ لَحْدُ القَبْرِ لِأنَّهُ حُفْرَةٌ مائِلَةٌ عَنْ وسَطِهِ، والمُلْحِدُ لِأنَّهُ أمالَ مَذْهَبَهُ عَنِ الأدْيانِ كُلِّها، والأعْجَمِيُّ الغَيْرُ البَيِّنِ، قالَ أبُو الفَتْحِ المُوصِلِيُّ: تَرْكِيبُ ع ج م في كَلامِ العَرَبِ لِلْإبْهامِ والإخْفاءِ وضِدُّ البَيانِ والإيضاحِ، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: رَجُلٌ أعْجَمُ وامْرَأةٌ عَجْماءُ إذا كانا لا يُفْصِحانِ وعَجَمَ الزَّبِيبُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِاسْتِتارِهِ واخْتِفائِهِ ويُقالُ لِلْبَهِيمَةِ العَجْماءُ لِأنَّهُ لا تُوَضِّحُ ما في نَفْسِها وسَمَّوْا صَلاتَيِ الظُّهْرِ والعَصْرِ العُجْماوَيْنِ لِأنَّ القِراءَةَ فِيهِما سِرٌّ وأمّا قَوْلُهُمْ: أعَجَمْتُ الكِتابَ فَمَعْناهُ أزَلْتُ عُجْمَتَهُ كَأشْكَيْتُ زَيْدًا أزَلْتُ شَكْواهُ، والأعْجَمِيُّ والأعْجَمُ الَّذِي في لِسانِهِ عُجْمَةٌ مِنَ العَجَمِ كانَ أوْ مِنَ العَرَبِ، ومِن ذَلِكَ زِيادٌ الأعْجَمُ وكانَ عَرَبِيًّا في لِسانِهِ لُكْنَةٌ وكَذاكَ حَبِيبٌ الأعْجَمِيُّ تِلْمِيذُ الحَسَنِ البَصَرِيِّ قَدَّرَ اللَّهُ تَعالى سِرَّهُما عَلى ما رَأيْتُهُ في بَعْضِ التَّوارِيخِ.
والمُرادُ مِنَ ( الَّذِي ) عَلى القَوْلِ بِتَعَدُّدِ مَن زَعَمُوا نِسْبَةَ التَّعْلِيمِ إلَيْهِ الجِنْسُ ومَفْعُولُ ( يُلْحِدُونَ ) مَحْذُوفٌ أيْ تَكَلُّمُ الَّذِي يَمِيلُونَ قَوْلَهم عَنِ الِاسْتِقامَةِ إلَيْهِ أيْ يَنْسُبُونَ التَّعْلِيمَ إلَيْهِ غَيْرُ بَيِّنٍ لا يَتَّضِحُ المُرادُ مِنهُ.
وظاهِرُ كَلامِ ابْنِ عَطِيَّةَ أنَّ اللِّسانَ عَلى مَعْناهُ الحَقِيقِيِّ وهو الجارِحَةُ المَعْرُوفَةُ. وقَرَأ الحَسَنُ «اللِّسانُ الَّذِي» بِتَعْرِيفِ
صفحة 234
اللِّسانِ بِألْ ووَصْفِهِ بِالَّذِي. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَلْحَةَ والسُّلَمِيُّ والأعْمَشُ «يَلْحَدُونَ» بِفَتْحِ الياءِ والحاءِ مِن لَحَدَ، وألْحَدَ ولَحَدَ لُغَتانِ فَصِيحَتانِ مَشْهُورَتانِ ﴿وهَذا﴾ القُرْآنُ الكَرِيمُ ﴿لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ ذُو بَيانٍ وفَصاحَةٍ عَلى ما يُشْعِرُ بِهِ وصْفُهُ- بِمُبِينٍ- بَعْدَ وصْفِهِ- بِعَرَبِيٍّ- والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ عِنْدَ ابْنِ عَطِيَّةَ أيْ سَرْدُ لِسانٍ أوْ نُطْقُ لِسانٍ، والجُمْلَتانِ مُسْتَأْنِفَتانِ عِنْدَ الزَّمَخْشَرِيِّ لِإبْطالِ طَعْنِهِمْ، وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ أنْ يَكُونا حالَيْنِ مِن فاعِلِ ( يَقُولُونَ ) ثُمَّ قالَ: وهو أبْلَغُ مِنَ الإنْكارِ أيْ يَقُولُونَ هَذا والحالُ أنَّ عِلْمَهم بِأعْجَمِيَّةِ هَذا البَشَرِ وعَرَبِيَّةِ هَذا القُرْآنِ كانَ يَنْبَغِي أنْ يَمْنَعَهم عَنْ مِثْلِ تِلْكَ المَقالَةِ كَقَوْلِكَ: أتَشْتُمُ فُلانًا وهو قَدْ أحْسَنَ إلَيْكَ وإنَّما ذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ إلى الِاسْتِئْنافِ لِأنَّ مَجِيءَ الِاسْمِيَّةِ حالًا بِدُونِ واوٍ شاذٌّ عِنْدَهُ، وهو مَذْهَبٌ مَرْجُوحٌ تَبِعَ فِيهِ الفَرّاءَ إذْ مَجِيئُها كَذَلِكَ في كَلامِ العَرَبِ أكْثَرُ مِن أنْ يُحْصى اه، وتَقْرِيرُ الإبْطالِ- كَما قالَ العَلّامَةُ البَيْضاوِيُّ- يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنَّ ما يَسْمَعُهُ مِن ذَلِكَ البَشَرِ كَلامٌ أعْجَمِيٌّ لا يَفْهَمُهُ هو ولا أنْتُمْ والقُرْآنُ عَرَبِيٌّ تَفْهَمُونَهُ بِأدْنى تَأمُّلٍ فَكَيْفَ يَكُونُ ما تَلَقَّفَهُ مِنهُ. وثانِيهُما هَبْ أنَّهُ تَعَلَّمَ مِنهُ المَعْنى بِاسْتِماعِ كَلامِهِ ولَكِنْ لَمْ يَلْقَفْ مِنهُ اللَّفْظُ لِأنَّ ذَلِكَ أعْجَمِيٌّ وهَذا عَرَبِيٌّ والقُرْآنُ كَما هو مُعْجِزٌ بِاعْتِبارِ المَعْنى فَهو مُعْجِزٌ مِن حَيْثُ اللَّفْظُ مَعَ أنَّ العُلُومَ الكَثِيرَةَ الَّتِي في القُرْآنِ لا يُمْكِنُ تَعَلُّمُها إلّا بِمُلازَمَةِ مُعَلِّمٍ فائِقٍ في تِلْكَ العُلُومِ مُدَّةً مُتَطاوِلَةً فَكَيْفَ تَعَلَّمَ جَمِيعَ ذَلِكَ مِن غُلامٍ سُوقِيٍّ سَمِعَ مِنهُ بَعْضَ المَنقُولاتِ بِكَلِماتٍ أعْجَمِيَّةٍ لَعَلَّهُ لَمْ يَعْرِفْ مَعْناها، وحاصِلُ ذَلِكَ مَنعُ تَعَلُّمِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنهُ مَعَ سَنَدِهِ ثُمَّ تَسْلِيمُهُ بِاعْتِبارِ المَعْنى إذْ لَفْظُهُ مُغايِرٌ لِلَّفْظِ ذَلِكَ بَدِيهِيَّةٌ فَيَكْفِي دَلِيلًا لَهُ ما أتى بِهِ مِنَ اللَّفْظِ المُعْجِزِ ويُمْكِنُ تَقْرِيرُهُ بِنَحْوِ هَذا عَلى سائِرِ الأقْوالِ السّابِقَةِ في البَشَرِ، وقالَ الكِرْمانِيُّ: المَعْنى أنْتُمْ أفْصَحُ النّاسِ وأبْلَغُهم وأقْدَرُهم عَلى الكَلامِ نَظْمًا ونَثْرًا وقَدْ عَجَزْتُمْ وعَجَزَ جَمِيعُ العَرَبِ عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِهِ فَكَيْفَ تَنْسُبُونَهُ إلى أعْجَمِيٍّ ألْكَنٍ وهو كَما تَرى، وبِالجُمْلَةِ التَّشَبُّثُ في أثْناءِ الطَّعْنِ بِمِثْلِ هَذِهِ الخُرافاتِ الرَّكِيكَةِ دَلِيلٌ قَوِيٌّ عَلى كَمالِ عَجْزِهِمْ فَقَدْ رامُوا اجْتِماعَ اليَوْمِ والأمْسِ واسْتِواءَ السُّها والشَّمْسِ:
فَدَعْهم يَزْعُمُونَ الصُّبْحَ لَيْلًا أيَعْمى النّاظِرُونَ عَنِ الضِّياءِ
16:104Page 279
إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ لَا يَهۡدِيهِمُ ٱللَّهُ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ ١٠٤
Indeed, those who do not believe in the verses of Allāh - Allāh will not guide them, and for them is a painful punishment.
﴿إنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ أيْ يُصَدِّقُونَ بِأنَّها مِن عِنْدِهِ تَعالى بَلْ يَقُولُونَ فِيها ما يَقُولُونَ يُسَمُّونَها تارَةً افْتِراءً وأُخْرى أساطِيرَ مُعَلَّمَةً مِنَ البَشَرِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالآياتِ المُعْجِزاتُ الدّالَّةُ عَلى صِدْقِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ويَدْخُلُ فِيها الآياتُ القُرْآنِيَّةُ دُخُولًا أوَّلِيًّا والأوَّلُ عَلى ما قِيلَ أوْفَقُ بِالمَقامِ.
﴿لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ﴾ قِيلَ: أيْ إلى الجَنَّةِ بَلْ يَسُوقُهم إلى النّارِ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ .
وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: المَعْنى لا يَهْدِيهِمْ إلى ما يُنْجِيهِمْ مِنَ الحَقِّ لِما يَعْلَمُ مِن سُوءِ اسْتِعْدادِهِمْ، وقالَ في البَحْرِ: أيْ لا يَخْلُقُ الإيمانَ في قُلُوبِهِمْ، وهَذا عامٌّ مَخْصُوصٌ فَقَدِ اهْتَدى قَوْمٌ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ تَعالى، وقالَ الجَلْبِيُّ: المَعْنى أنَّ سَبَبَ عَدَمِ إيمانِهِمْ هو أنَّهُ تَعالى لا يَهْدِيهِمْ لِخَتْمِهِ عَلى قُلُوبِهِمْ أوْ لا يَهْدِيهِمْ سُبْحانَهُ مُجازاةً لِعَدَمِ إيمانِهِمْ بِأنَّ تِلْكَ الآياتِ مِن عِنْدِهِ تَعالى، وقالَ العَسْكَرِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّهم إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذِهِ الآياتِ لَمْ يَهْتَدُوا، والمُرادُ- بِلا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ- لا يَهْتَدُونَ فَإنَّهُ إنَّما يُقالُ هَدى اللَّهُ تَعالى فُلانًا عَلى الإطْلاقِ إذا اهْتَدى هو وأمّا مَن لَمْ يَقْبَلِ الهُدى فَإنَّهُ يُقالُ فِيهِ: إنَّ اللَّهَ تَعالى هُداهُ فَلَمْ يَهْتَدِ كَما قالَ تَعالى: ﴿وأمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهم فاسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى﴾ وقِيلَ: المَعْنى إنَّ الَّذِينَ لا يَصْرِفُونَ اخْتِيارَهم إلى الإيمانِ بِآياتِهِ تَعالى لا يَخْلُقُهُ سُبْحانَهُ في قُلُوبِهِمْ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: المَفْهُومُ مِنَ الوُجُودِ أنَّ
صفحة 235
الَّذِينَ لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ تَعالى لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِهِ ولَكِنَّهُ قَدَّمَ وأخَّرَ تَتْمِيمًا لِتَقْبِيحِ حالِهِمْ ولِلتَّشْنِيعِ بِخَطَئِهِمْ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ ويُؤَدِّي مُؤَدّى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ ما ذَكَرَهُ الجَلْبِيُّ أوَّلًا والأكْثَرُ لا يَخْلُو عَنْ دَغْدَغَةٍ.
وقالَ القاضِي: أقْوى ما قِيلَ في الآيَةِ ما ذُكِرَ أوَّلًا، وكَوْنُهُ تَفْسِيرًا لِلْمُعْتَزِلَةِ مُناسِبًا لِأُصُولِهِمْ فِيهِ نَظَرٌ، وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ مِنَ الآيَةِ التَّهْدِيدُ والوَعِيدُ لِأُولَئِكَ الكَفَرَةِ عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ بِآياتِ اللَّهِ تَعالى ونِسْبَةِ رَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلى الِافْتِراءِ والتَّعَلُّمِ مِنَ البَشَرِ بَعْدَ إماطَةِ شُبْهَتِهِمْ ورَدِّ طَعْنِهِمْ،
16:105Page 279
إِنَّمَا يَفۡتَرِي ٱلۡكَذِبَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡكَٰذِبُونَ ١٠٥
They only invent falsehood who do not believe in the verses of Allāh, and it is those who are the liars.
وقَوْلُهم سُبْحانَهُ: ﴿إنَّما يَفْتَرِي الكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ تَمْهِيدٌ لِكَوْنِهِمْ هُمُ المُفْتَرِينَ وقَلَبَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ أنْ حَقَّقَ بِالبَيانِ البُرْهانِيِّ بَراءَةَ ساحَتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنْ لَوْثِ الِافْتِراءِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ الكاذِبُونَ﴾ إشارَةٌ إلى قُرَيْشٍ القائِلِينَ: إنَّما أنْتَ مُفْتَرٍ وهو تَصْرِيحٌ بَعْدَ التَّعْرِيضِ لِيَكُونَ كالوَشْمِ عَلَيْهِمْ، وهَذا الأُسْلُوبُ أبْلَغُ مِن أنْ يُقالَ: أنْتُمْ مَعْشَرَ قُرَيْشٍ مُفْتَرُونَ لِما أُشِيرَ إلَيْهِ، وإقامَةُ الدَّلِيلِ عَلى أنَّهم كَذَلِكَ وأنَّ مَن زَنُوهُ بِهِ لا يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِذَيْلِهِ نَشِبَ مِنهُ أيْ إنَّما يَلِيقُ افْتِراءُ الكَذِبِ بِمَن لا يُؤْمَنُ لِأنَّهُ لا يَتَرَقَّبُ عِقابًا عَلَيْهِ وقُرَيْشٌ كَذَلِكَ فَهُمُ الكاذِبُونَ أوْ إشارَةٌ إلى ( الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ) فَيَسْتَمِرُّ الكَلامُ عَلى وتِيرَةٍ واحِدَةٍ، والمَعْنى أنَّ الكاذِبَ بِالحَقِيقَةِ هَذا الكاذِبُ عَلى ما قَرَّرُوهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ( وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ ) واللّامُ لِلْجِنْسِ وهو شَهادَةُ عَلَيْهِمْ بِالكَمالِ في الِافْتِراءِ، فالكَذِبُ في الحَقِيقَةِ مُقَيَّدٌ بِالكَذِبِ بِآياتِ اللَّهِ تَعالى، وأُطْلِقَ إشْعارًا بِأنْ لا كَذِبَ فَوْقَهُ لِيَكُونَ كالحُجَّةِ عَلى كَمالِ الِافْتِراءِ أوِ الكَذِبَ غَيْرُ مُقَيَّدٍ عَلى هَذا الوَجْهِ عَلى مَعْنى أنَّهُمُ الَّذِينَ عادَتْهُمُ الكَذِبُ فَلِذَلِكَ اجْتَرَءُوا عَلى تَكْذِيبِ آياتِ اللَّهِ تَعالى دَلالَةً عَلى أنَّ ذَلِكَ لا يَصْدُرُ إلّا مِمَّنْ لَهِجَ بِالكَذِبِ قِيلُهُ، ويَدُلُّ عَلى اعْتِبارِ هَذا المَعْنى التَّعْبِيرُ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ ولِذا عُطِفَتْ عَلى الفِعْلِيَّةِ، وفِيهِ قَلْبٌ حَسَنٌ وإشارَةٌ إلى أنَّ قُرَيْشًا لِما كانَ مِن عادَتِهِمُ الكَذِبُ أخَذُوا يُكَذِّبُونَ بِآياتِ اللَّهِ تَعالى ومَن أتى بِها، ثُمَّ لَمْ يَرْضَوْا بِذَلِكَ حَتّى نَسَبُوا مَن شَهِدُوا لَهُ بِالأمانَةِ والصِّدْقِ إلى الِافْتِراءِ.
ومَوْضِعُ الحُسْنِ الإيماءُ إلى سَبْقِ حالَتَيِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وقُرَيْشٍ أوِ الكَذِبُ مُقَيَّدٌ عَلى هَذا الوَجْهِ أيْضًا بِما نَسَبُوا إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ الِافْتِراءِ، ( والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ) عَلى هَذا المُرادِ بِهِ قُرَيْشٌ مِن إقامَةِ الظّاهِرِ مَقامَ المُضْمَرِ، وإيثارُ المُضارِعِ عَلى الماضِي دَلالَةٌ عَلى اسْتِمْرارِ عَدَمِ إيمانِهِمْ وتَجَدُّدِهِ عَقِبَ نُزُولِ كُلِّ آيَةٍ واسْتِحْضارًا لِذَلِكَ وهَذا الوَجْهُ مَرْجُوحٌ بِالنِّسْبَةِ إلى السَّوابِقِ، وقَدْ ذَكَرَ هَذِهِ الأوْجُهَ صاحِبُ الكَشّافِ وقَدْ حَرَّرَها بِما ذَكَرَ المَوْلى المُدَقِّقُ في كَشْفِهِ، والحَصْرُ في سائِرِها غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، ولا اسْتِدْراكَ في الآيَةِ لا سِيَّما عَلى الأوَّلِ مِنها، وهي مِنَ الكَلامِ المُنْصِفِ في بَعْضِها. وتَعَلُّقُها بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ حِكايَةٌ عَنْهُمْ: ﴿إنَّما أنْتَ مُفْتَرٍ﴾ لِأنَّها كَما سَمِعْتَ لِرَدِّهِ، وتَوْسِيطُ ما وسَّطَ لِما لا يَخْفى مِن شِدَّةِ اتِّصالِهِ بِالرَّدِّ الأوَّلِ
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences