Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
An-Nahl 16:24–27
16:24Page 269
وَإِذَا قِيلَ لَهُم مَّاذَآ أَنزَلَ رَبُّكُمۡ قَالُوٓاْ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٢٤
And when it is said to them, "What has your Lord sent down?" they say, "Legends of the former peoples,"
﴿وإذا قِيلَ لَهُمْ﴾ أيْ لِأُولَئِكَ المُسْتَكْبِرِينَ، وهو بَيانٌ لِإضْلالِهِمْ غَبَّ بَيانِ ضَلالِهِمْ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ الَّذِينَ كانُوا- كَما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ- يَقْعُدُونَ بِطَرِيقِ مَن يَغْدُو عَلى النَّبِيِّ ﷺ لِيَطَّلِعَ عَلى جَلِيَّةِ أمْرِهِ فَإذا مَرَّ بِهِمْ قالَ لَهُمْ: ﴿ماذا أنْزَلَ رَبُّكُمْ﴾ عَلى مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿قالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ أيْ ما كَتَبَهُ الأوَّلُونَ كَما قالُوا: ﴿اكْتَتَبَها فَهي تُمْلى عَلَيْهِ﴾ [الفُرْقانِ: 5] فالأساطِيرُ جَمْعُ أسْطارٍ جَمْعِ سَطْرٍ فَهو جَمْعُ الجَمْعِ وقالَ المُبَرِّدُ: جَمْعُ أُسْطُورَةٍ كَأُرْجُوحَةٍ وأراجِيحَ ومَقْصُودُهم مِن ذَلِكَ أنَّهُ لا تَحْقِيقَ فِيهِ، وقِيلَ: القائِلُ لَهم بَعْضُ المُسْلِمِينَ لِيَعْلَمُوا ما عِنْدَهم وقِيلَ: القائِلُ بَعْضُهم عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ وإلّا فَهو لا يَعْتَقِدُ إنْزالَ شَيْءٍ، ومِثْلُ هَذا يُقالُ في الجَوابِ عَنْ تَسْمِيَتِهِ بِالمَنزِلِ في الجَوابِ بِناءً عَلى تَقْدِيرِ المُبْتَدَأِ فِيهِ ذَلِكَ، ويَجُوزُ أنْ يُسَمُّوهُ بِما ذُكِرَ عَلى الفَرْضِ والتَّسْلِيمِ لِيَرُدُّوهُ كَقَوْلِهِ ( هَذا رَبِّي ) [الأنْعامِ: 77، 78] وقِيلَ: قَدَّرُوهُ مُنَزَّلًا مُجاراةً ومُشاكَلَةً.
وفِي الكَشّافِ أنَّ (ماذا) مَنصُوبٌ- بِأنْزَلَ- أيْ أيَّ شَيْءٍ أنْزَلَ رَبُّكم أوْ مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ بِمَعْنى أيُّ شَيْءٍ أنْزَلَهُ رَبُّكُمْ، فَإذا نَصَبْتَ فَمَعْنى ( أساطِيرُ الأوَّلِينَ ) ما تَدَّعُونَ نُزُولَهُ ذَلِكَ، وإذا رَفَعْتَ فالمَعْنى المُنَزِّلُ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ العَفْوَ﴾ [البَقَرَةِ: 219] فِيمَن رَفَعَ اهـ، وقَدْ خَفِيَ تَحْقِيقُ مَرامِهِ عَلى بَعْضِ المُحَقِّقِينَ، فَقَدْ قالَ صاحِبُ الفَرائِدِ: الوَجْهُ أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا بِالِابْتِداءِ بِدَلِيلِ رَفْعِ ( أساطِيرُ ) فَإنَّ جَوابَ المَرْفُوعِ مَرْفُوعٌ وجَوابَ المَنصُوبِ مَنصُوبٌ ولَمْ يَقْرَأْ أحَدٌ هُنا بِالنَّصْبِ.
صفحة 123
وقالَ صاحِبُ التَّقْرِيبِ: إنَّ في كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ نَظَرًا وبَيَّنَهُ بِما بَيَّنَهُ وأجابَ بِما أجابَ، وأطالَ الطَّيِّبِيُّ الكَلامَ في ذَلِكَ، وقَدْ أجادَ صاحِبُ الكَشْفِ في هَذا المَقامِ فَقالَ: إنَّ قَوْلَهُ أوْ مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ بِمَعْنى أيُّ شَيْءٍ أنْزَلَهُ إيضاحٌ وإلّا فالمَعْنى ما الَّذِي أنْزَلَهُ عَلى المُصَرَّحِ بِهِ في المُفَصَّلِ إذْ لا وجْهَ لِحَذْفِ الضَّمِيرِ مِن غَيْرِ اسْتِطالَةٍ مَعَ أنَّ اللَّفْظَ يَحْتَمِلُ النَّصْبَ والرَّفْعَ احْتِمالًا سَواءً، وعَلى ذَلِكَ يَلُوحُ الفَرْقُ بَيْنَ التَّقْدِيرَيْنِ ظُهُورًا بَيِّنًا، فَإنَّ المَنصُوبَ وإنْ دَلَّ عَلى ثُبُوتِ أصْلِ الفِعْلِ وأنَّ السُّؤالَ عَنِ المَفْعُولِ مُتَقاعِدٌ عَنْ دَلالَةِ المَرْفُوعِ فَقَدْ عُلِمَ أنَّ الجُمْلَةَ الَّتِي تَقَعُ صِلَةً لِلْمَوْصُولِ حَقُّها أنْ تَكُونَ مَعْلُومَةً لِلْمُخاطَبِ وأيْنَ الحُكْمُ المُسَلَّمُ المَعْلُومُ مِن غَيْرِهِ، وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ فَلْيُعْلَمْ أنَّهُ عَلى تَقْدِيرَيْنِ لَمْ يُطابِقْ بِهِ الجَوابَ لِقَوْلِهِ في ﴿قالُوا خَيْرًا﴾ [النَّحْلِ: 30] طُوبِقَ بِهِ الجَوابُ بِخِلافِ ( أساطِيرُ ) وقَوْلُهُ هُنا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ماذا يُنْفِقُونَ﴾ إلى آخِرِهِ فِيمَن رَفَعَ تَشْبِيهٌ في العُدُولِ إلى الرَّفْعِ لا وجْهُهُ فَإنَّ الجَوابَ هُنالِكَ طِبْقَ السُّؤالِ بِخِلافِ ما نَحْنُ فِيهِ، وإنَّما قَدَّرَ ما تَدَّعُونَ نُزُولَهُ عَلى تَقْدِيرِ النَّصْبِ لِأنَّ السّائِلَ لَمْ يَكُنْ مُعْتَقَدًا لِإنْزالٍ مُحَقَّقٍ بَلْ سُئِلَ عَنْ تَعْيِينِ ما سَمِعَ نُزُولَهُ في الجُمْلَةِ فَيَكْفِي في رَدِّهِ إلى الصَّوابِ ما تَدَّعُونَ نُزُولَهُ أساطِيرُ، وأمّا عَلى تَقْدِيرِ الرَّفْعِ فَلِما دَلَّ عَلى أنَّ الإنْزالَ عِنْدَهُ مُحَقَّقٌ مُسَلَّمٌ لا نِزاعَ فِيهِ وإنَّما السُّؤالُ عَنِ التَّعْيِينِ لِلْمُنَزَّلِ أُجِيبُ بِأنَّ ذَلِكَ المُحَقَّقَ عِنْدَكَ أساطِيرُ تَهَكُّمًا إذْ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ المُنَزَّلَ لا يَكُونُ أساطِيرَ فَبُولِغَ في رَدِّهِ إلى الصَّوابِ بِالتَّهَكُّمِ بِهِ وأنَّهُ بَتَّ الحُكْمَ بِالتَّحْقِيقِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ فَأرى السّائِلَ أنَّهُ طُوبِقَ ولَمْ يُطابَقْ في الحَقِيقَةِ بَلْ بُولِغَ في الرَّدِّ، ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ الأوَّلُ جَوابًا لِلسُّؤالِ فِيما بَيْنَهم أوِ الوافِدِينَ، والثّانِي جَوابًا عَنْ سُؤالِ المُسْلِمِينَ عَلى ما ذَكَرَ مِنَ الاحْتِمالَيْنِ لا العَكْسُ عَلى ما ظَنَّ، هَذا هو الأشْبَهُ في تَقْرِيرِ قَوْلِهِ المُوافِقِ لِما ذَكَرَهُ مِن بَعْدُ عَلى ما مَرَّ.
وجَعَلَ ما ذَكَرَهُ هُنالِكَ وجْهًا ثالِثًا وأنَّهُ طُوبِقَ بِهِ الجَوابُ هاهُنا وتَوْجِيهُ اخْتِلافِ التَّقْدِيرَيْنِ ادِّعاءً ونُزُولًا بِما مَهَّدْناهُ وإنْ ذَهَبَ إلَيْهِ الجُمْهُورُ تَكَلَّفٌ عَنْهُ غِنًى اهـ. وقُرِئَ «أساطِيرَ» بِالنَّصْبِ كَما نَصَّ عَلَيْهِ أبُو حَيّانَ وغَيْرُهُ، فَإنْكارُ صاحِبِ الفَرائِدِ مِن قِلَّةِ الِاطِّلاعِ
16:25Page 269
لِيَحۡمِلُوٓاْ أَوۡزَارَهُمۡ كَامِلَةٗ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَمِنۡ أَوۡزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيۡرِ عِلۡمٍۗ أَلَا سَآءَ مَا يَزِرُونَ ٢٥
That they may bear their own burdens [i.e., sins] in full on the Day of Resurrection and some of the burdens of those whom they misguide without [i.e., by lack of] knowledge. Unquestionably, evil is that which they bear.
﴿لِيَحْمِلُوا﴾ مُتَعَلِّقٌ- بِقالُوا- كَما هو الظّاهِرُ أيْ قالُوا ذَلِكَ لِأنْ يَحْمِلُوا ﴿أوْزارَهُمْ﴾ أيْ آثامَهُمُ الخاصَّةَ بِهِمْ وهي آثامُ ضَلالِهِمْ، وهو جَمْعُ وِزْرٍ ويُقالُ لِلثِّقْلِ تَشْبِيهًا بِوِزْرِ الجَبَلِ، ويُعَبَّرُ بِكُلٍّ مِنهُما عَنِ الإثْمِ كَما في هَذِهِ الآيَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: لِيَحْمِلُوا أثْقالَهُمْ: ﴿كامِلَةً﴾ لَمْ يَنْقُصْ مِنها شَيْءٌ ولَمْ يَكْفُرْ بِنَحْوِ نَكْبَةٍ تُصِيبُهم في الدُّنْيا أوْ طاعَةٍ مَقْبُولَةٍ فِيها كَما تُكَفَّرُ بِذَلِكَ أوْزارُ المُؤْمِنِينَ، وقالَ الإمامُ: مَعْنى ذَلِكَ أنَّهُ لا يُخَفَّفُ مِن عَذابِهِمْ شَيْءٌ بَلْ يُوصَلُ إلَيْهِمْ بِكُلِّيَّتِهِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ تَعالى قَدْ يُسْقِطُ بَعْضَ العِقابِ عَنِ المُؤْمِنِينَ إذْ لَوْ كانَ هَذا المَعْنى حاصِلًا لِلْكُلِّ لَمْ يَكُنْ لِتَخْصِيصِ هَؤُلاءِ الكُفّارِ بِهِ فائِدَةٌ، وحَمْلُ الأوْزارِ مَجازٌ عَنِ العِقابِ عَلَيْها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ أنَّهُ بَلَّغَهُ أنَّ الكافِرَ يَتَمَثَّلُ عَمَلُهُ في صُورَةِ أقْبَحِ ما خَلَقَ اللَّهُ تَعالى وجْهًا وأنْتَنَهُ رِيحًا فَيَجْلِسُ إلى جَنْبِهِ كُلَّما أفْزَعَهُ شَيْءٌ زادَهُ وكُلَّما يَخافُ شَيْئًا زادَهُ خَوْفًا فَيَقُولُ: بِئْسَ الصّاحِبُ أنْتَ ومَن أنْتَ؟ فَيَقُولُ: وما تَعْرِفُنِي؟ فَيَقُولُ: لا. فَيَقُولُ: أنا عَمَلُكَ كانَ قَبِيحًا فَلِذَلِكَ تَرانِي قَبِيحًا وكانَ مُنْتِنًا فَلِذَلِكَ تَرانِي مُنْتِنًا طاطِئْ إلَيَّ أرْكَبْكَ فَطالَما رَكِبْتَنِي في الدُّنْيا فَيَرْكَبُهُ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أوْزارَهم كامِلَةً) (يَوْمَ القِيامَةِ﴾ ظَرْفٌ لِيَحْمِلُوا ﴿ومِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ﴾ أيْ وبَعْضِ أوْزارِ مَن ضَلَّ
صفحة 124
بِإضْلالِهِمْ عَلى مَعْنى ومِثْلَ بَعْضِ أوْزارِهِمْ- فَمِن- تَبْعِيضِيَّةٌ لِأنَّ مُقابَلَتَهُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ( كامِلَةً ) يُعَيِّنُ ذَلِكَ.
والمُرادُ بِهَذا البَعْضِ حِصَّةُ التَّسَبُّبِ فالمُضِلُّ والضّالُّ شَرِيكانِ هَذا يُضِلُّهُ وهَذا يُطاوِعُهُ فَيَتَحامَلانِ الوِزْرَ ولِلضّالِّ أوْزارٌ غَيْرُ ذَلِكَ ولَيْسَتْ تِلْكَ مَحْمُولَةً، وقالَ الأخْفَشُ: إنَّ ( مِن ) زائِدَةٌ أيْ وأوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم عَلى مَعْنى أنَّهم يُعاقَبُونَ عِقابًا يَكُونُ مُساوِيًا لِعِقابِ كُلِّ مَنِ اقْتَدى بِهِمْ، وإلى الزِّيادَةِ ذَهَبَ أبُو البَقاءِ واعْتَرَضَ عَلى التَّبْعِيضِ بِأنَّهُ يَقْتَضِي أنَّ المُضِلَّ غَيْرُ حامِلٍ كُلَّ أوْزارِ الضّالِّ وهو مُخالِفٌ لِلْمَأْثُورِ: ««مَن سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُها ووِزْرُ مَن عَمِلَ بِها مِن غَيْرِ أنْ يَنْقُصَ ذَلِكَ مِن أوْزارِهِمْ شَيْئًا»»
وفِيهِ أنَّ المَأْثُورَ يَدُلُّ عَلى التَّبْعِيضِ لا أنَّ بَيْنَهُما مُخالَفَةً كَما لا يَخْفى، ولِتَوَهُّمِ هَذِهِ المُخالَفَةِ قالَ الواحِدِيُّ: إنَّ مِن لِلْجِنْسِ أيْ لِيَحْمِلُوا مِن جِنْسِ أوْزارِ الِاتِّباعِ، وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ مِنَ الَّتِي لِبَيانِ الجِنْسِ لا تُقَدَّرُ بِما ذُكِرَ وإنَّما تُقَدَّرُ بِقَوْلِنا الأوْزارُ الَّتِي هي أوْزارُ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم فَيُؤَوَّلُ مِن حَيْثُ المَعْنى إلى قَوْلِ الأخْفَشِ وإنِ اخْتَلَفا في التَّقْدِيرِ، ولامُ ﴿لِيَحْمِلُوا﴾ لِلْعاقِبَةِ لِأنَّ الحَمْلَ مُتَرَتِّبٌ عَلى فِعْلِهِمْ ولَيْسَ باعِثًا ولا غَرَضًا لَهُمْ، وعَنِ ابْنِ عَطِيَّةَ أنَّها تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ لامَ التَّعْلِيلِ ومُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ لا بِقالُوا أيْ قَدَّرَ صُدُورَ ذَلِكَ لِيَحْمِلُوا، ويَجِيءُ حَدِيثُ تَعْلِيلِ أفْعالِ اللَّهِ تَعالى بِالأغْراضِ وأنْتِ تَدْرِي أنَّ فِيهِ خِلافًا.
وجُوِّزَ في البَحْرِ كَوْنُها لامَ الأمْرِ الجازِمَةَ عَلى مَعْنى أنَّ ذَلِكَ الحَمْلَ مُتَحَتِّمٌ عَلَيْهِمْ فَيَتِمُّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ والظّاهِرُ العاقِبَةُ، وصِيغَةُ الِاسْتِقْبالِ في ﴿يُضِلُّونَهُمْ﴾ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِ الإضْلالِ أوْ بِاعْتِبارِ حالِ قَوْلِهِمْ لا حالِ الحَمْلِ.
﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ حالٌ مِنَ المَفْعُولِ كَأنَّهُ قِيلَ: يُضِلُّونَ مَن لا يَعْلَمُ أنَّهم ضُلّالٌ عَلى الباطِلِ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ كَيْدَهم لا يَرُوجُ عَلى ذِي لُبٍّ وإنَّما يُقَلِّدُهُمُ الجَهَلَةُ الأغْبِياءُ وفِيهِ زِيادَةُ تَعْيِيرٍ لَهم وذَمٌّ إذْ كانَ عَلَيْهِمْ إرْشادُ الجاهِلِينَ لا إضْلالُهُمْ، وقِيلَ: إنَّهُ حالٌ مِنَ الفاعِلِ أيْ يُضِلُّونَ غَيْرَ عالِمِينَ بِأنَّ ما يَدْعُونَ إلَيْهِ طَرِيقُ الضَّلالِ، وقِيلَ: المَعْنى حِينَئِذٍ يُضِلُّونَ جَهْلًا مِنهم بِما يَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ العَذابِ الشَّدِيدِ عَلى ذَلِكَ الإضْلالِ، ونُقِلَ القَوْلُ بِالحالِيَّةِ عَنِ الفاعِلِ بِنَحْوِ هَذا المَعْنى عَنِ الواحِدِيِّ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ الوَجْهُ لا الحالِيَّةُ مِنَ المَفْعُولِ، وأُيِّدَ بِأنَّ التَّذْيِيلَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ يُقَوِّيهِ، ولَيْسَ بِذاكَ، وما ذُكِرَ ظُنَّ مِن هَذا المُؤَيِّدِ أنَّهُ إذا جُعِلَ حالًا مِنَ المَفْعُولِ لَمْ يَكُنْ لَهُ تَعَلُّقٌ بِما سِيقَ لَهُ الكَلامُ مِن حالِ المُضِلِّينَ وقَدْ هُدِيتَ إلى وجْهِهِ.
ورَجَّحَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ المُحَدَّثَ عَنْهُ هو المُسْنَدُ إلَيْهِ الإضْلالُ عَلى جِهَةِ الفاعِلِيَّةِ فاعْتِبارُهُ ذا الحالِ أوْلى، ويَرُدُّ عَلَيْهِ مَعَ ما يَعْلَمُ مِمّا ذُكِرَ أنَّ القُرْبَ يُعارِضُهُ فَلا يَصْلُحُ مُرَجِّحًا، وقِيلَ: هو حالٌ مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ في ( قالُوا ) عَلى مَعْنى قالُوا ذَلِكَ غَيْرَ عالِمَيْنِ بِأنَّهم يَحْمِلُونَ يَوْمَ القِيامَةِ أوْزارَ الضَّلالِ والإضْلالِ وأُيِّدَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾
مِن حَيْثُ إنَّ حَمْلَ ما ذُكِرَ مِن أوْزارِ الضَّلالِ والإضْلالِ مِن قَبِيلِ إتْيانِ العَذابِ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ، ويَرُدُّهُ أنَّ الحَمْلَ المَذْكُورَ كَما هو صَرِيحُ الآيَةِ إنَّما هو يَوْمَ القِيامَةِ والعَذابُ المَذْكُورُ إنَّما هو العَذابُ الدُّنْيَوِيُّ كَما سَتَسْمَعُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الفاعِلِ والمَفْعُولِ كَما قالَ ذَلِكَ ابْنُ جِنِّيٍّ في قَوْلِهِ: ﴿فَأتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ﴾ [مَرْيَمَ: 27] وهو خِلافُ الظّاهِرِ، واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ المُقَلِّدَ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَبْحَثَ ويُمَيِّزَ بَيْنَ المُحِقِّ والمُبْطِلِ ولا يُعْذُرَ بِالجَهْلِ، وهو ظاهِرٌ عَلى ما قَدَّمْناهُ مِنَ الوَجْهِ الأوْجَهِ ﴿ألا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾ أيْ بِئْسَ شَيْئًا يَزِرُونَهُ ويَرْتَكِبُونَهُ مِنَ الإثْمِ فِعْلُهُمُ المَذْكُورُ.
16:26Page 269
قَدۡ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ فَأَتَى ٱللَّهُ بُنۡيَٰنَهُم مِّنَ ٱلۡقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيۡهِمُ ٱلسَّقۡفُ مِن فَوۡقِهِمۡ وَأَتَىٰهُمُ ٱلۡعَذَابُ مِنۡ حَيۡثُ لَا يَشۡعُرُونَ ٢٦
Those before them had already plotted, but Allāh came at [i.e., uprooted] their building from the foundations, so the roof fell upon them from above them,1 and the punishment came to them from where they did not perceive.
صفحة 125
﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ وعِيدٌ لَهم بِرُجُوعِ غائِلَةِ مَكْرِهِمْ عَلَيْهِمْ كَدَأْبِ مَن قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ الَّذِينَ أصابَهم ما أصابَهم مِنَ العَذابِ العاجِلِ، والمَكْرُ صَرْفُ الغَيْرِ عَمّا يَقْصِدُهُ بِحِيلَةٍ وهو هاهُنا عَلى ما قِيلَ مَجازٌ عَنْ مُباشَرَةِ أسْبابِهِ وتَرْتِيبِ مُقَدِّماتِهِ لِأنَّ ما بَعْدُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَحْصُلِ الصَّرْفُ، وجُوِّزَ أنْ يَرْتَكِبَ فِيهِ التَّجْرِيدَ أيْ سَوَّوْا مَنصُوباتٍ وحِيَلًا لِيَخْدَعُوا بِها رُسُلَ اللَّهِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿فَأتى اللَّهُ بُنْيانَهم مِنَ القَواعِدِ﴾ أيْ مِن جِهَةِ الدَّعائِمِ والعُمُدِ الَّتِي بَنَوْا عَلَيْها بِأنْ ضُعْضِعَتْ فَمِنِ ابْتِدائِيَّةٌ والبُنْيانُ اسْمٌ مُفْرَدٌ مُذَكَّرٌ، ونَقَلالرّاغِبُ عَنْ بَعْضِ اللُّغَوِيِّينَ أنَّهُ جَمْعُ بُنْيانَةٍ مِثْلَ شَعِيرٍ وشُعَيْرَةٍ وتَمْرٍ وتَمْرَةٍ ونَخْلٍ ونَخْلَةٍ وإنَّ هَذا النَّحْوَ مِنَ الجَمْعِ يَصِحُّ تَذْكِيرُهُ وتَأْنِيثُهُ، وأصْلُ الإتْيانِ كَما قالَ المَجِيءُ بِسُهُولَةٍ وهو مُسْتَحِيلٌ بِظاهِرِهِ في حَقِّهِ سُبْحانَهُ ولِذَلِكَ احْتاجَ بَعْضُهم إلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ أمْرُ اللَّهِ تَعالى ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ قَتادَةَ، وجُعِلَ ذَلِكَ في الكَشّافِ مِن قَبِيلِ أتى عَلَيْهِ الدَّهْرُ بِمَعْنى أهْلَكَهُ وأفْناهُ، وحِينَئِذٍ لا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ المُضافِ.
وقُرِئَ «بِنْيَتَهُمْ» وهو بِمَعْنى بِنائِهِمْ يُقالُ: بَنَيْتُ أبْنِي أبْناءً وبِنْيَةً وبَنى نَعَمْ كَثِيرًا ما يُعَبَّرُ بِالبِنْيَةِ عَنِ الكَعْبَةِ وقَرَأ جَعْفَرٌ بَيْتَهم والضَّحّاكُ «بُيُوتَهُمْ» ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ﴾ أيْ سَقَطَ عَلَيْهِمْ سَقْفُ بُنْيانِهِمْ إذْ لا يُتَصَوَّرُ لَهُ القِيامُ بَعْدَ تَهَدُّمِ قَواعِدِهِ (ومِن) مُتَعَلِّقٌ بِخَرَّ وهي لِابْتِداءِ الغايَةِ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ السَّقْفِ مُؤَكِّدَةٌ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ وابْنُ الأعْرابِيِّ إنَّ ﴿مِن فَوْقِهِمْ﴾ لَيْسَ بِتَأْكِيدٍ لِأنَّ العَرَبَ تَقُولُ: خَرَّ عَلَيْنا سَقْفٌ ووَقَعَ عَلَيْنا حائِطٌ إذا انْهَدَمَ في مِلْكِ القائِلِ وإنْ لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ حَقِيقَةً فَهو لِبَيانِ أنَّهم كانُوا تَحْتَهُ حِينَ هُدِمَ. ومِنَ النّاسِ مَن زَعَمَ أنَّ عَلى بِمَعْنى عَنْ وهي لِلتَّعْلِيلِ والكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ خَرَّ مِن أجْلِ كُفْرِهِمُ السَّقْفُ وجِيءَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن فَوْقِهِمْ﴾ مَعَ خَرَّ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ أنْ يَكُونَ قَدْ خَرَّ وهم لَيْسُوا تَحْتَهُ، ولا يَخْفى أنَّهُ تَطْوِيلٌ مِن غَيْرِ طائِلٍ بَلْ كَلامٌ لا يَنْبَغِي أنْ يَتَفَوَّهَ بِهِ فاضِلٌ والكَلامُ تَمْثِيلٌ يَعْنِي أنَّ حالَهم في تَسْوِيَتِهِمُ المَنصُوباتِ والحِيَلَ لِيَمْكُرُوا بِها رُسُلَ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ وإبْطالِ اللَّهِ إيّاها وجَعَلَها سَبَبًا لِهَلاكِهِمْ كَحالِ قَوْمٍ بَنَوْا بُنْيانًا وعَمَّدُوهُ بِالأساطِينِ فَأتى ذَلِكَ مِن قِبَلِ أساطِينِهِ بِأنْ ضُعْضِعَتْ فَسَقَطَ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ وهَلَكُوا تَحْتَهُ، ووَجْهُ الشَّبَهِ أنَّ ما نَصَبُوهُ وخَيَّلُوهُ سَبَبَ التَّحَصُّنِ والِاسْتِيلاءِ صارَ سَبَبَ البَوارِ والفَناءِ فالأساطِينُ بِمَنزِلَةِ المَنصُوباتِ وانْقِلابُها عَلَيْهِمْ مَهْلَكَةٌ كانْقِلابِ تِلْكَ الحِيَلِ عَلى أصْحابِها والبُنْيانُ ما كانَ زَوَّرُوهُ ورَوَّجُوا فِيهِ تِلْكَ المَنصُوباتِ وتَواطَئُوا عَلَيْهِ مِنَ الرَّأْيِ المُدَعَّمِ بِالمَكائِدِ، ويُشْبِهُ ذَلِكَ قَوْلَهُمْ، مَن حَفَرَ لِأخِيهِ جُبًّا وقَعَ فِيهِ مُنْكَبًّا.
ويَقْرُبُ مِن هَذا ما قِيلَ إنَّ المُرادَ أحْبَطَ اللَّهُ تَعالى أعْمالَهُمْ، وقِيلَ: الأمْرُ مَبْنِيٌّ عَلى الحَقِيقَةِ، وذَلِكَ أنَّ نَمْرُودَ بْنَ كَنْعانَ بَنى صَرْحًا بِبابِلَ لِيَصْعَدَ بِزَعْمِهِ إلى السَّماءِ ويَعْرِفُ أمْرَها ويُقاتِلَ أهْلَها وأفْرَطَ في عُلُوِّهِ فَكانَ طُولُهُ في السَّماءِ عَلى ما حَكى النَّقّاشُ ورُوِيَ عَنْ كَعْبٍ فَرْسَخَيْنِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ووَهْبٌ: كانَ ارْتِفاعُهُ خَمْسَةَ آلافِ ذِراعِ وعَرْشُهُ ثَلاثَةَ آلافِ ذِراعٍ فَبَعَثَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ رِيحًا فَهَدَمَتْهُ وخَرَّ سَقْفُهُ عَلَيْهِ وعَلى أتْباعِهِ فَهَلَكُوا، وقِيلَ:
هَدَمَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِجَناحِهِ ولَمّا سَقَطَ تَبَلْبَلَتِ النّاسُ مِنَ الفَزَعِ فَتَكَلَّمُوايَوْمَئِذَ بِثَلاثٍ وسَبْعِينَ لِسانًا فَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ بابِلُ وكانَ لِسانُ النّاسِ قَبْلَ ذَلِكَ السُّرْيانِيَّةَ، ولا يَخْفى ما في هَذا الخَبَرِ مِنَ المُخالَفَةِ لِلْمَشْهُورِ لِأنَّ مُوجِبَهُ أنَّ هَلاكَ نَمْرُودَ كانَ بِما ذُكِرَ والمَشْهُورُ أنَّهُ عاشَ بَعْدَ قِصَّةِ الصَّرْحِ وأهْلَكَهُ اللَّهُ تَعالى بِبَعُوضَةٍ وصَلَتْ لِدِماغِهِ إظْهارًا لِكَمالِ خِسَّتِهِ وعَجْزِهِ وجازاهُ سُبْحانَهُ مِن جِنْسِ عَمَلِهِ لِأنَّهُ صَعِدَ إلى جِهَةِ السَّماءِ بِالنُّسُورِ فَأهْلَكَهُ اللَّهُ تَعالى بِأخَسِّ الطُّيُورِ، وما ذُكِرَ في وجْهِ تَسْمِيَةِ المَكانِ المَعْرُوفِ بِبابِلَ هو المَشْهُورُ، وفي مُعْجَمِ البُلْدانِ أنَّ مَدِينَةَ بابِلَ يُوراسِفَ
صفحة 126
الجَبّارِ واشْتُقَّ اسْمُها مِنَ المُشْتَرِي لِأنَّ بابِلَ بِاللِّسانِ البابِلِيِّ الأوَّلِ اسْمٌ لِلْمُشْتَرِي وأخْرَبَها الإسْكَنْدَرُ، وما ذُكِرَ مِن أنَّ اللِّسانَ كانَ قَبْلَ ذَلِكَ السُّرْيانِيَّةَ ذَكَرَهُ البَغَوِيُّ ونَظَرَ فِيهِ الخازِنُ بِأنَّ صالِحًا عَلَيْهِ السَّلامُ وقَوْمَهُ كانُوا قَبْلُ وكانُوا يَتَكَلَّمُونَ بِالعَرَبِيَّةِ وكانَ قَبائِلُ قَبْلَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِثْلَ طَسْمٍ وجَدِيسَ يَتَكَلَّمُونَ بِالعَرَبِيَّةِ أيْضًا وقَدْ يُدْفَعُ بِالعِنايَةِ.
وقالَ الضَّحّاكُ: الآيَةُ إشارَةٌ إلى قَوْمِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وما فُعِلَ بِهِمْ وبِقُراهُمْ، والكَلامُ أيْضًا مَبْنِيٌّ عَلى الحَقِيقَةِ واخْتارَ جَماعَةٌ بِناءَهُ عَلى التَّمْثِيلِ حَسْبَما سَمِعْتَ وعَلَيْهِ فالمُرادُ عَلى المُخْتارِ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ ما يَشْمَلُ جَمِيعَ الماكِرِينَ الَّذِينَ هُدِمَ عَلَيْهِمْ بُنْيانُهم وسَقَطَ في أيْدِيهِمْ وقَرَأ الأعْرَجُ (السَّقْفُ) وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ومُجاهِدٌ ﴿السَّقْفُ﴾ بِضَمِّ السِّينِ فَقَطْ وكِلاهُما جَمْعُ سَقْفٍ وفُعُلٌ وفُعْلٌ عَلى ما قالَ أبُو حَيّانَ مَحْفُوظانِ في جَمْعِ فَعْلٍ ولَيْسا مَقِيسَيْنِ فِيهِ ويُجْمَعُ عَلى سُقُوفٍ وهو القِياسُ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ ﴿السَّقْفُ﴾ بِفَتْحِ السِّينِ وضَمِّ القافِ وهي لُغَةٌ في السَّقْفِ، وذُكِرَ أنَّ الأصْلَ مَضْمُومُ القافِ وساكِنُهُ مُخَفَّفُهُ وكَثُرَ اسْتِعْمالُهُ عَلى عَكْسِ قَوْلِهِمْ: رَجُلٌ بِفَتْحٍ فَضَمٍّ ورَجْلٌ بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ وهي لُغَةٌ تَمِيمِيَّةٌ ﴿وأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ بِإتْيانِهِ مِنهُ بَلْ يَتَوَقَّعُونَ إتْيانَ مُقابِلِهِ مِمّا يُرِيدُونَ ويَشْتَهُونَ، والمُرادُ بِهِ العَذابُ العاجِلُ، وفي عَطْفِ هَذِهِ الجُمْلَةِ عَلى ما تَقَدَّمَ تَهْوِيلٌ لِأمْرِ هَلاكِهِمْ، ويَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ العاجِلُ
16:27Page 270
ثُمَّ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يُخۡزِيهِمۡ وَيَقُولُ أَيۡنَ شُرَكَآءِيَ ٱلَّذِينَ كُنتُمۡ تُشَٰٓقُّونَ فِيهِمۡۚ قَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ إِنَّ ٱلۡخِزۡيَ ٱلۡيَوۡمَ وَٱلسُّوٓءَ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ ٢٧
Then on the Day of Resurrection He will disgrace them and say, "Where are My 'partners' for whom you used to oppose [the believers]?" Those who were given knowledge will say, "Indeed disgrace, this Day, and evil are upon the disbelievers" -
قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يُخْزِيهِمْ﴾ أيْ يُذِلُّهُمْ، والظّاهِرُ أنَّ ضَمائِرَ الجَمْعِ- لِلَّذِينِ مَكَرُوا- مِن قَبْلُ كَأنَّهُ قِيلَ: قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَعَذَّبَهُمُ اللَّهُ تَعالى في الدُّنْيا ثُمَّ يُعَذِّبُهم في العُقْبى، (وثُمَّ) لِلْإيماءِ إلى ما بَيْنَ الجَزاءَيْنِ مِنَ التَّفاوُتِ مَعَ ما تَدُلُّ عَلَيْهِ مِنَ التَّراخِي الزَّمانِيِّ، وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ عَلى الفِعْلِ قِيلَ لِقِصَرِ الإخْزاءِ عَلى يَوْمِ القِيامَةِ، والمُرادُ بِهِ ما بُيِّنَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ويَقُولُ﴾ أيْ لَهم تَفْضِيحًا وتَوْبِيخًا ﴿أيْنَ شُرَكائِيَ﴾ إلى آخِرِهِ، ولا شَكَّ أنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا في ذَلِكَ اليَوْمِ، وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: لَيْسَ التَّقْدِيمُ لِذَلِكَ بَلْ لِأنَّ الإخْبارَ بِجَزائِهِمْ في الدُّنْيا مُؤْذِنٌ بِأنَّ لَهم جَزاءً أُخْرَوِيًّا فَتَبْقى النَّفْسُ مُتَرَقِّبَةً إلى وُرُودِهِ سائِلَةً عَنْهُ بِأنَّهُ ماذا مَعَ تَيَقُّنِها بِأنَّهُ في الآخِرَةِ فَسِيقَ الكَلامُ عَلى وجْهٍ يُؤْذِنُ بِأنَّ المَقْصُودَ بِالذِّكْرِ جَزاؤُهم لا كَوْنُهُ في الآخِرَةِ، وذُكِرَ أيْضًا أنَّ الجُمْلَةَ المَذْكُورَةَ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ الكَلامُ أيْ هَذا الَّذِي فُهِمَ مِنَ التَّمْثِيلِ مِن عَذابِ هَؤُلاءِ الماكِرِينَ القائِلِينَ في القُرْآنِ العَظِيمِ أساطِيرُ الأوَّلِينَ أوْ ما هو أعَمُّ مِنهُ، ومِمّا ذُكِرَ مِن عَذابِ أُولَئِكَ الماكِرِينَ مِن قَبْلُ جَزاؤُهم في الدُّنْيا ويَوْمَ القِيامَةِ يُخْزِيهِمْ إلى آخِرِهِ، ثُمَّ قالَ:
والضَّمِيرُ إمّا لِلْمُغْتَرِّينَ في حَقِّ القُرْآنِ الكَرِيمِ أوْ لَهم ولِمَن مَثَّلُوا بِهِمْ مِنَ الماكِرِينَ، وتَخْصِيصُهُ بِهِمْ يَأْباهُ السِّباقُ والسِّياقُ اهـ.
وفِيهِ مِنِ ارْتِكابِ خِلافِ الظّاهِرِ ما فِيهِ فَلْيُتَأمَّلْ، وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الإخْزاءَ بِما هو مِن رَوادِفِ التَّعْذِيبِ بِالنّارِ لِأنَّهُ الفَرْدُ الكامِلُ وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ﴾ [آلِ عِمْرانَ: 192] وقِيلَ عَلَيْهِ: إنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿أيْنَ شُرَكائِيَ﴾ إلى آخِرِهِ يَأْباهُ لِأنَّهُ قَبْلَ دُخُولِهِمُ النّارَ. وأُجِيبُ بِأنَّ الواوَ لا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الأوْلى مَعَ هَذا حَمْلُهُ عَلى مُطْلَقِ الإذْلالِ، وإضافَةُ الشُّرَكاءِ إلى نَفْسِهِ عَزَّ وجَلَّ لِأدْنى مُلابَسَةٍ بِناءً عَلى زَعْمِهِمْ أنَّهم شُرَكاءُ لِلَّهِ سُبْحانَهُ عَمّا يُشْرِكُونَ فَتَكُونُ الآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنْعامِ: 22].
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ما ذُكِرَ حِكايَةً مِنهُ تَعالى لِإضافَتِهِمْ فَإنَّهم كانُوا يُضِيفُونَ ويَقُولُونَ: شُرَكاءُ اللَّهِ تَعالى،
صفحة 127
وفِي ذَلِكَ زِيادَةٌ في تَوْبِيخِهِمْ لَيْسَتْ في أيْنَ أصْنامُكم مَثَلًا لَوْ قِيلَ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا خِزْيٌ وإهانَةٌ بِالقَوْلِ فَإذا فُسِّرَ الإخْزاءُ فِيما تَقَدَّمَ بِالتَّعْذِيبِ بِالنّارِ كانَتِ الآيَةُ مُشِيرَةً إلى خِزْيَيْنِ فِعْلِيٍّ وقَوْلِيٍّ، وأُشِيرُ إلى الأوَّلِ أوَّلًا لِأنَّهُ أنْسَبُ بِسابِقِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ «شُرَكائِيَ» مَمْدُودًا مَهْمُوزًا مَفْتُوحَ الياءِ، وفِرْقَةٌ كَذَلِكَ إلّا أنَّهم سَكَّنُوا الياءَ فَتَسْقُطُ في الدَّرَجِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، والبَزِّيُّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ بِخِلافٍ عَنْهُ بِالقَصْرِ وفَتْحِ الياءِ، وأنْكَرَ ذَلِكَ جَماعَةٌ وزَعَمُوا أنَّ هَذِهِ القِراءَةَ غَيْرُ مَأْخُوذٍ لِأنَّ قَصْرَ المَمْدُودِ لا يَجُوزُ إلّا ضَرُورَةً، ولَيْسَ كَما قالُوا فَإنَّهُ يَجُوزُ في السِّعَةِ، وقَدْ وُجِّهَ أيْضًا بِأنَّ الهَمْزَةَ المَكْسُورَةَ قَبْلَ الياءِ حُذِفَتْ لِلتَّخْفِيفِ ولَيْسَ كَقَصْرِ المَمْدُودِ مُطْلَقًا، مَعَ أنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ قَصْرُ الَّتِي في القَصَصِ و(ورائِي) في مَرْيَمَ، وعَنْ قُنْبُلٍ قَصْرُ ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ في العَلَقِ فَكَيْفَ يُعَدُّ ذَلِكَ ضَرُورَةً.
نَعَمْ قالَ أبُو حَيّانَ: إنَّ وُقُوعَهُ في الكَلامِ قَلِيلٌ فاعْرِفْ ذَلِكَ فَقَدْ غَفَلَ عَنْهُ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ.
﴿الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشاقُّونَ فِيهِمْ﴾ أيْ تُخاصِمُونَ وتُنازِعُونَ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وأتْباعَهم في شَأْنِهِمْ وتَزْعُمُونَ أنَّهم شُرَكاءُ حَقًّا حِينَ بَيَّنُوا لَكم ضِدَّ ذَلِكَ، وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ المُشاقَّةَ بِالمُعاداةِ، وتَفْسِيرُها بِالمُخاصَمَةِ لِيَظْهَرَ تَعَلُّقُ (فِيهِمْ) بِهِ ولا يَحْتاجُ إلى جَعْلِ في لِلسَّبَبِيَّةِ أوْلى، وقِيلَ: لِلْمُخاصَمَةِ مُشاقَةٌ أخْذًا مِن شَقِّ العَصا أوْ لِكَوْنِ كُلٍّ مِنَ المُتَخاصِمَيْنِ في شِقٍّ والمُرادُ بِالِاسْتِفْهامِ اسْتِحْضارُها لِلشَّفاعَةِ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِهْزاءِ والتَّبْكِيتِ، فَإنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: إنْ صَحَّ ما تَقُولُونَ فالأصْنامُ تَشْفَعُ لَنا، والِاسْتِفْسارُ عَنْ مَكانَتِهِمْ لا يُوجِبُ غَيْبَتَهم حَقِيقَةً بَلْ يَكْفِي في ذَلِكَ عَدَمُ حُضُورِهِمْ بِالعُنْوانِ الَّذِي كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّهم مُتَّصِفُونَ بِهِ فَلَيْسَ هُناكَ شُرَكاءُ ولا أماكِنُها.
وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ الغَيْبَةَ، ويُقالُ: إنَّهُ يُحالُ بَيْنَهم وبَيْنَ شُرَكائِهِمْ حِينَئِذٍ لِيَتَفَقَّدُوهم في ساعَةٍ عَلَّقُوا الرَّجاءَ بِها فِيهِمْ أوْ أنَّهم لَمّا لَمْ يَنْفَعُوهم فَكَأنَّهم غُيَّبٌ. ولا يُحْتاجُ إلى هَذا بَعْدَ ما عَلِمْتَ عَلى أنَّهُ أوْرَدَ عَلى قَوْلِهِ لِيَتَفَقَّدُوهم إلى آخِرِهِ أنَّهُ لَيْسَ بِسَدِيدٍ، فَإنَّهُ قَدْ تَبَيَّنَ لِلْمُشْرِكِينَ حَقِيقَةُ الأمْرِ فَرَجَعُوا عَنْ ذَلِكَ الزَّعْمِ الباطِلِ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ مِنهُمُ التَّفَقُّدُ.
وأُجِيبُ بِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَغْفُلُوا لِعِظَمِ الهَوْلِ عَنْ ذَلِكَ فَيَتَفَقَّدُوهُمْ، ثُمَّ إنَّ ما ذُكِرَ يَقْتَضِي حَشْرَ الأصْنامِ وهو الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِنَ الآياتِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنْبِياءِ: 98] وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ ) [البَقَرَةِ: 24، التَّحْرِيمِ: 6] عَلى قَوْلٍ، ولا أرى مانِعًا مِن حَمْلِ الشُّرَكاءِ عَلى مَعْبُوداتِهِمُ الباطِلَةِ بِحَيْثُ تَشْمَلُ ذَوِي العُقُولِ أيْضًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ «تُشاقُّونَ» بِفَتْحِ النُّونِ، ونافِعٌ بِكَسْرِها ورُوِيَتْ عَنِ الحَسَنِ، ولا يُلْتَفَتُ إلى تَضْعِيفِ أبِي حاتِمٍ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِتَشْدِيدِها عَلى أنَّهُ أدْغَمَ نُونَ الرَّفْعِ في نُونِ الوِقايَةِ. والكَسْرُ عَلى حَذْفِ ياءِ المُتَكَلِّمِ والِاكْتِفاءِ بِهِ أيْ تُشاقُّونَنِي. عَلى أنَّ مُشاقَّةَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وأتْباعِهِمْ كَمُشاقَّةِ اللَّهِ تَعالى شَأْنُهُ ولَوْلا ذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ تَعْلِيقُ المُشاقَّةِ بِهِ سُبْحانَهُ. أمّا إذا كانَتْ بِمَعْنى المُخاصَمَةِ فَظاهِرٌ أنَّهم لَمْ يُخاصِمُوا اللَّهَ تَعالى، وأمّا إذا كانَتْ بِمَعْنى العَداوَةِ فَلِأنَّهم لا يَعْتَقِدُونَ أنَّهم أعْداءٌ لِلَّهِ تَعالى، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ﴾ [المُمْتَحِنَةِ: 1] يَعْنِي المُشْرِكِينَ فَمُؤَوَّلٌ أيْضًا بِغَيْرِ شُبْهَةٍ ﴿قالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ مِن أهْلِ المَوْقِفِ وهُمُ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ والمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ أُوتُوا عِلْمًا بِدَلائِلِ التَّوْحِيدِ وكانُوا يَدْعُونَهم في الدُّنْيا إلى التَّوْحِيدِ فَيُجادِلُونَهم ويَتَكَبَّرُونَ عَلَيْهِمْ، واقْتَصَرَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ عَلى المُؤْمِنِينَ والأمْرُ فِيهِ سَهْلٌ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أنَّهُمُ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. ولَمْ نَقِفْ عَلى تَقْيِيدِهِ إيّاهم. وعَنْ مُقاتِلٍ أنَّهُمُ الحَفَظَةُ مِنهم. ويُشْعِرُ كَلامُ بَعْضِهِمْ بِأنَّهم مَلائِكَةُ
صفحة 128
المَوْتِ حَيْثُ أوْرَدَ عَلى القَوْلِ بِأنَّهُمُ المَلائِكَةُ أنَّ الواجِبَ حِينَئِذٍ يَتَوَفَّوْنَهم مَكانَ ( تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ) وأنَّهُ يَلْزَمُ مِنهُ الإبْهامُ في مَوْضِعِ التَّعْيِينِ والتَّعْيِينُ في مَوْضِعِ الإبْهامِ. وهو كَما قالَ الشِّهابَ في غايَةِ السُّقُوطِ، وقِيلَ: المُرادُ كُلُّ مَنِ اتَّصَفَ بِهَذا العُنْوانِ مِن مَلَكٍ وإنْسِيٍّ وغَيْرِ ذَلِكَ. والَّذِي يَمِيلُ إلَيْهِ القَلْبُ السَّلِيمُ القَوْلُ الأوَّلُ أيْ يَقُولُ أُولَئِكَ تَوْبِيخًا لِلْمُشْرِكِينَ وإظْهارًا لِلشَّماتَةِ بِهِمْ وتَقْرِيرًا لِما كانُوا يَعِظُونَهم وتَحْقِيقًا لِما أوْعَدُوهم بِهِ. وإيثارُ صِيغَةِ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ وُقُوعِهِ وتَحَتُّمِهِ حَسْبَما هو المَعْهُودُ في إخْبارِهِ تَعالى كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ونادى أصْحابُ الجَنَّةِ﴾ [الأعْرافِ: 44].
﴿إنَّ الخِزْيَ﴾ الذُّلَّ والهَوانَ. وفَسَّرَهُ الرّاغِبُ بِالذُّلِّ الَّذِي يُسْتَحى مِنهُ ﴿اليَوْمَ﴾ مَنصُوبٌ بِالخِزْيِ عَلى رَأْيِ مَن يَرى إعْمالَ المَصْدَرِ بِاللّامِ كَقَوْلِهِ: ضَعِيفُ النِّكايَةِ أعْداءَهُ. أوْ بِالِاسْتِقْرارِ في الظَّرْفِ الواقِعِ خَبَرًا لَإنَّ، وفِيهِ فَصْلٌ بَيْنَ العامِلِ والمَعْمُولِ بِالمَعْطُوفِ إلّا أنَّهُ مُغْتَفَرٌ في الظَّرْفِ. وألْ لِلْحُضُورِ أيِ اليَوْمِ الحاضِرِ، وإيرادُهُ لِلْإشْعارِ بِأنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ في عِزَّةٍ وشِقاقٍ ﴿والسُّوءَ﴾ العَذابَ ومِنَ الخِزْيِ بِهِ جَعَلَ ذِكْرَ هَذا لِلتَّأْكِيدِ ﴿عَلى الكافِرِينَ﴾ بِاللَّهِ تَعالى وآياتِهِ ورُسُلِهِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences