Al-AlusiAn‑Nahl · 16:14–15

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

An-Nahl 16:14–15

16:14Page 268

وَهُوَ ٱلَّذِي سَخَّرَ ٱلۡبَحۡرَ لِتَأۡكُلُواْ مِنۡهُ لَحۡمٗا طَرِيّٗا وَتَسۡتَخۡرِجُواْ مِنۡهُ حِلۡيَةٗ تَلۡبَسُونَهَاۖ وَتَرَى ٱلۡفُلۡكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِهِۦ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ١٤

And it is He who subjected the sea for you to eat from it tender meat and to extract from it ornaments which you wear. And you see the ships plowing through it, and [He subjected it] that you may seek of His bounty; and perhaps you will be grateful.

﴿وهُوَ الَّذِي سَخَّرَ البَحْرَ﴾ شُرُوعٌ في نَوْعٍ آخَرَ مِنَ النِّعَمِ مُتَعَلِّقٌ بِالبَحْرِ إثْرَ تَفْصِيلِ النَّوْعِ المُتَعَلِّقِ بِالبَرِّ، وجَعَلَهُ بَعْضُهم عَدِيلًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكُمْ﴾ فَلِذا جاءَ عَلى أُسْلُوبِهِ جُمْلَةً اسْمِيَّةً مُعَرَّفَةَ الجُزْأيْنِ، وما وقَعَ في البَيْنِ إمّا مُتَرَتِّبٌ عَلى ذَلِكَ الماءِ المُنَزَّلِ وإمّا مُتَضَمَّنٌ لِمَصْلَحَةِ ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ، والبَحْرُ عَلى ما في البَحْرِ يَشْمَلُ المِلْحَ والعَذْبَ، والمَعْنى جَعَلَ لَكم ذَلِكَ بِحَيْثُ تَتَمَكَّنُونَ مِنَ الانْتِفاعِ بِهِ بِالرُّكُوبِ والغَوْصِ والِاصْطِيادِ ﴿لِتَأْكُلُوا مِنهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ وهو السَّمَكُ، والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِاللَّحْمِ مَعَ كَوْنِهِ حَيَوانًا لِلْإشارَةِ إلى قِلَّةِ عِظامِهِ وضَعْفِها في أغْلَبِ ما يُصْطادُ لِلْأكْلِ بِالنِّسْبَةِ إلى الأنْعامِ المُمْتَنِّ بِالأكْلِ مِنها فِيما سَبَقَ، وقِيلَ: لِلتَّلْوِيحِ بِانْحِصارِ الِانْتِفاعِ بِهِ في الأكْلِ.

صفحة 112

و(مِن) مُتَعَلِّقٌ- بِتَأْكُلُوا- أوْ حالٌ مِمّا بَعْدَهُ وهي ابْتِدائِيَّةٌ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ تَبْعِيضِيَّةً والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ مِن حَيَوانِهِ، وحِينَئِذٍ يَجُوزُ أنَّ (1) مِنَ اللَّحْمِ الطَّرِيِّ لَحْمَ السَّمَكِ كَما يَجُوزُ أنْ يُرادَ مِنهُ السَّمَكُ والطَّرِيُّ فَعِيلٌ مِن طَرَوَ يَطْرُو طَراوَةً مِثْلَ سَرَوَ يَسْرُو سَراوَةً، وقالَ الفَرّاءُ: مِن طَرِيَ يَطْرى طَراءً وطَراوَةً كَشَقِيَ يَشْقى شَقاءً وشَقاوَةً، والطَّراوَةُ ضِدُّ اليُبُوسَةِ، ووَصْفُهُ بِذَلِكَ لِلْإشْعارِ بِلَطافَتِهِ والتَّنْبِيهِ إلى أنَّهُ يَنْبَغِي المُسارَعَةُ إلى أكْلِهِ فَإنَّهُ لِكَوْنِهِ رَطْبًا مُسْتَعِدٌّ لِلتَّغَيُّرِ فَيُسْرِعُ إلَيْهِ الفَسادُ والِاسْتِحالَةُ، وقَدْ قالَ الأطِبّاءُ: إنَّ تَناوَلَهُ بَعْدَ ذَهابِ طَراوَتِهِ مِن أضَرِّ الأشْياءِ فَفِيهِ إدْماجٌ لِحُكْمٍ طِبِّيٍّ، وهَذا عَلى ما قِيلَ لا يُنافِي تَقْدِيدَهُ وأكْلَهُ مُحَلَّلًا كَما تُوُهِّمَ، وفي جَعْلِ البَحْرِ مُبْتَدَأً أكْلُهَ عَلى أحَدِ الِاحْتِمالَيْنِ إيذانٌ بِالمُسارَعَةِ أيْضًا.

وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ في الوَصْفِ إيذانًا أيْضًا بِكَمالِ قُدْرَتِهِ تَعالى في خَلْقِهِ عَذْبًا طَرِيًّا في ماءٍ مُرٍّ لا يُشْرَبُ، وفِيهِ شَيْءٌ لا يَخْفى، ولا يُؤْكَلُ عِنْدَنا مِن حَيَوانِ البَحْرِ إلّا السَّمَكُ، ويُؤَيِّدُهُ تَفْسِيرُ اللَّحْمِ بِهِ المَرْوِيُّ عَنْ قَتادَةَ وغَيْرِهِ وعَنْ مالِكٍ وجَماعَةٍ مِن أهْلِ العِلْمِ اطِّلاقُ جَمِيعِ ما في البَحْرِ، واسْتَثْنى بَعْضُهُمُ الخِنْزِيرَ والكَلْبَ والإنْسانَ، وعَنِ الشّافِعِيِّ أنَّهُ أطْلَقَ ذَلِكَ كُلَّهُ، ويُوافِقُهُ ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّهُ قالَ: هو السَّمَكُ وما في البَحْرِ مِنَ الدَّوابِّ. نَعَمْ يُكْرَهُ عِنْدَنا أكْلُ الطّافِي مِنهُ وهو الَّذِي يَمُوتُ حَتْفَ أنْفِهِ في الماءِ فَيَطْفُو عَلى وجْهِ الماءِ لِحَدِيثِ جابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «ما نَضَبَ الماءُ عَنْهُ فَكُلُوا وما لَفَظَهُ الماءُ فَكُلُوا وما طَفا فَلا تَأْكُلُوا،» وهو مَذْهَبُ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، ومَيْتَةُ البَحْرِ

فِي خَبَرِ: ««هُوَ الطَّهُورُ ماؤُهُ الحِلُّ مَيْتَتُهُ»»

ما لَفَظَهُ لِيَكُونَ مَوْتُهُ مُضافًا إلَيْهِ لا ما ماتَ فِيهِ مِن غَيْرِ آفَةٍ، وما قُطِعَ

بَعْضُهُ فَماتَ يَحِلُّ أكْلُ ما أُبِينَ وما بَقِيَ لِأنَّ مَوْتَهُ بِآفَةٍ وما أُبِينَ مِنَ الحَيِّ فَهو مَيِّتٌ وإنْ كانَ مَيِّتًا فَمَيْتَتُهُ حَلالٌ، ولَوْ وُجِدَ في بَطْنِ السَّمَكَةِ سَمَكَةٌ أُخْرى تُؤْكَلُ لِأنَّ ضِيقَ المَكانِ سَبَبُ مَوْتِها، وكَذا إذا قَتَلَها طَيْرُ الماءِ وغَيْرُهُ أوْ ماتَتْ في حُبِّ ماءٍ، وكَذا إنْ جُمِعَ السَّمَكُ في حَظِيرَةٍ لا يَسْتَطِيعُ الخُرُوجَ مِنهُ وهو يَقْدِرُ عَلى أخْذِهِ بِغَيْرِ صَيْدٍ فَماتَ فِيها، وإنْ كانَ لا يُؤْخَذُ بِغَيْرِ صَيْدٍ فَلا خَيْرَ في أكْلِهِ لِأنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ لِمَوْتِهِ سَبَبٌ، وإذا ماتَتِ السَّمَكَةُ في الشَّبَكَةِ وهي لا تَقْدِرُ عَلى التَّخَلُّصِ مِنها أوْ أكَلَتْ شَيْئًا ألْقاهُ في الماءِ لِتَأْكُلَ مِنهُ فَماتَتْ مِنهُ وذَلِكَ مَعْلُومٌ فَلا بَأْسَ بِأكْلِها لِأنَّ ذَلِكَ في مَعْنى ما انْحَسَرَ عَنْهُ الماءُ، وفي مَوْتِ الحَرِّ والبَرْدِ رِوايَتانِ إحْداهُما وهي مَرْوِيَّةٌ عَنْ مُحَمَّدٍ يُؤْكَلُ لِأنَّهُ ماتَ بِسَبَبٍ حادِثٍ وكانَ كَما لَوْ ألْقاهُ الماءُ عَلى اليُبْسِ والأُخْرى ورُوِيَتْ عَنِ الإمامِ أنَّهُ لا يُؤْكَلُ لَأنَّ الحَرَّ والبَرْدَ صِفَتانِ مِن صِفَةِ الزَّمانِ ولَيْسا مِن أسْبابِ المَوْتِ في الغالِبِ، ولا بَأْسَ بِأكْلِ الجَرِيثِ والمارَماهِي، واشْتُهِرَ عَنِ الشِّيعَةِ حُرْمَةُ أكْلِ الأوَّلِ فَلْيُراجَعْ، واسْتَدَلَّ قَتادَةُ كَما أخْرُجُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْهُ بِالآيَةِ عَلى حِنْثِ مَن حَلَفَ لا يَأْكُلُ لَحْمًا فَأكَلَ سَمَكًا لِما فِيها مِن إطْلاقِ اللَّحْمِ عَلَيْهِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مالِكٍ أيْضًا. وأُجِيبُ بِأنَّ مَبْنى الإيمانِ عَلى ما يَتَفاهَمُهُ النّاسُ في عُرْفِهِمْ لا عَلى الحَقِيقَةِ اللُّغَوِيَّةِ ولا عَلى اسْتِعْمالِ القُرْآنِ، ولِذا لِما أفْتى الثَّوْرِيُّ بِالحِنْثِ في المَسْألَةِ المَذْكُورَةِ لِلْآيَةِ وبَلَغَ أبا حَنِيفَةَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ قالَ لِلسّائِلِ:

ارْجِعْ واسْألْهُ عَمَّنْ حَلَفَ لا يَجْلِسُ عَلى بِساطٍ فَجَلَسَ عَلى الأرْضِ هَلْ يَحْنَثُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ بِساطًا﴾ [نُوحٍ: 19] فَقالَ لَهُ: كَأنَّكَ السّائِلُ أمْسِ؟ فَقالَ: نَعَمْ، فَقالَ: لا يَحْنَثُ في هَذا ولا في ذاكَ ورَجَعَ عَمّا أفْتى بِهِ أوَّلًا، والظّاهِرُ أنَّ مُتَمَسِّكَ الإمامِ قَدْ كانَ العُرْفَ وهو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ الهُمامِ لا ما في الهِدايَةِ كَما قالَ

صفحة 113

مِن أنَّ القِياسَ الحِنْثُ، ووَجْهُ الِاسْتِحْسانِ أنَّ التَّسْمِيَةَ القُرْآنِيَّةَ مَجازِيَّةٌ لِأنَّ مَنشَأ اللَّحْمِ الدَّمُ ولا دَمَ في السَّمَكِ لِسُكُونِهِ الماءَ مَعَ انْتِقاضِهِ بِالألْيَةِ فَإنَّها تَنْعَقِدُ مِنَ الدَّمِ ولا يَحْنَثُ بِأكْلِها.

واعْتُرِضَ بِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ في المَسْألَةِ دَلِيلانِ لَيْسَ بَيْنَهُما تَنافٍ، وما ذُكِرَ مِنَ النَّقْضِ مَدْفُوعٌ بِأنَّ المَذْكُورَ كُلُّ لَحْمٍ يَنْشَأُ مِنَ الدَّمِ ولا يَلْزَمُ عَكْسُهُ الكُلِّيُّ. وتُعُقِّبَ بِأنَّ إطْلاقَ اللَّحْمِ عَلى السَّمَكِ لُغَةً لا شُبْهَةَ فِيهِ فَيَنْتَقِضُ الطَّرْدُ والعَكْسُ فَمُرادُ المُعْتَرِضِ الرَّدُّ عَلَيْهِ بِزِيادَةٍ في الإلْزامِ. نَعَمْ قَدْ يُقالُ: مُرادُهُ بِالمَجازِ المَذْكُورِ أنَّهُ مَجازٌ عُرْفِيٌّ كالدّابَّةِ إذا أُطْلِقَتْ عَلى الإنْسانِ فَيَرْجِعُ كَلامُهُ إلى ما قالَهُ الإمامُ وحِينَئِذٍ لا غُبارَ عَلَيْهِ، وما ذَكَرَهُ بَيانٌ لِوَجْهِ الِاسْتِعْمالِ العُرْفِيِّ فَلا يُرَدُّ عَلَيْهِ شَيْءٌ وهو كَما تَرى، وعَلى طَرْزِ ما قالَهُ الإمامُ يُقالُ فِيمَن حَلَفَ لا يَرْكَبُ دابَّةً فَرَكِبَ كافِرًا أنَّهُ لا يَحْنَثُ مَعَ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ سَمّى الكافِرَ دابَّةً في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنْفالِ: 55] وفي الكَشّافِ بَيانًا لِعَدَمِ إطْلاقِ اللَّحْمِ عَلى السَّمَكِ عُرْفًا أنَّهُ إذا قالَ واحِدٌ لِغُلامِهِ اشْتَرِ بِهَذِهِ الدَّراهِمِ لَحْمًا فَجاءَ بِالسَّمَكِ كانَ حَقِيقًا بِالإنْكارِ عَلَيْهِ أيْ وهو دَلِيلٌ عَلى عَدَمِ إطْلاقِ اللَّحْمِ عَلَيْهِ في العُرْفِ فَحَيْثُ كانَتِ الأيْمانُ مَبْنِيَّةً عَلى العُرْفِ لَمْ يَحْنَثْ بِأكْلِهِ. واعْتُرِضَ بِأنَّهُ لَوْ قالَ لِغُلامِهِ: اشْتَرِ لَحْمًا فاشْتَرى لَحْمَ عُصْفُورٍ كانَ حَقِيقًا بِالإنْكارِ مَعَ الحِنْثِ بِأكْلِهِ. وتُعُقِّبَ بِأنَّ الإنْكارَ إنَّما جاءَ مِن نُدْرَةِ اشْتِراءِ مِثْلِهِ لِأنَّهُ غَيْرُ مُتَعارَفٍ وفِيما نَحْنُ فِيهِ اشْتِراءُ السَّمَكِ ولَحْمِهِ مُتَعارَفٌ فَلَيْسَ مَحَلُّ الإنْكارُ إلّا عَدَمَ إطْلاقِ اللَّحْمِ عَلَيْهِ ﴿وتَسْتَخْرِجُوا مِنهُ حِلْيَةً﴾ كاللُّؤْلُؤِ والمَرْجانِ ﴿تَلْبَسُونَها﴾ أيْ تَلْبَسُها نِساؤُكم وجَّهَهُ ذَلِكَ بِأنَّهُ أسْنَدَ إلى الرِّجالِ لِاخْتِلاطِهِمْ بِالنِّساءِ وكَوْنِهِمْ مَتْبُوعِينَ أوْ لِأنَّهم سَبَبٌ لِتَزَيُّنِهِنَّ فَإنَّهُنَّ يَتَزَيَّنَّ لِيَحْسُنَّ في أعْيُنِ الرِّجالِ فَكانَ ذَلِكَ زِينَتَهم ولِباسَهم.

وقالَ ابْنُ المُنِيرِ: ولِلَّهِ تَعالى دَرُّ مالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ حَيْثُ جَعَلَ لِلزَّوْجِ الحَجْرَ عَلى زَوْجَتِهِ فِيما لَهُ بالٌ مِن مالِها، وذَلِكَ مُقَدَّرٌ بِالزّائِدِ عَلى الثُّلُثِ لِحَقِّهِ فِيهِ بِالتَّجَمُّلِ، فانْظُرْ إلى مُكْنَةِ حَظِّ الرِّجالِ مَن مالِ النِّساءِ ومِن زِينَتِهِنَّ حَتّى جُعِلَ كَحَظِّ المَرْأةِ مِن مالِها وزِينَتِها فَعَبَّرَ عَنْ حَظِّهِ في لَبْسِها بِلَبْسِهِ كَما يُعَبَّرُ عَنْ حَظِّها سَواءٌ مُؤَيَّدًا بِالحَدِيثِ المَرْوِيِّ في البابِ اهـ. ويُفْهَمُ مِنهُ جَوازُ اعْتِبارِ المَجازِ في الطَّرَفِ، وصَرَّحَ بِذَلِكَ بَعْضُهم وفَسَّرَ «تَلْبَسُونَ» بِتَتَمَتَّعُونَ وتَتَلَذَّذُونَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَجازُ في النَّقْصِ وما أظْهَرَ في التَّفْسِيرِ مُرادٌ في النَّظْمِ، وقِيلَ: الكَلامُ عَلى التَّغْلِيبِ أوْ مِن بابِ: بَنُو فُلانٍ قَتَلُوا زَيْدًا فَفِيهِ إسْنادٌ لِلْبَعْضِ إلى الكُلِّ. وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ وجْهٌ لِكِلا الوَجْهَيْنِ أمّا الأوَّلُ فَلِعَدَمِ التَّلَبُّسِ بِالمُسْنَدِ وهو اللَّبْسُ، وأمّا الثّانِي فَلِأنَّهُ لا يَتِمُّ بِدُونِ المَجازِ في الطَّرَفِ فَلا وجْهَ لِلْعُدُولِ عَنِ اعْتِبارِهِ عَلى النَّحْوِ السّابِقِ إلى هَذا، وقالَ بَعْضُهُمْ: لا حاجَةَ إلى كُلِّ ذَلِكَ فَإنَّهُ لا مانِعَ مِن تَزَيُّنِ الرِّجالِ بِاللُّؤْلُؤِ. وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ بَعْدَ تَسْلِيمِ أنَّهُ لا مانِعَ مِنهُ شَرْعًا مُخالِفٌ لِلْعادَةِ المُسْتَمِرَّةِ فَيَأْباهُ لَفْظُ المُضارِعِ الدّالِّ عَلى خِلافِهِ، ولا يَصِحُّ ما يُقالُ: إنَّ في البَحْرِ زُمُرُّدًا بَحْرِيًّا وبِفَرْضِ الصِّحَّةِ يَجِيءُ هَذا أيْضًا، ولَعَلَّهُ لَمّا أنَّ النِّساءَ مَأْمُوراتٌ بِالحِجابِ وإخْفاءِ الزِّينَةِ عَنْ غَيْرِ المَحارِمِ أخْفى التَّصْرِيحَ بِنِسْبَةِ اللَّبْسِ إلَيْهِنَّ لِيَكُونَ اللَّفْظُ كالمَعْنى واسْتَدَلَّ أبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ عَلَيْهِما الرَّحْمَةُ بِالآيَةِ عَلى أنَّ اللُّؤْلُؤَ يُسَمّى حُلِيًّا حَتّى لَوْ حَلَفَ لا يَلْبَسُ حُلِيًّا فَلَبِسَهُ حَنِثَ. وأبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ يَقُولُ: لا يَحْنَثُ لِأنَّ اللُّؤْلُؤَ وحْدَهُ لا يُسَمّى حُلِيًّا في العُرْفِ وبائِعَهُ لا يُقالُ لَهُ: بائِعُ الحُلِيِّ كَذا في أحْكامِ الجَصّاصِ. واسْتَدَلَّ بَعْضُهم بِالآيَةِ عَلى أنَّهُ لا زَكاةَ في حُلِيِّ النِّساءِ،

فَأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ أنَّهُ سُئِلَ هَلْ في حُلِيِّ النِّساءِ صَدَقَةٌ؟ قالَ: لا هي كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿حِلْيَةً تَلْبَسُونَها﴾

وهُوَ كَما تَرى، ثُمَّ إنَّ اللَّحْمَ الطَّرِيَّ يَخْرُجُ مِنَ البَحْرِ العَذْبِ والبَحْرِ

صفحة 114

المِلْحِ والحِلْيَةُ إنَّما تَخْرُجُ مِنَ المِلْحِ، وقِيلَ: إنَّ العَذْبَ يَخْرُجُ مِنهُ لُؤْلُؤٌ أيْضًا إلّا أنَّهُ لا يُلْبَسُ إلّا قَلِيلًا والكَثِيرُ التَّداوِي بِهِ، ولَمْ نَرَ مَن ذَكَرَ ذَلِكَ في أكْثَرِ الكُتُبِ المُصَنِّفَةِ لِذِكْرِ مِثْلِ ذَلِكَ.

وأخْرَجَ البَزّارُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: كَلَّمَ اللَّهُ تَعالى البَحْرَ الغَرْبِيَّ وكَلَّمَ البَحْرَ الشَّرْقِيَّ فَقالَ لِلْبَحْرِ الغَرْبِيِّ: إنِّي حامِلٌ فِيكَ عِبادًا مِن عِبادِي فَما أنْتَ صانِعٌ بِهِمْ؟ قالَ: أُغْرِقُهم. قالَ: بَأْسُكَ في نَواحِيكَ وحَرَّمَهُ الحِلْيَةَ والصَّيْدَ وكَلَّمَ هَذا البَحْرَ الشَّرْقِيَّ فَقالَ: إنِّي حامِلٌ فِيكَ عِبادًا مِن عِبادِي فَما أنْتَ صانِعٌ بِهِمْ؟ قالَ: أحْمِلُهم عَلى يَدَيْ وأكُونُ لَهم كالوالِدَةِ لِوَلَدِها فَأثابَهُ سُبْحانَهُ الحِلْيَةَ والصَّيْدَ، وأخْرَجَ نَحْوَ ذَلِكَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ عَنْ كَعْبِ الأحْبارِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِصِحَّةِ ذَلِكَ، وظاهِرُ كَلامِ الأكْثَرِينَ حَمْلُ ( البَحْرَ ) في الآيَةِ عَلى البَحْرِ المِلْحِ وهو مَمْلُوءٌ مِنَ السَّمَكِ بَلْ قِيلَ: إنَّ السَّمَكَ يُطْلَقُ عَلى كُلِّ ما فِيهِ مِنَ الحَيَواناتِ ولا يَكُونُ اللُّؤْلُؤُ إلّا في مَواضِعَ مَخْصُوصَةٍ مِنهُ.

﴿وتَرى الفُلْكَ﴾ السُّفُنَ ﴿مَواخِرَ فِيهِ﴾ جَوارِيَ فِيهِ جَمْعَ ماخِرَةٌ بِمَعْنى جارِيَةٍ، وأصْلُ المَخْرِ الشَّقُّ يُقالُ: مَخَرَ الماءُ الأرْضَ إذا شَقَّها وسُمِّيَتِ السُّفُنُ بِذَلِكَ لِأنَّها تَشُقُّ الماءَ بِمُقَدَّمِها، وقالَ الفَرّاءُ: هو صَوْتُ جَرْيِ الفُلْكِ بِالرِّياحِ ﴿ولِتَبْتَغُوا﴾ عَطْفٌ عَلى تَسْتَخْرِجُوا وما عُطِفَ عَلَيْهِ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ لِتَمْهِيدِ مَبادِئِ الِابْتِغاءِ ودَفْعِ كَوْنِهِ بِاسْتِخْراجِ الحِلْيَةِ، وعَدَلَ عَنْ نَمَطِ الخِطابِ السّابِقِ واللّاحِقِ- أعْنِي خِطابَ الجَمْعِ إلى خِطابِ المُفْرَدِ - المُرادُ بِهِ كُلُّ مَن يَصْلُحُ لِلْخِطابِ إيذانًا بِأنَّ ذاكَ غَيْرُ مَسُوقٍ مَساقَهُما، وأجازَ ابْنُ الأنْبارِيِّ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى عِلَّةٍ مَحْذُوفَةٍ أيْ لِتَنْتَفِعُوا بِذَلِكَ ولِتَبْتَغُوا، وأنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ فَعَلَ ذَلِكَ لِتَبْتَغُوا، وهو تَكَلُّفٌ يَغْنى اللَّهُ تَعالى عَنْهُ.

﴿مِن فَضْلِهِ﴾ مِن سَعَةِ رِزْقِهِ بِرُكُوبِها لِلتِّجارَةِ ﴿ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ تَقُومُونَ بِحَقِّ نِعَمِ اللَّهِ تَعالى بِالطّاعَةِ والتَّوْحِيدِ، ولَعَلَّ تَخْصِيصَ هَذِهِ النِّعْمَةِ بِالتَّعْقِيبِ بِالشُّكْرِ لِأنَّها أقْوى في بابِ الأنْعامِ مِن حَيْثُ إنَّهُ جَعَلَ رُكُوبَ البَحْرِ مَعَ كَوْنِهِ مَظِنَّةَ الهَلاكِ لِأنَّ راكِبِيهِ كَما قالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ دُودٌ عَلى عُودٍ سَبَبًا لِلِانْتِفاعِ وحُصُولِ المَعاشِ وهو مِن كَمالِ النِّعْمَةِ لِقَطْعِ المَسافَةِ الطَّوِيلَةِ في زَمَنٍ قَصِيرٍ مَعَ عَدَمِ الِاحْتِياجِ إلى الحِلِّ والتَّرْحالِ والحَرَكَةِ مَعَ الِاسْتِراحَةِ والسُّكُونِ، وما أحْسَنَ ما قِيلَ في ذَلِكَ:

وإنّا لَفي الدُّنْيا كَرَكْبِ سَفِينَةٍ نُظَنُّ وُقُوفًا والزَّمانُ بِنا يَسْرِي

وعَدَمُ تَوْسِيطِ الفَوْزِ بِالمَطْلُوبِ بَيْنَ الِابْتِغاءِ والشُّكْرِ قِيلَ لِلْإيذانِ بِاسْتِغْنائِهِ عَنِ التَّصْرِيحِ بِهِ وبِحُصُولِهِما مَعًا.

واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى جَوازِ رُكُوبِ البَحْرِ لِلتِّجارَةِ بِلا كَراهَةٍ وإلَيْهِ ذَهَبَ جَماعَةٌ، وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ كانَ يَكْرَهُ رُكُوبَ البَحْرِ إلّا لِثَلاثٍ؛ غازٍ أوْ حاجٍّ أوْ مُعْتَمِرٍ

16:15Page 269

وَأَلۡقَىٰ فِي ٱلۡأَرۡضِ رَوَٰسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمۡ وَأَنۡهَٰرٗا وَسُبُلٗا لَّعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ ١٥

And He has cast into the earth firmly set mountains, lest it shift with you, and [made] rivers and roads, that you may be guided,

﴿وألْقى في الأرْضِ رَواسِيَ﴾ أيْ جِبالًا ثَوابِتَ، وقَدْ مَرَّ تَمامُ الكَلامِ في ذَلِكَ ﴿أنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ أيْ كَراهَةَ أنْ تَمِيدَ أوْ لِئَلّا تَمِيدَ، والمَيْدُ اضْطِرابُ الشَّيْءِ العَظِيمِ، ووَجَّهَ كَوْنَ الإلْقاءِ مانِعًا عَنِ اضْطِرابِ الأرْضِ بِأنَّها كَسَفِينَةٍ عَلى وجْهِ الماءِ والسَّفِينَةِ إذا لَمْ يَكُنْ فِيها أجْرامٌ ثَقِيلَةٌ تَضْطَرِبُ وتَمِيلُ مِن جانِبٍ إلى جانِبٍ بِأدْنى شَيْءٍ وإذا وُضِعَتْ فِيها أجْرامٌ ثَقِيلَةٌ تَسْتَقِرُّ فَكَذا الأرْضُ لَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْها هَذِهِ الجِبالُ لاضْطَرَبَتْ فالجِبالُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْها كالأجْرامِ الثَّقِيلَةِ المَوْضُوعَةِ في السَّفِينَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْها.

وتَعَقَّبَهُ الإمامُ لِوُجُوهٍ: الأوَّلُ عَلى مَذْهَبِ الحُكَماءِ القائِلِينَ بِأنَّ حَرَكَةَ الأجْسامِ أوْ سُكُونَها لِطَبائِعِها أنَّ الأرْضَ أثْقَلُ مِنَ الماءِ فَيَلْزَمُ أنْ تَغُوصَ فِيهِ لا أنْ تَطْفُوَ أوْ تَرْسِيَ بِالجِبالِ وهَذا بِخِلافِ السَّفِينَةِ فَإنَّها مُتَّخَذَةٌ مِنَ الخَشَبِ

صفحة 115

وبَيْنَ أجْزائِهِ هَواءٌ يَمْنَعُهُ مِنَ السُّكُونِ ويُفْضِي بِهِ إلى المَيْدِ لَوْلا الثَّقِيلُ. والثّانِي عَلى مَذْهَبِ أهْلِ الحَقِّ القائِلِينَ بِأنَّهُ لَيْسَ لِلْأجْسامِ طَبائِعُ تَقْتَضِي السُّكُونَ أوِ الحَرَكَةَ فَما سَكَنَ ساكِنٌ وما تَحَرَّكَ مُتَحَرِّكٌ في بَرٍّ وبَحْرٍ إلّا بِمَحْضِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وحْدَهُ. والثّانِي أنَّ إرْساءَ الأرْضِ بِالجِبالِ لِئَلّا تَمِيدَ وتَبْقى واقِفَةً عَلى وجْهِ الماءِ إنَّما يُعْقَلُ إذا كانَ الماءُ الَّذِي اسْتَقَرَّتْ عَلى وجْهِهِ ساكِنًا وحِينَئِذٍ يُقالُ: إنْ سَبَبَ سُكُونِهِ في حَيِّزِهِ المَخْصُوصِ طَبِيعَتُهُ المَخْصُوصَةُ فَلِمَ لا يُقالُ في سُكُونِ الأرْضِ في هَذا الحَيِّزِ إنَّهُ بِسَبَبِ طَبِيعَتِها المَخْصُوصَةِ أيْضًا، وإنْ قُلْنا: إنَّهُ بِمَحْضِ قُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ فَلِمَ لَمْ يَقِلْ: إنْ سُكُونَ الأرْضِ أيْضًا كَذَلِكَ فَلا يُعْقَلُ الإرْساءُ بِالجِبالِ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ. والثّالِثُ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ تَمِيدَ الأرْضُ بِكُلِّيَّتِها ولا تَظْهَرَ حَرَكَتُها ولا يَشْعُرَ بِها أهْلُها ويَكُونُ ذَلِكَ نَظِيرَ حَرَكَةِ السَّفِينَةِ مِن غَيْرِ شُعُورِ راكِبِها بِها ولا يَأْبى الشُّعُورُ بِحَرَكَتِها عِنْدَ احْتِقانِ البُخارِ فِيها لِأنَّ ذَلِكَ يَكُونُ في قِطْعَةٍ صَغِيرَةٍ مِنها وهو يَجْرِي مَجْرى الِاخْتِلاجِ الَّذِي يَحْصُلُ في عُضْوٍ مُعَيَّنٍ مِنَ البَدَنِ، ثُمَّ قالَ: والَّذِي عِنْدِي في هَذا المَوْضِعِ المُشْكِلِ أنْ يُقالَ: ثَبَتَ بِالدَّلائِلِ اليَقِينِيَّةِ أنَّ الأرْضَ كُرَةٌ وثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الجِبالَ عَلى سَطْحِ الكُرَةِ جارِيَةٌ مَجْرى خُشُوناتٍ تَحْصُلُ عَلى وجْهِ هَذِهِ الكُرَةِ وحِينَئِذٍ نَقُولُ لَوْ فَرَضْنا أنَّ هَذِهِ الخُشُوناتِ ما كانَتْ حاصِلَةً بَلْ كانَتْ مَلْساءَ خالِيَةً عَنْها لَصارَتْ بِحَيْثُ تَتَحَرَّكُ عَلى الِاسْتِدارَةِ كالأفْلاكِ لِبَساطَتِها أوْ تَتَحَرَّكُ بِأدْنى سَبَبٍ لِلتَّحْرِيكِ فَلَمّا خُلِقَتْ هَذِهِ الجِبالُ وكانَتْ كالخُشُوناتِ عَلى وجْهِها تَفاوَتَتْ جَوانِبُها وتَوَجَّهَتِ الجِبالُ بِثِقْلِها نَحْوَ المَرْكَزِ فَصارَتْ كالأوْتادِ لِمَنعِها إيّاها عَنِ الحَرَكَةِ المُسْتَدِيرَةِ اهـ وقَدْ تابَعَ الإمامُ في هَذا الحَلِّ العَلّامَةُ البَيْضاوِيُّ، واعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأنَّهُ لا وجْهَ لِما ذَكَرَهُ عَلى مَذْهَبِ أهْلِ الحَقِّ ولا عَلى مَذْهَبِ الفَلاسِفَةِ، أمّا الأوَّلُ فَلِأنَّ ذاتَ شَيْءٍ لا تَقْتَضِي تَحَرُّكَهُ وإنَّما ذَلِكَ بِإرادَةِ اللَّهِ تَعالى، وأمّا الثّانِي فَلِأنَّ الفَلاسِفَةَ لَمْ يَقُولُوا: إنَّ حَقَّ الأرْضِ أنْ تَتَحَرَّكَ بِالِاسْتِدارَةِ لِأنَّ في الأرْضِ مَيْلًا مُسْتَقِيمًا وما هو كَذَلِكَ لا يَكُونُ فِيهِ مَبْدَأُ مَيْلٍ مُسْتَدِيرٍ عَلى ما ذَكَرُوا في الطَّبِيعِيِّ. وأوْرَدَ أيْضًا عَلى مَنعِ الجِبالِ لَها مِنَ الحَرَكَةِ أنَّهُ قَدْ ثَبَتَ في الهَنْدَسَةِ أنَّ أعْظَمَ جَبَلٍ في الأرْضِ وهو ما ارْتِفاعُهُ فَرْسَخانِ وثُلُثُ فَرْسَخٍ إلى قُطْرِ الأرْضِ نِسْبَةُ خُمْسِ سَبْعِ عُرْضِ شُعَيْرَةٍ إلى كُرَةٍ قُطْرُها ذِراعٌ ولا رَيْبَ في أنَّ ذَلِكَ القَدْرَ مِنَ الشُّعَيْرَةِ لا يُخْرِجُ تِلْكَ الكُرَةَ عَنِ الِاسْتِدارَةِ بِحَيْثُ يَمْنَعُها عَنِ الحَرَكَةِ، وكَذا حالُ الجِبالِ بِالنِّسْبَةِ إلى كُرَةِ الأرْضِ، ثُمَّ قِيلَ: الصَّحِيحُ أنْ يُقالَ خَلَقَ اللَّهُ تَعالى الأرْضَ مُضْطَرِبَةً لِحِكْمَةٍ لا يَعْلَمُها إلّا هو ثُمَّ أرْساها بِالجِبالِ عَلى جَرَيانِ عادَتِهِ في جَعْلِ الأشْياءِ مَنُوطَةً بِالأسْبابِ، وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ في الجَوابِ: إنَّ المَقْصُودَ أنَّ الأرْضَ مِن حَيْثُ كَوْنُها كُرَةً حَقِيقِيَّةً بَسِيطَةً مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ كَوْنِها عُنْصُرًا كانَ حَقُّها أحَدَ الأمْرَيْنِ لِأنَّها مِن تِلْكَ الحَيْثِيَّةِ إمّا ذُو مَيْلٍ مُسْتَدِيرٍ كالأفْلاكِ فَكانَ حَقَّها حِينَئِذٍ أنْ تَتَحَرَّكَ مِثْلَها عَلى الِاسْتِدارَةِ وإمّا ذُو مَيْلٍ مُسْتَقِيمٍ فَحَقُّها السُّكُونُ لَكِنَّها تَتَحَرَّكُ بِأدْنى قاسِرٍ، أمّا السُّكُونُ فَلِأنَّ الجِسْمَ الحاصِلَ في الحَيِّزِ الطَّبِيعِيِّ لِما يَتَحَرَّكُ حَرَكَةً طَبِيعِيَّةً آنِيَةً لِاسْتِلْزامِها الخُرُوجَ عَنِ الحَيِّزِ الطَّبِيعِيِّ ولا يُتَصَوَّرُ مِنَ الأرْضِ الحَرَكَةُ الإرادِيَّةُ لِكَوْنِها عَدِيمَةَ الشُّعُورِ، وأمّا التَّحَرُّكُ بِأدْنى قاسِرٍ فَيَحْكُمُ بِهِ بِالضَّرُورَةِ مَن لَهُ تَخَيُّلٌ صَحِيحٌ، واسْتَوْضَحَ ذَلِكَ مِن كُرَةٍ حَقِيقِيَّةٍ عَلى سَطْحٍ حَقِيقِيٍّ فَإنَّها لا تَماسُّهُ إلّا بِنُقْطَةٍ فَبِأدْنى شَيْءٍ ولَوْ نَفْخَةً تَتَدَحْرَجُ عَنْ مَكانِها. نَعَمِ الواقِعُ في نَفْسِ الأمْرِ أحَدُ الأمْرَيْنِ مُعَيَّنًا وذِكْرُهُما تَوْسِيعٌ لِلدّائِرَةِ وهو أمْرٌ شائِعٌ فِيما بَيْنَهم فَيَنْدَفِعُ قَوْلُهُ: وأمّا الثّانِي فَلِأنَّ الفَلاسِفَةَ إلَخْ، وأمّا قَوْلُهُ: إنَّهُ قَدْ ثَبَتَ في الهَنْدَسَةِ إلَخْ فَجَوابُهُ أنَّهم قَدْ صَرَّحُوا في كُتُبِ الهَيْئَةِ بِأنَّ في كُلِّ إقْلِيمٍ ثَلاثِينَ جَبَلًا بَلْ أكْثَرُ فَنِسْبَةُ كُلِّ جَبَلٍ وإنْ كانَتْ كالنِّسْبَةِ المَذْكُورَةِ لَكِنْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَجْمُوعُها مانِعًا عَنْ حَرَكَتِها كالحَبْلِ المُؤَلَّفِ مِنَ الشَّعَراتِ المُخالِفِ

صفحة 116

حُكْمُهُ حُكْمُ كُلِّ شَعْرَةٍ، عَلى أنَّ تِلْكَ النِّسْبَةَ بِاعْتِبارِ الحَجْمِ ومَنعِها عَنْ حَرَكَتِها بِاعْتِبارِ الثِّقَلِ، وثِقَلُ هَذِهِ الجِبالِ يَكادُ أنْ يُقاوِمَ ثِقَلَ الأرْضِ لِأنَّ الجِبالَ أجْسامٌ صُلْبَةٌ حَجَرِيَّةٌ والأرْضَ رَخْوَةً مُتَخَلْخِلَةً كالكُرَةِ الخَشَبِيَّةِ الَّتِي أُلْزِقَتْ عَلَيْها حَبّاتٌ مِن حَدِيدٍ، وما يُقالُ: مِن أنَّ فِيهِ غَيْرَ ذَلِكَ ابْتِناءً عَلى

قَواعِدِ الفَلْسَفَةِ فَلا يُطْعَنُ فِيهِ لِأنَّ ذَلِكَ الِابْتِناءَ غَيْرُ مُضِرٍّ إنْ لَمْ يُخالِفِ القَواعِدَ الشَّرْعِيَّةَ كَما فِيما نَحْنُ فِيهِ، واعْتُرِضَ عَلى ما ادَّعى المُعْتَرِضُ صِحَّتَهُ بِأنَّهُ يَرُدُّ عَلَيْهِ ما أوْرَدَهُ، وظَنِّي أنَّهُ بَعْدَ الوُقُوفِ عَلى مُرادِهِ لا يُرَدُّ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِمّا ذَكَرَ، ونَحْنُ قَدْ أسْلَفْنا نَحْوَهُ وأطْنَبْنا الكَلامَ في هَذا المَقامِ ومِنهُ يَظْهَرُ ما هو الأوْفَقُ بِقَواعِدِ الإسْلامِ، ثُمَّ ما ذَكَرَهُ المُجِيبُ مِن أنَّ المُصَرَّحَ بِهِ في كُتُبِ الهَيْئَةِ أنَّ في كُلِّ إقْلِيمٍ ثَلاثِينَ جَبَلًا بَلْ أكْثَرُ خِلافِ المَشْهُورِ وهو أنَّ في الإقْلِيمِ الأوَّلِ عِشْرِينَ وفي الثّانِي سَبْعَةً وعِشْرِينَ وفي الثّالِثِ ثَلاثَةً وثَلاثِينَ وفي الرّابِعِ خَمْسَةً وخَمْسِينَ وفي الخامِسِ ثَلاثِينَ وفي كُلٍّ مِنَ السّادِسِ والسّابِعِ أحَدَ عَشَرَ والمَجْمُوعُ مِائَةٌ وسَبْعَةٌ وثَمانُونَ جَبَلًا عَلى أنَّ كَلامَهُ لا يَخْلُو عَنْ مُناقَشَةٍ فَتَدَبَّرْ، ومَعْنى ( ألْقى ) عَلى ما نَقَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنِ المُتَأوِّلِينَ خَلَقَ وجَعَلَ، واخْتارَ هو أنَّهُ أخَصُّ مِن ذَلِكَ وذَلِكَ أنَّهُ يَقْتَضِي أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أوْجَدَ الجِبالَ مِن مَحْضِ قُدْرَتِهِ واخْتِراعِهِ لا مِنَ الأرْضِ ووَضَعَها عَلَيْها وأيَّدَ بِأخْبارٍ رَوَوْها في هَذا المَقامِ وقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُها، ولَمْ يَعُدَّ بِعَلى كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ [طه: 39] لِلْإشارَةِ إلى كَمالِ الجِبالِ ورُسُوخِها وثَباتِها في الأرْضِ حَتّى كَأنَّها مَسامِيرُ في ساحَةٍ وانْظُرْ هَلْ تُعَدُّ مِنَ الأرْضِ فَيَحْنَثُ مَن حَلَفَ لا يَجْلِسُ عَلى الأرْضِ إذا جَلَسَ عَلَيْها أمْ لا فَلا يَحْنَثُ لَمْ يَحْضُرْنِي مَن تَعَرَّضَ لِذَلِكَ، والظّاهِرُ الأوَّلُ لِعَدِّ العُرْفِ إيّاها مِنها وإنْ كانَ ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ كَغَيْرِها عَدَمَ العَدِّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْهارًا﴾ عَطْفٌ عَلى رَواسِيَ والعامِلُ فِيهِ ( ألْقى ) إلّا أنَّ تَسَلُّطَهُ عَلَيْهِ بِاعْتِبارِ ما فِيهِ مِن مَعْنى الجَعْلِ والخَلْقِ أوْ تَضْمِينِهِ إيّاهُ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ لا إضْمارَ وهو الَّذِي اخْتارَهُ غَيْرُ واحِدٍ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ لِفِعْلٍ مُضْمَرٍ ولَيْسَ إجْماعًا خِلافًا لِابْنِ عَطِيَّةَ. أيْ وجَعَلَ أوْ خَلَقَ أنْهارًا نَظِيرَ ما قِيلَ في قَوْلِهِ: عَلَفْتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا. وقَدَّرَ أبُو البَقاءِ شَقَّ والعَطْفُ حِينَئِذٍ مِن عَطْفِ الجُمَلِ وكَأنَّهُ لَمّا كانَ أغْلَبُ مَنابِعِ الأنْهارِ مِنَ الجِبالِ ذَكَرَ الأنْهارَ بَعْدَ ما ذَكَرَ الجِبالَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وسُبُلا﴾ عَطْفٌ عَلى ( أنْهارًا ) أيْ وجَعَلَ طُرُقًا لِمَقاصِدِكم ﴿لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ لَها فالتَّعْلِيلُ بِالنَّظَرِ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وسُبُلا﴾ كَما هو الظّاهِرُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَعْلِيلًا بِالنَّظَرِ إلى جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ لِأنَّ تِلْكَ الآثارَ العِظامَ تَدُلُّ عَلى بُطْلانِ التَّرْكِ، وقِيلَ: تَدُلُّ عَلى وُجُودِ فاعِلٍ حَكِيمٍ فَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَهْتَدُونَ﴾ تَوْرِيَةٌ حِينَئِذٍ

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском