Al-AlusiAn‑Nahl · 16:126–128

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

An-Nahl 16:126–128

16:126Page 281

وَإِنۡ عَاقَبۡتُمۡ فَعَاقِبُواْ بِمِثۡلِ مَا عُوقِبۡتُم بِهِۦۖ وَلَئِن صَبَرۡتُمۡ لَهُوَ خَيۡرٞ لِّلصَّٰبِرِينَ ١٢٦

And if you punish [an enemy, O believers], punish with an equivalent of that with which you were harmed.1 But if you are patient - it is better for those who are patient.

﴿وإنْ عاقَبْتُمْ﴾ أيْ إنْ أرَدْتُمُ المُعاقَبَةَ ﴿فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ أيْ مِثْلِ ما فُعِلَ بِكم وقَدْ عَبَّرَ عَنْهُ بِالعِقابِ عَلى طَرِيقَةِ إطْلاقِ اسْمِ المُسَبِّبِ عَلى السَّبَبِ نَحْوَ كَما تَدِينُ تُدانُ عَلى نَهْجِ المُشاكَلَةِ، وقالَ الخَفاجِيُّ: إنَّ العُقابَ في العُرْفِ مُطْلَقُ العَذابِ ولَوِ ابْتِداءً وفي أصْلِ اللُّغَةِ المُجازاةُ عَلى عَذابٍ سابِقٍ فَإنِ اعْتُبِرَ الثّانِي فَهو مُشاكَلَةٌ وإنِ اعْتُبِرَ الأوَّلُ فَلا مُشاكَلَةَ، وعَلى الِاعْتِبارَيْنِ صِيغَةُ المُفاعَلَةِ لَيْسَتْ لِلْمُشارَكَةِ، والآيَةُ نَزَلَتْ في شَأْنِ التَّمْثِيلِ بِحَمْزَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ يَوْمَ أُحُدٍ، فَقَدْ صَحَّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وقَفَ عَلى حَمْزَةَ يَوْمَ اسْتُشْهِدَ فَنَظَرَ إلى مَنظَرٍ لَمْ يَنْظُرْ إلى شَيْءٍ قَطُّ كانَ أوْجَعَ لِقَلْبِهِ مِنهُ ونَظَرَ إلَيْهِ قَدْ مُثِّلَ بِهِ فَقالَ: رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْكَ فَإنَّكَ كُنْتَ ما عَلِمْتُ وصُولًا لِلرَّحِمِ فَعُولًا لِلْخَيْراتِ ولَوْلا حُزْنٌ مِن بَعْدِكَ عَلَيْكَ لَسَرَّنِي أنْ أتْرُكَكَ حَتّى يَحْشُرَكَ اللَّهُ تَعالى مِن أرْواحٍ شَتّى أما واللَّهِ لَأُمَثِّلَنَّ بِسَبْعِينَ مِنهم مَكانَكَ فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ والنَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ واقِفٌ بِخَواتِيمِ النَّحْلِ ﴿وإنْ عاقَبْتُمْ﴾ إلى آخِرِها فَكَفَّرَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنْ يَمِينِهِ وأمْسَكَ عَنِ الَّذِي أرادَ وصَبَرَ،» فَهي عَلى هَذا مَدَنِيَّةٌ. وذَهَبَ النَّحّاسُ إلى أنَّها مَكِّيَّةٌ ولَيْسَتْ في شَأْنِ التَّمْثِيلِ بِحَمْزَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ واخْتارَهُ بَعْضُهم لِما يَلْزَمُ عَلى ذَلِكَ مِن عَدَمِ الِارْتِباطِ المُنَزَّهِ عَنْهُ كَلامُ رَبِّ العِزَّةِ جَلَّ شَأْنُهُ إذْ لا مُناسَبَةَ لِتِلْكَ القَضِيَّةِ لِما قَبْلُ، وأمّا عَلى القَوْلِ بِأنَّها مَكِّيَّةٌ فَوَجْهُ الِارْتِباطِ أنَّهُ لَمّا أمَرَ سُبْحانَهُ نَبِيَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالدَّعْوَةِ وبَيَّنَ طَرِيقَها أشارَ إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وإلى مَن يُتابِعُهُ بِمُراعاةِ العَدْلِ مَعَ مَن يُناصِبُهم والمُماثِلَةِ فَإنَّ الدَّعْوَةَ لا تَكادُ تَنْفَكُّ عَنْ ذَلِكَ كَيْفَ لا وهي مُوجِبَةٌ لِصَرْفِ الوُجُوهِ عَنِ القِبَلِ المَعْبُودَةِ وإدْخالِ الأعْناقِ في قِلادَةٍ غَيْرِ مَعْهُودَةٍ قاضِيَةٍ عَلَيْهِمْ بِفَسادِ ما يَأْتُونَ وما يَذَرُونَ وبُطْلانِ دِينٍ اسْتَمَرَّتْ عَلَيْهِ آباؤُهُمُ الأوَّلُونَ وقَدْ ضاقَتْ بِهِمُ الحِيَلُ وعَيَتْ بِهِمُ العِلَلُ وسُدَّتْ عَلَيْهِمْ طُرُقُ المُحاجَّةِ والمُناظَرَةِ وارْتَجَّتْ دُونَهم أبْوابُ المُباحَثَةِ والمُحاوَرَةِ. وتَرَدَّدَتْ في صُدُورِهِمُ الأنْفاسُ ووَقَعُوا في حَيْصَ بَيْصَ يَضْرِبُونَ أخْماسًا في أسْداسٍ لا يَجِدُونَ إلّا الأسِنَّةَ مَرْكَبًا ويَخْتارُونَ المَوْتَ الأحْمَرَ دُونَ دِينِ الإسْلامِ مَذْهَبًا، وإلى الأوَّلِ ذَهَبَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ ووَقَعَ ذَلِكَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ بَلْ قالَ القُرْطُبِيُّ: إنَّهُ مِمّا أطْبَقَ عَلَيْهِ المُفَسِّرُونَ، وما ذَكَرَ مِن لُزُومِ عَدَمِ الِارْتِباطِ عَلَيْهِ لَيْسَ بِشَيْءٍ، فَإنَّ التَّنْبِيهَ عَلى تِلْكَ القَضِيَّةِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الدَّعْوَةَ لا تَخْلُو مِن مِثْلِ ذَلِكَ وأنَّ المُجادَلَةَ تَنْجَرُّ إلى المُجالَدَةِ فَإذا وقَعَتْ فاللّائِقُ ما ذُكِرَ فَلا فَرْقَ في الِارْتِباطِ بِحَسَبِ المَآلِ بَيْنَ أنْ تَكُونَ

صفحة 258

مَكِّيَّةً وأنْ تَكُونَ مَدَنِيَّةً، وخُصُوصُ السَّبَبِ لا يُنافِي عُمُومَ المَعْنى، فالمُعَوَّلُ عَلَيْهِ عَدَمُ العُدُولِ عَمّا قالَهُ الجُمْهُورُ.

وقَرَأ ابْنُ سِيرِينَ: «وإنْ عَقَّبْتُمْ فَعَقِّبُوا» بِتَشْدِيدِ القافَيْنِ أيْ وإنْ قَفَّيْتُمْ بِالِانْتِصارِ فَقَفُّوا بِمِثْلِ ما فُعِلَ بِكم غَيْرَ مُتَجاوِزِينَ عَنْهُ. واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ لِلْمُقْتَصِّ أنْ يَفْعَلَ بِالجانِي مِثْلَ ما فَعَلَ في الجِنْسِ والقَدْرِ وهَذا مِمّا لا خِلافَ فِيهِ. وأمّا اتِّحادُ الآلَةِ بِأنْ يُقْتَلَ بِحَجَرِ مَن قُتِلَ بِهِ وبِسَيْفِ مَن قُتِلَ بِهِ مَثَلًا فَذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ الأئِمَّةِ، ومَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ لا قَوْدَ إلّا بِالسَّيْفِ، وُوجْهُ ذَلِكَ مَعَ أنَّ الآيَةَ ظاهِرَةٌ في خِلافِهِ أنَّ القَتْلَ بِالحَجَرِ ونَحْوِهِ مِمّا لا يُمْكِنُ مُماثَلَةُ مِقْدارِهِ شِدَّةً وضَعْفًا فاعْتُبِرَتْ مُماثَلَتُهُ في القَتْلِ وإزْهاقُ الرُّوحِ والأصْلُ في ذَلِكَ السَّيْفُ كَما ذَكَرَهُ الرّازِّي في أحْكامِهِ. وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّهُ اخْتُلِفَ في هَذِهِ الآيَةِ فَأخَذَ الشّافِعِيُّ بِظاهِرِها، وأجابَ الحَنَفِيَّةُ بِأنَّ المُماثَلَةَ في العَدَدِ بِأنْ يُقْتَلَ بِالواحِدِ واحِدٌ لِأنَّها نَزَلَتْ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَأُمَثِّلَنَّ بِسَبْعِينَ مِنهم لَمّا قُتِلَ حَمْزَةُ ومُثِّلَ بِهِ كَما سَمِعْتَ فَلا دَلِيلَ فِيها، وقالَ الواحِدِيُّ: إنَّها مَنسُوخَةٌ كَغَيْرِها مِنَ المُثْلَةِ وفِيهِ كَلامٌ في شُرُوحِ الهِدايَةِ.

وفِي تَقْيِيدِ الأمْرِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وإنْ عاقَبْتُمْ﴾ حَثٌّ عَلى العَفْوِ تَعْرِيضًا لِما في «إنِ» الشَّرْطِيَّةِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى عَدَمِ الجَزْمِ بِوُقُوعِ ما في حَيِّزِها فَكَأنَّهُ قِيلَ: لا تُعاقِبُوا وإنْ عاقَبْتُمْ إلَخْ كَقَوْلِ طَبِيبٍ لِمَرِيضٍ سَألَهُ عَنْ أكْلِ الفاكِهَةِ إنْ تَأْكُلِ الفاكِهَةَ فَكُلِ الكُمَّثْرى، وقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ عَلى الوَجْهِ الآكَدِ فَقِيلَ: ﴿ولَئِنْ صَبَرْتُمْ﴾ أيْ عَنِ المُعاقَبَةِ بِالمِثْلِ ﴿لَهُوَ﴾ أيْ لِصَبْرِكم ذَلِكَ عَلى حَدِّ ﴿اعْدِلُوا هو أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ ﴿خَيْرٌ﴾ مِنَ الِانْتِصارِ بِالمُعاقَبَةِ ﴿لِلصّابِرِينَ﴾ أيْ لَكم إلّا أنَّهُ عَدَلَ عَنْهُ إلى ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ مَدْحًا لَهم وثَناءً عَلَيْهِمْ بِالصَّبْرِ، وفِيهِ إرْشادٌ إلى أنَّهُ إنْ صَبَرْتُمْ فَهو شِيمَتُكُمُ المَعْرُوفَةُ فَلا تَتْرُكُوها إذًا في هَذِهِ القَضِيَّةِ أوْ وصْفًا لَهم بِصِفَةٍ تَحْصُلُ لَهم إذا صَبَرُوا عَنِ المُعاقَبَةِ فَهو عَلى حَدِّ مَن قَتَلَ قَتِيلًا وهو الظّاهِرُ مِنَ اللَّفْظِ، وفِيهِ تَرْغِيبٌ في الصَّبْرِ بالِغٌ، ويَجُوزُ عَوْدُ الضَّمِيرِ إلى مُطْلَقِ الصَّبْرِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِالفِعْلِ، والمُرادُ بِالصّابِرِينَ جِنْسُهم فَيَدْخُلُ هَؤُلاءِ دُخُولًا أوَّلِيًّا،

16:127Page 281

وَٱصۡبِرۡ وَمَا صَبۡرُكَ إِلَّا بِٱللَّهِۚ وَلَا تَحۡزَنۡ عَلَيۡهِمۡ وَلَا تَكُ فِي ضَيۡقٖ مِّمَّا يَمۡكُرُونَ ١٢٧

And be patient, [O Muḥammad], and your patience is not but through Allāh. And do not grieve over them and do not be in distress over what they conspire.

ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أمَرَ نَبِيَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ صَرِيحًا بِما نُدِبَ إلَيْهِ غَيْرُهُ تَعْرِيضًا مِنَ الصَّبْرِ لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أوْلى النّاسِ بِعَزائِمِ الأُمُورِ لِزِيادَةِ عِلْمِهِ بِشُؤُونِهِ سُبْحانَهُ ووُثُوقِهِ بِهِ تَعالى فَقالَ تَعالى: ﴿واصْبِرْ﴾ عَلى ما أصابَكَ مِن جِهَتِهِمْ مِن فُنُونِ الآلامِ والأذِيَّةِ وعايَنْتَ مِن إعْراضِهِمْ بَعْدَ الدَّعْوَةِ عَنِ الحَقِّ بِالكُلِّيَّةِ ﴿وما صَبْرُكَ إلا بِاللَّهِ﴾ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأشْياءِ أيْ وما صَبْرُكَ مُلابِسًا ومَصْحُوبًا بِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ إلّا بِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى والِاسْتِغْراقِ بِمُراقَبَةِ شُؤُونِهِ والتَّبَتُّلِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ بِمَجامِعِ الهِمَّةِ، وفِيهِ مِن تَسْلِيَةِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وتَهْوِينِ مَشاقِّ الصَّبْرِ عَلَيْهِ وتَشْرِيفِهِ ما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ أوْ إلّا بِمَشِيئَتِهِ المَبْنِيَّةِ عَلى حِكَمٍ بالِغَةٍ مُسْتَتْبَعَةٍ لِعَواقِبَ حَمِيدَةٍ فالتَّسْلِيَةُ مِن حَيْثُ اشْتِمالُهُ عَلى غاياتٍ جَلِيلَةٍ قالَهُ شَيْخُ الإسْلامِ.

وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: أيْ إلّا بِتَوْفِيقِهِ ومَعُونَتِهِ فالتَّسْلِيَةُ مِن حَيْثُ تَيْسِيرُ الصَّبْرِ وتَسْهِيلُهُ ولَعَلَّ ذَلِكَ أظْهَرُ مِمّا تَقَدَّمَ.

﴿ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ عَلى الكافِرِينَ وكُفْرِهِمْ بِكَ وعَدَمِ مُتابَعَتِهِمْ لَكَ نَحْوَ ﴿فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ وقِيلَ: عَلى المُؤْمِنِينَ وما فُعِلَ بِهِمْ مِنَ المُثْلَةِ يَوْمَ أُحُدٍ ﴿ولا تَكُ في ضَيْقٍ﴾ بِفَتْحِ الضّادِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِكَسْرِها ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ نافِعٍ، ولا يَصِحُّ عَلى ما قالَ أبُو حَيّانَ عَنْهُ وهُما لُغَتانِ كالقَوْلِ والقِيلِ أيْ

صفحة 259

لا تَكُنْ في ضِيقِ صَدْرٍ وحَرَجٍ وفِيهِ اسْتِعارَةٌ لا تُخْفى ولا داعِيَ إلى ارْتِكابِ القَلْبِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الضَّيْقُ بِالفَتْحِ مُخَفَّفٌ ضَيِّقٌ كَهَيِّنٍ، وهَيِّنٌ أيْ لا تَكُ في أمْرٍ ضَيِّقٍ. ورَدَّهُ أبُو عَلِيٍّ كَما في البَحْرِ بِأنَّ الصِّفَةَ غَيْرُ خاصَّةٍ بِالمَوْصُوفِ فَلا يَجُوزُ ادِّعاءُ الحَذْفِ ولِذَلِكَ جازَ مَرَرْتُ بِكاتِبٍ وامْتَنَعَ بِآكِلٍ. وتُعِقِّبَ بِالمَنعِ لِأنَّهُ إذا كانَتِ الصِّفَةُ عامَّةً وقُدِّرَ مَوْصُوفٌ عامٌّ فَلا مانِعَ مِنهُ ﴿مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ أيْ مِن مَكْرِهِمْ بِكَ فِيما يُسْتَقْبَلُ فالأوَّلُ كَما في إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ نَهْيٌ عَنِ التَّألُّمِ بِمَطْلُوبٍ مِن جِهَتِهِمْ فاتَ والثّانِي نَهْيٌ عَنِ التَّألُّمِ بِمَحْذُورٍ مِن جِهَتِهِمْ آتٍ، وفِيهِ أنَّ النَّهْيَ عَنْهُما مَعَ أنَّ انْتِفاءَهُما لِمَن لَوازِمِ الصَّبْرِ المَأْمُورِ بِهِ لِزِيادَةِ التَّأْكِيدِ وإظْهارِ كَمالِ العِنايَةِ بِشَأْنِ التَّسْلِيَةِ وإلّا فَهَلْ يَخْطُرُ بِبالِ مَن تَوَجَّهَ إلى اللَّهِ تَعالى بِشَراشِرِهِ مُتَنَزِّهًا عَنْ كُلِّ ما سِواهُ سُبْحانَهُ مِنَ الشَّواغِلِ شَيْءٌ مَطْلُوبٌ فَيَنْهى عَنِ الحُزْنِ بِفَواتِهِ، وقِيلَ: يَمْكُرُونَ بِمَعْنى مَكَرُوا، وإنَّما عَبَّرَ بِالمُضارِعِ اسْتِحْضارًا لِلصُّورَةِ الماضِيَةِ، والأوَّلُ نَهْيٌ عَنِ الحُزْنِ عَلى سُوءِ حالِهِمْ في أنْفُسِهِمْ مِنِ اتِّصافِهِمْ بِالكُفْرِ والإعْراضِ عَنِ الدَّعْوَةِ والثّانِي نَهْيٌ عَنِ الحُزْنِ عَلى سُوءِ حالِهِمْ مَعَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن إيذائِهِمْ لَهُ بِالتَّمْثِيلِ بِأحْبابِهِ ونَحْوِهِ والمُرادُ مِنَ النَّهْيَيْنِ مَحْضُ التَّسْلِيَةِ لا حَقِّيَّةُ النَّهْيِ، وأنْ تَعْلَمَ أنَّ الظّاهِرَ إبْقاءُ المُضارِعِ عَلى حَقِيقَتِهِ فَتَأمَّلْ.

16:128Page 281

إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّٱلَّذِينَ هُم مُّحۡسِنُونَ ١٢٨

Indeed, Allāh is with those who fear Him and those who are doers of good.

﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ تَعْلِيلٌ لِما سَبَقَ مِنَ الأمْرِ والنَّهْيِ، والمُرادُ بِالمَعِيَّةِ الوِلايَةُ الدّائِمَةُ الَّتِي لا يَحُولُ حَوْلَ صاحِبِها شَيْءٌ مِنَ الجَزَعِ والحُزْنِ وضِيقِ الصَّدْرِ وما يُشْعِرُ بِهِ دُخُولُ كَلِمَةِ ( مَعَ ) مِن مَتْبُوعِيَّةِ المُتَّقِينَ مِن حَيْثُ إنَّهُمُ المُباشِرُونَ لِلتَّقْوى، والمُرادُ بِها هُنا أعْلى مَراتِبِها أعْنِي التَّنَزُّهَ عَنْ كُلِّ ما يَشْغَلُ السِّرَّ عَنِ الحَقِّ سُبْحانَهُ والتَّبَتُّلِ إلَيْهِ تَعالى بِالكُلِّيَّةِ لِأنَّ ذَلِكَ هو المُوَرِّثُ لِوِلايَتِهِ عَزَّ وجَلَّ المَقْرُونَةِ بِبِشارَةِ ﴿ألا إنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ والمَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى ولِيُّ الَّذِينَ تَبَتَّلُوا إلَيْهِ سُبْحانَهُ بِالكُلِّيَّةِ وتَنَزَّهُوا عَنْ كُلِّ ما يَشْغَلُ سِرَّهم عَنْهُ عَزَّ وجَلَّ فَلَمْ يَخْطُرْ بِبالِهِمْ شَيْءٌ مِن مَطْلُوبٍ أوْ مَحْذُورٍ فَضْلًا عَنِ الحُزْنِ عَلَيْهِ فَواتًا أوْ وُقُوعًا وهو المَعْنى بِما بِهِ الصَّبْرُ المَأْمُورُ بِهِ عَلى أوَّلِ الِاحْتِمالاتِ السّالِفَةِ وبِذَلِكَ يَحْصُلُ التَّقْرِيبُ ويَتِمُّ التَّعْلِيلُ وإلّا فَمُجَرَّدُ التَّوَقِّي عَنِ المَعاصِي لا يَكُونُ مَدارًا لِشَيْءٍ مِنَ العَزائِمِ المُرَخَّصِ في تَرْكِها فَكَيْفَ بِالصَّبْرِ المُشارِ إلَيْهِ ورَدِيفَيْهِ وإنَّما مَدارُهُ المَعْنى المَذْكُورُ فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ صَبَرُوا، وإنَّما أُوثِرَ عَلَيْهِ ما في النَّظْمِ الكَرِيمِ مُبالَغَةً في الحَثِّ عَلى الصَّبْرِ بِالتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ مِن خَصائِصِ أجَلِّ النُّعُوتِ الجَلِيلَةِ ورَوادِفِهِ كَما أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ﴾ لِلْإشْعارِ بِأنَّهُ مِن بابِ الإحْسانِ الَّذِي فِيهِ يَتَنافَسُ المُتَنافِسُونَ عَلى ما يُؤْذِنُ بِذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واصْبِرْ فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ وقَدْ نَبَّهَ سُبْحانَهُ عَلى أنَّ كُلًّا مِنَ الصَّبْرِ والتَّقْوى مِن قَبِيلِ الإحْسانِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهُ مَن يَتَّقِ ويَصْبِرْ فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ وحَقِيقَةُ الإحْسانِ الإتْيانُ بِالأعْمالِ عَلى الوَجْهِ اللّائِقِ، وقَدْ فَسَّرَهُ ﷺ بِأنْ تَعْبُدَ اللَّهَ تَعالى كَأنَّكَ تَراهُ فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ، وتَكْرِيرُ المَوْصُولِ لِلْإيذانِ بِكِفايَةِ كُلٍّ مِنَ الصِّلَتَيْنِ في وِلايَتِهِ سُبْحانَهُ مِن غَيْرِ أنْ تَكُونَ إحْداهُما تَتِمَّةً لِلْأُخْرى، وإيرادُ الأُولى فِعْلِيَّةً لِلدَّلالَةِ عَلى الحُدُوثِ كَما أنَّ إيرادَ الثّانِيَةِ اسْمِيَّةً لِإفادَةِ كَوْنِ مَضْمُونِها شِيمَةً راسِخَةً لَهُمْ، وتَقْدِيمُ التَّقْوى عَلى الإحْسانِ لِما أنَّ التَّخْلِيَةَ مُقَدَّمَةٌ عَلى التَّحْلِيَةِ، والمُرادُ بِالمَوْصُولَيْنِ إمّا جِنْسُ المُتَّقِينَ والمُحْسِنِينَ ويَدْخُلُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في زُمْرَتِهِمْ دُخُولًا أوَّلِيًّا إمّا هو ﷺ وأشْياعُهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم وعَبَّرَ بِذَلِكَ عَنْهم مَدْحًا لَهم وثَناءً عَلَيْهِمْ بِالنَّعْتَيْنِ الجَمِيلَيْنِ، وفِيهِ رَمْزٌ إلى أنَّ صَنِيعَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُسْتَتْبَعٌ لِاقْتِداءِ الأُمَّةِ بِهِ كَقَوْلِ مَن قالَ لِابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما عِنْدَ التَّعْزِيَةِ:

صفحة 260

اصْبِرْ نَكُنْ بِكَ صابِرِينَ وإنَّما صَبْرُ الرَّعِيَّةِ عِنْدَ صَبْرِ الرّاسِ

قالَ: كُلُّ ذَلِكَ في إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ، وإلى كَوْنِ الجُمْلَةِ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ لِما سَبَقَ ذَهَبَ العَلّامَةُ الطَّيِّبِيُّ حَيْثُ قالَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ حَبِيبَهُ بِالصَّبْرِ عَلى أذى المُخالِفِينَ ونَهاهُ عَنِ الحُزْنِ عَلى عِنادِهِمْ وإبائِهِمُ الحَقَّ وعَمّا يَلْحَقُهُ مِن مَكْرِهِمْ وخِداعِهِمْ عُلِّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( إنَّ اللَّهَ ) إلَخْ أيْ لا تُبالِ بِهِمْ وبِمَكْرِهِمْ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى ولِيُّكَ ومُحِبُّكَ وناصِرُكَ ومُبْغِضُهم وخاذِلُهُمْ، وعَمَّمَ الحُكْمَ إرْشادًا لِلِاقْتِداءِ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِالمُخالِفِينَ وبِخُذْلانِهِمْ كَما صَرَّحَ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ مَوْلى الَّذِينَ آمَنُوا وأنَّ الكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ﴾ وذَكَرَ أنَّ إيرادَ الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ اسْمِيَّةً وبِناءَ ﴿مُحْسِنُونَ﴾ عَلى ( هم ) عَلى سَبِيلِ التَّقْوى مُؤْذِنٌ بِاسْتِدامَةِ الإحْسانِ واسْتِحْكامِهِ وهو مُسْتَلْزِمٌ لِاسْتِمْرارِ التَّقْوى لِأنَّ الإحْسانَ إنَّما يَتِمُّ إذا لَمْ يَعُدْ إلى ما كانَ عَلَيْهِ مِنَ الإساءَةِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِما ورَدَ ««مِن حُسْنِ إسْلامِ المَرْءِ تَرْكُهُ ما لا يَعْنِيهِ»».

وما ذُكِرَ مِن حَمْلِ التَّقْوى عَلى أعْلى مَراتِبِها غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ، وما ذَكَرَهُ في بَيانِهِ لا يَخْلُو عَنْ نَظَرٍ كَما لا يَخْفى عَلى المُتَأمِّلِ، وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وغَيْرُهم عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: اتَّقُوا فِيما حَرَّمَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ وأحْسِنُوا فِيما افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ، ويُوهِمُ كَلامُ بَعْضِهِمْ أنَّ الجُمْلَةَ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ لِلْأمْرِ بِالمُعاقَبَةِ بِالمِثْلِ حَيْثُ قالَ: إنَّ المَعْنى إنَّ اللَّهَ بِالعَوْنِ والرَّحْمَةِ والفَضْلِ مَعَ الَّذِينَ خافُوا عِقابَ اللَّهِ تَعالى وأشْفَقُوا مِنهُ فَشَفِقُوا عَلى خَلْقِهِ بَعْدَ الإسْرافِ في المُعاقَبَةِ، وفَسَّرَ الإحْسانَ بِتَرْكِ الإساءَةِ كَما قِيلَ. تَرْكُ الإساءَةِ إحْسانٌ وإجْمالٌ. ولا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ البُعْدِ، وقَدِ اشْتَمَلَتْ هَذِهِ الآياتُ عَلى تَعْلِيمٍ حُسْنِ الأدَبِ في الدَّعْوَةِ وتَرْكِ التَّعَدِّي والأمْرِ بِالصَّبْرِ عَلى المَكْرُوهِ مَعَ البِشارَةِ لِلْمُتَّقِينَ المُحْسِنِينَ، وقَدْ أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُما عَنْ هَرَمِ بْنِ حَيّانَ أنَّهُ قِيلَ لَهُ حِينَ الِاحْتِضارِ: أوْصِ فَقالَ: إنَّما الوَصِيَّةُ مِنَ المالِ ولا مالَ لِي وأُوصِيكم بِخَواتِيمِ سُورَةِ النَّحْلِ هَذا.

* * *

ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ: ﴿ونَزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ أيْ مِمّا كانَ وما يَكُونُ فَيُفَرَّقُ بِهِ بَيْنَ المُحِقِّ والمُبْطِلِ والصّادِقِ والكاذِبِ والمُتَّبِعِ والمُبْتَدِعِ، وقِيلَ: كُلُّ شَيْءٍ هو النَّبِيُّ ﷺ كَما قِيلَ إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الإمامُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْناهُ في إمامٍ مُبِينٍ﴾ ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ والإحْسانِ وإيتاءِ ذِي القُرْبى ويَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ والبَغْيِ يَعِظُكم لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ قالَ السِّيادِيُّ: العَدْلُ رُؤْيَةُ المِنَّةِ مِنهُ تَعالى قَدِيمًا وحَدِيثًا، والإحْسانُ الِاسْتِقامَةُ بِشَرْطِ الوَفاءِ إلى الأبَدِ، وقِيلَ: العَدْلُ أنْ لا يُرى العَبْدُ فاتِرًا عَنْ طاعَةِ مَوْلاهُ مَعَ عَدَمِ الِالتِفاتِ إلى العِوَضِ، وإيتاءُ ذِي القُرْبى الإحْسانُ إلى ذَوِي القَرابَةِ في المَعْرِفَةِ والمَحَبَّةِ والدِّينِ فَيَخْدِمُهم بِالصِّدْقِ والشَّفَقَةِ ويُؤَدِّي إلَيْهِمْ حَقَّهُمْ، والفَحْشاءُ الِاسْتِهانَةُ بِالشَّرِيعَةِ، والمُنْكَرُ الإصْرارُ عَلى الذَّنْبِ كَيْفَما كانَ، والبَغْيُ ظُلْمُ العِبادِ، وقِيلَ: الفَحْشاءُ إضافَةُ الأشْياءِ إلى غَيْرِهِ تَعالى مِلْكًا وإيجادًا ﴿وأوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ المَأْخُوذِ عَلَيْكم في عالَمِ الأرْواحِ بِالبَقاءِ عَلى حُكْمِهِ وهو الإعْراضُ عَنِ الغَيْرِ والتَّجَرُّدُ عَنِ العَلائِقِ والعَوائِقِ في التَّوَجُّهِ إلَيْهِ تَعالى إذا عاهَدْتُمْ أيْ تَذَكَّرْتُمُوهُ بِإشْراقِ نُورِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلَيْكم وتَذْكِيرِهِ إيّاكم قالَ النَّصْراباذِيُّ: العُهُودُ مُخْتَلِفَةٌ فَعَهْدُ العَوامِّ لُزُومُ الظَّواهِرِ وعَهْدُ الخَواصِّ حِفْظُ السَّرائِرِ وعَهْدُ خَواصِّ الخَواصِّ التَّخَلِّي مِن مِنَ الكُلِّ لِمَن لَهُ الكُلُّ ﴿ما عِنْدَكُمْ﴾ مِنَ الصِّفاتِ يَنْفَدُ لِمَكانِ الحُدُوثِ ﴿وما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ﴾ لِمَكانِ القِدَمِ فالعَبْدُ الحَقِيقِيُّ مَن كانَ فانِيًا مِن أوْصافِهِ باقِيًا بِما عِنْدَ اللَّهِ تَعالى كَذا في أسْرارِ القُرْآنِ ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا مَن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى﴾ أيْ

صفحة 261

عَمَلًا يُوصِلُهُ إلى كَمالِهِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ اسْتِعْدادُهُ ﴿وهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ مُعْتَقِدٌ لِلْحَقِّ اعْتِقادًا جازِمًا ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً﴾ أيْ حَياةً حَقِيقِيَّةً لا مَوْتَ بَعْدَها بِالتَّجَرُّدِ عَنِ المَوادِّ البَدَنِيَّةِ والِانْخِراطِ في سِلْكِ الأنْوارِ القُدْسِيَّةِ والتَّلَذُّذِ بِكِمالاتِ الصِّفاتِ ومُشاهَداتِ التَّجَلِّياتِ الإفْعالِيَّةِ والصِّفاتِيَّةِ ﴿ولَنَجْزِيَنَّهم أجْرَهُمْ﴾ مِن جَنّاتِ الصِّفاتِ والأفْعالِ ﴿بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ إذْ عَمَلُهم يُناسِبُ صِفاتِهِمُ الَّتِي هي مَبادِئُ أفْعالِهِمْ وأجْرُهم يُناسِبُ صِفاتِ اللَّهِ تَعالى الَّتِي هي مَصادِرُ أفْعالِهِ فانْظُرْ كَمْ بَيْنَهُما مِنَ التَّفاوُتِ في الحُسْنِ، ويُقالُ: الحَياةُ الطَّيِّبَةُ ما تَكُونُ مَعَ المَحْبُوبِ ومِن هُنا قِيلَ:

كُلُّ عَيْشٍ يَنْقَضِي ما لَمْ يَكُنْ مَعَ مَلِيحٍ ما لِذاكَ العَيْشِ مِلْحُ

﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وصَبَرُوا إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قالَ سَهْلٌ: هو إشارَةٌ إلى الَّذِينَ رَجَعُوا القَهْقَرى في طَرِيقِ سُلُوكِهِمْ ثُمَّ عادُوا أيْ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينِ هَجَرُوا قُرَناءَ السُّوءِ مِن بَعْدِ أنْ ظَهَرَ لَهم مِنهُمُ الفِتْنَةُ في صُحْبَتِهِمْ ثُمَّ جاهَدُوا أنْفُسَهم عَلى مُلازَمَةِ أهْلِ الخَيْرِ ثُمَّ صَبَرُوا مَعَهم عَلى ذَلِكَ ولَمْ يَرْجِعُوا إلى ما كانُوا عَلَيْهِ في الفِتْنَةِ لِساتِرٍ عَلَيْهِمْ ما صَدَرَ مِنهم مُنْعِمٌ عَلَيْهِمْ بِصُنُوفِ الإنْعامِ، وقِيلَ: إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينِ هاجَرُوا أيْ تَباعَدُوا عَنْ مَوْطِنِ النَّفْسِ بِتَرْكِ المَأْلُوفاتِ والمُشْتَهِياتِ مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا بِها بِحُكْمِ النَّشْأةِ البَشَرِيَّةِ ثُمَّ جاهَدُوا في اللَّهِ تَعالى بِالرِّياضاتِ وسُلُوكِ طَرِيقِهِ سُبْحانَهُ بِالتَّرَقِّي في المَقاماتِ والتَّجْرِيدِ عَنَ التَّعَلُّقاتِ وصَبَرُوا عَمّا تُحِبُّ النَّفْسُ وعَلى ما تَكْرَهُهُ بِالثَّباتِ في السَّيْرِ إنَّ رَبَّكَ لَغَفُورٌ يَسْتُرُ غَواشِي الصِّفاتِ النَّفْسانِيَّةِ رَحِيمٌ بِإفاضَةِ الكَمالِ والصِّفاتِ القُدْسِيَّةِ ( ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا) لِلنَّفْسِ المُسْتَعِدَّةِ القابِلَةِ لِفَيْضِ القَلْبِ الثّابِتَةِ في طَرِيقِ اكْتِسابِ الفَضائِلِ الآمِنَةِ مِن خَوْفِ فَواتِها المُطَمْئِنَةِ بِاعْتِقادِها ﴿يَأْتِيها رِزْقُها رَغَدًا﴾ مِنَ العُلُومِ والفَضائِلِ والأنْوارِ ﴿مِن كُلِّ مَكانٍ﴾ مِن جَمِيعِ جِهاتِ الطُّرُقِ البَدَنِيَّةِ كالحَواسِّ والجَوارِحِ والآلاتِ ومِن جِهَةِ القَلْبِ ﴿فَكَفَرَتْ بِأنْعُمِ اللَّهِ﴾ ظَهَرَتْ بِصِفاتِها بَطَرًا وإعْجابًا بِزِينَتِها ونَظَرًا إلى ذاتِها بِبَهْجَتِها وبَهائِها فاحْتَجَبَتْ بِصِفاتِها الظَّلْمانِيَّةِ عَنْ تِلْكَ الأنْوارِ ومالَتْ إلى الأُمُورِ السُّفْلِيَّةِ وانْقَطَعَ إمْدادُ القَلْبِ عَنْها وانْقَلَبَتِ المَعانِي الوارِدَةُ عَلَيْها مِن طُرُقِ الحِسِّ هَيْئاتٍ غاسِقَةً مِن صُوَرِ المَحْسُوساتِ الَّتِي انْجَذَبَتْ إلَيْها ﴿فَأذاقَها اللَّهُ لِباسَ الجُوعِ﴾ بِانْقِطاعِ مَدَدِ المَعانِي والفَضائِلِ والأنْوارِ مِنَ القَلْبِ والخَوْفِ مِن زَوالِ مُقْتَنِياتِها مِنَ الشَّهَواتِ والمَأْلُوفاتِ ﴿بِما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ مِن كُفْرانِ أنْعُمِ اللَّهِ تَعالى ﴿ولَقَدْ جاءَهم رَسُولٌ مِنهُمْ﴾ أيْ مِن جِنْسِهِمْ وهي القُوَّةُ الفِكْرِيَّةُ ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ بِما ألْقى إلَيْهِمْ مِنَ المَعانِي المَعْقُولَةِ والآراءِ الصّادِقَةِ ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ﴾ أيْ عَذابُ الحِرْمانِ والِاحْتِجابِ ﴿وهم ظالِمُونَ﴾ في حالَةِ ظُلْمِهِمْ وتَرَفُّعِهِمْ عَنْ طَرِيقِ الفَضِيلَةِ ونَقْصِهِمْ لِحُقُوقِ صاحِبِهِمْ ﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً﴾ لِاجْتِماعِ ما تَفَرَّقَ في غَيْرِهِ مِنَ الصِّفاتِ الكامِلَةِ فِيهِ وكَذا كُلُّ نَبِيٍّ ولِذا جاءَ في الخَبَرِ عَلى ما قِيلَ: لَوْ وُزِنْتُ بِأُمَّتِي لَرَجَحْتُ بِهِمْ ﴿قانِتًا لِلَّهِ﴾ مُطِيعًا لَهُ سُبْحانَهُ عَلى أكْمَلِ وجْهٍ ﴿حَنِيفًا﴾ مائِلًا عَنْ كُلِّ ما سِواهُ تَعالى ﴿ولَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ بِنِسْبَةِ شَيْءٍ إلى غَيْرِهِ سُبْحانَهُ ﴿شاكِرًا﴾ لِأنْعَمِهِ مُسْتَعْمِلًا لَها عَلى ما يَنْبَغِي ﴿اجْتَباهُ﴾ اخْتارَهُ بِلا واسِطَةِ عَمَلٍ لِكَوْنِهِ مِنَ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمُ الحُسْنى فَتَقَدَّمَ كُشُوفُهم عَلى سُلُوكِهِمْ ﴿وهَداهُ﴾ بَعْدَ الكَشْفِ ﴿إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وهو مَقامُ الإرْشادِ والدَّعْوَةِ يَنْعُونَ بِهِ مَقامَ الفَرْقِ بَعْدَ الجَمْعِ ﴿وآتَيْناهُ في الدُّنْيا حَسَنَةً﴾ وهي الذِّكْرُ الجَمِيلُ والمُلْكُ العَظِيمُ والنُّبُوَّةُ ﴿وإنَّهُ في الآخِرَةِ﴾ قِيلَ أيْ في عالَمِ الأرْواحِ ﴿لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ المُتَمَكِّنِينَ في مَقامِ الِاسْتِقامَةِ وقِيلَ أيْ يَوْمَ القِيامَةِ لِمَنِ الصّالِحِينَ لِلْجُلُوسِ عَلى بِساطِ القُرْبِ والمُشاهَدَةِ بِلا حِجابٍ وهَذا لِدَفْعِ تَوَهُّمِ أنَّ ما أُوتِيَهُ في الدُّنْيا يَنْقُصُ مَقامُهُ في العُقْبى كَما قِيلَ إنَّ مَقامَ الوَلِيِّ المَشْهُورِ دُونَ الوَلِيِّ الَّذِي في زَوايا الحُمُولِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِمْ: الشُّهْرَةُ آفَةٌ، وقَدْ نَصَّ

صفحة 262

عَلى ذَلِكَ الشَّعَرانِيُّ في بَعْضِ كُتُبِهِ ﴿إنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ وهُمُ اليَهُودُ واخْتارُوهُ لِأنَّهُ اليَوْمَ الَّذِي انْتَهَتْ بِهِ أيّامُ الخَلْقِ فَكانَ بِزَعْمِهِمْ أنْسَبَ لِتَرْكِ الأعْمالِ الدُّنْيَوِيَّةِ وهو عَلى ما قالَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ قُدِّسَ سِرُّهُ في الفُتُوحاتِ يَوْمَ الأبَدِ الَّذِي لا انْقِضاءَ لَهُ فَلَيْلُهُ في جَهَنَّمَ ونَهارُهُ في الجَنَّةِ واخْتِيارُ النَّصارى لِيَوْمِ الأحَدِ لِأنَّهُ أوَّلُ يَوْمٍ اعْتَنى اللَّهُ تَعالى فِيهِ بِخَلْقِ الخَلْقِ فَكانَ بِزَعْمِهِمْ أوْلى بِالتَّفَرُّغِ لِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى وشُكْرِهِ سُبْحانَهُ، وقَدْ هَدى اللَّهُ تَعالى لِما هو أعْظَمُ مِن ذَلِكَ وهو يَوْمُ الجُمُعَةِ الَّذِي أكْمَلَ اللَّهُ تَعالى بِهِ الخَلْقَ وظَهَرَتْ فِيهِ حِكْمَةُ الِاقْتِداءِ بِخَلْقِ الإنْسانِ الَّذِي خُلِقَ عَلى صُورَةِ الرَّحْمَنِ فَكانَ أوْلى بِأنْ يَتَفَرَّغَ فِيهِ الإنْسانُ لِلْعِبادَةِ والشُّكْرِ مِن ذَيْنِكَ اليَوْمَيْنِ وسُبْحانَ مَن خَلَقَ فَهَدى ﴿وإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ ولَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهو خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ﴾ لِما في ذَلِكَ مِن قَهْرِ النَّفْسِ المُوجِبِ لِتَرَقِّيها إلى أعْلى المَقاماتِ ﴿واصْبِرْ وما صَبْرُكَ إلا بِاللَّهِ﴾ قِيلَ: الصَّبْرُ أقْسامٌ: صَبْرٌ لِلَّهِ تَعالى، وصَبْرٌ في اللَّهِ تَعالى، وصَبْرٌ مَعَ اللَّهِ تَعالى، وصَبْرٌ عَنِ اللَّهِ تَعالى، وصَبْرٌ بِاللَّهِ تَعالى، فالصَّبْرُ بِاللَّهِ تَعالى هو مِن لَوازِمِ الإيمانِ وأوَّلُ دَرَجاتِ الإسْلامِ وهو حَبْسُ النَّفْسِ عَنِ الجَزَعِ عِنْدَ فَواتِ مَرْغُوبٍ أوْ وُقُوعِ مَكْرُوهٍ وهو مِن فَضائِلِ الأخْلاقِ المَوْهُوبَةِ مِن فَضْلِ اللَّهِ تَعالى لِأهْلِ دِينِهِ وطاعَتِهِ المُقْتَضِيَةِ لِلثَّوابِ الجَزِيلِ. والصَّبْرُ في اللَّهِ تَعالى هو الثَّباتُ في سُلُوكِ طَرِيقِ الحَقِّ وتَوْطِينُ النَّفْسِ عَلى المُجاهَدَةِ بِالِاخْتِيارِ وتَرْكِ المَأْلُوفاتِ واللَّذّاتِ وتَحَمُّلِ البَلِيّاتِ وقُوَّةِ العَزِيمَةِ في التَّوَجُّهِ إلى مَنبَعِ الكِمالاتِ وهو مِن مَقاماتِ السّالِكِينَ يَهَبُهُ اللَّهُ تَعالى لِمَن يَشاءُ مِن أهْلِ الطَّرِيقَةِ، والصَّبْرُ مَعَ اللَّهِ تَعالى هو لِأهْلِ الحُضُورِ والكَشْفِ عِنْدَ التَّجَرُّدِ عَنْ مَلابِسِ الأفْعالِ والصِّفاتِ والتَّعَرُّضِ لِتَجَلِّياتِ الجَمالِ والجَلالِ وتَوارُدِ وارِداتِ الأُنْسِ والهَيْبَةُ فَهو بِحُضُورِ القَلْبِ لِمَن كانَ لَهُ قَلْبٌ والِاحْتِراسُ عَنِ الغَفْلَةِ والغَيْبَةِ عِنْدَ التَّلْوِيناتِ بِظُهُورِ النَّفْسِ، وهو أشَقُّ عَلى النَّفْسِ مِنَ الضَّرْبِ عَلى الهامِّ وإنْ كانَ لَذِيذًا جِدًّا، والصَّبْرُ عَنِ اللَّهِ تَعالى هو لِأهْلِ العِيانِ والمُشاهَدَةِ مِنَ العُشّاقِ المُشْتاقِينَ المُتَقَلِّبِينَ في أطْوارِ التَّجَلِّي والِاسْتِتارِ المُنْخَلِعِينَ عَنِ النّاسُوتِ المُتَنَوِّرِينَ بِنُورِ اللّاهُوتِ ما بَقِيَ لَهم قَلْبٌ ولا وصْفٌ كُلَّما لاحَ لَهم نُورٌ مِن سَبَحاتِ أنْوارِ الجَمالِ احْتَرَقُوا وتَفانَوْا وكُلَّما ضُرِبَ لَهم حِجابٌ ورُدَّ وجُودُهم تَشْوِيقًا وتَعْظِيمًا ذاقُوا مِن ألَمِ الشَّوْقِ وحُرْقَةِ الفِرْقَةِ ما عِيلَ بِهِ صَبْرُهم وتَحَقَّقَ مَوْتُهُمْ، والصَّبْرُ بِاللَّهِ تَعالى هو لِأهْلِ التَّمْكِينِ في مَقامِ الِاسْتِقامَةِ الَّذِينَ أفْناهُمُ اللَّهُ تَعالى بِالكُلِّيَّةِ وما تَرَكَ عَلَيْهِمْ شَيْئًا مِن بَقِيَّةِ الآنِيَةِ والِاثْنَيْنِيَّةِ ثُمَّ وهَبَ لَهم وُجُودًا مِن ذاتِهِ حَتّى قامُوا بِهِ وفَعَلُوا بِصِفاتِهِ وهو مِن أخْلاقِ اللَّهِ تَعالى لَيْسَ لِأحَدٍ فِيهِ نَصِيبٌ، ولِهَذا بَعْدَ أنْ أمَرَ سُبْحانَهُ بِهِ نَبِيَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَيَّنَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إنَّكَ لا تُباشِرُهُ إلّا بِي ولا تُطِيقُهُ إلّا بِقُوَّتِي ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ﴿ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ فالكُلُّ مِنِّي ﴿ولا تَكُ في ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ لِانْشِراحِ صَدْرِكَ بِي ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ بَقاياهم وفَنُوا فِيهِ سُبْحانَهُ ﴿والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ﴾ بِشُهُودِ الوَحْدَةِ في الكَثْرَةِ وهَؤُلاءِ الَّذِينَ لا يَحْجُبُهُمُ الفَرْقُ عَنِ الجَمْعِ ولا الجَمْعُ عَنِ الفَرْقِ ويَسَعُهم مُراعاةُ الحَقِّ والخَلْقِ، وذَكَرَ الطَّيِّبِيُّ أنَّ التَّقْوى في الآيَةِ بِمَنزِلَةِ التَّوْبَةِ لِلْعارِفِ والإحْسانَ بِمَنزِلَةِ السِّيَرِ والسُّلُوكِ في الأحْوالِ والمَقاماتِ إلى أنْ يَنْتَهِيَ إلى مَحْوِ الرَّسْمِ والوُصُولِ إلى مَخْدَعِ الأُنْسِ، هَذا واللَّهُ سُبْحانَهُ الهادِي إلى سَواءِ السَّبِيلِ فَنَسْألُهُ جَلَّ شَأْنُهُ أنْ يَهْدِيَنا إلَيْهِ ويُوَفِّقَنا لِلْعِلْمِ النّافِعِ لَدَيْهِ ويَفْتَحَ لَنا خَزائِنَ الأسْرارِ ويَحْفَظَنا مِن شَرِّ الأشْرارِ بِحُرْمَةِ القُرْآنِ العَظِيمِ والرَّسُولِ الكَرِيمِ عَلَيْهِ أفْضَلُ الصَّلاةِ وأكْمَلُ التَّسْلِيمِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском