Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
An-Nahl 16:33–36
16:33Page 270
هَلۡ يَنظُرُونَ إِلَّآ أَن تَأۡتِيَهُمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ أَوۡ يَأۡتِيَ أَمۡرُ رَبِّكَۚ كَذَٰلِكَ فَعَلَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ ٣٣
Do they [i.e., the disbelievers] await except that the angels should come to them or there comes the command of your Lord? Thus did those do before them. And Allāh wronged them not, but they had been wronging themselves.
﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ أيْ ما يَنْتَظِرُ كُفّارُ مَكَّةَ المارُّ ذِكْرُهم ﴿إلا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ﴾ لِقَبْضِ أرْواحِهِمْ كَما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ ومُجاهِدٍ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وابْنُ وثّابٍ وطَلْحَةُ والأعْمَشُ «يَأْتِيَهُمْ» بِالياءِ آخِرَ الحُرُوفِ ﴿أوْ يَأْتِيَ أمْرُ رَبِّكَ﴾
أيِ القِيامَةُ كَما رُوِيَ عَمَّنْ تَقَدَّمَ أيْضًا، وقالَ بَعْضُهُمُ: المُرادُ بِهِ العَذابُ الدُّنْيَوِيُّ دُونَها لا لِأنَّ انْتِظارَها يُجامِعُ انْتِظارَ إتْيانِ المَلائِكَةِ فَلا يُلائِمُهُ العَطْفُ بِـ أوْ لا لِأنَّها لَيْسَتْ نَصًّا في العِنادِ إذْ يَجُوزُ أنْ يُعْتَبَرَ مَنعُ الخُلُوِّ ويُرادَ بِإيرادِها كِفايَةُ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الأمْرَيْنِ في عَذابِهِمْ بَلْ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى فِيما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾
فَأصابَهُمُ الآيَةُ صَرِيحٌ في أنَّ المُرادَ بِهِ ما أصابَهم مِنَ العَذابِ الدُّنْيَوِيِّ وفِيهِ مَنعٌ ظاهِرٌ، ويُؤَيِّدُ إرادَةَ الأوَّلِ التَّعْبِيرُ- بِـ يَأْتِي- دُونَ يَأْتِيَهُمْ، وقِيلَ: المُرادُ بِإتْيانِ المَلائِكَةِ إتْيانُهم لِلشَّهادَةِ بِصِدْقِ النَّبِيِّ ﷺ أيْ ما يَنْتَظِرُونَ في تَصْدِيقِكَ إلّا أنْ تَنْزِلَ المَلائِكَةُ تَشْهَدُ بِنُبُوَّتِكَ فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [الأنْعامِ: 8] والجُمْهُورُ عَلى الأوَّلِ، وجُعِلُوا مُنْتَظِرِينَ لِذَلِكَ مَجازًا لِأنَّهُ يَلْحَقُهم لُحُوقَ الأمْرِ المُنْتَظَرِ كَما قِيلَ.
واخْتِيرَ أنَّ ذَلِكَ لِمُباشَرَتِهِمْ أسْبابَ العَذابِ المُوجِبَةَ لَهُ المُؤَدِّيَةَ إلَيْهِ فَكَأنَّهم يَقْصِدُونَ إيتاءَهُ ويَتَصَدَّوْنَ لِوُرُودِهِ، ولا يَخْفى ما في التَّعْبِيرِ بِالرَّبِّ وإضافَتِهِ إلى ضَمِيرِهِ ﷺ مِنَ اللُّطْفِ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وسَيَأْتِي قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى وجْهُ رَبْطِ الآياتِ ( ذَلِكَ ) أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الفِعْلِ مِنَ الشِّرْكِ والتَّكْذِيبِ﴿فَعَلَ الَّذِينَ﴾ خَلَوْا ﴿مِن قَبْلِهِمْ﴾ مِنَ الأُمَمِ ﴿وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ﴾ إذْ أصابَهم جَزاءُ فِعْلِهِمْ ﴿ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ بِالِاسْتِمْرارِ عَلى فِعْلِ القَبائِحِ المُؤَدِّي لِذَلِكَ، قِيلَ: وكانَ الظّاهِرُ أنْ يُقالَ: ولَكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ في سُورَةِ الزُّخْرُفِ لَكِنَّهُ أُوثِرَ ما عَلَيْهِ النَّظْمُ الكَرِيمُ لِإفادَةِ أنَّ غائِلَةَ ظُلْمِهِمْ آيِلَةٌ إلَيْهِمْ وعاقِبَتَهُ مَقْصُورَةٌ عَلَيْهِمْ مَعَ اسْتِلْزامِ اقْتِصارِ ظُلْمِ كُلِّ أحَدٍ عَلى نَفْسِهِ مِن حَيْثُ الوُقُوعُ اقْتِصارَهُ عَلَيْهِ مِن حَيْثُ الصُّدُورُ
16:34Page 270
فَأَصَابَهُمۡ سَيِّـَٔاتُ مَا عَمِلُواْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ ٣٤
So they were struck by the evil consequences of what they did and were enveloped by what they used to ridicule.
﴿فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا﴾ أيْ أجِزْيَةُ أعْمالِهِمُ السَّيِّئَةِ عَلى طَرِيقَةِ إطْلاقِ اسْمِ السَّبَبِ عَلى المُسَبِّبِ إيذانًا بِفَظاعَتِهِ، وقِيلَ: الكَلامُ عَلى حَذْفِ المُضافِ.
وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يُوهِمُ أنَّ لَهم أعْمالًا غَيْرَ سَيِّئَةٍ والتَزَمَ ومِثْلُ ذَلِكَ بِنَحْوِ صِلَةِ الأرْحامِ، ولا يَخْفى أنَّ المَعْنى لَيْسَ عَلى التَّخْصِيصِ، والدّاعِي إلى ارْتِكابِ أحَدِ الأمْرَيْنِ أنَّ الكَلامَ بِظاهِرِهِ يَدُلُّ عَلى أنَّ ما أصابَهم سَيِّئَةٌ، ولَيْسَ بِها. وقَدْ يُسْتَغْنى عَنِ ارْتِكابِ ذَلِكَ لِما ذُكِرَ بِأنَّ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ الظّاهِرُ مِن بابِ المُشاكَلَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى:﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٍ مِثْلُها﴾ [الشُّورى: 4] كَما في الكَشّافِ ﴿وحاقَ بِهِمْ﴾ أيْ أحاطَ بِهِمْ، وأصْلُ مَعْنى الحَيْقِ الإحاطَةُ مُطْلَقًا ثُمَّ خُصَّ في الِاسْتِعْمالِ بِإحاطَةِ الشَّرِّ، فَلا يُقالُ: أحاطَتْ بِهِ النِّعْمَةُ بَلِ النِّقْمَةُ. وهَذا أبْلَغُ وأفْظَعُ مِن أصابَهم ﴿ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أيْ مِنَ العَذابِ كَما قِيلَ عَلى أنَّ ما مَوْصُولَةٌ عِبارَةٌ عَنِ العَذابِ، ولَيْسَ في الكَلامِ حَذْفٌ ولا ارْتِكابُ مَجازٍ عَلى
صفحة 135
نَحْوَ ما مَرَّ آنِفًا، وقِيلَ: ما مَصْدَرِيَّةٌ وضَمِيرُ (بِهِ) لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وإنْ لَمْ يُذْكَرْ، والمُرادُ أحاطَ بِهِمْ جَزاءَ اسْتِهْزائِهِمْ بِالرَّسُولِ ﷺ أوْ مَوْصُولَةٌ عامَّةٌ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وغَيْرِهِ وضَمِيرُ (بِهِ) عائِدٌ عَلَيْها والمَعْنى عَلى الجَزاءِ أيْضًا، ولا يَخْفى ما فِيهِ، وأيًّا ما كانَ فَـ (بِهِ) مُتَعَلِّقٌ- بِـ يَسْتَهْزِئُونَ- قُدِّمَ لِلْفاصِلَةِ، هَذا ثُمَّ إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ إلَخْ عَلى ما في الكَشْفِ رُجُوعٌ إلى عَدِّ ما هم فِيهِ مِنَ العِنادِ والِاسْتِشْراءِ في الفَسادِ وأنَّهم لا يُقْلِعُونَ عَنْ ذَلِكَ كَأسْلافِهِمُ الغابِرِينَ إلى يَوْمِ التَّنادِ، وما وقَعَ مِن أحْوالِ أضْدادِهِمْ في البَيْنِ كانَ لِزِيادَةِ التَّحْسِيرِ والتَّبْكِيتِ والتَّخْسِيرِ، وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الحُجَّةَ قَدْ تَمَّتْ وأنَّهُ ﷺ أدّى ما عَلَيْهِ مِنَ البَلاغِ المُبِينِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأصابَهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى ( فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ) مُتَرَتِّبٌ إذِ المَعْنى كَذَلِكَ التَّكْذِيبِ والشِّرْكِ فَعَلَ أسْلافُهم وأصابَهم ما أصابَهُمْ، وفِيهِ تَحْذِيرٌ مِمّا فَعَلَهُ هَؤُلاءِ وتَذْكِيرٌ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [النَّحْلِ: 26] ولا يَخْفى حُسْنُ التَّرَتُّبِ عَلى ذَلِكَ لِأنَّ التَّكْذِيبَ والشِّرْكَ تَسَبَّبا لِإصابَةِ السَّيِّئاتِ لِمَن قَبْلَهُمْ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ( ما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ) اعْتِراضٌ واقِعٌ حاقَ مَوْقِعَهُ، وجَعَلَ ذَلِكَ راجِعًا إلى المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ أيْ كَذَلِكَ كانَ مَن قَبْلَهم مُكَذِّبِينَ لَزِمَتْهُمُ الحُجَّةُ مُنْتَظِرِينَ فَأصابَهم ما كانُوا مُنْتَظَرِينَ سَدِيدٌ حَسَنٌ إلّا أنَّ مُعْتَمَدَ الكَلامِ الأوَّلُ وهو أقْرَبُ مَأْخَذًا، ودَلالَةُ (فَعَلَ) عَلَيْهِ أظْهَرُ، فَهَذِهِ فَذْلَكَةٌ ضُمِّنَتْ مُحَصِّلَ ما قابَلُوا بِهِ تِلْكَ النِّعَمَ والبَصائِرَ وأدْمَجَ فِيها تَسْلِيَتَهُ ﷺ والبُشْرى بِقَلْبِ الدّائِرَةِ عَلى مَن تَرَبَّصَ بِهِ وبِأصْحابِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الدَّوائِرَ وخُتِمَتْ بِما يَدُلُّ عَلى أنَّهُمُ انْقَطَعُوا فاحْتَجُّوا بِآخِرِ ما يَحْتَجُّ بِهِ المَحْجُوجُ يَتَقَلَّبُ عَلَيْهِ فَلا يُبْصَرُ إلّا وهو مَثْلُوجٌ مَشْجُوجٌ وهو ما تَضَمَّنَهُ
16:35Page 271
وَقَالَ ٱلَّذِينَ أَشۡرَكُواْ لَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَا عَبَدۡنَا مِن دُونِهِۦ مِن شَيۡءٖ نَّحۡنُ وَلَآ ءَابَآؤُنَا وَلَا حَرَّمۡنَا مِن دُونِهِۦ مِن شَيۡءٖۚ كَذَٰلِكَ فَعَلَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ فَهَلۡ عَلَى ٱلرُّسُلِ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ ٣٥
And those who associate others with Allāh say, "If Allāh had willed, we would not have worshipped anything other than Him, neither we nor our fathers, nor would we have forbidden anything through other than Him." Thus did those do before them. So is there upon the messengers except [the duty of] clear notification?
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ﴾ فَهو مِن تَتِمَّةِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ ألا تَرى كَيْفَ خَتَمَ بِنَحْوِهِ آخِرَ مُجادَلاتِهِمْ في سُورَةِ [الأنْعامِ: 148] في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ وكَذَلِكَ في سُورَةِ الزُّخْرُفِ ولا تَراهم يَتَشَبَّثُونَ بِالمَشِيئَةِ إلّا عِنْدَ انْخِزالِ الحُجَّةِ ﴿قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا لأنْزَلَ مَلائِكَةً﴾ [فُصِّلَتْ: 14] ويَكْفِي في الِانْقِلابِ ما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البالِغَةُ﴾ [الأنْعامِ: 149] وفي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ بَيانٌ لِفَنٍّ آخَرَ مِن كُفْرِ أهْلِ مَكَّةَ فَهُمُ المُرادُ بِالمَوْصُولِ، والعُدُولُ عَنِ الضَّمِيرِ إلَيْهِ لِتَقْرِيعِهِمْ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ وذَمُّهم بِذَلِكَ مِن أوَّلِ الأمْرِ، والمَعْنى لَوْ شاءَ اللَّهُ تَعالى عَدَمَ عِبادَتِنا لِشَيْءٍ غَيْرِهِ سُبْحانَهُ كَما تَقُولُ ما عَبَدْنا ذَلِكَ ﴿نَحْنُ ولا آباؤُنا﴾ الَّذِينَ نَهْتَدِي بِهِمْ في دِينِنا ﴿ولا حَرَّمْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ﴾ مِنَ السَّوائِبِ والبَحائِرِ وغَيْرِها- فَمِن- الأُولى بَيانِيَّةٌ والثّانِيَةُ زائِدَةٌ لِتَأْكِيدِ الِاسْتِغْراقِ وكَذا الثّالِثَةُ ( ونَحْنُ ) لِتَأْكِيدِ ضَمِيرِ ( عَبَدْنا ) لا لِتَصْحِيحِ العَطْفِ لِوُجُودِ الفاصِلِ وإنْ كانَ مُحَسِّنًا لَهُ، وتَقْدِيرُ مَفْعُولِ ( شاءَ ) عَدَمَ العِبادَةِ مِمّا صَرَّحَ بِهِ بَعْضُهُمْ، وكانَ الظّاهِرُ أنْ يَضُمَّ إلَيْهِ عَدَمَ التَّحْرِيمِ. واعْتُرِضَ تَقْدِيرُ ذَلِكَ بِأنَّ العَدَمَ لا يَحْتاجُ إلى المَشِيئَةِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ ﷺ: ««ما شاءَ اللَّهُ تَعالى كانَ وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ»».
حَيْثُ لَمْ يَقُلْ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما شاءَ اللَّهُ تَعالى كانَ وما شاءَ عَدَمَ كَوْنِهِ لَمْ يَكُنْ بَلْ يَكْفِي فِيهِ عَدَمُ مَشِيئَةِ الوُجُودِ، وهو مَعْنى قَوْلِهِمْ: عِلَّةُ العَدَمِ عَدَمُ عِلَّةِ الوُجُودِ، فالأوْلى أنْ يُقَدَّرَ المَفْعُولُ وُجُودِيًّا كالتَّوْحِيدِ والتَّحْلِيلِ وكامْتِثالِ ما جِئْتُ بِهِ والأمْرُ في ذَلِكَ سَهْلٌ.
وفِي تَخْصِيصِ الإشْراكِ والتَّحْرِيمِ بِالنَّفْيِ لِأنَّهُما أعْظَمُ وأشْهَرُ ما هم عَلَيْهِ، وغَرَضُهم مِن ذَلِكَ كَما قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ تَكْذِيبُ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والطَّعْنُ في الرِّسالَةِ رَأْسًا، فَإنَّ حاصِلَهُ أنَّ ما شاءَ اللَّهُ تَعالى يَجِبُ وما لَمْ يَشَأْ يَمْتَنِعُ فَلَوْ أنَّهُ سُبْحانَهُ شاءَ أنْ نُوَحِّدَهُ ولا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا ونُحَلِّلَ ما أحَلَّهُ ولا نُحَرِّمَ شَيْئًا مِمّا حَرَّمْنا كَما تَقُولُ الرُّسُلُ
صفحة 136
ويَنْقُلُونَهُ مِن جِهَتِهِ تَعالى لَكانَ الأمْرُ كَما شاءَ مِنَ التَّوْحِيدِ ونَفْيِ الإشْراكِ وتَحْلِيلِ ما أحَلَّهُ وعَدَمِ تَحْرِيمِ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ وحَيْثُ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ ثَبَتَ أنَّهُ لَمْ يَشَأْ شَيْئًا مِن ذَلِكَ بَلْ شاءَ ما نَحْنُ عَلَيْهِ وتَحَقَّقَ أنَّ ما تَقُولُهُ الرُّسُلُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِن تِلْقاءِ أنْفُسِهِمْ ورَدَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الفِعْلِ الشَّنِيعِ ﴿فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ مِنَ الأُمَمِ أيْ أشْرَكُوا بِاللَّهِ تَعالى وحَرَّمُوا مِن دُونِهِ ما حَرَّمُوا وجادَلُوا رُسُلَهم بِالباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ ﴿فَهَلْ عَلى الرُّسُلِ﴾ الَّذِينَ أُمِرُوا بِتَبْلِيغِ رِسالاتِ اللَّهِ تَعالى وعَزائِمِ أمْرِهِ ونَهْيِهِ.
﴿إلا البَلاغُ المُبِينُ﴾ أيْ لَيْسَتْ وظِيفَتُهم إلّا الإبْلاغَ لِلرِّسالَةِ المُوَضِّحَ طَرِيقَ الحَقِّ والمُظْهِرَ أحْكامَ الوَحْيِ الَّتِي مِنها تَحَتَّمَ تَعَلُّقُ مَشِيئَتِهِ تَعالى بِاهْتِداءِ مِن صَرَفَ قُدْرَتَهُ واخْتِيارَهُ إلى تَحْصِيلِ الحَقِّ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا﴾ [العَنْكَبُوتِ: 69].
وأمّا إلْجاؤُهم إلى ذَلِكَ وتَنْفِيذُ قَوْلِهِمْ عَلَيْهِمْ شاءُوا أوْ أبَوْا كَما هو مُقْتَضى اسْتِدْلالِهِمْ فَلَيْسَ ذَلِكَ مِن وظِيفَتِهِمْ ولا مِنَ الحِكْمَةِ الَّتِي يَدُورُ عَلَيْها فَلَكُ التَّكْلِيفِ حَتّى يُسْتَدَلَّ بِعَدَمِ ظُهُورِ آثارِهِ عَلى عَدَمِ حَقِيقَةِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أوْ عَلى عَدَمِ تَعَلُّقِ مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى بِذَلِكَ، فَإنَّ ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الثَّوابُ والعِقابُ مِنَ الأفْعالِ لا بُدَّ في تَعَلُّقِ مَشِيئَتِهِ تَعالى بِوُقُوعِهِ مِن مُباشَرَتِهِمُ الِاخْتِيارِيَّةِ وصَرْفِ اخْتِيارِهِمُ الجُزْئِيِّ إلى تَحْصِيلِهِ وإلّا لَكانَ الثَّوابُ والعِقابُ اضْطِرارِيَّيْنِ، والفاءُ عَلى هَذا لِلتَّعْلِيلِ كَأنَّهُ قِيلَ: كَذَلِكَ فَعَلَ أسْلافُهم وذَلِكَ باطِلٌ فَإنَّ الرُّسُلَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لَيْسَ شَأْنُهم إلّا تَبْلِيغَ الأوامِرِ والنَّواهِي لا تَحْقِيقُ مَضْمُونِها قَسْرًا وإلْجاءً اهـ، وكَأنِّي بِكَ لا تَبْرِيهِ مِن تَكَلُّفٍ.
وهُوَ مُتَضَمِّنٌ لِلرَّدِّ عَلى الزَّمَخْشَرِيِّ فَقَدْ سَلَكَ في هَذا المَقامِ الغُلُوَّ في المَقالِ وعَدَلَ عَنْ سُنَنِ الهُدى إلى مَهْواةِ الضَّلالِ فَذَكَرَ أنَّ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ فَعَلُوا ما فَعَلُوا مِنَ القَبائِحِ ثُمَّ نَسَبُوا فِعْلَهم إلى اللَّهِ تَعالى وقالُوا: ( لَوْ شاءَ اللَّهُ ) إلى آخِرِهِ وهَذا مَذْهَبُ المُجْبِرَةِ بِعَيْنِهِ كَذَلِكَ فَعَلَ أسْلافُهم فَلَمّا نُبِّهُوا عَلى قُبْحِ فِعْلِهِمْ ورَكْوِهِ عَلى رَبِّهِمْ فَهَلْ عَلى الرُّسُلِ إلّا أنْ يُبَلِّغُوا الحَقَّ وأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لا يَشاءُ الشِّرْكَ والمَعاصِيَ بِالبَيانِ والبُرْهانِ ويَطَّلِعُوا عَلى بُطْلانِ الشِّرْكِ وقُبْحِهِ وبَراءَةِ اللَّهِ تَعالى مِن أفْعالِ العِبادِ وأنَّهم فاعِلُوها بِقَصْدِهِمْ وإرادَتِهِمْ واخْتِيارِهِمْ، واللَّهُ تَعالى باعِثُهم عَلى جَمِيلِها ومُوَفِّقُهم لَهُ وزاجِرُهم عَنْ قَبِيحِها ومَوْعِدِهِمْ عَلَيْهِ إلى آخِرِ ما قالَ مِمّا هو عَلى هَذا المِنوالِ، ولَعَمْرِي أنَّهُ فَسَّرَ الآياتِ عَلى وفْقِ هَواهُ وهي عَلَيْهِ لا لَهُ لَوْ تَدَبَّرَ ما فِيها وحَواهُ، وقَدْ رَدَّ عَلَيْهِ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ المُحَقِّقِينَ وأجِلَّةِ المُدَقِّقِينَ وبَيَّنُوا أنَّ الآيَةَ بِمَعْزِلٍ عَنْ أنْ تَكُونَ دَلِيلًا لِأهْلِ الِاعْتِزالِ كَما أنَّ الشَّرْطِيَّةَ لا تَنْتِجُ مَطْلُوبَ أُولَئِكَ الضُّلّالِ، وقَدْ تَقَدَّمَ نُبْذَةٌ مِنَ الكَلامِ في ذَلِكَ، ثُمَّ إنَّ كَوْنَ غَرَضِ المُشْرِكِينَ مِنَ الشَّرْطِيَّةِ تَكْذِيبُ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ هو أحَدُ احْتِمالَيْنِ في ذَلِكَ، قالَ المُدَقِّقُ في الكَشْفِ في نَظِيرِ الآيَةِ: إنَّ قَوْلَهم هَذا إمّا لِدَعْوى مَشْرُوعِيَّةِ ما هم عَلَيْهِ رَدًّا لِلرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أوْ لِتَسْلِيمِ أنَّهم عَلى الباطِلِ اعْتِذارًا بِأنَّهم مَجْبُورُونَ، والأوَّلُ باطِلٌ لِأنَّ المَشِيئَةَ تَتَعَلَّقُ بِفِعْلِهِمُ المَشْرُوعِ وغَيْرِهِ فَما شاءَ اللَّهُ تَعالى أنْ يَقَعَ مِنهم مَشْرُوعًا وقَعَ كَذَلِكَ وما شاءَ اللَّهُ تَعالى أنْ يَقَعَ لا كَذَلِكَ وقَعَ لا كَذَلِكَ، ولا شَكَّ أنَّ مَن تَوَهَّمَ أنَّ كَوْنَ الفِعْلِ بِمَشِيئَتِهِ تَعالى يُنافِي مَجِيءَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِخِلافِ ما عَلَيْهِ المُباشَرُ مِنَ الكُفْرِ والضَّلالِ فَقَدْ كَذَّبَ التَّكْذِيبَ كُلَّهُ وهو كاذِبٌ في اسْتِنْتاجِ المَقْصُودِ مِن هَذِهِ اللُّزُومِيَّةِ، وظاهِرُ الآيَةِ مَسُوقٌ لِهَذا المَعْنى، والثّانِي عَلى ما فِيهِ حُصُولُ المَقْصُودِ وهو الِاعْتِرافُ بِالبُطْلانِ باطِلٌ أيْضًا إذْ لا جَبْرَ لِأنَّ المَشِيئَةَ تَعَلَّقَتْ بِأنْ يُشْرِكُوا اخْتِيارًا مِنهم والعِلْمُ تَعَلَّقَ كَذَلِكَ
صفحة 137
ومِثْلُهُ في التَّحْرِيمِ فَهو يُؤَكِّدُ دَفْعَ العُذْرِ لا أنَّهُ يُحَقِّقُهُ، وذَكَرَ أنَّ مَعْنى ﴿فَهَلْ عَلى الرُّسُلِ﴾ أنَّ الَّذِي عَلى الرُّسُلِ أنْ يُبَلِّغُوا ويُبَيِّنُوا مَعالِمَ الهُدى بِالإرْشادِ إلى تَمْهِيدُ قَواعِدِ النَّظَرِ والإمْدادِ بِأدِلَّةِ السَّمْعِ والبَصَرِ ولا عَلَيْهِمْ مِن مُجادَلَةِ مَن يُرِيدُ أنْ يَدْحَضَ بِباطِلِهِ الحَقَّ الأبْلَجَ إذْ بَعْدَ ذَلِكَ التَّبْيِينِ يَتَّضِحُ الحَقُّ لِلنّاظِرِينَ ولا تُجْدِي نَفْعًا مُجادَلَةُ المُعانِدِينَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهم هَذا مَنعًا لِلْبَعْثَةِ والتَّكْلِيفِ مُتَمَسِّكِينَ بِأنَّ ما شاءَ اللَّهُ تَعالى يَجِبُ وما لَمْ يَشَأْ يَمْتَنِعُ فَما الفائِدَةُ فِيهِما أوْ إنْكارًا لِقُبْحِ ما أنْكَرَ عَلَيْهِمْ مِنَ الشِّرْكِ والتَّحْرِيمِ مُحْتَجِّينَ بِأنَّ ذَلِكَ لَوْ كانَ مُسْتَقْبَحًا لَما شاءَ اللَّهُ تَعالى صُدُورَهُ عَنّا أوْ لَشاءَ خِلافَهُ مَلْجَأً إلَيْهِ، وأُشِيرَ إلى جَوابِ الشُّبْهَةِ الأوْلى بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَهَلْ عَلى الرُّسُلِ﴾ إلى آخِرِهِ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ فائِدَةَ البَعْثَةِ البَلاغُ المُوَضِّحُ لِلْحَقِّ فَإنَّ ما شاءَ اللَّهُ تَعالى وُجُودَهُ أوْ عَدَمَهُ لا يَجِبُ ولا يَمْتَنِعُ مُطْلَقًا كَما زَعَمْتُمْ بَلْ قَدْ يَجِبُ أوْ يَمْتَنِعُ بِتَوَسُّطِ أسْبابٍ أُخَرَ قَدَّرَها سُبْحانَهُ ومِن ذَلِكَ البَعْثَةُ فَإنَّها تُؤَدِّي إلى هُدى مَن شاءَ اللَّهُ تَعالى عَلى سَبِيلِ التَّوَسُّطِ،
16:36Page 271
وَلَقَدۡ بَعَثۡنَا فِي كُلِّ أُمَّةٖ رَّسُولًا أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجۡتَنِبُواْ ٱلطَّٰغُوتَۖ فَمِنۡهُم مَّنۡ هَدَى ٱللَّهُ وَمِنۡهُم مَّنۡ حَقَّتۡ عَلَيۡهِ ٱلضَّلَٰلَةُۚ فَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُكَذِّبِينَ ٣٦
And We certainly sent into every nation a messenger, [saying], "Worship Allāh and avoid ṭāghūt."1 And among them were those whom Allāh guided, and among them were those upon whom error was [deservedly] decreed. So proceed [i.e., travel] through the earth and observe how was the end of the deniers.
وأمّا الشُّبْهَةُ الثّانِيَةُ فَقَدْ أُشِيرَ إلى جَوابِها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ﴾ مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ ﴿رَسُولا أنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ﴾ وحْدَهُ ﴿واجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ﴾ هو كُلُّ ما يَدْعُو إلى الضَّلالَةِ، وقالَ الحَسَنُ: هو الشَّيْطانُ، والمُرادُ مِنِ اجْتِنابِهِ اجْتِنابُ ما يَدْعُو إلَيْهِ.
﴿فَمِنهُمْ﴾ أيْ مِن أُولَئِكَ الأُمَمِ ﴿مَن هَدى اللَّهُ﴾ إلى الحَقِّ مِن عِبادَتِهِ أوِ اجْتِنابِ الطّاغُوتِ بِأنْ وفَّقَهم لِذَلِكَ ﴿ومِنهم مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ ثَبَتَتْ ووَجَبَتْ إذْ لَمْ يُوَفِّقْهم ولَمْ يُرِدْ هِدايَتَهُمْ، ووَجْهُ الإشارَةِ أنَّ تَحَقُّقَ الضَّلالِ وثَباتَهُ مِن حَيْثُ إنَّهُ وقَعَ قَسِيمًا لِلْهِدايَةِ الَّتِي هي بِإرادَتِهِ تَعالى ومَشِيئَتِهِ كانَ هو أيْضًا كَذَلِكَ.
وأمّا أنَّ إرادَةَ القَبِيحِ قَبِيحَةٌ فَلا يَجُوزُ اتِّصافُ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِها فَظاهِرُ الفَسادِ لِأنَّ القَبِيحَ كَسْبُ القَبِيحِ والِاتِّصافُ بِهِ لا إرادَتُهُ وخَلْقُهُ عَلى ما تَقَرَّرَ في الكَلامِ. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ كِلْتا الإشارَتَيْنِ في غايَةِ الخَفاءِ، ولْيُنْظَرْ أيُّ حاجَةٍ إلى الحَصْرِ وما المُرادُ بِهِ عَلى جَعْلِ ﴿فَهَلْ عَلى الرُّسُلِ﴾ إلى آخِرِهِ مُشِيرًا إلى جَوابِ الشُّبْهَةِ الأُولى.
وقالَ الإمامُ: إنَّ المُشْرِكِينَ أرادُوا مِن قَوْلِهِمْ ذَلِكَ أنَّهُ لَمّا كانَ الكُلُّ مِنَ اللَّهِ تَعالى كانَ بَعْثُهُ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَبَثًا فَنَقُولُ: هَذا اعْتِراضٌ عَلى اللَّهِ تَعالى وجارٍ مَجْرى طَلَبِ العِلَّةِ في أحْكامِهِ تَعالى وأفْعالِهِ وذَلِكَ باطِلٌ إذْ لِلَّهِ سُبْحانَهُ أنْ يَفْعَلَ في مُلْكِهِ ما يَشاءُ ويَحْكُمَ ما يُرِيدُ، ولا يَجُوزُ أنْ يُقالَ لَهُ لِمَ فَعَلْتَ هَذا ولِمَ لَمْ تَفْعَلْ ذاكَ. والدَّلِيلُ عَلى أنَّ الإنْكارَ إنَّما تَوَجَّهَ إلى هَذا المَعْنى أنَّهُ تَعالى صَرَّحَ بِهَذا المَعْنى في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولَقَدْ بَعَثْنا﴾ إلى آخِرِهِ حَيْثُ بَيَّنَ فِيهِ أنَّ سُنَّتَهُ سُبْحانَهُ في عِبادِهِ إرْسالُ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ وأمْرُهم بِعِبادَتِهِ ونَهْيُهم عَنْ عِبادَةِ غَيْرِهِ، وأفادَ أنَّهُ تَعالى وإنَّ أمَرَ الكُلَّ ونَهاهم إلّا أنَّهُ جَلَّ جَلالُهُ هَدى البَعْضَ وأضَلَّ البَعْضَ، ولا شَكَّ أنَّهُ إنَّما يَحْسُنُ مِنهُ تَعالى ذَلِكَ بِحُكْمِ كَوْنِهِ إلَهًا مُنَزَّهًا عَنِ اعْتِراضاتِ المُعْتَرِضِينَ ومُطالَباتِ المُنازِعِينَ، فَكانَ إيرادُ هَذا السُّؤالِ مِن هَؤُلاءِ الكُفّارِ مُوجِبًا لِلْجَهْلِ والضَّلالِ والبُعْدِ عَنِ اللَّهِ المُتَعالِ، فَثَبَتَ أنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما ذَمَّ هَؤُلاءِ القائِلِينَ لِأنَّهُمُ اعْتَقَدُوا أنَّ كَوْنَ الأمْرِ كَذَلِكَ يَمْنَعُ مِن جَوازِ بَعْثَةِ الرُّسُلِ لا لِأنَّهم كَذَّبُوا في قَوْلِهِمْ ذَلِكَ، وهَذا هو الجَوابُ الصَّحِيحُ الَّذِي يُعَوَّلُ عَلَيْهِ في هَذا البابِ، ومَعْنى ﴿فَهَلْ عَلى الرُّسُلِ﴾ إلى آخِرِهِ أنَّهُ تَعالى أمَرَ الرُّسُلَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِالتَّبْلِيغِ فَهو الواجِبُ عَلَيْهِمْ، وأمّا أنَّ الإيمانَ هَلْ يَحْصُلُ أوْ لا يَحْصُلُ فَذاكَ لا تَعَلُّقَ لِلرُّسُلِ بِهِ ولَكِنَّ اللَّهَ تَعالى يَهْدِي مَن يَشاءُ بِإحْسانِهِ ويُضِلُّ مَن يَشاءُ بِخِذْلانِهِ اهـ وهو كَما تَرى.
صفحة 138
ونَقَلَ الواحِدِيُّ في الوَسِيطِ عَنِ الزَّجّاجِ أنَّهم قالُوا ذَلِكَ عَلى الهُزُوِ ولَمْ يَرْتَضِهِ كَثِيرٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ حَمْلَهُ عَلى ذاكَ لا يُلائِمُ الجَوابَ. نَعَمْ قالَ في الكَشْفِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهُمْ﴾ [الزُّخْرُفِ: 20] إنَّهم دَفَعُوا قَوْلَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِدَعْوَتِهِمْ إلى عِبادَتِهِ تَعالى ونَهْيِهِمْ عَنْ عِبادَةِ غَيْرِهِ سُبْحانَهُ بِهَذِهِ المَقالَةِ وهم مُلْزَمُونَ عَلى مَساقِ هَذا القَوْلِ لِأنَّهُ إذا اسْتَنَدَ الكُلُّ إلى مَشِيئَتِهِ تَعالى فَقَدْ شاءَ إرْسالَ الرُّسُلِ وشاءَ دَعْوَتَهم إلى العِبادِ وشاءَ جُحُودَهم وشاءَ دُخُولَهُمُ النّارَ، فالإنْكارُ والدَّفْعُ بَعْدَ هَذا القَوْلِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهم قالُوهُ لا عَنِ اعْتِقادٍ بَلْ مُجازَفَةٍ، وقالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ عِنْدَ نَظِيرِ الآيَةِ أيْضًا: إنَّهم كاذِبُونَ في هَذا القَوْلِ لِجَزْمِهِمْ حَيْثُ لا ظَنَّ مُطْلَقًا فَضْلًا عَنِ العِلْمِ، وذَلِكَ لِأنَّ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ العِلْمَ بِصِفاتِ اللَّهِ تَعالى فَرْعُ العِلْمِ بِذاتِهِ والإيمانِ بِها كَذَلِكَ والمُحْتَجُّونَ بِهِ كَفَرَةٌ مُشْرِكُونَ مُجَسِّمُونَ، وأطالَ الكَلامَ في هَذا المَقامِ في سُورَةِ الزُّخْرُفِ.
وذَكَرَ أنَّ في كَلامِهِمْ تَعْجِيزَ الخالِقِ بِإثْباتِ التَّمانُعِ بَيْنَ المَشِيئَةِ وضِدِّ المَأْمُورِ بِهِ فَيَلْزَمُ أنْ لا يُرِيدَ إلّا أمَرَ بِهِ ولا يَنْهى إلّا وهو لا يُرِيدُهُ، وهَذا تَعْجِيزٌ مِن وجْهَيْنِ إخْراجُ بَعْضِ المَقْدُوراتِ عَنْ أنْ يَصِيرَ مَحَلَّها وتَضْيِيقُ مَحَلِّ أمْرِهِ ونَهْيِهِ وهَذا بِعَيْنِهِ مَذْهَبُ إخْوانِهِمُ القَدَرِيَّةِ اهـ ويَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ المُشْرِكِينَ إنَّما قالُوا ذَلِكَ إلْزامًا بِزَعْمِهِمْ حَيْثُ سَمِعُوا مِنَ المُرْسَلِينَ وأتْباعِهِمْ أنَّ ما شاءَ اللَّهُ تَعالى كانَ وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ وإلّا فَهم أجْهَلُ الخَلْقِ بِرَبِّهِمْ جَلَّ شَأْنُهُ وصِفاتِهِ ﴿إنْ هم إلا كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ﴾ [الفُرْقانِ: 24] ومُرادُهم إسْكاتُ المُرْسَلِينَ وقَطْعُهم عَنْ دَعْوَتِهِمْ إلى ما يُخالِفُ ما هم عَلَيْهِ والِاسْتِراحَةُ عَنْ مُعارَضَتِهِمْ فَكَأنَّهم قالُوا: إنَّكم تَقُولُونَ ما شاءَ اللَّهُ تَعالى كانَ وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ فَما نَحْنُ عَلَيْهِ مِمّا شاءَهُ اللَّهُ تَعالى وما تَدْعُونا إلَيْهِ مِمّا لَمْ يَشَأْهُ وإلّا لَكانَ، واللّائِقُ بِكم عَدَمُ التَّعَرُّضِ لِخِلافِ مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى، فَإنَّ وظِيفَةَ الرَّسُولِ الجَرْيُ عَلى إرادَةِ المُرْسَلِ لِأنَّ الإرْسالَ إنَّما هو لِتَنْفِيذِ تِلْكَ الإرادَةِ وتَحْصِيلِ المُرادِ بِها، وهَذا جَهْلٌ مِنهم بِحَقِيقَةِ الأمْرِ وكَيْفِيَّةِ تَعَلُّقِ المَشِيئَةِ وفائِدَةِ البَعْثَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ مَشِيئَتَهُ تَعالى إنَّما تَتَعَلَّقُ وفْقَ عِلْمِهِ وعِلْمُهُ إنَّما يَتَعَلَّقُ وفْقَ ما عَلَيْهِ الشَّيْءُ في نَفْسِهِ، فاللَّهُ تَعالى ما شاءَ شِرْكَهم مَثَلًا إلّا بَعْدَ أنْ عَلِمَ ذَلِكَ وما عَلِمَهُ إلّا وفْقَ ما هو عَلَيْهِ في نَفْسِ الأمْرِ فَهم مُشْرِكُونَ في الأزَلِ ونَفْسُ الأمْرِ إلّا أنَّهُ سُبْحانَهُ حِينَ أبْرَزَهم عَلى وفْقِ ما عَلِمَ فِيهِمْ لَوْ تَرَكَهم وحالَهم كانَ لَهُمُ الحُجَّةُ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ إذا عَذَّبَهم يَوْمَ القِيامَةِ إذْ يَقُولُونَ حِينَئِذٍ: ما جاءَنا مِن نَذِيرٍ فَأرْسَلَ جَلَّ شَأْنُهُ الرُّسُلَ مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ فَلَيْسَ عَلى الرُّسُلِ إلّا تَبْلِيغُ الأوامِرِ والنَّواهِي لِتَقُومَ الحُجَّةُ البالِغَةُ لِلَّهِ تَعالى، فالتَّبْلِيغُ مُرادُ اللَّهِ تَعالى مِنَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لِإقامَةِ حُجَّتِهِ تَعالى عَلى خَلْقِهِ بِهِ، ولَيْسَ مُرادُهُ مِن خَلْقِهِ إلّا ما هم عَلَيْهِ في نَفْسِ الأمْرِ خَيْرًا كانَ أوْ شَرًّا.
وفِي الخَبَرِ يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: ««يا عِبادِي إنَّما أعْمالُكم أُحْصِيها لَكم فَمَن وجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ ومَن وجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلا يَلُومَنَّ إلّا نَفْسَهُ»».
ولا مُنافاةَ بَيْنَ الأمْرِ بِشَيْءٍ وإرادَةِ غَيْرِهِ مِنهُ تَعالى لِأنَّ الأمْرَ بِذَلِكَ حَسْبَما يَلِيقُ بِجَلالِهِ وجَمالِهِ، والإرادَةُ حَسْبَما يَسْتَدْعِيهِ في الآخِرَةِ الشَّيْءُ في نَفْسِهِ، وقَدْ قَرَّرَ الجَماعَةُ انْفِكاكَ الأمْرِ عَنِ الإرادَةِ في الشّاهِدِ أيْضًا وذَكَرَ بَعْضُ الحَنابِلَةِ الِانْفِكاكَ أيْضًا لَكِنْ عَنِ الإرادَةِ التَّكْوِينِيَّةِ لا مُطْلَقًا، والبَحْثُ مُفَصَّلٌ في مَوْضِعِهِ، وإذا عُلِمَ ذَلِكَ فاعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَهَلْ عَلى الرُّسُلِ إلا البَلاغُ﴾ يَتَضَمَّنُ الإشارَةَ إلى رَدِّهِمْ كَأنَّهُ قِيلَ: ما أشَرْتُمْ إلَيْهِ مِن أنَّ اللّائِقَ بِالرُّسُلِ تَرْكُ الدَّعْوَةِ إلى خِلافِ ما شاءَ اللَّهُ تَعالى مِنّا والجَرْيُ عَلى وفْقِ المَشِيئَةِ والسُّكُوتُ عَنّا باطِلٌ لِأنَّ وظِيفَتَهم والواجِبُ عَلَيْهِمْ هو التَّبْلِيغُ وهو مُرادُ اللَّهِ تَعالى مِنهم لِتَقُومَ بِهِ حُجَّةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْكم لا السُّكُوتُ وتَرْكُ الدَّعْوَةِ، وفي قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولَقَدْ بَعَثْنا﴾ إلَخْ إشارَةٌ
صفحة 139
يَتَفَطَّنُ لَها مِن لَهُ قَلْبٌ إلى أنَّ المَشِيئَةَ حَسَبَ الِاسْتِعْدادِ الَّذِي عَلَيْهِ الشَّخْصُ في نَفْسِ الأمْرِ فَتَأمَّلْ، فَإنَّ هَذا الوَجْهَ لا يَخْلُو عَنْ بُعْدٍ ودَغْدَغَةٍ. والَّذِي ذَكَرَهُ القاضِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ بَعَثْنا﴾ إلَخْ أنَّهُ بَيَّنَ فِيهِ أنَّ البَعْثَةَ أمْرٌ جَرَتْ بِهِ السُّنَّةُ الإلَهِيَّةُ في الأُمَمِ كُلِّها سَبَبًا لِهَدْيِ مَن أرادَ سُبْحانَهُ اهْتِداءَهُ وزِيادَةً لِضَلالِ مَن أرادَ ضَلالَهُ كالغِذاءِ الصّالِحِ يَنْفَعُ المِزاجَ السَّوِيَّ ويُقَوِّيهِ ويَضُرُّ المُنْحَرِفَ ويُفْنِيهِ.
وفِي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ أنَّهُ تَحْقِيقٌ لِكَيْفِيَّةِ تَعَلُّقِ مَشِيئَتِهِ تَعالى بِأفْعالِ العِبادِ بَعْدَ بَيانِ أنَّ الإلْجاءَ لَيْسَ مِن وظائِفِ الرِّسالَةِ ولا مِن بابِ المَشِيئَةِ المُتَعَلِّقَةِ بِما يَدُورُ عَلَيْهِ فَلَكُ الثَّوابِ والعِقابِ مِنَ الأفْعالِ الِاخْتِيارِيَّةِ، والمَعْنى أنّا بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا يَأْمُرُهم بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى واجْتِنابِ الطّاغُوتِ فَأمَرُوهم فَتَفَرَّقُوا فَمِنهم مَن هَداهُ اللَّهُ تَعالى بَعْدَ صَرْفِ قُدْرَتِهِ واخْتِيارِهِ الجُزْئِيِّ إلى تَحْصِيلِ ما هَدى إلَيْهِ ومِنهم مَن ثَبَتَ عَلى الضَّلالَةِ لِعِنادِهِ وعَدَمِ صَرْفِ قُدْرَتِهِ إلى تَحْصِيلِ الحَقِّ، والفاءُ في ( فَمِنهم ) نَصِيحَةٌ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ، وكانَ الظّاهِرُ في القِسْمِ الثّانِي- ومِنهم مَن أضَلَّ اللَّهُ- إلّا أنَّهُ غَيَّرَ الأُسْلُوبَ إلى ما في النَّظْمِ الكَرِيمِ لِلْإشْعارِ بِأنَّ ذَلِكَ لِسُوءِ اخْتِيارِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا مَرِضْتُ فَهو يَشْفِينِ﴾ [الشُّعَراءِ: 80] (وأنْ) يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً لِما في البَعْثِ مِن مَعْنى القَوْلِ وأنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً بِتَقْدِيرِ حَرْفِ الجَرِّ أيْ بِأنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ﴿فَسِيرُوا﴾ أيُّها المُشْرِكُونَ المُكَذِّبُونَ القائِلُونَ: لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِن دُونِهِ ﴿فِي الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ مِن عادٍ وثَمُودَ ومَن سارَ سَيْرَهم مِمَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ وقالَ كَما قُلْتُمْ لَعَلَّكم تَعْتَبِرُونَ، وتَرَتُّبُ الأمْرِ بِالسَّيْرِ عَلى مُجَرَّدِ الإخْبارِ بِثُبُوتِ الضَّلالَةِ عَلَيْهِمْ مِن غَيْرِ إخْبارٍ بِحُلُولِ العَذابِ لِلْإيذانِ بِأنَّ ذَلِكَ غَنِيٌّ عَنِ البَيانِ، وفي عِطْفِ الأمْرِ الثّانِي بِالفاءِ إشْعارٌ بِوُجُوبِ المُبادَرَةِ إلى النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ المُنْقِذَيْنِ مِنَ الضَّلالِ
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences