Al-AlusiAn‑Nahl · 16:2–4

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

An-Nahl 16:2–4

16:2Page 267

يُنَزِّلُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ بِٱلرُّوحِ مِنۡ أَمۡرِهِۦ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦٓ أَنۡ أَنذِرُوٓاْ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱتَّقُونِ ٢

He sends down the angels, with the inspiration [i.e., revelation] of His command, upon whom He wills of His servants, [telling them], "Warn that there is no deity except Me; so fear Me."

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ﴾ إلَخْ تَفْصِيلٌ لِما أُجْمِلَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى أيْقَظَ أوَّلًا ثُمَّ نَعى عَلَيْهِمْ ما هم فِيهِ مِنَ الشِّرْكِ ثُمَّ أرْدَفَهُ بِدَلائِلِ السَّمْعِ والعَقْلِ، وقَدَّمَ السَّمْعِيَّ لِأنَّ صاحِبَهُ هو القائِمُ بِتَحْرِيرِ العَقْلِيِّ وتَهْذِيبِهِ أيْضًا فَلَيْسَ النَّظَرُ إلى دَلِيلِ السَّمْعِ بَلْ إلى مَن قامَ بِهِ مِنَ المَلائِكَةِ والرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وهُمُ القائِمُونَ بِالأمْرَيْنِ جَمِيعًا فافْهَمْ. وأخَذَ سِيبَوَيْهِ مِنهُ أنَّ جَعْلَ ( يُنَزِّلُ ) حالًا مِن ضَمِيرِ ( يُشْرِكُونَ ) لا يُطابِقُ المَقامَ البَتَّةَ انْتَهى. وما ذَكَرَهُ مِن أمْرِ الحالِيَّةِ إشارَةٌ إلى الِاعْتِراضِ عَلى شَيْخِهِ العَلّامَةِ الطَّيِّبِيِّ حَيْثُ جَعَلَ ذَلِكَ أحَدَ احْتِمالَيْنِ في

صفحة 93

الجُمْلَةِ، ثانِيهُما كَوْنُها مُسْتَأْنِفَةً وهو الظّاهِرُ، وما أشارَ إلَيْهِ مِن وجْهِ الرَّبْطِ وادَّعى أنَّهُ التَّحْقِيقُ لا يَخْلُو عَمّا هو خِلافُ المُتَبادَرِ، والتَّعْبِيرُ بِصِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ التَّنْزِيلَ عادَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ لَهُ تَعالى، والمُرادُ بِالمَلائِكَةِ عِنْدَ الجُمْهُورِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ ويُسَمّى الواحِدُ بِالجَمْعِ- كَما قالَ الواحِدِيُّ- إذا كانَ رَئِيسًا، وعِنْدَ بَعْضٍ هو عَلَيْهِ السَّلامُ ومِن مَعَهُ مِن حَفَظَةِ الوَحْيِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو «يُنْزِلُ» مُخَفَّفًا مِنَ الإنْزالِ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما والأعْمَشُ وأبُو بَكْرٍ يُنَزَّلُ مُشَدِّدًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، والمَلائِكَةُ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ نائِبُ الفاعِلِ والجَحْدَرِيُّ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ خَفَّفَ، وأبُو العالِيَةِ والأعْرَجُ والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ «( تَنَزَّلُ )» بِتاءٍ فَوْقِيَّةٍ مَفْتُوحَةٍ وتَشْدِيدِ الزّايِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ وقَدْ حُذِفَ مِنهُ أحَدُ التّاءَيْنِ وأصْلُهُ تَتَنَزَّلُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ «نُنَزِّلَ» بِنُونِ العَظَمَةِ والتَّشْدِيدِ، وقَتادَةُ بِالنُّونِ والتَّخْفِيفِ، وفي هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ كَما في البَحْرِ التِفاتٌ ﴿بِالرُّوحِ﴾ أيِ الوَحْيِ كَما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ويَدْخُلُ في ذَلِكَ القُرْآنُ، ورُوِيَ عَنِ الضَّحّاكِ والرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ الِاقْتِصارُ عَلَيْهِ، وأيًّا ما كانَ فَإطْلاقُ «الرُّوحِ» عَلى ذَلِكَ بِطَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ المُصَرَّحَةِ المُحَقَّقَةِ، ووَجْهُ الشَّبَهِ أنَّ الوَحْيَ يُحْيِي القُلُوبَ المَيِّتَةَ بِداءِ الجَهْلِ والضَّلالِ أوْ أنَّهُ يَكُونُ بِهِ قِوامُ الدِّينِ كَما أنَّ بِالرُّوحِ يَكُونُ قِوامُ البَدَنِ، ويَلْزَمُ ذَلِكَ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ وتَخْيِيلِيَّةٌ وهي تَشْبِيهُ الجَهْلِ والضَّلالِ بِالمَوْتِ وضِدَّ ذَلِكَ بِالحَياةِ أوْ تَشْبِيهُ الدِّينِ بِإنْسانٍ ذِي جَسَدٍ ورُوحٍ، وهَذا كَما إذا قُلْتَ: رَأيْتُ بَحْرًا يَغْتَرِفُ النّاسُ مِنهُ وشَمْسًا يَسْتَغِيثُونَ بِها فَإنَّهُ يَتَضَمَّنُ تَشْبِيهَ عِلْمِ المَمْدُوحِ بِالماءِ العَظِيمِ والنُّورِ السّاطِعِ لَكِنَّهُ جاءَ مِن عَرْضٍ فَلَيْسَ- كَأظْفارِ المَنِيَّةِ- ولَيْسَ غَيْرَ كَوْنِهِ اسْتِعارَةً مُصَرَّحَةً، وجَعْلُ ذَلِكَ في الكَشْفِ مِن قَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ بِالكِنايَةِ ولَيْسَ بِذاكَ، والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِالفِعْلِ السّابِقِ أوْ بِما هو خالٍ مِن مَفْعُولِهِ أيْ يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ مُلْتَبِسِينَ بِالرُّوحِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿مِن أمْرِهِ﴾ بَيانٌ لِلرُّوحِ المُرادُ بِهِ الوَحْيُ، والأمْرُ بِمَعْنى الشَّأْنِ واحِدُ الأُمُورِ، ولا يُخْرِجُ ذَلِكَ الرُّوحَ مِنَ الِاسْتِعارَةِ إلى التَّشْبِيهِ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الخَيْطُ الأسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ﴾ لِما قالُوا: مِن أنَّ بَيْنَهُما بَوْنًا بَعِيدًا لِأنَّ نَفْسَ الفَجْرِ عَيْنُ المُشَبَّهِ شُبِّهَ بِخَيْطٍ، ولَيْسَ مُطْلَقُ الأمْرِ بِالمَعْنى السّابِقِ مُشَبَّهًا بِهِ ولِذا بُيِّنَتْ بِهِ الرُّوحُ الحَقِيقِيَّةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي﴾ كَما تَبَيَّنَ بِهِ المَجازِيَّةُ، ولَوْ قِيلَ: يُلْقِي أمْرَهُ الَّذِي هو الرُّوحُ لَمْ يَخْرُجْ عَنِ الِاسْتِعارَةِ فَلَيْسَ وِزانُ ﴿مِن أمْرِهِ﴾ وِزانَ ﴿مِنَ الفَجْرِ﴾ ولَيْسَ كُلُّ بَيانٍ مانِعًا مِنَ الِاسْتِعارَةِ كَما يُتَوَهَّمُ مِن كَلامِ المُحَقِّقِ في شَرْحِ التَّلْخِيصِ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ الرُّوحِ عَلى مَعْنى حالِ كَوْنِهِ ناشِئًا ومُبْتَدَأً مِنهُ أوْ صِفَةً لَهُ عَلى رَأْيِ مَن جَوَّزَ حَذْفَ المَوْصُولِ مَعَ بَعْضِ صِلَتِهِ أيْ بِالرُّوحِ الكائِنِ مِن أمْرِهِ أوْ مُتَعَلِّقًا- بِيُنَزِّلُ- ( ومِن ) سَبَبِيَّةٌ أوْ تَعْلِيلِيَّةٌ أوْ يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِسَبَبِ أمْرِهِ أوْ لِأجْلِهِ، والأمْرُ عَلى هَذا واحِدُ الأوامِرِ، وعَلى ما قَبْلَهُ قِيلَ: فِيهِ احْتِمالانِ. وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ «الرُّوحَ» هو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وأيَّدَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ وجَعْلِ الباءَ بِمَعْنى مَعَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ «الرُّوحَ» خَلْقٌ مِن خَلْقِ اللَّهِ تَعالى كَصُوَرِ بَنِي آدَمَ لا يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ مَلَكٌ إلّا ومَعَهُ واحِدٌ مِنهُمْ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ وعَلَيْهِ حَمْلُ بَعْضِهِمْ ما في الآيَةِ هُنا.

وتَعَقَّبَ ذَلِكَ ابْنُ عَطِيَّةَ بِأنَّ هَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ لَمْ يَأْتِ لَهُ سَنَدٌ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وأضْعَفُ مِنهُ بَلْ لا يَكادُ يُقَدَّمُ عَلَيْهِ في الآيَةِ أحَدُ ما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ المُرادَ بِالرُّوحِ أرْواحُ الخَلْقِ لا يَنْزِلُ مَلَكٌ إلّا ومَعَهُ

صفحة 94

رُوحٌ مِن تِلْكَ الأرْواحِ ﴿عَلى مَن يَشاءُ مَن عِبادِهِ﴾ أيْ أنْ يُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ لا لِاخْتِصاصِهِمْ بِصِفاتٍ تُؤَهِّلُهم لِذَلِكَ.

والآيَةُ دَلِيلٌ عَلى أنَّ النُّبُوَّةَ عَطائِيَّةٌ كَما هو المَذْهَبُ الحَقُّ، ويُرَدُّ بِها أيْضًا عَلى بَعْضِ المُتَصَوِّفَةِ القائِلِينَ بِأنَّهُ لا حاجَةَ لِلْخَلْقِ إلى إرْسالِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ قالُوا: الرُّسُلُ سِوى اللَّهِ تَعالى وكُلُّ ما سِواهُ سُبْحانَهُ حِجابٌ عَنْهُ جَلَّ شَأْنُهُ فالرُّسُلُ حِجابٌ عَنْهُ تَعالى وكُلُّ ما هو حِجابٌ لا حاجَةَ لِلْخَلْقِ فالرُّسُلُ لا حاجَةَ إلَيْهِمْ، وهَذا جَهْلٌ ظاهِرٌ، ولَعَمْرِي إنَّهُ زَنْدَقَةٌ وإلْحادٌ، وفَسادُهُ مِثْلُ كَوْنِهِ زَنْدَقَةً في الظُّهُورِ، ويَكْفِي في ذَلِكَ مَنعُ الكُبْرى القائِلَةِ بِأنَّ كُلَّ ما سِواهُ سُبْحانَهُ إلَخْ فَإنَّ الرُّسُلَ وسِيلَةٌ إلى اللَّهِ تَعالى والوُصُولُ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ لا حِجابٌ، وهَلْ يَقْبَلُ ذُو عَقْلٍ أنَّ نائِبَ السُّلْطانِ في بِلادِهِ حِجابٌ عَنْهُ؟ وهَبْ هَذا القائِلُ أمْكَنَهُ الوُصُولُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ بِلا واسِطَةٍ بِقُوَّةِ الرِّياضَةِ والِاسْتِعْدادِ والقابِلِيَّةِ فالسَّوادُ الأعْظَمُ الَّذِينَ لا يُمْكِنُهم ما أمْكَنَهُ كَيْفَ يَصْنَعُونَ. ومِمَّنْ يَنْتَظِمُ في سَلْكِ هَؤُلاءِ المُلْحِدِينَ البَراهِمَةُ فَإنَّهم أيْضًا نَفَوْا النُّبُوَّةَ لَكِنَّهُمُ اسْتَدَلُّوا بِأنَّ العَقْلَ كافٍ فِيما يَنْبَغِي أنْ يَسْتَعْمِلَهُ المُكَلَّفُ فَيَأْتِي بِالحُسْنِ ويَجْتَنِبُ القَبِيحَ ويَحْتاطُ في المُشْتَبَهِ بِفِعْلٍ أوْ تَرْكٍ، فالأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ إمّا أنْ يَأْتُوا بِما يُوافِقُ العَقْلَ فَلا حاجَةَ مَعَهُ إلَيْهِمْ أوْ بِما يُخالِفُهُ فَلا التِفاتَ إلَيْهِمْ، وجَوابُهُ أنَّ هَذا مَبْنِيٌّ عَلى القَوْلِ بِالحُسْنِ والقُبْحِ العَقْلِيِّينَ، وقَدْ رُفِعَتِ الأقْلامُ وجَفَّتِ الصُّحُفُ وتَمَّ الأمْرُ في إبْطالِهِ، وعَلى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِهِ لا نُسَلِّمُ أنَّ العَقْلَ يَسْتَقِلُّ بِجَمِيعِ ما يَنْبَغِي، ولا نُسَلِّمُ أيْضًا أنَّهم إنْ جاؤُوا بِما يُوافِقُ العَقْلَ لا حاجَةَ إلَيْهِمْ لِجَوازِ أنْ يُعَرِّفُوا المُكَلَّفَ بَعْضَ ما يَخْفى عَلَيْهِ مِمّا يَنْبَغِي لَهُ أوْ يُؤَكِّدُوا حُكْمَهُ بِحُكْمِهِمْ، ودَلِيلانِ أقْوى مِن دَلِيلٍ، ولا نُسَلِّمُ أيْضًا أنَّهم إنْ جاؤُوا بِما يُخالِفُ العَقْلَ لا يَلْتَفِتُ إلَيْهِمْ لِجَوازِ أنْ يُخالِفُوهُ فِيما يَخْفى عَلَيْهِ، عَلى أنَّ ذَلِكَ فَرْضٌ مُحالٌ لِإجْماعِ النّاسِ عَلى أنَّ الشَّرْعَ لا يَأْتِي بِخِلافِ العَقْلِ في نَفْسِ الأمْرِ وإنَّما يَأْتِي بِما يُقَصِّرُ عَنْ إدْراكِهِ بِنَفْسِهِ كَوُجُوبِ صَوْمِ آخِرَ يَوْمٍ مِن رَمَضانَ وحُرْمَةِ صَوْمِ أوَّلِ يَوْمٍ مِن شَوّالَ، وتَمامُ الكَلامِ في ذَلِكَ يُطْلَبُ مِن مَحَلِّهِ ﴿أنْ أنْذِرُوا﴾ بَدَلٌ مِنَ الرُّوحِ عَلى أنَّ ( أنْ ) هي الَّتِي مِن شَأْنِها أنْ تَنْصِبَ المُضارِعَ وُصِّلَتْ بِالأمْرِ كَما وُصِّلَتْ بِهِ في قَوْلِهِمْ: كَتَبْتُ إلَيْهِ بِأنْ قُمْ، ولا ضَيْرَ في ذَلِكَ كَما حُقِّقَ في مَوْضِعِهِ أيْ يُنْزِلُهم مُلْتَبِسِينَ بِطَلَبِ الإنْذارِ مِنهم. وجَوَّزَ ابْنُ عَطِيَّةَ وأبُو البَقاءِ وصاحِبُ الغَنِيّانِ كَوْنَ ( أنْ ) مُفَسِّرَةً فَلا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، وذَلِكَ لِما في تَنْزِيلِ المَلائِكَةِ بِالوَحْيِ مِن مَعْنى القَوْلِ كَأنَّهُ قِيلَ: يَقُولُ بِواسِطَةِ المَلائِكَةِ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ أنْ أنْذِرُوا، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ ذَلِكَ وكَوْنَ (أنِ) المُخَفَّفَةَ مِنَ المُثَقَّلَةِ وأمْرَ البَدَلِيَّةِ عَلى حالٍ قالَ: والتَّقْدِيرُ بِأنَّهُ أنْذِرُوا أيْ بِأنَّ الشَّأْنَ أقُولُ لَكم أنْذِرُوا.

وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ جَعْلَها مُخَفَّفَةً وإضْمارَ اسْمِها وهو ضَمِيرُ الشَّأْنِ وتَقْدِيرَ القَوْلِ حَتّى يَكُونَ الخَبَرُ جُمْلَةً خَبَرِيَّةً تَكَلُّفٌ لا حاجَةَ إلَيْهِ مَعَ سُهُولَةِ جَعْلِها الثُّنائِيَّةَ الَّتِي مِن شَأْنِها نَصْبُ المُضارِعِ، وفِيهِ بَحْثٌ، فَفي الكَشْفِ أنَّ تَحْقِيقَ وصْلِ الأمْرِ بِهَذا الحَرْفِ ناصِبَةً كانَتْ أوْ مُخَفَّفَةً وإضْمارَ القَوْلِ قَدْ سَلَفَ إنَّما الكَلامُ في إيثارِ المُخَفَّفَةِ هاهُنا وفي يُونُسَ والنّاصِبَةِ في نُوحٍ وهي الأصْلُ لِقِلَّةِ التَّقْدِيرِ، وذَلِكَ لِأنَّ مَقامَ المُبالِغَةِ يَقْتَضِي إيثارَ المُخَفَّفَةِ، ولِهَذا جُعِلَ بَدَلًا والمُبْدَلُ مِنهُ ما عُرِفَ شَأْنُهُ، وكَذاكَ في يُونُسَ مَعْناهُ أُعْجِبُوا مِن هَذا الأمْرِ المُحَقَّقِ وهو أنَّ الشَّأْنَ كَذا، وأمّا في نُوحٍ فَكَلامٌ ابْتِدائِيٌّ، وجَعْلُهم فائِدَةَ القَوْلِ أنْ لا يَقَعَ الطَّلَبِيُّ خَبَرًا مِن ضِيقِ العَطَنِ فَذَلِكَ في ضَمِيرِ الشَّأْنِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ لِأنَّهُ مُتَّحِدٌ بِما بَعْدَهُ وهو كَما تَقُولُ: كَلامِي اضْرِبْ زَيْدًا انْتَهى. وقُرِئَ لِيُنْذِرُوا والإنْذارُ الإعْلامُ كَما قِيلَ خَلا أنَّهُ مُخْتَصٌّ بِإعْلامِ المَحْذُورِ أيِ اعْلَمُوا ( أنَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا ) فالضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ وهو مِن خِلافِ

صفحة 95

مُقْتَضى الظّاهِرِ، وفائِدَةُ تَصْدِيرِ الجُمْلَةِ بِهِ الإيذانُ مِن أوَّلِ الأمْرِ بِفَخامَةِ مَضْمُونِها مَعَ ما في ذَلِكَ مِن زِيادَةِ تَقْرِيرٍ في الذِّهْنِ، ( وأنْ ) وما بَعْدَها في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي- لِأنْذِرُوا- دُونَ تَقْدِيرِ جارٍّ فِيهِ والمَفْعُولُ الأوَّلُ مَحْذُوفٌ. والمُرادُ العُمُومُ أيْ أعْلِمُوا النّاسَ أنَّ الشَّأْنَ الخَطِيرَ هَذا، ووَجْهُ إنْباءِ مَضْمُونِهِ عَنِ المَحْذُورِ بِأنَّهُ لَيْسَ لِذاتِهِ بَلْ مِن حَيْثُ اتِّصافُ المُنْذِرِينَ بِما يُضادُّهُ مِنَ الإشْراكِ، ولا يُشْتَرَطُ تَحَقُّقُ المَحْذُورِ كالِاتِّصافِ المَذْكُورِ بِالفِعْلِ في تَحَقُّقِ ماهِيَّةِ الإنْذارِ، وإنْ أبَيْتَ إلّا الِاشْتِراطَ فَتَحَقُّقُ الِاتِّصافِ في بَعْضِ أفْرادِ المُنْذِرِينَ لا سِيَّما الأكْثَرُ بِالفِعْلِ كافٍ. وقالَ الرّاغِبُ: الإنْذارُ إخْبارٌ فِيهِ تَخْوِيفٌ كَما أنَّ التَّبْشِيرَ إخْبارٌ فِيهِ سُرُورٌ وهو قَرِيبٌ مِمّا تَقَدَّمَ، ومُحَصِّلُهُ عَلى العِبارَتَيْنِ التَّخْوِيفُ، ومِن هُنا جَوَّزَ بَعْضُهم تَفْسِيرَهُ بِذَلِكَ وقُدِّرَ المَفْعُولُ الأوَّلُ خاصًّا ( وأنْ ) وما بَعْدَها في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي بِتَقْدِيرِ الجارِّ أيْ خَوِّفُوا أهْلَ الكُفْرِ والمَعاصِي بِأنَّ الشَّأْنَ الخَطِيرَ هَذا، وذَلِكَ كَما جُوِّزَ تَفْسِيرُهُ بِالإعْلامِ، وجُعِلَ المَفْعُولُ الأوَّلُ عامًّا ولَمْ يُقَدِّرْ جارًّا في الثّانِي، وذُكِرَ أنَّ ذَلِكَ أصْلُ مَعْناهُ وأنَّ تَخْصِيصَهُ بِإعْلامِ المَحْذُورِ طارِئٌ فَإنْ أُرِيدَ ذَلِكَ الأصْلُ كانَ تَعَلُّقُهُ بِما بَعْدَهُ ظاهِرًا غايَةَ الظُّهُورِ، وإنْ أُرِيدَ غَيْرُهُ احْتاجَ إلى التَّوْجِيهِ، وقَدْ عَلِمْتَهُ فِيما إذا كانَ المَفْعُولُ الأوَّلُ عامًّا، والأمْرُ فِيما إذا كانَ خاصًّا بَعْدَ ذَلِكَ أظْهَرُ مِن أنْ يُذْكُرَ.

وذَكَرَ بَعْضُ الفُضَلاءِ أنَّ الثّابِتَ في اللُّغَةِ أنَّ نَذَرَ بِالشَّيْءِ كَفَرِحَ بِهِ فَحَذَّرَهُ وأنْذَرَهُ إذا أعْلَمَهُ بِما يُحَذِّرُهُ ولَيْسَ فِيها مَجِيئُهُ بِمَعْنى التَّخْوِيفِ فَأصْلُهُ الإعْلامُ مَعَ التَّخْوِيفِ فاسْتَعْمَلُوهُ بِكُلٍّ مِن جُزْأيْ مَعْنَيَيْهِ الإعْلامِ والتَّخْوِيفِ انْتَهى وفِيهِ غَفْلَةٌ عَمّا أشَرْنا إلَيْهِ، وكَأنَّهُ لِهَذا قِيلَ: إنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِشَيْءٍ يُعْتَدُّ بِهِ ﴿فاتَّقُونِ﴾ جَعَلَهُ أبُو السُّعُودِ خِطابًا لِلْمُسْتَعْجِلِينَ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ والفاءُ فَصِيحَةٌ أيْ إذا كانَ الأمْرُ كَما ذُكِرَ مِن جَرَيانِ عادَتِهِ تَعالى بِتَنْزِيلِ المَلائِكَةِ عَلى مَن يَشاءُ تَنْزِيلُهم عَلَيْهِ مِن عِبادِهِ وأمَرَ المُنَزَّلِ عَلَيْهِمْ بِأنْ يُنْذِرُوا النّاسَ بِأنَّهُ تَعالى لا شَرِيكَ لَهُ في الأُلُوهِيَّةِ فاتَّقَوْنِ في الإخْلالِ بِمَضْمُونِهِ ومُباشَرَةِ ما يُنافِيهِ وفُرُوعِهِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الِاسْتِعْجالُ والِاسْتِهْزاءُ انْتَهى.

وهُوَ عَلى ما يَقْتَضِيهِ الظّاهِرُ مَبْنِيٌّ عَلى ما مالَ إلَيْهِ مِنَ اخْتِصاصِ الخِطابِ السّابِقِ بِكَفَرَةٍ، وجَعَلَ بَعْضُهم هَذا الخِطابَ رُجُوعًا أيْضًا إلى خِطابِ قُرَيْشٍ لَكِنَّهُ مُتَفَرِّعٌ عَلى التَّوْحِيدِ، ووَجْهُ تَفَرُّعِهِ عَلَيْهِ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى إذا كانَ واحِدًا لَمْ يُتَصَوَّرْ تَخْلِيصُ أحَدٍ لِأحَدٍ مِن عَذابِهِ إذا أرادَ ذَلِكَ ولَمْ يُجَوَّزْ جَعْلُهُ مِن جُمْلَةِ المُوحى بِهِ عَلى مَعْنى أعْلِمُوهم قَوْلِي أنَّ الشَّأْنَ لا إلَهَ إلّا أنا فاتَّقَوْنِ أوْ خَوِّفُوهم بِذَلِكَ مُعَلِّلًا بِأنَّهُ لَوْ كانَ ذَلِكَ لَقِيلَ- إنَّ- بِالكَسْرِ لا بِالفَتْحِ.

وتُعِقِّبَ بِمَنعِ اللُّزُومِ فَإنَّ أنَّ لَيْسَتْ بَعْدَ قَوْلٍ صَرِيحٍ أوْ مُقَدَّرٍ وإنَّما ذَكَرُوا ذَلِكَ في بَيانِ المَعْنى لِتَصْوِيرِهِ، واخْتِيرَ أنَّهُ إذا كانَ الإنْذارُ بِمَعْنى التَّخْوِيفِ فالظّاهِرُ دُخُولُ هَذا الأمْرِ في المُنْذِرِ بِهِ لِأنَّهُ هو المُنْذِرُ بِهِ في الحَقِيقَةِ وهو المَقْصُودُ بِالذِّكْرِ، وإذا كانَ بِمَعْنى الإعْلامِ فالمَقْصُودُ بِالإعْلامِ هو الجُمْلَةُ الأُولى وهو مُتَفَرِّعٌ عَلَيْها عَلى طَرِيقِ الِالتِفاتِ، ولا يَخْلُو عَنْ مُناقَشَةٍ فَتَأمَّلْ، والَّذِي يَمِيلُ إلَيْهِ القَلْبُ أنَّ المَجْمُوعَ داخِلٌ في حَيِّزِ الإنْذارِ وهو مُشْتَمِلٌ عَلى التَّوْحِيدِ الَّذِي هو مُنْتَهى كَمالِ القُوَّةِ العِلْمِيَّةِ والأمْرِ بِالتَّقْوى الَّتِي هي أقْصى كَمالِ القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ فَإنَّ النُّفُوسَ البَشَرِيَّةَ لَها نِسْبَةٌ إلى عالَمِ الغَيْبِ تَسْتَعِدُّ بِها لِقَبُولِ الصُّوَرِ والتَّحَلِّي بِالمَعارِفِ والإدْراكاتِ مِن ذَلِكَ العالَمِ، ونِسْبَةٌ إلى عالَمِ الشَّهادَةِ تَسْتَعِدُّ بِها لِأنْ تَتَصَرَّفَ في أجْسامِ هَذا العالِمِ ويُسَمّى اسْتِعْدادُها الحاصِلُ لَها بِاعْتِبارِ النِّسْبَةِ الأُولى قُوَّةً نَظَرِيَّةً واسْتِعْدادُها بِاعْتِبارِ النِّسْبَةِ الثّانِيَةِ قُوَّةً عَمَلِيَّةً، وأشْرَفُ كِمالاتِ القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ مَعْرِفَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ تَعالى، وأشْرَفُ كِمالاتِ القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ الإتْيانُ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ الواقِيَةِ عَنْ خِزْيِ يَوْمِ القِيامَةِ.

صفحة 96

وقُدِّمَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا إلَهَ إلا أنا﴾ عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فاتَّقُونِ﴾ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ ما يَسْتَنِدُ إلى القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ أعْلى كَمالًا مِمّا يَسْتَنِدُ إلى القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ، والكَمالُ الإنْسانِيُّ بِاعْتِبارِ هاتَيْنِ القُوَّتَيْنِ يُسَمّى كَمالًا نَفْسانِيًّا، ولَهُ كِمالاتٌ أُخَرُ هي كِمالاتُهُ البَدَنِيَّةُ وقُواهُ الحَيَوانِيَّةُ، وقَدْ فُصِّلَ ذَلِكَ في مَوْضِعِهِ.

16:3Page 267

خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ بِٱلۡحَقِّۚ تَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ٣

He created the heavens and earth in truth. High is He above what they associate with Him.

ثُمَّ إنَّهُ تَعالى شَرَعَ في تَحْرِيرِ الدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى تَوْحِيدِهِ الَّذِي هو المَقْصِدُ الأعْظَمُ مِن بِعْثَةِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَقالَ عَزَّ قائِلًا: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ﴾ .

وذَكَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّهُ تَعالى شَأْنُهُ وعَظُمَ بُرْهانُهُ قَدِ اسْتَوْفى أدِلَّةَ التَّوْحِيدِ واتِّصافَ ذاتِهِ الكَرِيمَةِ بِصِفاتِ الجَلالِ والإكْرامِ عَلى أُسْلُوبٍ بَدِيعٍ جَمَعَ فِيهِ بَيْنَ دَلالَةِ المَصْنُوعِ عَلى الصّانِعِ والنِّعْمَةِ عَلى المُنْعِمِ ونَبَّهْ عَلى أنَّ كُلَّ واحِدٍ يَكْفِي صارِفًا لِلْمُشْرِكِينَ عَمّا هم فِيهِ مِنَ الشِّرْكِ وعَلَيْهِ مَدارُ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ كُلَّما بَصَّرَهم طائِفَةٌ مِنَ البَصائِرِ ضَمَّنَها تَبْكِيتَهم وكُفْرانَهم نِعْمَتَيِ الرِّعايَةِ والهِدايَةِ، وانْظُرْ إلى فاتِحَتِهِ ثُمَّ إلى خاتِمَتِهِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿واصْبِرْ﴾ إلى آخِرِ السُّورَةِ بُيِّنَ لَكَ بَعْضَ ما ضُمِّنَ الكِتابُ الكَرِيمُ مِن أسْرارِ البَلاغَةِ وأنْوارِ الإعْجازِ والمُرادُ بِالسَّماواتِ والأرْضِ إمّا هَذِهِ الأجْرامُ والأجْسامُ المَعْلُومَةُ، وإمّا جِهَةُ العُلُوِّ والسُّفْلِ أيْ أوْجَدَ ذَلِكَ مُلْتَبِسًا بِما يَحِقُّ لَهُ بِمُقْتَضى الحِكْمَةِ فَيَدُلُّ عَلى صانِعٍ حَيٍّ عالِمٍ قادِرٍ مُرِيدٍ مُنْفَرِدٍ بِالأُلُوهِيَّةِ والرُّبُوبِيَّةِ وإلّا لَزِمَ إمْكانُ التَّمانُعِ المُسْتَلْزِمِ لِإمْكانِ المُحالِ حَسْبَما بُيِّنَ في عِلْمِ الكَلامِ ولِذا عَقَّبَ هَذا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ .

وقَرَأ الأعْمَشُ «فَتَعالى» بِالفاءِ، وما يَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً أيْ تَعالى وتَقَدَّسَ بِذاتِهِ وأفْعالِهِ عَنْ إشْراكِهِمْ، وأنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً عَلى مَعْنى تَعالى عَنْ شِرْكَةِ ما يُشْرِكُونَهُ مِنَ الباطِلِ الَّذِي لا يُبْدِئُ ولا يُعِيدُ، واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى لَيْسَ مِن قَبِيلِ الأجْرامِ والأجْسامِ كَما يَقُولُهُ المُجَسِّمَةُ، ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّها تَدُلُّ عَلى احْتِياجِ الأجْرامِ والأجْسامِ إلى خالِقٍ سُبْحانَهُ وتَعالى لا يُجانِسُها وإلّا لاحْتاجَ إلَيْهِ فَلا يَكُونُ خالِقًا، وبِإرادَةِ الجِهَتَيْنِ يَكُونُ وجْهُ الدَّلالَةِ مِنَ الآيَةِ أظْهَرَ، وقَرَأ الكِسائِيُّ «تُشْرِكُونَ» بِالتّاءِ.

16:4Page 267

خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ مِن نُّطۡفَةٖ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٞ مُّبِينٞ ٤

He created man from a sperm-drop; then at once1 he is a clear adversary.

﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾ أيْ هَذا النَّوْعَ غَيْرَ الفَرْدِ الأوَّلِ مِنهُ ﴿مِن نُطْفَةٍ﴾ أصْلُها الماءُ الصّافِي ويُعَبَّرُ بِها عَنْ ماءِ الرَّجُلِ أيْ أوْجَدَهُ مِن جَمادٍ لا حِسَّ لَهُ ولا حِراكَ سَيّالٍ لا يُحْفَظُ شَكْلًا ولا وضْعًا ﴿فَإذا هُوَ﴾ بَعْدَ الخَلْقِ مِن ذَلِكَ ﴿خَصِيمٌ﴾ مِنطِيقٌ مُجادِلٌ عَنْ نَفْسِهِ مُكافِحٌ لِلْخُصُومِ، وهو صِيغَةُ مُبالَغَةٍ، وقالَ الواحِدِيُّ: بِمَعْنى مُخاصِمٍ، وفَعِيلٌ بِمَعْنى مُفاعِلٍ مَعْرُوفٌ عِنْدَهم كالنَّسِيبِ بِمَعْنى المُناسِبِ والخَلِيطُ بِمَعْنى المُخالِطِ والعَشِيرُ بِمَعْنى المُعاشِرِ.

﴿مُبِينٌ﴾ مُظْهِرٌ لِلْحُجَّةِ لُقِّنَ بِها وقِيلَ: المَعْنى أوْجَدَهُ مِن ذَلِكَ فَإذا هو خَصِيمٌ لِخالِقِهِ سُبْحانَهُ مُنْكِرٌ لِعَظِيمِ قُدْرَتِهِ قائِلٌ: ﴿مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ﴾ والأوَّلُ أنْسَبُ بِمَقامِ الِامْتِنانِ بِإعْطاءِ القُدْرَةِ عَلى الِاسْتِدْلالِ بِذَلِكَ عَلى قُدْرَتِهِ جَلَّ جَلالُهُ ووَحْدَتِهِ، وبَيَّنَ الإمامُ وجْهَ الِاسْتِدْلالِ فَقالَ بَعْدَ أنْ زَعَمَ أنَّ الإنْسانَ في الشَّرَفِ بَعْدَ الأفْلاكِ والكَواكِبِ وأشارَ إلى أنَّهُ لِذَلِكَ عَقَّبَ الِاسْتِدْلالَ بِخَلْقِ تِلْكَ بِالِاسْتِدْلالِ بِخَلْقِهِ: اعْلَمْ أنَّ الإنْسانَ مُرَكَّبٌ مِن نَفْسٍ وبَدَنٍ، وصَدْرُ الآيَةِ إشارَةٌ إلى الِاسْتِدْلالِ بِبَدَنِهِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ الحَكِيمِ وعَجُزُها إشارَةٌ إلى الِاسْتِدْلالِ بِأحْوالِهِ، وتَقْرِيرُ الأوَّلِ أنْ يُقالَ: إنَّ النُّطْفَةَ إمّا أنْ تَكُونَ مُتَشابِهَةَ الأجْزاءِ أوْ مُخْتَلِفَتَها فَإنْ كانَ الأوَّلَ لَمْ يَجُزْ أنْ يَكُونَ المُقْتَضِي لِتُوَلُّدِ هَذا البَدَنِ مِنها هو الطَّبِيعَةَ الحاصِلَةَ في جَوْهَرِها لِأنَّ تَأْثِيرَ الطَّبِيعَةِ بِالذّاتِ والإيجابِ فَمَتى عَمِلَتْ في مادَّةٍ مُتَشابِهَةِ الأجْزاءِ وجَبَ أنْ يَكُونَ عَمَلُها الكُرَيَّةَ وحَيْثُ لَمْ يَكُنِ الأمْرُ

صفحة 97

فِيما نَحْنُ فِيهِ كَذَلِكَ لِظُهُورِ أنَّ الأبْدانَ لَيْسَتْ كُرَيَّةً عَلِمْنا أنَّ المُقْتَضِيَ لَها هو الفاعِلُ الحَكِيمُ المُخْتارُ، وإنْ كانَ الثّانِي قُلْنا: إنَّهُ يَجِبُ أنْ يَنْتَهِيَ تَحْلِيلُ تَرْكِيبِها إلى أجْزاءٍ يَكُونُ كُلُّ واحِدٍ مِنها في نَفْسِهِ جِسْمًا بَسِيطًا وحِينَئِذٍ لَوْ كانَ المُدَبِّرُ لَها قُوَّةً طَبِيعِيَّةً لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ كُلٌّ مِن تِلْكَ البَسائِطِ كُرِّيَّ الشَّكْلِ فَكانَ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ الإنْسانُ عَلى شَكْلِ كُراتٍ مَضْمُومَةٍ بَعْضُها إلى بَعْضٍ وحَيْثُ لَمْ يَكُنْ لِذَلِكَ عَلِمْنا أنَّ المُقْتَضِيَ هو الفاعِلُ المُخْتارُ أيْضًا جَلَّ شَأْنُهُ وأيْضًا أنَّ النُّطْفَةَ رَطْبَةٌ سَرِيعَةُ الِاسْتِحالَةِ فَلا تَحْفَظُ الوَضْعَ فالجُزْءُ الَّذِي هو مادَّةُ الدِّماغِ يُمْكِنُ حُصُولُهُ في السُّفْلِ والجُزْءُ الَّذِي هو مادَّةُ القَلْبِ يُمْكِنُ حُصُولُهُ في الفَوْقِ فَحَيْثُ كانَ الإنْسانُ عَلى هَذا التَّرْتِيبِ المُعَيَّنِ دائِمًا مَعَ إمْكانِ غَيْرِهِ عَلِمْنا أنَّ حُدُوثَهُ عَلى ذَلِكَ التَّرْتِيبِ لَيْسَ إلّا بِتَدْبِيرِ الفاعِلِ المُخْتارِ الحَكِيمِ.

ولا يَصِحُّ أنْ يُقالَ: إنَّ ذَلِكَ مِن تَأْثِيرِ النُّجُومِ والأوْضاعِ الفَلَكِيَّةِ لِأنَّ تَأْثِيراتِها مُتَشابِهَةٌ عَلى أنَّهُ قَدْ بُيِّنَ بُطْلانُ كَوْنِها مُؤَثِّرَةً بِغَيْرِ ذَلِكَ في مَوْضِعِهِ. وتَقْرِيرُ الثّانِي أنَّ النُّفُوسَ الإنْسانِيَّةَ في أوَّلِ الفِطْرَةِ أقَلُّ فَهْمًا وذَكاءً وفِطْنَةً مِن نُفُوسِ سائِرِ الحَيَواناتِ فَإنَّ فَرْخَ الدَّجاجَةِ حِينَ خُرُوجِهِ مِن قِشْرِ البَيْضَةِ يُمَيِّزُ بَيْنَ العَدُوِّ والصَّدِيقِ فَيَهْرُبُ مِنَ الهِرَّةِ ويَلْتَجِئُ إلى الأُمِّ ويُمَيِّزُ بَيْنَ الغِذاءِ الَّذِي يُوافِقُهُ والَّذِي لا يُوافِقُهُ وأمّا ولَدُ الإنْسانِ فَإنَّهُ حِينَ انْفِصالِهِ مِن بَطْنِ أُمِّهِ لا يُمَيِّزُ بَيْنَ العَدُوِّ والصَّدِيقِ ولا بَيْنَ الضّارِّ والنّافِعِ ثُمَّ إنَّهُ بَعْدَ كِبَرِهِ يَقْوى عَقْلُهُ ويَعْظُمُ فَهْمُهُ ويَصِيرُ بِحَيْثُ يَقْوى عَلى مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى وعَلى مَعْرِفَةِ أصْنافِ المَخْلُوقاتِ العُلْوِيَّةِ والسُّفْلِيَّةِ والِاطِّلاعِ عَلى كَثِيرٍ مِن أحْوالِها الدَّقِيقَةِ وعَلى الخُصُوماتِ والمُباحَثاتِ فانْتِقالُ نَفْسِهِ مِن تِلْكَ البَلادَةِ المُفْرِطَةِ إلى هَذِهِ الكِياسَةِ المُفْرِطَةِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ بِتَدْبِيرِ إلَهٍ مُخْتارٍ حَكِيمٍ يَنْقُلُها مِن نُقْصانِها إلى كَمالِها ومِن جَهالَتِها إلى مَعْرِفَتِها بِحَسَبِ الحِكْمَةِ والِاخْتِيارِ، والثّانِي قِيلَ: أنْسَبُ بِمَقامِ تَعْدادِ هَنّاتِ الكَفَرَةِ فَإنَّهُ قَدِ اشْتَمَلَ مِن بَيانِ جَراءَةِ مَن كَفَرَ عَلى اللَّهِ تَعالى وعَدَمِ اسْتِحْيائِهِ مِنهُ سُبْحانَهُ ووَقاحَتِهِ بِتَمادِيهِ في الكُفْرِ.

وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّهُ يُؤَيِّدُ هَذا الوَجْهَ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ يس بَعْدَ ما ذَكَرَ مِثْلَهُ: ﴿قالَ مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ﴾ فَإنَّهُ نَصَّ فِيما ذَكَرَ فَيَكُونُ صَدْرُ الآيَةِ لِلِاسْتِدْلالِ وعَجُزُها لِتَقْرِيرِ الوَقاحَةِ، وتُعِقِّبَ بِأنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّ مَدارَ ما قَبْلَها في تِلْكَ السُّورَةِ عَلى ذِكْرِ الحَشْرِ والنَّشْرِ ومُكابَرَتِهِمْ فِيهِ بِخِلافِ هَذِهِ ولِكُلِّ مَقامٍ مَقالٌ، وأمّا كَوْنُ الآيَةِ مُسَوِّقَةً لِتَقْرِيرِ وقاحَةِ الإنْسانِ لِانْتِفاءِ التَّنافِي بَيْنَ الِاسْتِدْلالِ عَلى الوَحْدانِيَّةِ والقُدْرَةِ وتَقْرِيرِ وقاحَةِ المُنْكِرِينَ ولِذا جُعِلَ التَّتْمِيمُ لِما قَبْلَهُ ﴿تَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ فَعَدَمُ المُنافِي لا يَقْتَضِي وُجُودَ المُناسِبِ، وعِنْدِي لِكُلٍّ وُجْهَةٌ.

وفِي الكَشْفِ المَعْنَيانِ مُلائِمانِ لِلْمَقامِ إلّا أنَّ في الثّانِي زِيادَةً مُلائِمَةً مَعَ قَوْلِهِ: ﴿تَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ثُمَّ إنَّهُ أُدْمِجَ فِيهِ المَعْنى الأوَّلُ، ورَوى الواحِدِيُّ «أنَّ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ أتى النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِعَظْمٍ رَمِيمٍ وقالَ: يا مُحَمَّدُ أتَرى أنَّ اللَّهَ تَعالى يُحْيِي هَذا بَعْدَ ما قَدْ رَمَّ فَنَزَلَتْ نَظِيرَ ما في آخِرِ يس،»

والمَشْهُورُ أنَّ تِلْكَ هي النّازِلَةُ في تِلْكَ القِصَّةِ، ثُمَّ وجْهُ التَّعْقِيبِ وإذا الفُجائِيَّةُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَإذا هُوَ﴾ إلى آخِرِهِ مَعَ أنَّ كَوْنَهُ خَصِيمًا مُبِينًا بِأيِّ مَعْنًى أُرِيدَ لَمْ يُعْقِبْ خَلْقَهُ مِن نُطْفَةٍ إذْ بَيْنَهُما وسائِطُ أنَّهُ بَيانٌ لِأطْوارِهِ إلى كَمالِ عَقْلِهِ فالتَّعْقِيبُ بِاعْتِبارِ آخِرِها فَلا وجْهَ لِتَقْدِيرِ الوَسائِطِ ولا لِلْقَوْلِ بِأنَّهُ مِن بابِ التَّعْبِيرِ عَنْ حالِ الشَّيْءِ بِما يُؤَوَّلُ إلَيْهِ فافْهَمْ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском