Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
An-Nahl 16:116–123
16:116Page 280
وَلَا تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلۡسِنَتُكُمُ ٱلۡكَذِبَ هَٰذَا حَلَٰلٞ وَهَٰذَا حَرَامٞ لِّتَفۡتَرُواْ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفۡتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ لَا يُفۡلِحُونَ ١١٦
And do not say about what your tongues assert of untruth, "This is lawful and this is unlawful," to invent falsehood about Allāh. Indeed, those who invent falsehood about Allāh will not succeed.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أكَّدَ ما يُفْهَمُ مِنَ الحَصْرِ بِالنَّهْيِ عَنِ التَّحْرِيمِ والتَّحْلِيلِ بِالأهْواءِ فَقالَ عَزَّ قائِلًا: ﴿ولا تَقُولُوا لِما تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ﴾ إلَخْ، ولا يُنافِي ذَلِكَ العَطْفَ كَما لا يَخْفى، واللّامُ صِلَةُ القَوْلِ مِثْلُها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتٌ﴾ وقَوْلِكَ: لا تَقُلْ لِلنَّبِيذِ إنَّهُ حَلالٌ، ومَعْناها الِاخْتِصاصُ، و«ما» مَوْصُولَةٌ والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْ لا تَقُولُوا في شَأْنِ الَّذِي تَصِفُهُ ألْسِنَتُكم
صفحة 247
مِنَ البَهائِمِ بِالحَلِّ والحُرْمَةِ في قَوْلِكم ﴿ما في بُطُونِ هَذِهِ الأنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا ومُحَرَّمٌ عَلى أزْواجِنا﴾ مِن غَيْرِ تَرَتُّبِ ذَلِكَ الوَصْفِ عَلى مُلاحَظَةٍ وفِكْرٍ فَضْلًا عَنِ اسْتِنادِهِ إلى وحْيٍ أوْ قِياسٍ مَبْنِيٍّ عَلَيْهِ بَلْ مُجَرَّدِ قَوْلٍ بِاللِّسانِ.
( الكَذِبَ ) مُنْتَصِبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ- لِتَقُولُوا- وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: هَذا ﴿حَلالٌ وهَذا حَرامٌ﴾ بَدَلٌ مِنهُ بَدَلَ كُلٍّ، وقِيلَ: مَنصُوبٌ بِإضْمارٍ أعْنِي، وقِيلَ: ( الكَذِبَ ) مُنْتَصِبٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ وهَذا مَقُولُ القَوْلِ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بَدَلَ اشْتِمالٍ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ( الكَذِبَ ) مَقُولَ القَوْلِ المَذْكُورِ ويُضْمَرُ قَوْلٌ آخَرُ بَعْدَ الوَصْفِ واللّامُ عَلى حالِها أيْ لا تَقُولُوا الكَذِبَ لِما تَصِفُهُ ألْسِنَتُكم فَتَقُولُ هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ، والجُمْلَةُ مُبَيِّنَةٌ ومُفَسِّرَةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ﴾ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَتُوبُوا إلى بارِئِكم فاقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ وجُوِّزَ أنْ لا يُضْمَرَ القَوْلُ عَلى المَذْهَبِ الكُوفِيِّ وأنْ يُقَدَّرَ قائِلُهُ عَلى أنَّ المُقَدَّرَ حالٌ مِنَ الألْسِنَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اللّامُ لِلتَّعْلِيلِ وما مَصْدَرِيَّةٌ (والكَذِبَ) مَفْعُولُ الوَصْفِ وهَذا ﴿حَلالٌ﴾ إلَخْ مَقُولُ القَوْلِ أيْ لا تَقُولُوا هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ لِأجْلِ وصْفِ ألْسِنَتِكُمُ الكَذِبَ، وإلى هَذا ذَهَبَ الكِسائِيُّ والزَّجّاجُ، وحاصِلُهُ لا تَحِلُّوا ولا تُحَرِّمُوا لِمُجَرَّدِ وصْفِ ألْسِنَتِكُمُ الكَذِبَ وتَصْوِيرِها لَهُ وتَحْقِيقِها لِماهِيَّتِهِ كَأنَّ ألْسِنَتَهم لِكَوْنِها مَنشَأً لِلْكَذِبِ ومَنبَعًا لِلزُّورِ شَخْصٌ عالِمٌ بِكُنْهِهِ ومُحِيطٌ بِحَقِيقَتِهِ يَصِفُهُ لِلنّاسِ ويُعَرِّفُهُ أوْضَحَ وصْفٍ وأبْيَنَ تَعْرِيفٍ، ومِثْلُ هَذا وارِدٌ في كَلامِ العَرَبِ والعَجَمِ تَقُولُ: لَهُ وجْهٌ يَصِفُ الجَمالَ ورِيقٌ يَصِفُ السُّلافَ وعَيْنٌ تَصِفُ السِّحْرَ، وتَقَدَّمَ بَيْتُ المَعَرِّي، وقَدْ بُولِغَ في الآيَةِ مِن حَيْثُ جُعِلَ قَوْلُهم كَذِبًا ثُمَّ جُعِلَ اللِّسانُ النّاطِقَةُ بِتِلْكَ المَقالَةِ يَنْبُوعَهُ مُصَوِّرَةً إيّاهُ بِصُورَتِهِ الَّتِي هو عَلَيْها وهو مِن بابِ الِاسْتِعارَةِ بِالكِتابَةِ وجَعَلَهُ بَعْضُهم مِن بابِ الإسْنادِ المَجازِيِّ نَحْوَ: نَهارُهُ صائِمٌ كَأنَّ ألْسِنَتَهم لِكَوْنِها مَوْصُوفَةً بِالكَذِبِ صارَتْ كَأنَّها حَقِيقَتُهُ ومَنبَعُهُ الَّذِي يُعْرَفُ مِنهُ حَتّى كَأنَّهُ يَصِفُهُ ويَعْرِفُهُ كَقَوْلِهِ:
أضْحَتْ يَمِينُكَ مِن جُودٍ مُصَوَّرَةً لا بَلْ يَمِينُكَ مِنها صُوِّرَ الجُودُ
وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ يَعْمُرَ وطَلْحَةُ والأعْرَجُ وابْنُ أبِي إسْحاقَ وابْنُ عُبَيْدٍ ونُعَيْمُ بْنُ مَيْسَرَةَ «الكَذِبِ» بِالجَرِّ، وخَرَجَ عَلى أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ما مَعَ مَدْخُولِها، وجَعَلَهُ غَيْرُ واحِدٍ صِفَةً- لِما- المَصْدَرِيَّةِ مَعَ صِلَتِها.
وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ المَصْدَرَ المَسْبُوكَ مِن ما أوْ أنْ أوْ كَيْ مَعَ الفِعْلِ مَعْرِفَةٌ كالمُضْمَرِ لا يَجُوزُ نَعْتُهُ فَلا يُقالُ: أعْجَبَنِي أنْ تَقُومَ السَّرِيعُ كَما يُقالُ: أعْجَبَنِي قِيامُكَ السَّرِيعُ، ولَيْسَ لِكُلِّ مُقَدَّرٍ حُكْمُ المَنطُوقِ بِهِ وإنَّما يَتْبَعُ بِذَلِكَ كَلامَ العَرَبِ. وقَرَأ مُعاذٌ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وبَعْضُ أهْلِ الشّامِ «الكُذُبُ» بِضَمِّ الثَّلاثَةِ صِفَةً لِلْألْسِنَةِ وهو جَمْعُ كَذُوبٍ كَصَبُورٍ وصُبُرٍ، قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: أوْ جَمْعُ كِذابٍ بِكَسْرِ الكافِ وتَخْفِيفِ الذّالِ مَصْدَرٌ كالقِتالِ وُصِفَ بِهِ مُبالَغَةً وجَمْعُ فُعُلٍ كَكِتابٍ وكُتُبٍ أوْ جَمْعُ كاذِبٍ كَشارِفٍ وشُرُفٍ. وقَرَأ مَسْلَمَةُ بْنُ مُحارِبٍ كَما قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ أوْ يَعْقُوبُ كَما قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ ونَسَبَ قِراءَةَ مُعاذٍ ومَن مَعَهُ إلى مَسْلَمَةَ «الكُذُبَ» بِضَمَّتَيْنِ والنَّصْبِ، وخَرَجَ عَلى أوْجُهٍ. الأوَّلُ إنَّ ذَلِكَ مَنصُوبٌ عَلى الشَّتْمِ والذَّمِّ وهو نَعْتٌ لِلْألْسِنَةِ مَقْطُوعٌ.
الثّانِي مَفْعُولٌ بِهِ- لِتَصِفَ- أوْ ( تَقُولُوا ) والمُرادُ الكَلِمُ الكَواذِبُ: الثّالِثُ أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ- لِتَصِفَ- مِن مَعْناهُ عَلى أنَّهُ جَمْعُ كِذابٍ المَصْدَرِ، وأُعْرِبَ ﴿هَذا حَلالٌ﴾ إلَخْ عَلى ما مَرَّ ولا إشْكالَ في إبْدالِهِ لِأنَّهُ كَلِمٌ بِاعْتِبارِ مَوادِّهِ وكَلامًا ظاهِرًا ﴿لِتَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ اللّامُ لامُ العاقِبَةِ والصَّيْرُورَةِ ولِلتَّعْلِيلِ لِأنَّ
صفحة 248
ما صَدَرَ مِنهم لَيْسَ لِأجْلِ الِافْتِراءِ عَلى اللَّهِ تَعالى بَلْ لِأغْراضٍ أُخَرَ ويَتَرَتَّبُ عَلى ذَلِكَ ما ذُكِرَ، وإلى هَذا ذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ وجَماعَةٌ، وقالَ بَعْضُهُمْ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلتَّعْلِيلِ ولا يَبْعُدُ قَصْدُهم لِذَلِكَ كَما قالُوا: ﴿وجَدْنا عَلَيْها آباءَنا واللَّهُ أمَرَنا بِها﴾ وفي البَحْرِ أنَّهُ الظّاهِرُ ولا يَكُونُ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ لِلتَّعْلِيلِ السّابِقِ عَلى احْتِمالِ كَوْنِ اللّامِ لِلتَّعْلِيلِ وما مَصْدَرِيَّةٌ لِأنَّ في هَذا التَّنْبِيهِ عَلى مَنِ افْتَرَوْا الكَذِبَ عَلَيْهِ ولَيْسَ فِيما مَرَّ بَلْ فِيهِ إثْباتُ الكَذِبِ مُطْلَقًا فَفي ذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّهم لِتَمَرُّنِهِمْ عَلى الكَذِبِ اجْتَرَءُوا عَلى الكَذِبِ عَلى اللَّهِ تَعالى فَنَسَبُوا ما حَلَّلُوا وحَرَّمُوا إلَيْهِ سُبْحانَهُ. وقالَ الواحِدِيُّ: إنَّ ﴿لِتَفْتَرُوا﴾ بَدَلٌ مِن ﴿لِما تَصِفُ﴾ إلَخْ لِأنَّ وصْفَهُمُ الكَذِبَ هو افْتِراءٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، وهو عَلى ما في البَحْرِ أيْضًا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ ما مَصْدَرِيَّةً لِأنَّها إذا جُعِلَتْ مَوْصُولَةً لا تَكُونُ اللّامُ لِلتَّعْلِيلِ لِيُبْدَلَ مِن ذَلِكَ ما يُفْهِمُ التَّعْلِيلَ، وقِيلَ: لا مانِعَ مِنَ التَّعْلِيلِ عَلى تَقْدِيرِ المَوْصُولِيَّةِ فَعِنْدَ قَصْدِ التَّعْلِيلِ يَجُوزُ الإبْدالُ، وحاصِلُ مَعْنى الآيَةِ عَلى ما نَصَّ عَلَيْهِ العَسْكَرِيُّ لا تُسَمُّوا ما لَمْ يَأْتِكم حَلُّهُ ولا حُرْمَتُهُ عَنِ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ ﷺ حَلالًا ولا حَرامًا فَتَكُونُوا كاذِبِينَ عَلى اللَّهِ تَعالى لِأنَّ مَدارَ الحَلِّ والحُرْمَةِ لَيْسَ إلّا حُكْمُهُ سُبْحانَهُ، ومِن هُنا قالَ أبُو نَضْرَةَ: لَمْ أزَلْ أخافُ الفُتْيا مُنْذُ سَمِعْتُ آيَةَ النَّحْلِ إلى يَوْمِي هَذا.
وقالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: كَرِهَ مالِكٌ وقَوْمٌ أنْ يَقُولَ المُفْتِي هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ في المَسائِلِ الِاجْتِهادِيَّةِ وإنَّما يُقالُ ذَلِكَ فِيما نَصَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ، ويُقالُ في مَسائِلِ الِاجْتِهادِ: إنِّي أكْرَهُ كَذا وكَذا ونَحْوَ ذَلِكَ فَهو أبْعَدُ مِن أنْ يَكُونَ فِيهِ ما يُتَوَهَّمُ مِنهُ الِافْتِراءُ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ ﴿إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ في أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ ﴿لا يُفْلِحُونَ﴾ لا يَفُوزُونَ بِمَطْلُوبٍ ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ﴾ أيْ مَنفَعَتُهُمُ الَّتِي قَصَدُوها بِذَلِكَ الِافْتِراءِ مَنفَعَةٌ قَلِيلَةٌ مُنْقَطِعَةٌ عَنْ قَرِيبٍ- فَمَتاعٌ- خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ (وقَلِيلٌ) صِفَتُهُ والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ كَأنَّهُ لَمّا نُفِيَ عَنْهُمُ الفَوْزُ بِمَطْلُوبٍ قِيلَ: كَيْفَ ذَلِكَ وهم قَدْ تَحَصَّلَ لَهم مَنفَعَةٌ بِالِافْتِراءِ؟ فَقِيلَ: ذاكَ مَتاعٌ قَلِيلٌ لا عِبْرَةَ بِهِ ويَرْجِعُ الأمْرُ بِالآخِرَةِ إلى أنَّ المُرادَ نَفِيُ الفَوْزِ بِمَطْلُوبٍ يُعْتَدُّ بِهِ، وإلى كَوْنِ
16:117Page 280
مَتَٰعٞ قَلِيلٞ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ١١٧
[It is but] a brief enjoyment, and they will have a painful punishment.
﴿مَتاعٌ﴾ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ ذَهَبَ أبُو البَقاءِ إلّا أنَّهُ قالَ: أيْ بَقاؤُهم مَتاعٌ قَلِيلٌ ونَحْوَ ذَلِكَ. وقالَ الحَوْفِيُّ: ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، وفِيهِ أنَّ النَّكِرَةَ لا يُبْتَدَأُ بِها بِدُونِ مُسَوِّغٍ وتَأْوِيلُهُ بِمَتاعِهِمْ ونَحْوُهُ بِعِيدٌ ﴿ولَهُمْ﴾ في الآخِرَةِ ﴿عَذابٌ ألِيمٌ﴾ لا يُكْتَنَهُ كُنْهُهُ
16:118Page 280
وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمۡنَا مَا قَصَصۡنَا عَلَيۡكَ مِن قَبۡلُۖ وَمَا ظَلَمۡنَٰهُمۡ وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ ١١٨
And to those who are Jews We have prohibited that which We related to you before.1 And We did not wrong them [thereby], but they were wronging themselves.
﴿وعَلى الَّذِينَ هادُوا﴾ خاصَّةً دُونَ غَيْرِهِمْ مِنَ الأوَّلِينَ ﴿حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ﴾ أيْ مِن قَبْلِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ الأنْعامِ ﴿وعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ الآيَةَ، والظّاهِرُ أنَّ ( مِن قَبْلُ ) مُتَعَلِّقٌ- بِقَصَصْنا- وجُوِّزَ تَعْلِيقُهُ- بِحَرَّمْنا- والمُضافُ إلَيْهِ المُقَدَّرُ ما مَرَّ أيْضًا.
ويَحْتَمِلُ أنْ يُقَدَّرَ ﴿مِن قَبْلُ﴾ تَحْرِيمُ ما حَرَّمَ عَلى أُمَّتِكَ، وهو أوْلى عَلى ما قِيلَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الكَلامُ مِن بابِ التَّنازُعِ، وهَذا تَحْقِيقٌ لِما سَلَفَ مِن حَصْرِ المُحَرَّماتِ فِيما فُصِّلَ بِإبْطالِ ما يُخالِفُ مِن فِرْيَةِ اليَهُودِ وتَكْذِيبِهِمْ في ذَلِكَ، فَإنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: لَسْنا أوَّلَ مَن حَرُمَتْ عَلَيْهِ وإنَّما كانَتْ مُحَرَّمَةٌ عَلى نُوحٍ وإبْراهِيمَ ومَن بَعْدَهُما حَتّى انْتَهى الأمْرُ إلَيْنا ﴿وما ظَلَمْناهُمْ﴾ بِذَلِكَ التَّحْرِيمِ ﴿ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ حَيْثُ فَعَلُوا ما عُوقِبُوا عَلَيْهِ بِذَلِكَ حَسْبَما نَعى عَلَيْهِمْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ الآيَةَ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى الفَرْقِ بَيْنَهم وبَيْنَ غَيْرِهِمْ في التَّحْرِيمِ وإنَّهُ كَما يَكُونُ لِلْمَضَرَّةِ يَكُونُ لِلْعُقُوبَةِ.
16:119Page 281
ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسُّوٓءَ بِجَهَٰلَةٖ ثُمَّ تَابُواْ مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ وَأَصۡلَحُوٓاْ إِنَّ رَبَّكَ مِنۢ بَعۡدِهَا لَغَفُورٞ رَّحِيمٌ ١١٩
Then, indeed your Lord, to those who have done wrong out of ignorance and then repent after that and correct themselves - indeed, your Lord, thereafter, is Forgiving and Merciful.
صفحة 249
﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ﴾ هو ما يُسِيءُ صاحِبَهُ مِن كُفْرٍ أوْ مَعْصِيَةٍ ويَدْخُلُ فِيهِ الِافْتِراءُ عَلى اللَّهِ تَعالى، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ الشِّرْكُ، والتَّعْمِيمُ أوْلى ﴿بِجَهالَةٍ﴾ أيْ بِسَبَبِها، عَلى مَعْنى أنَّ الجَهالَةَ السَّبَبُ الحامِلُ لَهم عَلى العَمَلِ كالغَيْرَةِ الجاهِلِيَّةِ الحامِلَةِ عَلى القَتْلِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وفُسِّرَتِ الجَهالَةُ بِالأمْرِ الَّذِي لا يَلِيقُ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هي هُنا تَعَدِّي الطَّوْرِ ورُكُوبُ الرَّأْسِ لا ضِدَّ العِلْمِ، ومِنهُ ما جاءَ في الخَبَرِ ««اللَّهُمَّ أعُوذُ بِكَ مِن أنْ أجْهَلَ أوْ يُجْهَلُ عَلَيَّ»» وقَوْلِ الشّاعِرِ:
ألا لا يَجْهَلْنَ أحَدٌ عَلَيْنا فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الجاهِلِينا
نَعَمْ كَثِيرًا ما تُصْحَبُ هَذِهِ الجَهالَةُ الَّتِي هي بِمَعْنى ضِدِّ العِلْمِ، وفَسَّرَها بَعْضُهم بِذَلِكَ وجَعَلَ الباءَ لِلْمُلابَسَةِ والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ مُلْتَبِسَيْنِ بِجَهالَةٍ غَيْرَ عارِفِينَ بِاللَّهِ تَعالى وبِعِقابِهِ أوْ غَيْرَ مُتَدَبِّرِينَ في العَواقِبِ لِغَلَبَةِ الشَّهْوَةِ عَلَيْهِمْ ﴿ثُمَّ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أيْ مِن بَعْدِ ما عَمِلُوا ما عَمِلُوا، والتَّصْرِيحُ بِهِ مَعَ دَلالَةِ ( ثُمَّ ) عَلَيْهِ لِلتَّوْكِيدِ والمُبالَغَةِ ﴿وأصْلَحُوا﴾ أيْ أصْلَحُوا أعْمالَهم أوْ دَخَلُوا في الصَّلاحِ، وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الإصْلاحَ بِالِاسْتِقامَةِ عَلى التَّوْبَةِ ﴿إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها﴾ أيِ التَّوْبَةِ كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ، ولَعَلَّ الإصْلاحَ مُنْدَرِجٌ في التَّوْبَةِ وتَكْمِيلٌ لَها. وقالَ أبُو حَيّانَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى المَصادِرِ المَفْهُومَةِ مِنَ الأفْعالِ السّابِقَةِ أيْ مِن بَعْدِ عَمَلِ السُّوءِ والتَّوْبَةِ والإصْلاحِ، وقِيلَ: يَعُودُ عَلى الجَهالَةِ، وقِيلَ: عَلى السُّوءِ عَلى مَعْنى المَعْصِيَةِ ولَيْسَ بِذاكَ ﴿لَغَفُورٌ﴾ لِذَلِكَ السُّوءِ ﴿رَحِيمٌ﴾ يَثْبُتُ عَلى طاعَتِهِ سُبْحانَهُ فِعْلًا وتَرْكًا، وتَكْرِيرُ ( إنَّ رَبَّكَ ) لِتَأْكِيدِ الوَعْدِ وإظْهارِ كَمالِ العِنايَةِ بِإنْجازِهِ، والتَّعَرُّضُ لِوَصْفِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَعَ ظُهُورِ الأثَرِ في التّائِبِينَ لِلْإيماءِ إلى أنَّ إفاضَةَ آثارِ الرُّبُوبِيَّةِ مِنَ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ عَلَيْهِمْ بِتَوَسُّطِهِ ﷺ وكَوْنِهِمْ مِن أتْباعِهِ كَما مَرَّ عَنْ قَرِيبٍ، والتَّقْيِيدُ بِالجَهالَةِ قِيلَ: لِبَيانِ الواقِعِ لِأنَّ كُلَّ مَن يَعْمَلُ السُّوءَ لا يَعْمَلُهُ إلّا بِجَهالَةٍ.
وقالَ العَسْكَرِيُّ: لَيْسَ المَعْنى أنَّهُ تَعالى يَغْفِرُ لِمَن يَعْمَلُ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ولا يَغْفِرُ لِمَن عَمِلَهُ بِغَيْرِ جَهالَةٍ بَلِ المُرادُ أنَّ جَمِيعَ مَن تابَ فَهَذِهِ سَبِيلُهُ، وإنَّما خَصَّ مَن يَعْمَلُ السُّوءَ بِجَهالَةٍ لِأنَّ أكْثَرَ مَن يَأْتِي الذُّنُوبَ يَأْتِيها بِقِلَّةٍ فِكْرٍ في عاقِبَةِ الأمْرِ أوْ عِنْدَ غَلَبَةِ الشَّهْوَةِ أوْ في جَهالَةِ الشَّبابِ فَذَكَرَ الأكْثَرَ عَلى عادَةِ العَرَبِ في مِثْلِ ذَلِكَ، وعَلى القَوانِينِ لا مَفْهُومَ لِلْقَيْدِ
16:120Page 281
إِنَّ إِبۡرَٰهِيمَ كَانَ أُمَّةٗ قَانِتٗا لِّلَّهِ حَنِيفٗا وَلَمۡ يَكُ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ١٢٠
Indeed, Abraham was a [comprehensive] leader,1 devoutly obedient to Allāh, inclining toward truth, and he was not of those who associate others with Allāh.
﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: أيْ كانَ عِنْدَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الخَيْرِ ما كانَ عِنْدَ أُمَّةٍ وهي الجَماعَةُ الكَثِيرَةُ، فَإطْلاقُها عَلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِاسْتِجْماعِهِ كِمالاتٍ لا تَكادُ تُوجَدُ إلّا مُتَفَرِّقَةً في أُمَّةٍ جَمَّةٍ:
ولَيْسَ عَلى اللَّهِ بِمُسْتَنْكَرٍ أنْ يَجْمَعَ العالَمَ في واحِدِ
وهُوَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ رَئِيسُ المُوَحِّدِينَ وقُدْوَةُ المُحَقِّقِينَ الَّذِي نَصَبَ أدِلَّةَ التَّوْحِيدِ ورَفَعَ أعْلامَها وخَفَضَ راياتِ الشِّرْكِ وجَزَمَ بِبَواتِرِ الحُجَجِ هامَها، وقالَ مُجاهِدٌ: سُمِّيَ عَلَيْهِ السَّلامُ أُمَّةً لِانْفِرادِهِ بِالإيمانِ في وقْتِهِ مُدَّةً ما، وفي صَحِيحِ البُخارِيِّ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لِسارَّةَ: لَيْسَ عَلى الأرْضِ اليَوْمَ مُؤْمِنٌ غَيْرِي وغَيْرُكِ، وذُكِرَ في القامُوسِ أنَّ مِن مَعانِي الأُمَّةِ مَن هو عَلى الحَقِّ مُخالِفٌ لِسائِرِ الأدْيانِ، والظّاهِرُ أنَّهُ مَجازٌ بِجَعْلِهِ كَأنَّهُ جَمِيعُ ذَلِكَ العَصْرِ لِأنَّ الكَفَرَةَ بِمَنزِلَةِ العَدَمِ، وقِيلَ: الأُمَّةُ هُنا فُعْلَةٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ كالرِّحْلَةِ بِمَعْنى
صفحة 250
المَرْحُولِ إلَيْهِ، والنُّخْبَةُ بِمَعْنى المُنْتَخَبِ مِن أُمِّهِ إذا قَصَدَهُ أوِ اقْتَدى بِهِ أيْ كانَ مَأْمُومًا أوْ مُؤْتَمًّا بِهِ فَإنَّ النّاسَ كانُوا يَقْصِدُونَهُ لِلِاسْتِفادَةِ ويَقْتَدُونَ بِسِيرَتِهِ.
وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: هَذا مِثْلُ قَوْلِ العَرَبِ: فُلانٌ رَحْمَةٌ وعَلّامَةٌ ونَسّابَةٌ يَقْصِدُونَ بِالتَّأْنِيثِ التَّناهِيَ في المَعْنى المَوْصُوفِ بِهِ. وإيرادُ ذِكْرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ عُقَيْبَ تَزْيِيفِ مَذاهِبِ المُشْرِكِينَ مِنَ الشِّرْكِ والطَّعْنِ في النُّبُوَّةِ وتَحْرِيمِ ما أحَلَّ اللَّهُ تَعالى لِلْإيذانِ بِأنَّ حَقِّيَّةَ دِينِ الإسْلامِ وبُطْلانَ الشِّرْكِ وفُرُوعِهِ أمْرٌ ثابِتٌ لا رَيْبَ فِيهِ. وفي ذَلِكَ أيْضًا رَدٌّ لِقُرَيْشٍ حَيْثُ يَزْعُمُونَ أنَّهم عَلى دِينِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ حالَ المُشْرِكِينَ وأجْرى ذِكْرَ اليَهُودِ بَيْنَ طَرِيقَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِيُظْهِرَ الفَرْقَ بَيْنَ حالِهِ وحالِ المُشْرِكِينَ وحالِ اليَهُودِ ﴿قانِتًا لِلَّهِ﴾ مُطِيعًا لَهُ سُبْحانَهُ قائِمًا بِأمْرِهِ تَعالى ﴿حَنِيفًا﴾ مائِلًا عَنْ كُلِّ دِينٍ باطِلٍ إلى الدِّينِ الحَقِّ غَيْرَ زائِلٍ عَنْهُ.
﴿ولَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ في أمْرٍ مِن أُمُورِ دِينِهِمْ أصْلًا وفَرْعًا، صَرَّحَ بِذَلِكَ مَعَ ظُهُورِهِ قِيلَ: رَدًّا عَلى كُفّارِ قُرَيْشٍ في قَوْلِهِمْ: نَحْنُ عَلى مِلَّةِ أبِينا إبْراهِيمَ، وقِيلَ: لِذَلِكَ ولِلرَّدِّ عَلى اليَهُودِ المُشْرِكِينَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ في افْتِرائِهِمْ وزَعْمِهِمْ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ عَلى ما هم عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كانَ إبْراهِيمُ يَهُودِيًّا ولا نَصْرانِيًّا ولَكِنْ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ إذْ بِهِ يَنْتَظِمُ أمْرُ إيرادِ التَّحْرِيمِ والسَّبْتِ سابِقًا ولاحِقًّا.
16:121Page 281
شَاكِرٗا لِّأَنۡعُمِهِۚ ٱجۡتَبَىٰهُ وَهَدَىٰهُ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ١٢١
[He was] grateful for His favors. He [i.e., Allāh] chose him and guided him to a straight path.
﴿شاكِرًا لأنْعُمِهِ﴾ صِفَةٌ ثالِثَةٌ لِ”أُمَّةً“- والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٍ- بِ”شاكِرًا“- كَما هو الظّاهِرُ، وأُوثِرَ صِيغَةُ جَمْعِ القِلَّةِ قِيلَ: لِلْإيذانِ بِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لا يَخِلُّ بِشُكْرِ النِّعْمَةِ القَلِيلَةِ فَكَيْفَ بِالكَثِيرَةِ ولِلتَّصْرِيحِ بِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى خِلافِ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرانِ بِأنْعُمِ اللَّهِ تَعالى حَسْبَما أُشِيرَ إلَيْهِ بِضَرْبِ المَثَلِ، وقِيلَ: إنَّ جَمْعَ القِلَّةِ هُنا مُسْتَعارٌ لِجَمْعِ الكَثْرَةِ ولا حاجَةَ إلَيْهِ.
وفِي بَعْضِ الآثارِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ لا يَتَغَدّى إلّا مَعَ ضَيْفٍ فَلَمْ يَجِدْ ذاتَ يَوْمٍ ضَيْفًا فَأخَّرَ غَداءَهُ، فَإذا هو بِفَوْجٍ مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ في صُورَةِ البَشَرِ فَدَعاهم إلى الطَّعامِ فَخَيَّلُوا أنَّ بِهِمْ جُذامًا فَقالَ: الآنَ وجَبَتْ مُؤاكَلَتُكم شُكْرًا لِلَّهِ تَعالى عَلى أنَّهُ عافانِي مِمّا ابْتَلاكم بِهِ.
وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ كَوْنَ الجارِّ والمَجْرُورِ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اجْتَباهُ﴾ وهو خِلافُ الظّاهِرِ. وجَعَلَ بَعْضُهم مُتَعَلِّقَ هَذا مَحْذُوفًا أيِ اخْتارَهُ واصْطَفاهُ لِلنُّبُوَّةِ، وأصْلُ الِاجْتِباءِ الجَمْعُ عَلى طَرِيقِ الِاصْطِفاءِ، ويُطْلَقُ عَلى تَخْصِيصِ اللَّهِ تَعالى العَبْدَ بِفَيْضٍ إلَهِيٍّ يَتَحَصَّلُ لَهُ مِنهُ أنْواعٌ مِنَ النِّعَمِ بِلا سَعْيٍ مِنهُ ويَكُونُ لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ومَن يُقارِبُهم ﴿وهَداهُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ مُوَصِّلٌ إلَيْهِ تَعالى وهو مِلَّةُ الإسْلامِ ولَيْسَ نَتِيجَةُ هَذِهِ الهِدايَةِ- كَما في إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ- مُجَرَّدَ اهْتِدائِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بَلْ مَعَ إرْشادِ الخَلْقِ أيْضًا إلى ذَلِكَ والدَّعْوَةِ إلَيْهِ بِمَعُونَةِ قَرِينَةِ الِاجْتِباءِ.
وجَوَّزَ بَعْضُهم كَوْنَ ( إلى صِراطٍ ) مُتَعَلِّقًا- بِاجْتَباهُ وهَداهُ- عَلى التَّنازُعِ، والجُمْلَةُ إمّا حالٌ بِتَقْدِيرِ قَدْ عَلى المَشْهُورِ وإمّا خَبَرٌ ثانٍ لَإنَّ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ الِاسْتِئْنافَ أيْضًا
16:122Page 281
وَءَاتَيۡنَٰهُ فِي ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٗۖ وَإِنَّهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ١٢٢
And We gave him good in this world, and indeed, in the Hereafter he will be among the righteous.
﴿وآتَيْناهُ في الدُّنْيا حَسَنَةً﴾ بِأنْ حَبَّبَهُ إلى النّاسِ حَتّى إنَّ جَمِيعَ أهْلِ الأدْيانِ يَتَوَلَّوْنَهُ ويُثْنُونَ عَلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ حَسْبَما سَألَ بِقَوْلِهِ: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ ورُوِيَ هَذا عَنْ قَتادَةَ وغَيْرِهِ، وعَنِ الحَسَنِ الحَسَنَةُ النُّبُوَّةُ، وقِيلَ: الأوْلادُ الأبْرارُ عَلى الكِبَرِ وقِيلَ: المالُ يَصْرِفُهُ في وُجُوهِ الخَيْرِ والبِرِّ، وقِيلَ: العُمْرُ الطَّوِيلُ في السِّعَةِ والطّاعَةِ- فَ”حَسَنَةً“- عَلى الأوَّلِ
صفحة 251
بِمَعْنى سِيرَةٍ حَسَنَةٍ وعَلى ما بَعْدَهُ عَطِيَّةٌ أوْ نِعْمَةٌ حَسَنَةٌ كَذا قِيلَ: وجُوِّزَ في الجَمِيعِ أنْ يُرادَ عَطِيَّةٌ حَسَنَةٌ، والِالتِفاتُ إلى التَّكَلُّمِ لِإظْهارِ كَمالِ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِهِ وتَفْخِيمِ مَكانِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ داخِلٌ في عِدادِهِمْ كائِنٌ مَعَهم في الدَّرَجاتِ العُلى مِنَ الجَنَّةِ حَسْبَما سَألَ بِقَوْلِهِ: ( وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ ) وأرادَ بِهِمُ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ
16:123Page 281
ثُمَّ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ أَنِ ٱتَّبِعۡ مِلَّةَ إِبۡرَٰهِيمَ حَنِيفٗاۖ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ١٢٣
Then We revealed to you, [O Muḥammad], to follow the religion of Abraham, inclining toward truth; and he was not of those who associate with Allāh.
﴿ثُمَّ أوْحَيْنا إلَيْكَ أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾ وهي عَلى ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ الإسْلامُ المُعَبَّرُ عَنْهُ آنِفًا بِالصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ أنَّها جَمِيعُ شَرِيعَتِهِ إلّا ما أُمِرَ ﷺ بِتَرْكِهِ، وفي التَّفْسِيرِ الخازِنِيِّ حِكايَةُ هَذا عَنْ أهْلِ الأُصُولِ، وعَنِ ابْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ أنَّها مَناسِكُ الحَجِّ.
وقالَ الإمامُ: قالَ قَوْمٌ: إنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ وشَرِيعَتِهِ ولَيْسَ لَهُ شَرْعٌ مُتَفَرِّدٌ بِهِ بَلْ بُعِثَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِإحْياءِ شَرِيعَةِ إبْراهِيمَ لِهَذِهِ الآيَةِ، فَحَمَلُوا المِلَّةَ عَلى الشَّرِيعَةِ أُصُولًا وفُرُوعًا وهو قَوْلٌ ضَعِيفٌ، والمُرادُ مِن ﴿مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾ التَّوْحِيدُ ونَفْيُ الشِّرْكِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ ﷺ إنَّما نَفى الشِّرْكَ وأثْبَتَ التَّوْحِيدَ لِلْأدِلَّةِ القَطْعِيَّةِ فَلا يُعَدُّ ذَلِكَ مُتابَعَةً فَيَجِبُ حَمْلُ المِلَّةِ عَلى الشَّرائِعِ الَّتِي يَصِحُّ حُصُولُ المُتابَعَةِ فِيها، قُلْنا: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ الأمْرَ بِمُتابَعَتِهِ في كَيْفِيَّةِ الدَّعْوَةِ إلى التَّوْحِيدِ وهي أنْ يَدْعُوَ إلَيْهِ بِطَرِيقِ الرِّفْقِ والسُّهُولَةِ وإيرادِ الدَّلائِلِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى بِأنْواعٍ كَثِيرَةٍ عَلى ما هو الطَّرِيقَةُ المَأْلُوفَةُ في القُرْآنِ اه. وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ لا يُحْتاجُ إلَيْهِ لِأنَّ المُعْتَقَدَ الَّذِي تَقْتَضِيهِ دَلائِلُ العُقُولِ لا يَمْتَنِعُ أنْ يُوحِيَ لِيَتَضافَرَ المَعْقُولُ والمَنقُولُ عَلى اعْتِقادِهِ، ألا تَرى قَوْلَهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّما يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ كَيْفَ تَضَمَّنَ الوَحْيُ بِما اقْتَضاهُ الدَّلِيلَ العَقْلِيَّ، فَلا يَمْتَنِعُ أنْ يُؤْمَرَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِاتِّباعِ مِلَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِنَفْيِ الشِّرْكِ والتَّوْحِيدِ وإنْ كانَ ذَلِكَ مِمّا ثَبَتَ عِنْدَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالدَّلِيلِ العَقْلِيِّ لِيَتَضافَرَ الدَّلِيلانِ العَقْلِيُّ والنَّقْلِيُّ عَلى هَذا المَطْلَبِ الجَلِيلِ، وآخَرُ بِأنَّهُ ظاهِرٌ في حَمْلِ المِلَّةِ عَلى كَيْفِيَّةِ الدَّعْوَةِ ولا شَكَّ أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ داخِلًا في مَفْهُومِها فَإنَّها ما شَرَعَهُ اللَّهُ تَعالى لِعِبادِهِ عَلى لِسانِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِن أمَلَلْتُ الكِتابَ إذا أمْلَيْتَهُ وهي الدِّينُ بِعَيْنِهِ لَكِنْ بِاعْتِبارِ الطّاعَةِ لَهُ، وتَحْقِيقُهُ أنَّ الوَضْعَ الإلَهِيَّ مَهْما نُسِبَ إلى مَن يُؤَدِّيهِ عَنِ اللَّهِ تَعالى يُسَمّى مِلَّةً ومَهْما نُسِبَ إلى مَن يُقِيمُهُ يُسَمّى دِينًا، قالَ الرّاغِبُ: الفَرْقُ بَيْنَها وبَيْنَ الدِّينِ أنَّها لا تُضافُ إلّا لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الَّذِي يُسْنَدُ إلَيْهِ ولا تَكادُ تُوجَدُ مُضافَةً إلى اللَّهِ تَعالى ولا إلى آحادِ أُمَّةِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ ولا تُسْتَعْمَلُ إلّا في جُمْلَةِ الشَّرائِعِ دُونَ آحادِها ولا كَذَلِكَ الدِّينُ، وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ المُرادَ بِها هُنا أُصُولُ الشَّرائِعِ، ويُحْمَلُ عَلَيْهِ ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ أوَّلًا ولا بَأْسَ بِما رُوِيَ عَنْهُ ثانِيًا.
واسْتِدْلالُ بَعْضِ الشّافِعِيَّةِ عَلى وُجُوبِ الخِتانِ وما كانَ مِن شَرْعِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ولَمْ يَرِدْ بِهِ ناسِخٌ مَبْنِيٌّ عَلى ذَلِكَ كَما لا يَخْفى. وما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ ذَكَرَهُ في البَحْرِ والَّذِي أخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ والبَيْهَقِيُّ في الشَّعْبِ وجَماعَةٌ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: «صَلّى جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِإبْراهِيمَ الظُّهْرَ والعَصْرَ بِعَرَفاتٍ ثُمَّ وقَفَ حَتّى إذا غابَتِ الشَّمْسُ دَفَعَ بِهِ ثُمَّ صَلّى المَغْرِبَ والعِشاءَ بِجَمْعٍ ثُمَّ صَلّى بِهِ الفَجْرَ كَأسْرَعِ ما يُصَلِّي أحَدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ ثُمَّ وقَفَ بِهِ حَتّى إذا كانَ كَأبْطَأِ ما يُصَلِّي أحَدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ دَفَعَ بِهِ ثُمَّ رَمى الجَمْرَةَ ثُمَّ ذَبَحَ وحَلَقَ ثُمَّ أفاضَ بِهِ إلى البَيْتِ فَطافَ بِهِ فَقالَ اللَّهُ تَعالى لِنَبِيِّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ﴿ثُمَّ أوْحَيْنا إلَيْكَ أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾» ولَعَلَّ ما ذُكِرَ أوَّلًا مَأْخُوذٌ مِنهُ.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لَيْسَ نَصًّا فِيهِ ولا أظُنُّ أنَّ أحَدًا يُوافِقُ عَلى تَخْصِيصِ مِلَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِمَناسِكِ الحَجِّ.
صفحة 252
(وأنِ) تَفْسِيرِيَّةٌ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ ومَرَّ الكَلامُ في وصْلِها بِالأمْرِ، (وثُمَّ) قِيلَ: لِلتَّراخِي الزَّمانِيِّ لِظُهُورِ أنَّ أيّامَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَعْدَ أيّامِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِكَثِيرٍ، واخْتارَ المُحَقِّقُونَ أنَّها لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ لِأنَّهُ أبْلَغُ وأنْسَبُ بِالمَقامِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّ في ( ثُمَّ ) هَذِهِ إيذانًا بِأنَّهُ أشْرَفُ ما أُوتِيَ خَلِيلُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الكَرامَةِ وأجَلُّ ما أُوتِيَ مِنَ النِّعْمَةِ اتِّباعُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِلَّتَهُ وتَعْظِيمًا لِمَنزِلَةِ نَبِيِّنا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وإجْلالًا لِمَحَلِّهِ، أمّا الأوَّلُ فَمِن دَلالَةِ ثُمَّ عَلى تَبايُنِ هَذا المُؤْتى وسائِرِ ما أُوتِيَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الرُّتَبِ والمَآثِرِ، وأمّا الثّانِي فَمِن حَيْثُ إنَّ الخَلِيلَ مَعَ جَلالَةِ مَحَلِّهِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى أجَلُّ رُتْبَتِهِ أنْ أوْحى إلى الحَبِيبِ اتِّباعَ مِلَّتِهِ، وفي لَفْظِ ( أوْحَيْنا ) ثُمَّ الأمْرُ بِاتِّباعِ المِلَّةِ لا اتِّباعِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ما يَدُلُّ كَما في الكَشْفِ عَلى أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَيْسَ بِتابِعٍ لَهُ بَلْ هو مُسْتَقِلٌّ بِالأخْذِ عَمَّنْ أخَذَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْهُ ﴿حَنِيفًا﴾ حالٌ مِن إبْراهِيمَ المُضافِ إلَيْهِ لِما أنَّ المُضافَ لِشِدَّةِ اتِّصالِهِ بِهِ جَرى مِنهُ مَجْرى البَعْضِ فَعُدَّ بِذَلِكَ مِن قَبِيلِ رَأيْتُ وجْهَ هِنْدٍ قائِمَةً.
ونَقَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ مَكِّيٍّ عَدَمَ جَوازِ كَوْنِهِ حالًا مِنهُ مُعَلِّلًا ذَلِكَ بِأنَّهُ مُضافٌ إلَيْهِ، وتَعَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: لَيْسَ كَما قالَ لِأنَّ الحالَ قَدْ يَعْمَلُ فِيها حُرُوفُ الخَفْضِ إذا عَمِلَتْ في ذِي الحالِ نَحْوَ مَرَرْتُ بِزَيْدٍ قائِمًا، وفي كِلا الكَلامَيْنِ بَحْثٌ لا يَخْفى.
ومَنَعَ أبُو حَيّانَ مَجِيءَ الحالِ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ في مِثْلِ هَذِهِ الصُّورَةِ أيْضًا، وزَعَمَ أنَّ الجَوازَ فِيها مِمّا تَفَرَّدَ بِهِ ابْنُ مالِكٍ والتَزَمَ كَوْنَ ( حَنِيفًا ) حالًا مِن ( مِلَّةَ ) لِأنَّها والدِّينَ بِمَعْنًى أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في ( اتَّبِعْ ) ولَيْسَ بِشَيْءٍ ولَمْ يَتَفَرَّدْ بِذَلِكَ ابْنُ مالِكٍ بَلْ سَبَقَهُ إلَيْهِ الأخْفَشُ وتَبِعَهُ جَماعَةٌ ﴿وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ بَلْ كانَ قُدْوَةَ المُحَقِّقِينَ وهَذا تَكْرِيرٌ لِما سَبَقَ لِزِيادَةِ تَأْكِيدٍ وتَقْرِيرٍ لِنَزاهَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ عَمّا هم عَلَيْهِ مِن عَقْدٍ وعَمَلٍ،
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences