Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
An-Nahl 16:9–11
16:9Page 268
وَعَلَى ٱللَّهِ قَصۡدُ ٱلسَّبِيلِ وَمِنۡهَا جَآئِرٞۚ وَلَوۡ شَآءَ لَهَدَىٰكُمۡ أَجۡمَعِينَ ٩
And upon Allāh1 is the direction of the [right] way, and among them [i.e., the various paths] are those deviating. And if He willed, He could have guided you all.
﴿وعَلى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ القَصْدُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الفاعِلِ، يُقالُ: سَبِيلٌ قَصْدٌ وقاصِدٌ أيْ مُسْتَقِيمٌ كَأنَّهُ يَقْصِدُ الوَجْهَ الَّذِي يَؤُمُّهُ السّالِكُ ولا يَعْدِلُ عَنْهُ، فَهو نَحْوُ نَهْرٌ جارٌ وطَرِيقٌ سائِرٌ ( وعَلى ) لِلْوُجُوبِ مَجازًا والكَلامِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ مُتَحَتِّمٌ عَلَيْهِ تَعالى مُتَعَيِّنٌ كالأمْرِ الواجِبِ لِسَبْقِ الوَعْدِ بَيانٌ، وقِيلَ: هِدايَةُ الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ المُوصِلِ لِمَن سَلَكُهُ إلى الحَقِّ هو التَّوْحِيدُ بِنَصْبِ الأدِلَّةِ وإرْسالِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وإنْزالِ الكُتُبِ لِدَعْوَةِ النّاسِ إلَيْهِ، أوْ هو مَصْدَرٌ بِمَعْنى الإقامَةِ والتَّعْدِيلِ ( وعَلى ) عَلى حالِها المارِّ إلّا أنَّهُ لا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ المُضافِ أيْ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ تَقْوِيمُ السَّبِيلِ وتَعْدِيلُها أيْ جَعْلُها بِحَيْثُ يَصِلُ سالِكُها إلى الحَقِّ عَلى حَدِّ صِغَرِ البَعُوضَةِ وكِبَرِ الفِيلِ وحَقِيقَتُهُ راجِعَةٌ إلى ما ذَكَرَ مِن نَصْبِ الأدِلَّةِ وإرْسالِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وإنْزالِ الكُتُبِ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ القَصْدُ بِمَعْنى القاصِدِ أيِ المُسْتَقِيمِ كَما في التَّفْسِيرِ الأوَّلِ و( عَلى ) لَيْسَتْ لِلْوُجُوبِ واللُّزُومِ والمَعْنى أنَّ قَصْدَ لِلسَّبِيلِ ومُسْتَقِيمَهُ مُوصِلٌ إلَيْهِ تَعالى ومارٌّ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ، وفِيهِ تَشْبِيهُ ما يَدُلُّ عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ بِطَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ شَأْنُهُ ذَلِكَ، وقَدْ ذَكَرَ نَحْوَ هَذا ابْنُ عَطِيَّةَ وهو كَما تَرى، وألْ في السَّبِيلِ لِلْجِنْسِ عِنْدَ كَثِيرٍ فَهو شامِلٌ لِلْمُسْتَقِيمِ وغَيْرُ، وإضافَةُ القَصْدِ بِمَعْنى المُسْتَقِيمِ إلَيْهِ مِن إضافَةِ العامِّ إلى الخاصِّ، وإضافَةُ الصِّفَةِ إلى المَوْصُوفِ خِلافُ الظّاهِرِ عَلى ما قِيلَ وقِيلَ: ألْ لِلْعَهْدِ. والمُرادُ سَبِيلُ الشَّرْعِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنها جائِرٌ﴾ أيْ عادِلٌ عَنِ المَحَجَّةِ مُنْحَرِفٌ عَنِ الحَقِّ لا يُوصِلُ سالِكَهُ إلَيْهِ ظاهِرٌ في إرادَةِ الجِنْسِ إذِ البَعْضِيَّةُ إنَّما تَتَأتّى عَلى ذَلِكَ، فَإنَّ الجائِرَ عَلى إرادَةِ العَهْدِ لَيْسَ مِن ذَلِكَ بَلْ قَسِيمُهُ، ومَن أرادَهُ أعادَ الضَّمِيرَ عَلى المُطْلَقِ الَّذِي في ضِمْنِ ذَلِكَ المُقَيَّدِ أوْ عَلى المَذْكُورِ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ ومِن جِنْسِها جائِرٌ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى سَبِيلِ الشَّرْعِ، والمُرادُ بِهَذا البَعْضِ فِرَقُ الضَّلالَةِ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهو جائِرٌ عَنْ قَصْدِ السَّبِيلِ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ عَلى الخَلائِقِ أيْ ومِنَ الخَلائِقِ جائِرٌ عَنِ الحَقِّ، وأُيِّدَ بِقِراءَةِ عِيسى، ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ «ومِنكُمْ» وأخْرَجَها ابْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ لَكِنْ بِالفاءِ بَدَلَ الواوِ ولَيْسَ بِذاكَ، والتَّأْنِيثُ لِأنَّ السَّبِيلَ تُؤَنَّثُ وتُذَكَّرُ، والجارُّ والمَجْرُورُ قِيلَ: خَبَرٌ مُقَدَّمٌ (وجائِرٌ) مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، وقِيلَ: هو في مَحَلِّ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ إمّا بِاعْتِبارِ مَضْمُونِهِ وإمّا بِتَقْدِيرِ المَوْصُوفِ أيْ بَعْضُ السَّبِيلِ
صفحة 104
أوْ بَعْضٌ مِنَ السَّبِيلِ جائِرٌ، والجُمْلَةُ عَلى ما اخْتارَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ اعْتِراضِيَّةٌ جِيءَ بِها لِبَيانِ الحاجَةِ إلى البَيانِ أوِ التَّعْدِيلِ بِنَصْبِ الأدِلَّةِ والإرْسالِ والإنْزالِ الأُمُورَ المَذْكُورَةَ سابِقًا وإظْهارِ جَلالَةِ قَدْرِ النِّعْمَةِ في ذَلِكَ، وذَلِكَ هو الهِدايَةُ المُفَسَّرَةُ بِالدَّلالَةِ عَلى ما يُوصِلُ إلى المَطْلُوبِ لا الهِدايَةُ المُسْتَلْزِمَةُ لِلِاهْتِداءِ إلَيْهِ فَإنَّ ذَلِكَ لَيْسَ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ أصْلًا بَلْ هو مُخِلٌّ بِحِكْمَتِهِ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾ فَإنَّ مَعْناهُ ولَوْ شاءَ هِدايَتَكم إلى ما ذَكَرَ مِنَ التَّوْحِيدِ هِدايَةً مُسْتَلْزِمَةً لِلِاهْتِداءِ إلَيْهِ لَفَعَلَ ولَكِنْ لَمْ يَشَأْ لِأنَّ مَشِيئَتَهُ تابِعَةٌ لِلْحِكْمَةِ ولا حِكْمَةَ في تِلْكَ المَشِيئَةِ لِما أنَّ الَّذِي يَدُورُ عَلَيْهِ فَلَكُ التَّكْلِيفِ إنَّما هو الِاخْتِيارُ الَّذِي عَلَيْهِ تَرَتُّبُ الأعْمالِ الَّتِي بِها يَرْتَبِطُ الجَزاءُ، وقَيْدُ ( أجْمَعِينَ ) لِلْمَنفِيِّ لا لِلنَّفْيِ فَيَكُونُ المُرادُ سَلْبَ العُمُومِ لا عُمُومَ السَّلْبِ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّهُ كانَ الظّاهِرَ أنْ يُقالَ: وعَلى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وجائِرُها أوْ وعَلَيْهِ جائِرُها إلّا أنَّهُ عَدَلَ عَنْهُ إلى ما في النَّظْمِ الكَرِيمِ لِأنَّ الضَّلالَ لا يُضافُ إلَيْهِ تَعالى تَأدُّبًا فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتِحَةِ: 7].
وزَعَمَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ المُخالَفَةَ بَيْنَ أُسْلُوبَيِ الجُمْلَتَيْنِ لِلْإيذانِ بِما يَجُوزُ إضافَتُهُ مِنَ السَّبِيلَيْنِ إلَيْهِ تَعالى وما لا يَجُوزُ وعَنى الإشارَةَ إلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ إخْوانُهُ المُعْتَزِلَةُ مِن عَدَمِ جَوازِ إضافَةِ الضَّلالِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ لِأنَّهُ غَيْرُ خالِقِهِ وجَعَلُوا الآيَةَ لِلْمُخالَفَةِ حُجَّةً لَهم في هَذِهِ المُخالَفَةِ. وأجابَ بَعْضُ الجَماعَةِ بِأنَّ المُرادَ عَلى اللَّهِ تَعالى بِحَسَبِ الفَضْلِ والكَرَمِ بَيانُ الدِّينِ الحَقِّ والمَذْهَبِ الصَّحِيحِ فَأمّا بَيانُ كَيْفِيَّةِ الإغْواءِ والإضْلالِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ، وبُحِثَ فِيهِ بِأنَّهُ كَما أنَّ بَيانَ الهِدايَةِ وطَرِيقَها مُتَحَتِّمٌ فَكَذا ضِدُّهُ ولَيْسَ إرْسالُ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وإنْزالُ الكُتُبِ إلّا لِذَلِكَ.
وقالَ ابْنُ المُنِيرِ: إنَّ المُخالَفَةَ بَيْنَ الأُسْلُوبَيْنِ لِأنَّ سِياقَ الكَلامِ لِإقامَةِ الحُجَّةِ عَلى الخَلْقِ بِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ السَّبِيلَ القاصِدَ والجائِرَ وهَدى قَوْمًا اخْتارُوا الهُدى وأضَلَّ آخَرِينَ اخْتارُوا الضَّلالَةَ، وقَدْ حَقَّقَ أنَّ كُلَّ فِعْلٍ صَدَرَ عَلى يَدِ العَبْدِ فَلَهُ اعْتِبارانِ هو مِن حَيْثُ كَوْنُهُ مَوْجُودًا مَخْلُوقٌ لِلَّهِ تَعالى ومُضافٌ إلَيْهِ سُبْحانَهُ بِهَذا الِاعْتِبارِ، وهو مِن حَيْثُ كَوْنُهُ مُقْتَرِنًا بِاخْتِيارِ العَبْدِ لَهُ وتَيَسُّرِهِ عَلَيْهِ يُضافُ إلى العَبْدِ وأنَّ تَعَدُّدَ هَذَيْنِ الِاعْتِبارَيْنِ ثابِتٌ في كُلِّ فِعْلٍ فَناسَبَ إقامَةَ الحُجَّةِ عَلى العِبادِ إضافَةُ الهِدايَةِ إلى اللَّهِ تَعالى بِاعْتِبارِ خَلْقِهِ لَها وإضافَةُ الضَّلالِ إلى العَبْدِ بِاعْتِبارِ اخْتِيارِهِ لَهُ. والحاصِلُ أنَّهُ ذَكَرَ في كُلٍّ واحِدٍ مِنَ الفِعْلَيْنِ نِسْبَةً غَيْرَ النِّسْبَةِ المَذْكُورَةِ في الآخَرِ لِيُناسِبَ ذَلِكَ إقامَةَ الحُجَّةِ ألا لِلَّهِ الحُجَّةُ البالِغَةُ، وأنْكَرُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنْ يَكُونَ هُناكَ تَغْيِيرُ الأُسْلُوبِ لِأمْرٍ مَطْلُوبٍ بِناءً عَلى أنَّ ذَلِكَ إنَّما يَكُونُ فِيما اقْتَضى الظّاهِرُ سَبْكًا مُعَيَّنًا ولَكِنْ يَعْدِلُ عَنْ ذَلِكَ لِنُكْتَةٍ أهَمَّ مِنهُ، ولَيْسَ المُرادُ مِن بَيانِ قَصْدِ السَّبِيلِ مُجَرَّدَ إعْلامِ أنَّهُ مُسْتَقِيمٌ حَتّى يَصِحَّ إسْنادُ أنَّهُ جائِرٌ إلَيْهِ تَعالى فَيَحْتاجُ إلى الِاعْتِذارِ عَنْ عَدَمِ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ لَوْ أُرِيدَ ذَلِكَ لَمْ يُوجَدْ لِتَغْيِيرِ الأُسْلُوبِ نُكْتَةٌ، وقَدْ بُيِّنَ ذَلِكَ في مَواضِعَ غَيْرِ مَعْدُودَةٍ بَلِ المُرادُ نَصْبُ الأدِلَّةِ لِلْهِدايَةِ إلَيْهِ ولا إمْكانَ لِإسْنادِ مِثْلِهِ إلَيْهِ تَعالى بِالنِّسْبَةِ إلى الطَّرِيقِ الجائِرِ بِأنْ يُقالَ: وجائِرُها حَتّى يَصْرِفَ ذَلِكَ الإسْنادَ مِنهُ تَعالى إلى غَيْرِهِ سُبْحانَهُ لِنُكْتَةٍ ولا يَتَوَهَّمُهُ مُتَوَهِّمٌ حَتّى يَقْتَضِيَ الحالُ دَفْعَ ذَلِكَ بِأنْ يُقالَ: لا جائِرُها ثُمَّ يُغَيِّرُ سَبْكَ النَّظْمِ عَنْهُ لِداعِيَةٍ أقْوى مِنهُ، وذَكَرَ أنَّ الجُمْلَةَ اعْتِراضِيَّةٌ حَسْبَما نَقَلْناهُ سابِقًا، وهو كَلامٌ يَلُوحُ عَلَيْهِ مَخايِلُ التَّحْقِيقِ، بَيْدَ أنَّ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِبَيانِ السَّبِيلِ المُسْتَقِيمِ وبِبَيانِ السَّبِيلِ الجائِرِ نَصْبُ الأدِلَّةِ الدّالَّةِ عَلى حَقِّيَّةِ الأوَّلِ لِيُهْتَدى إلَيْهِ وبُطْلانِ الثّانِي لِيُحْذَرَ ولا يُعَوَّلَ عَلَيْهِ وهَذا غَيْرُ مُجَرَّدِ الإعْلامِ الَّذِي ذَكَرَهُ ونِسْبَتُهُ إلَيْهِ تَعالى مُمْكِنَةٌ بَلْ قالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ الحَقَّ أنَّ المَعْنى عَلى اللَّهِ تَعالى بَيانُ طَرِيقِ الهِدايَةِ لِيَهْتَدُوا إلَيْهِ وبَيانُ غَيْرِها لِيَحْذَرُوهُ لَكِنِ اكْتَفى بِأحَدِهِما لِلُزُومِ الآخَرِ لَهُ.
صفحة 105
وفِي الكَشْفِ أنَّ تَغايُرَ الأُسْلُوبَيْنِ عَلى أصْلِ أهْلِ السُّنَّةِ واضِحٌ أيْضًا إذْ لا مُنْكِرَ أنَّ الأوَّلَ هو المَقْصُودُ لِذاتِهِ فَبَيانُ طَرِيقِ الضَّلالَةِ إجْمالًا قَدْرَ ما يَمْتازُ قَصْدُ السَّبِيلِ مِنهُ في ضِمْنِ بَيانِ قَصْدِ السَّبِيلِ ضَرُورَةٌ وبَيانُهُ التَّفْصِيلِيُّ لَيْسَ مِمّا لا بُدَّ مِن وُقُوعِهِ ولا أنَّ الوَعْدَ جَرى بِهِ عَلى مَذْهَبٍ اهـ فَلْيُتَأمَّلْ، ثُمَّ إنَّ الآيَةَ مُنادِيَةٌ عَلى خِلافِ ما زَعَمَهُ المُعْتَزِلَةُ ومِنهُمُ الزَّجّاجُ مِن عَدَمِ اسْتِلْزامِ تَعَلُّقِ مَشِيئَتِهِ تَعالى بِشَيْءٍ وُجُودَهُ وقَدِ التَجَأُوا إلى التِزامِ تَفْسِيرِها بِالقَسْرِيَّةِ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ مِنهُمْ: المَعْنى لَوْ شاءَ لَهَداكم إلى الثَّوابِ أوْ إلى الجَنَّةِ بِغَيْرِ اسْتِحْقاقٍ وكُلُّ ذَلِكَ خِلافُ الظّاهِرِ كَما لا يَخْفى.
16:10Page 268
هُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗۖ لَّكُم مِّنۡهُ شَرَابٞ وَمِنۡهُ شَجَرٞ فِيهِ تُسِيمُونَ ١٠
It is He who sends down rain from the sky; from it is drink and from it is foliage in which you pasture [animals].
﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ شُرُوعٌ في نَوْعٍ آخَرَ مِنَ النِّعَمِ الدّالَّةِ عَلى تَوْحِيدِهِ سُبْحانَهُ، والمُرادُ مِنَ الماءِ نَوْعٌ مِنهُ وهو المَطَرُ، ومِنَ السَّماءِ إمّا السَّحابُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ أوِ المَجازُ المُرْسَلُ، وإمّا الجِرْمُ المَعْرُوفُ والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ مِن جانِبِ السَّماءِ أوْ جِهَتِها وحَمْلُها عَلى ذَلِكَ بِدُونِ هَذا يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ بَعْضِ الأخْبارِ ولا أقُولُ بِهِ، ( ومِنَ ) عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ ابْتِدائِيَّةٌ وهو مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ، وتَأْخِيرُ المَفْعُولِ الصَّرِيحِ عَنْهُ لِيَظْمَأ الذِّهْنُ إلَيْهِ فَيَتَمَكَّنَ أتَمَّ تَمَكُّنٍ عِنْدَ وُرُودِهِ عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَكُمْ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا مُقَدَّمًا، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿مِنهُ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿شَرابٌ﴾ أيْ ما تَشْرَبُونَ وهو مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ أوْ هو فاعِلٌ بِالظَّرْفِ الأوَّلِ والجُمْلَةُ صِفَةٌ لِـ ماءً ( ومِنَ ) تَبْعِيضِيَّةٌ ولَيْسَ في تَقْدِيمِها إيهامُ حَصْرٍ، ومِن تَوَهَّمَهُ قالَ: لا بَأْسَ بِهِ لِأنَّ جَمِيعَ المِياهِ العَذْبَةِ المَشْرُوبَةِ بِحَسَبِ الأصْلِ مِنهُ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ في الأرْضِ﴾ [الزُّمَرِ: 21] وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَأسْكَنّاهُ في الأرْضِ﴾ [المُؤْمِنُونَ: 18] ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِما عِنْدَهُ (ومِنهُ شَرابٌ) مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ أوْ شَرابٌ فاعِلٌ بِالظَّرْفِ والجُمْلَةِ ومِن كَما تَقَدَّمَ.
وتُعُقِّبَ بِأنَّ تَوْسِيطَ المَنصُوبِ بَيْنَ المَجْرُورَيْنِ وتَوْسِيطَ الثّانِي مِنهُما بَيْنَ الماءِ وصِفَتِهِ مِمّا لا يَلِيقُ بِجَزالَةِ النَّظْمِ الجَلِيلِ وهو كَذَلِكَ ﴿ومِنهُ شَجَرٌ﴾ أيْ نَباتٌ مُطْلَقًا سَواءٌ كانَ لَهُ ساقٌ أمْ لا كَما نُقِلَ عَنِ الزَّجّاجِ وهو حَقِيقَةٌ في الأوَّلِ، ومِنِ اسْتِعْمالِهِ في الثّانِي قَوْلُ الرّاجِزِ:
نَعْلِفُها اللَّحْمَ إذا عَزَّ الشَّجَرُ والخَيْلُ في إطْعامِها اللَّحْمَ ضَرَرُ
فَإنَّهُ قِيلَ: الشَّجَرُ فِيهِ بِمَعْنى الكَلَأِ لِأنَّهُ الَّذِي يَعْلِفُ، وكَذا فَسَّرَهُ في النِّهايَةِ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««لا تَأْكُلُوا ثَمَنَ الشَّجَرِ فَإنَّهُ سُحْتٌ»»
ولَعَلَّ ذَلِكَ لِأنَّهُ جاءَ في الحَدِيثِ النَّهْيُ عَنْ مَنعِ فَضْلِ الماءِ كَمَنعِ فَضْلِ الكَلَأِ وتَشارُكِ النّاسِ في الماءِ والكَلَأِ والنّارِ، وأبْقاهُ بَعْضُهم عَلى حَقِيقَتِهِ ولَمْ يَجْعَلْهُ مَجازًا شامِلًا، ( ومِنَ ) إمّا لِلتَّبْعِيضِ مَجازًا لِأنَّ الشَّجَرَ لَمّا كانَ حاصِلًا بِسَقْيِهِ جُعِلَ كَأنَّهُ مِنهُ كَقَوْلِهِ: أسْنِمَةُ الإبالِ في رَبابِهِ. يَعْنِي بِهِ المَطَرَ الَّذِي يَنْبُتُ بِهِ ما تَأْكُلُهُ الإبِلُ فَتَسْمَنُ أسْنِمَتُها، وإمّا لِلِابْتِداءِ أيْ وكائِنٌ مِنهُ شَجَرٌ، والأوَّلُ أوْلى بِالنِّسْبَةِ إلى ما قَبْلَهُ.
وقالَ أبُو البَقاءِ هي سَبَبِيَّةٌ أيْ وبِسَبَبِهِ إنْباتُ شَجَرٍ، ودَلَّ عَلى ذَلِكَ
16:11Page 268
يُنۢبِتُ لَكُم بِهِ ٱلزَّرۡعَ وَٱلزَّيۡتُونَ وَٱلنَّخِيلَ وَٱلۡأَعۡنَٰبَ وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ ١١
He causes to grow for you thereby the crops, olives, palm trees, grapevines, and of all the fruits. Indeed in that is a sign for a people who give thought.
﴿يُنْبِتُ لَكم بِهِ الزَّرْعَ﴾ وجَوَّزَ ابْنُ الأنْبارِيِّ الوَجْهَيْنِ الأوَّلَيْنِ عَلى ما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ قَوْلِهِ: الكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ إمّا قَبْلَ الضَّمِيرِ أيْ مِن جِهَتِهِ أوْ مِن سَقْيِهِ شَجَرٌ
صفحة 106
وإمّا قَبْلَ شَجَرٍ أيْ ومِنهُ شَرابُ شَجَرٍ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأُشْرِبُوا في قُلُوبِهِمُ العِجْلَ﴾ [البَقَرَةِ: 93] أيْ حُبَّهُ اهـ وهو بَعِيدٌ وإنْ قِيلَ: الإضْمارُ أوْلى مِنَ المَجازِ لا العَكْسُ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ البَعْضُ وصَحَّحَ المُساواةَ لِاحْتِياجِ كُلٍّ مِنهُما إلى قَرِينَةٍ.
﴿فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ أيْ تَرْعَوْنَ يُقالُ: أسامَ الماشِيَةَ وسَوَّمَها جَعَلَها تَرْعى وسامَتْ بِنَفْسِها فَهي سائِمَةٌ وسَوامُّ رَعَتْ حَيْثُ شاءَتْ، وأصْلُ ذَلِكَ عَلى ما قالَ الزَّجّاجُ السُّومَةُ وهي كالسِّمَةِ العَلامَةُ لِأنَّ المَواشِيَ تُؤَثِّرُ عَلاماتٍ في الأرْضِ والأماكِنِ الَّتِي تَرْعاها. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ﴿تُسِيمُونَ﴾ بِفَتْحِ التّاءِ فَإنْ سُمِعَ سامَ مُتَعَدِّيًا كانَ هو وأسامَ بِمَعْنًى وإلّا فَتَأْوِيلُ ذَلِكَ أنَّ الكَلامَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ تُسِيمُ مَواشِيَكم ﴿يُنْبِتُ﴾ أيِ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ يُقالُ: نَبَتَ الشَّيْءَ وأنْبَتَهُ اللَّهُ تَعالى فَهو مَنبُوتٌ وقِياسُ هَذا مُنْبَتٌ، وقِيلَ: يُقالُ: أنْبَتَ الشَّجَرَ لازِمًا وأنْشَدَ الفَرّاءُ:
رَأيْتُ ذَوِي الحاجّاتِ حَوْلَ بُيُوتِهِمْ قَطِينًا بِها حَتّى إذا أنْبَتَ البَقْلُ
أيْ نَبَتَ، وكانَ الأصْمَعِيُّ يُنْكِرُ مَجِيءَ أنْبَتَ بِمَعْنى نَبَتَ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ «نُنْبِتُ» بِنُونِ العَظْمَةِ، والزُّهْرِيُّ «﴿يُنْبِتُ﴾» بِالتَّشْدِيدِ وهو لِلتَّكْثِيرِ في قَوْلٍ، واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ أنَّهُ تَضْعِيفُ التَّعْدِيَةِ. وقَرَأ أُبَيٌّ «يَنْبِتُ» بِفَتْحِ الياءِ ورَفْعِ المُتَعاطِفاتِ بَعْدُ عَلى الفاعِلِيَّةِ، وجُمْلَةُ يُنْبِتُ ﴿لَكم بِهِ﴾ أيْ بِما أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ﴿الزَّرْعَ والزَّيْتُونَ والنَّخِيلَ والأعْنابَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ صِفَةً أُخْرى- لِـ ماءً- وأنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا كَأنَّهُ قِيلَ: وهَلْ لَهُ مَنافِعُ أُخَرُ؟ فَقِيلَ: يُنْبِتُ لَكم بِهِ إلَخْ، وإيثارُ صِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّجَدُّدِ والِاسْتِمْرارِ وأنَّ الإنْباتَ سُنَّتُهُ سُبْحانَهُ الجارِيَةُ عَلى مَمَرِّ الدُّهُورِ أوْ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ لِما فِيها مِنَ الغَرابَةِ، وتَقْدِيمُ الظَّرْفَيْنِ عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ لِما أشَرْنا إلَيْهِ آنِفًا مَعَ ما في تَقْدِيمِ أوَّلِهِما مِنَ الاهْتِمامِ بِهِ لِإدْخالِ المَسَرَّةِ ابْتِداءً، وتَقْدِيمِ الزَّرْعِ عَلى ما عَداهُ قِيلَ: لِأنَّهُ أصْلُ الأغْذِيَةِ وعَمُودُ المَعاشِ وقُوتُ أكْثَرِ العالَمِ وفِيهِ مُناسَبَةٌ لِلْكَلَأِ المَرْعى، ثُمَّ الزَّيْتُونُ لِما فِيهِ مِنَ الشَّرَفِ مِن حَيْثُ إنَّهُ إدامٌ مِن وجْهٍ وفاكِهَةٌ مِن وجْهٍ، وقَدْ ذَكَرَ الأطِبّاءُ لَهُ مَنافِعَ جَمَّةً، وذُكِرَ غَيْرُ يَسِيرٍ مِنها في التَّذْكِرَةِ، والظّاهِرُ مِن كَلامِ اللُّغَوِيِّينَ أنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ جَمْعِيٍّ واحِدُهُ زَيْتُونَةٌ وأنَّهُ يُطْلَقُ عَلى الشَّجَرِ المَخْصُوصِ وعَلى ثَمَرَتِهِ.
واسْتَظْهَرَ أنَّ المُرادَ بِهِ هُنا الأوَّلُ وسَيَأْتِي قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَمامُ الكَلامِ في ذَلِكَ، وأكْثَرُ ما يُنْبِتُ في المَواضِعِ الَّتِي زادَ عَرْضُها عَلى المَيْلِ واشْتَدَّ بَرْدُها وكانَتْ جَبَلِيَّةً ذاتَ تُرْبَةٍ بَيْضاءَ أوْ حَمْراءَ، ثُمَّ النَّخِيلُ عَلى الأعْنابِ لِظُهُورِ دَوامِها بِالنِّسْبَةِ إلَيْها فَإنَّ الواحِدَةَ مِنها كَثِيرًا ما تَتَجاوَزُ مِائَةَ سَنَةٍ وشَجَرَةُ العِنَبِ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، نَعَمِ الزَّيْتُونَةُ أكْثَرُ دَوامًا مِنهُما فَإنَّ الشَّجَرَةَ مِنهُ قَدْ تَدُومُ ألْفَ سَنَةٍ مَعَ أنَّ ثَمَرَتَها كَثِيرًا ما يُقْتاتُ بِها حَتّى جاءَ
فِي الخَبَرِ ««ما جاعَ بَيْتٌ وفِيهِ تَمْرٌ»».
وأكْثَرُ ما تَنْبُتُ في البِلادِ الحارَّةِ اليابِسَةِ الَّتِي يَغْلِبُ عَلَيْها الرَّمْلُ كالمَدِينَةِ المُشَرَّفَةِ والعِراقِ وأطْرافِ مِصْرَ، وهي عَلى ما قالَ الرّاغِبُ جَمْعُ نَخْلٍ وهو يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ ويُقالُ لِلْواحِدَةِ: نَخْلَةٌ، وأمّا الأعْنابُ فَجَمْعُ عِنَبَةٍ بِكَسْرِ العَيْنِ وفَتْحِ النُّونِ والباءِ وقَدْ جاءَتْ ألْفاظٌ مُفْرَدَةٌ عَلى هَذا الوَزْنِ غَيْرَ قَلِيلَةٍ.
وقَدْ ذُكِرَ في القامُوسِ عِدَّةٌ مِنها، ونَسَبَ الجَوْهَرِيُّ إلى قِلَّةِ الِاطِّلاعِ في قَوْلِهِ: إنَّ هَذا البِناءَ في الواحِدِ نادِرٌ وجاءَ مِنهُ العِنَبَةُ والتِّوَلَةُ والحِبَرَةُ والطِّيَبَةُ والخِيَرَةُ ولا أعْرِفُ غَيْرَ ذَلِكَ وذَكَرَ الجَوْهَرِيُّ أنَّهُ إنْ أرَدْتَ جَمْعَهُ في أدْنى العَدَدِ جَمَعْتَهُ بِالتّاءِ وقُلْتَ: عِنَباتٌ وفي الكَثِيرِ: عِنَبٌ وأعْنابٌ اهـ، ولْيُنْظْرَ هَذا مَعَ عَدِّهِمْ أفْعالًا مِن جُمُوعِ القِلَّةِ، ويُطْلَقُ العِنَبُ كَما قالَ الرّاغِبُ عَلى ثَمَرَةِ الكَرْمِ وعَلى الكَرْمِ نَفْسِهِ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ هو الثّانِي.
صفحة 107
وذَكَرَ أبُو حَيّانَ في وجْهِ تَأْخِيرِ الأعْنابِ أنَّ ثَمَرَتَها فاكِهَةٌ مَحْضَةٌ، وفِيهِ أنَّهُ إنْ أرادَ بِثَمَرَتِها العِنَبَ ما دامَ طَرِيًّا قَبْلَ أنْ يَتَزَبَّبَ فَيُمْكِنُ أنْ يُسَلَّمَ وإنْ أرادَ بِهِ المُتَزَبِّبَ فَغَيْرُ مُسَلَّمٍ، وفي كَلامِ كَثِيرٍ مِنَ الفُقَهاءِ في بَحْثِ زَكاةِ الفِطْرِ أنَّ في الزَّبِيبِ اقْتِياتًا بَلْ ظاهِرُ كَلامِهِمْ أنَّهُ في ذَلِكَ بَعْدَ التَّمْرِ وقَبْلَ الأُرْزِ، والباحِثُ في هَذا لا يَنْفِي الِاقْتِياتَ كَما لا يَخْفى عَلى الواقِفِ عَلى البَحْثِ، وفي جَمْعِ ﴿النَّخِيلِ والأعْنابِ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ ثِمارَها مُخْتَلِفَةُ الأصْنافِ فَفي التَّذْكِرَةِ عِنْدَ ذِكْرِ التَّمْرِ أنَّهُ مُخْتَلِفٌ كَثِيرُ الأنْواعِ كالعِنَبِ حَتّى سَمِعْتُ أنَّهُ يَزِيدُ عَلى خَمْسِينَ صِنْفًا، وعِنْدَ ذِكْرِ العِنَبِ أنَّهُ يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ الكِبَرِ والِاسْتِطالَةِ وغِلَظِ القِشْرِ وعَدَمِ العَجَمِ وكَثْرَةِ الشَّحْمِ واللَّوْنِ والطَّعْمِ وغَيْرِ ذَلِكَ إلى أنْواعٍ كَثِيرَةٍ كالتَّمْرِ اهـ، وأنا قَدْ سَمِعْتُ مِن والِدِي عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ أنَّهُ سُمِعَ في مِصْرَ حِينَ جاءَها بَعْدَ عَوْدِهِ مِنَ الحَجِّ لِزِيارَةِ أخِيهِ المُهاجِرِ إلَيْها لِطَلَبِ العِلْمِ أنَّ في نَواحِيها مِن أصْنافِ التَّمْرِ ما يَقْرُبُ مِن ثَلاثِمِائَةِ صِنْفٍ والعُهْدَةُ عَلى مَن سَمِعَ مِنهُ هَذا، ولِلْعَلّامَةِ أبِي السُّعُودِ هُنا ما يُشْعِرُ ظاهِرُهُ بِالغَفْلَةِ وسُبْحانَ مَن لا يَغْفُلُ وكانَ الظّاهِرُ تَقْدِيمَ غِذاءِ الإنْسانِ لِشَرَفِهِ عَلى غِذاءِ ما يُسامُ لَكِنْ قُدِّمَ ذاكَ- عَلى ما قالَ الإمامُ- لِلتَّنْبِيهِ عَلى مَكارِمِ الأخْلاقِ وأنْ يَكُونَ اهْتِمامُ الإنْسانِ بِمَن تَحْتَ يَدِهِ أقْوى مِنِ اهْتِمامِهِ بِنَفْسِهِ، والعَكْسُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلُوا وارْعَوْا أنْعامَكُمْ﴾ [طه: 54] لِلْإيذانِ بِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِلازِمٍ وإنْ كانَ مِنَ الأخْلاقِ الحَمِيدَةِ، وهو عَلى طِبْقِ ما ورَدَ في الخَبَرِ ««ابْدَأْ بِنَفْسِكَ ثُمَّ بِمَن تَعُولُ»» وقِيلَ: لِأنَّ ذَلِكَ مِمّا لا دَخْلَ لِلْخَلائِقِ فِيهِ بِبَذْرٍ وغَرْسٍ فالِامْتِنانُ بِهِ أقْوى، وقِيلَ: لِأنَّ أكْثَرَ المُخاطَبِينَ مِن أصْحابِ المَواشِي ولَيْسَ لَهم زَرْعٌ ولا شَيْءٌ مِمّا ذَكَرَ، وقالَ شِهابُ الدِّينِ في وجْهِ ذَلِكَ. ولَكَ أنْ تَقُولَ لَمّا سَبَقَ ذِكْرُ الحَيَواناتِ المَأْكُولَةِ والمَرْكُوبَةِ ناسَبَ تَعْقِيبُها بِذِكْرِ مَشْرَبِها ومَأْكَلِها لِأنَّهُ أقْوى في الِامْتِنانِ بِها إذْ خَلْقُها ومَعاشُها لِأجْلِهِمْ فَإنَّ مَن وهَبَ دابَّةً مَعَ عَلَفِها كانَ أحْسَنَ، كَما قِيلَ: مِنَ الظَّرْفِ هِبَةُ الهَدِيَّةِ مَعَ الظَّرْفِ اهـ ولا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ.
والأوْلى عَلَيْهِ أنْ يُرادَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَكم مِنهُ شَرابٌ﴾ ما يُشْرَبُ، وأمّا ما قِيلَ: إنْ ما قُدِّمَ مِنَ الغِذاءِ لِلْإنْسانِ أيْضًا لَكِنْ بِواسِطَةٍ فَإنَّهُ غِذاءٌ لِغِذائِهِ الحَيَوانِيِّ فَلا يَدْفَعُ السُّؤالَ لِأنَّهُ يُقالُ بَعْدُ: كانَ يَنْبَغِي تَقْدِيمُ ما كانَ غِذاءً لَهُ بِغَيْرِ واسِطَةٍ، لا يُقالُ: هَذا السُّؤالُ إنَّما يَحْسُنُ إذا كانَ المُرادُ مِنَ المُتَعاطِفاتِ المَذْكُوراتِ ثَمَراتُها لا ما يَحْصُلُ مِنها الثَّمَراتُ لِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ غِذاءَ الإنْسانِ لِأنّا نَقُولُ: لَيْسَ المَقْصُودُ مِن ذِكْرِها إلّا الِامْتِنانَ بِثَمَراتِها إلّا أنَّها ذُكِرَتْ عَلى نَمَطِ سابِقِها المَذْكُورِ في غِذاءِ الماشِيَةِ ويُرْشِدُ إلى أنَّ الِامْتِنانَ بِثَمَراتِها قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ﴾ وإرادَةُ الثَّمَراتِ مِنها مِن أوَّلِ الأمْرِ بِارْتِكابِ نَوْعٍ مِنَ المَجازِ في بَعْضِها لِهَذا إهْمالٌ لِرِعايَةِ غَيْرِ أمْرٍ يَحْسُنُ لَهُ حَمْلُها عَلى ما قُلْنا دُونَ ذَلِكَ، مِنهُ ﴿يُنْبِتُ﴾ إذْ ظاهِرُهُ يَقْتَضِي التَّعَلُّقَ بِنَفْسِ الشَّجَرَةِ لا بِثَمَرَتِها فَلْيُعْمَلْ بِما يَقْتَضِيهِ في صَدْرِ الكَلامِ وإنِ اقْتَضى آخِرُهُ اعْتِبارَ نَحْوِ ما قِيلَ فِي: عَلَفْتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا. كَذا قِيلَ وفِيهِ تَأمُّلٌ، ومَنَعَ بَعْضُهم كَوْنَ الإنْباتِ مِمّا يَقْتَضِي التَّعَلُّقَ المَذْكُورَ فَقَدْ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿فَأنْبَتْنا فِيها حَبًّا﴾ ﴿وعِنَبًا وقَضْبًا﴾ ﴿وزَيْتُونًا ونَخْلا﴾ ﴿وحَدائِقَ غُلْبًا﴾ ﴿وفاكِهَةً وأبًّا﴾ [عَبَسَ: 27- 31] وجُوِّزَ أنْ لا يَكُونَ المَلْحُوظُ فِيما عُدَّ مُجَرَّدَ الغِذائِيَّةِ بَلْ ما يَعُمُّها وغَيْرَها عَلى مَعْنى يُنْبِتُ بِهِ لِنَفْعِكم ما ذَكَرَ والنَّفْعُ يَكُونُ بِما فِيهِ غِذاءٌ وغَيْرُهُ، ( ومِن ) لِلتَّبْعِيضِ والمَعْنى ويُنْبِتُ لَكم بَعْضَ كُلِّ الثَّمَراتِ، وإنَّما قِيلَ ذَلِكَ لِما في الكَشّافِ وغَيْرِهِ مِن أنَّ كُلَّ الثَّمَراتِ لا تَكُونُ إلّا في الجَنَّةِ وإنَّما أُنْبِتَ في الأرْضِ بَعْضٌ مِن كُلٍّ لِلتَّذْكِرَةِ، وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: المُرادُ بَعْضٌ مِمّا في بِقاعِ الإمْكانِ مِن ثَمَرِ القُدْرَةِ الَّذِي لَمْ تَجْنِهِ راحَةُ الوُجُودِ، وهو أظْهَرُ وأشْمَلُ وأنْسَبُ بِما تَقَدَّمَ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ كَما عَقَّبَ ذِكْرَ الحَيَواناتِ المُنْتَفَعِ
صفحة 108
بِها عَلى التَّفْصِيلِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ عَقَّبَ ذِكْرَ الثَّمَراتِ المُنْتَفَعِ بِها بِمِثْلِهِ ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ المَذْكُورَ مِن إنْزالِ الماءِ وإنْزالِ ما فَصَّلَ ﴿لآيَةً﴾ عَظِيمَةً دالَّةً عَلى تَفَرُّدِهِ تَعالى بِالإلَهِيَّةِ لِاشْتِمالِهِ عَلى كَمالِ العِلْمِ والقُدْرَةِ والحِكْمَةِ ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ فَإنَّ مَن تَفَكَّرَ في أنَّ الحَبَّةَ والنَّواةَ تَقَعُ في الأرْضِ وتَصِلُ إلَيْها نَداوَةٌ تَنْفُذُ فِيها فَيَنْشَقُّ أسْفَلُها فَيَخْرُجُ مِنهُ عُرُوقٌ تَنْبَسِطُ في الأرْضِ ورُبَّما انْبَسَطَتْ فِيها وإنْ كانَتْ صُلْبَةً ويَنْشَقُّ أعْلاها وإنْ كانَتْ مُنْتَكِسَةً في الوُقُوعِ فَيَخْرُجُ مِنها ساقٌ فَيَنْمُو فَيَخْرُجُ مِنهُ الأوْراقُ والأزْهارُ والحُبُوبُ والثِّمارُ المُشْتَمِلَةُ عَلى أجْسامٍ مُخْتَلِفَةِ الأشْكالِ والألْوانِ والخَواصِّ والطَّبائِعِ وعَلى نَواةٍ قابِلَةٍ لِتَوْلِيدِ الأمْثالِ عَلى النَّمَطِ المُحَرَّرِ لا إلى نِهايَةٍ مَعَ اتِّحادِ الماءِ والأرْضِ والهَواءِ وغَيْرِها بِالنِّسْبَةِ إلى الكُلِّ عُلِمَ أنَّ مَن هَذِهِ آثارُهُ لا يُمْكِنُ أنْ يُشْبِهَهُ شَيْءٌ في شَيْءٍ مِن صِفاتِ الكَمالِ فَضْلًا عَنْ أنْ يُشارِكَهُ في أخَصِّ صِفاتِهِ الَّتِي هي الأُلُوهِيَّةُ واسْتِحْقاقُ العِبادَةِ أخَسُّ الأشْياءِ كالجَمادِ تَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، ولِلَّهِ تَعالى دَرُّ مَن قالَ:
تَأمَّلْ في رِياضِ الوَرْدِ وانْظُرْ ∗∗∗ إلى آثارِ ما صَنَعَ المَلِيكُ
عُيُونٌ مِن لُجَيْنٍ شاخِصاتٌ ∗∗∗ عَلى أهْدابِها ذَهَبٌ سَبِيكُ
عَلى قَضْبِ الزَّبَرْجَدِ شاهِداتٌ ∗∗∗ بِأنَّ اللَّهَ لَيْسَ لَهُ شَرِيكُ
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences