Al-AlusiAn‑Nahl · 16:41–43

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

An-Nahl 16:41–43

16:41Page 271

وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي ٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ مَا ظُلِمُواْ لَنُبَوِّئَنَّهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٗۖ وَلَأَجۡرُ ٱلۡأٓخِرَةِ أَكۡبَرُۚ لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ ٤١

And those who emigrated for [the cause of] Allāh after they had been wronged - We will surely settle them in this world in a good place; but the reward of the Hereafter is greater, if only they could know.

﴿والَّذِينَ هاجَرُوا في اللَّهِ﴾ أيْ في حَقِّهِ- فَفِي- عَلى ظاهِرِها فَفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّها هِجْرَةٌ مُتَمَكِّنَةٌ تَمَكُّنَ الظَّرْفِ في مَظْرُوفِهِ فَهي ظَرْفِيَّةٌ مَجازِيَّةٌ أوْ لِأجْلِ رِضاهُ- فَفِي- لِلتَّعْلِيلِ كَما في قَوْلِهِ ﷺ: ««إنَّ امْرَأةً دَخَلَتِ النّارَ في هِرَّةٍ»» والمُهاجَرَةُ في الأصْلِ مُصارَمَةُ

صفحة 145

الغَيْرِ ومُتارَكَتُهُ واسْتُعْمِلَتْ في الخُرُوجِ مِن دارِ الكُفْرِ إلى دارِ الإيمانِ أيْ والَّذِينَ هَجَرُوا أوْطانَهم وتَرَكُوها في اللَّهِ تَعالى وخَرَجُوا ﴿مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا﴾ أيْ مِن بَعْدِ ظُلْمِ الكُفّارِ إيّاهم. أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: هم أصْحابُ مُحَمَّدٍ ﷺ ظَلَمَهم أهْلُ مَكَّةَ فَخَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ حَتّى لَحِقَ طَوائِفُ مِنهم بِأرْضِ الحَبَشَةِ ثُمَّ بَوَّأهُمُ اللَّهُ تَعالى المَدِينَةَ بَعْدَ ذَلِكَ حَسْبَما وعَدَ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿لَنُبَوِّئَنَّهم في الدُّنْيا حَسَنَةً﴾ أيْ مَباءَةً حَسَنَةً، وحاصِلُهُ لَنُنْزِلُهم في الدُّنْيا مَنزِلًا حَسَنًا، وعَنِ الحَسَنِ دارًا حَسَنَةً، والتَّقْدِيرُ الأوَّلُ أظْهَرُ لِدَلالَةِ الفِعْلِ عَلَيْهِ، والثّانِي أوْفَقُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَبَوَّءُوا الدّارَ﴾ [الحَشْرِ: 9]، وأيًّا ما كانَ- فَحَسَنَةً- صِفَةُ مَحْذُوفٍ مَنصُوبٍ نَصْبَ الظُّرُوفِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا ثانِيًا لِنُبَوِّئَنَّهم عَلى مَعْنى لَنُعْطِيَنَّهم مَنزِلَةً حَسَنَةً، وفُسِّرَ ذَلِكَ بِالغَلَبَةِ عَلى أهْلِ مَكَّةَ الَّذِينَ ظَلَمُوهم وعَلى العَرَبِ قاطِبَةً، وقِيلَ: هي ما بَقِيَ لَهم في الدُّنْيا مِنَ الثَّناءِ وما صارَ لِأوْلادِهِمْ مِنَ الشَّرَفِ، وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّ التَّقْدِيرَ مَعِيشَةً حَسَنَةً أيْ رِزْقًا حَسَنًا وقِيلَ:

التَّقْدِيرُ عَطِيَّةً حَسَنَةً، والمُرادُ بِالعَطِيَّةِ المُعْطى، ويُفَسَّرُ ذَلِكَ بِكُلِّ شَيْءٍ حَسَنٍ نالَهُ المُهاجِرُونَ في الدُّنْيا، وقَدَّرَ بَعْضُهم تَبْوِئَةً حَسَنَةً فَهو صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، وقَدْ تُعْتَبَرُ هَذِهِ التَّبْوِئَةُ بِحَيْثُ تَشْمَلُ إعْطاءَ كُلِّ شَيْءٍ حَسَنٍ صارَ لِلْمُهاجِرِينَ عَلى نَحْوِ السّابِقِ. وفي البَحْرِ أنَّ الظّاهِرَ أنَّ انْتِصابَ ( حَسَنَةً ) عَلى المَصْدَرِ عَلى غَيْرِ الصَّدْرِ لِأنَّ مَعْنًى لَنُبَوِّئَنَّهم لَنُحْسِنَنَّ إلَيْهِمْ فَحَسَنَةً بِمَعْنى إحْسانًا، وعَلى جَمِيعِ التَّقادِيرِ (الَّذِينَ هاجَرُوا) مُبْتَدَأٌ وجُمْلَةُ (لَنُبَوِّئَنَّهُمْ) خَبَرُهُ.

وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ ( الَّذِينَ ) مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ المَذْكُورُ، والأوَّلُ مُتَعَيِّنٌ عِنْدَ أبِي حَيّانَ قالَ:

وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى صِحَّةِ وُقُوعِ الجُمْلَةِ القَسَمِيَّةِ خَبَرًا لِلْمُبْتَدَأِ خِلافًا لِثَعْلَبٍ، والَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ الخَبَرَ في مِثْلِ ذَلِكَ «إنَّما هو جُمْلَةُ الجَوابِ المُؤَكَّدَةُ بِالقَسَمِ وهي إخْبارِيَّةٌ لا إنْشائِيَّةٌ، واعْتُرِضَ عَلى أبِي البَقاءِ في الوَجْهِ الثّانِي بِأنَّهُ لا يَجُوزُ النَّصْبُ بِالفِعْلِ المَحْذُوفِ إلّا حَيْثُ يَجُوزُ لِلْمَذْكُورِ أنْ يَعْمَلَ في ذَلِكَ المَنصُوبِ حَتّى يَصِحَّ أنْ يَكُونَ مُفَسِّرًا وما هُنا لَيْسَ كَذَلِكَ فَإنَّهُ لا يَجُوزُ زَيْدًا لَأضْرِبَنَّ فَلا يَجُوزُ زَيْدًا لَأضْرِبَنَّهُ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ، وقِيلَ: بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن ( حَسَنَةً ) هَذا.

ونُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في صُهَيْبٍ وبِلالٍ وعَمّارٍ وخَبّابٍ وعابِسٍ وجُبَيْرٍ وأبِي جَنْدَلِ بْنِ سُهَيْلٍ أخَذَهُمُ المُشْرِكُونَ فَجَعَلُوا يُعَذِّبُونَهم لِيَرُدُّوهم عَنِ الإسْلامِ، فَأمّا صُهَيْبٌ فَقالَ لَهُمْ: أنا رَجُلٌ كَبِيرٌ إنْ كُنْتُ مَعَكم لَمْ أنْفَعْكم وإنْ كُنْتُ عَلَيْكم لَمْ أضُرَّكم فافْتَدى مِنهم بِمالِهِ وهاجَرَ فَلَمّا رَآهُ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: رَبِحَ البَيْعُ يا صُهَيْبُ وقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: نِعْمَ العَبْدُ صُهَيْبٌ لَوْ لَمْ يَخْفِ اللَّهَ لَمْ يَعْصِهِ، والجُمْهُورُ عَلى ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ بَلْ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنَّهُ الصَّحِيحُ، ولَمْ نَجِدْ لِهَذا الخَبَرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما سَنَدًا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ. وذَكَرَ العَلّامَةُ الشَّيْخُ بَهاءُ الدِّينِ السُّبْكِيُّ في شَرْحِ التَّلْخِيصِ كَغَيْرِهِ مِنَ المُحْدَثِينَ مِثْلَ الحافِظِ العَلّامَةِ زَيْنِ الدِّينِ عَبْدِ الرَّحِيمِ العِراقِيِّ ووَلَدِهِ الفَقِيهِ الحافِظِ أبِي زُرْعَةَ وغَيْرِهِما فِيما نُسِبَ لِعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فِيهِ مِن قَوْلِهِ: نِعْمَ العَبْدُ صُهَيْبٌ إلى آخِرِهِ أنّا لَمْ نَجِدْهُ في شَيْءٍ مِن كُتُبِ الحَدِيثِ بَعْدَ الفَحْصِ الشَّدِيدِ، وهَذا يُوقِعُ شُبْهَةً قَوِيَّةً في صِحَّةِ ذَلِكَ. نَعَمْ في الدَّرِّ المَنثُورِ، أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ في هَؤُلاءِ الَّذِينَ هاجَرُوا: هم قَوْمٌ مِن أهْلِ مَكَّةَ هاجَرُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ

صفحة 146

ظُلْمِهِمْ ثُمَّ قالَ: وظُلْمُهُمُ الشِّرْكُ، لَكِنْ يَقْتَضِي هَذا بِظاهِرِهِ أنَّهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ كانَ يَقْرَأُ «ظَلَمُوا» بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ.

وأوْرَدَ عَلى الخِبْرَيْنِ أنَّهُ قِيلَ: إنِ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ إلّا ثَلاثَ آياتٍ في آخِرِها فَإنَّها مَدَنِيَّةٌ، ويَلْتَزِمُ إذا صَحَّ الخَبَرُ الذَّهابُ إلى أنَّ فِيها مَدَنِيًّا غَيْرَ ذَلِكَ، أوِ القَوْلُ بِأنَّ المُرادَ مِنَ المَكِّيِّ ما نَزَلَ في حَقِّ أهْلِ مَكَّةَ، أوْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ لَمْ تَنْزِلْ بِالمَدِينَةِ وأنَّ المَكِّيَّ ما نَزَلْ بِغَيْرِها، أوِ القَوْلُ بِأنَّ ذَلِكَ مِنَ الإخْبارِ بِالشَّيْءِ قَبْلَ وُقُوعِهِ، والكُلُّ كَما تَرى، ولا يُرَدُّ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ الَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ أنَّهُ مُخالِفٌ لِلْقَوْلِ المَشْهُورِ في السُّورَةِ لِأنَّ هِجْرَةَ الحَبَشَةِ كانَتْ قَبْلَ هِجْرَةِ المَدِينَةِ فَلا مانِعَ مِن كَوْنِ الآيَةِ مَكِّيَّةً بِالمَعْنى المَشْهُورِ عَلَيْهِ، لَكِنْ قِيلَ: إنَّ قَتادَةَ القائِلُ بِما تَقَدَّمَ قائِلٌ بِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ إلى آخِرِ السُّورَةِ مَدَنِيَّةٌ وهو آبٍ عَمّا ذُكِّرَ، ومِن هُنا حَمَلَ بَعْضُهم ما نُقِلَ عَنْهُ سابِقًا عَلى أنَّ نُزُولَها كانَ بَيْنَ الهِجْرَتَيْنِ بِالمَدِينَةِ، ولا يُمْكِنُ الجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الأقْوالِ أصْلًا، والَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُعَوَّلَ عَلَيْهِ أنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ إلّا الآياتِ لَيْسَتْ هَذِهِ مِنها بَلْ هي مَكِّيَّةٌ نَزَلَتْ بَيْنَ الهِجْرَتَيْنِ فِيمَن ذَكَرَهُ الجُمْهُورُ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الحالِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ الَّذِينَ هاجَرُوا عامٌّ في المُهاجِرِينَ كائِنًا مَن كانَ فَيَشْمَلُ أوَّلَهم وآخِرَهم وكانَ هَذا مِن قائِلِهِ اعْتِبارٌ لِعُمُومِ اللَّفْظِ لا لِخُصُوصِ السَّبَبِ كَما هو المُقَرَّرُ عِنْدَهم. وقَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، وعَبْدُ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ. ونُعَيْمُ بْنُ مَيْسَرَةَ. والرَّبِيعُ بْنُ خَيْثَمٍ- -لَنُثْوِيَنَّهُمْ- بِالثّاءِ المُثَلَّثَةِ مِن أثْوى المَنقُولِ بِهَمْزَةِ التَّعْدِيَةِ مِن ثَوى بِالمَكانِ أقامَ فِيهِ، قالَ في البَحْرِ: وانْتِصابُ (حَسَنَةً) عَلى تَقْدِيرِ إثْواءَةً حَسَنَةً أوْ عَلى نَزْعِ الخافِضِ أيْ في حَسَنَةٍ أيْ دارٍ حَسَنَةٍ أوْ مَنزِلَةٍ حَسَنَةٍ ولا مانِعَ عَلى ما قِيلَ مِنِ اعْتِبارِ تَضْمِينِ الفِعْلِ مَعْنى نُعْطِيهِمْ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ أوَّلًا. واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أحَدِ الأقْوالِ عَلى شَرَفِ المَدِينَةِ وشَرَفِ إخْلاصِ العَمَلِ لِلَّهِ تَعالى ﴿ولأجْرُ الآخِرَةِ﴾ أيْ أجْرُ أعْمالِهِمُ المَذْكُورَةِ في الدّارِ الآخِرَةِ ﴿أكْبَرُ﴾ مِمّا يُعَجِّلُ لَهم في الدُّنْيا. أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّهُ كانَ إذا أعْطى الرَّجُلَ مِنَ المُهاجِرِينَ عَطاءً يَقُولُ لَهُ: خُذْ بارَكَ اللَّهُ تَعالى لَكَ هَذا ما وعَدَكَ اللَّهُ تَعالى في الدُّنْيا وما أخَّرَ لَكَ في الآخِرَةِ أفْضَلُ ثُمَّ يَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ، وقِيلَ: المُرادُ أكْبَرُ مِن أنْ يَعْلَمَهُ أحَدٌ قَبْلَ مُشاهَدَتِهِ، ولا يَخْفى ما في مُخالَفَةِ أُسْلُوبِ هَذا الوَعْدِ لِما قَبْلَهُ مِنَ المُبالَغَةِ ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ الضَّمِيرُ لِلْكَفَرَةِ الظّالِمِينَ أيْ لَوْ عَلِمُوا أنَّ اللَّهَ تَعالى يَجْمَعُ لِهَؤُلاءِ المُهاجِرِينَ خَيْرَ الدّارَيْنِ لَوافَقُوهم في الدِّينِ، وقِيلَ: هو لِلْمُهاجِرِينَ أيْ لَوْ عَلِمُوا ذَلِكَ لَزادُوا في الِاجْتِهادِ ولَما تَألَّمُوا لِما أصابَهم مِنَ المُهاجَرَةِ وشَدائِدِها ولازْدادُوا سُرُورًا. وفي المَعالِمِ لا يَجُوزُ ذَلِكَ لِأنَّ المُهاجِرِينَ يَعْلَمُونَهُ ودُفِعَ بِأنَّ المُرادَ عِلْمُ المُشاهِدَةِ ولَيْسَ الخَبَرُ كالمُعايَنَةِ أوِ المُرادُ العِلْمُ التَّفْصِيلِيُّ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلْمُتَخَلِّفِينَ عَنِ الهِجْرَةِ يَعْنِي لَوْ عَلِمَ المُتَخَلِّفُونَ عَنِ الهِجْرَةِ ما لِلْمُهاجِرِينَ مِنَ الكَرامَةِ لَوافَقُوهم.

16:42Page 271

ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمۡ يَتَوَكَّلُونَ ٤٢

[They are] those who endured patiently and upon their Lord relied.

﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ عَلى ما نالَهم مِنَ الظُّلْمِ ولَمْ يَرْجِعُوا القَهْقَرى وعَلى مُفارَقَةِ الوَطَنِ وهو حَرَمُ اللَّهِ سُبْحانَهُ المَحْبُوبُ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ فَضْلًا عَمَّنْ كانَ مَسْقَطَ رَأْسِهِ وعَلى احْتِمالِ الغُرْبَةِ بَيْنَ أُناسٍ أجانِبَ في النَّسَبِ لَمْ يَأْلَفْهم وعَلى غَيْرِ ذَلِكَ، ومَحَلُّ المَوْصُولِ النَّصْبُ بِتَقْدِيرِ أعْنِي أوِ الرَّفْعِ بِتَقْدِيرِ- هُمْ- ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تابِعًا لِلَّذِينِ هاجَرُوا بَدَلًا أوْ بَيانًا أوْ نَعْتًا ﴿وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ مُنْقَطِعِينَ إلَيْهِ مُعْرِضِينَ عَمَّنْ سِواهُ مُفَوِّضِينَ إلَيْهِ الأمْرَ كُلَّهُ كَما يُفِيدُهُ حَذْفُ مُتَعَلِّقِ التَّوَكُّلِ، وقِيلَ: تَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ المُؤْذِنُ بِالحَصْرِ وكَوْنُهُ لِرِعايَةِ الفَواصِلِ غَيْرُ مُتَعَيَّنٍ، وصِيغَةُ الِاسْتِقْبالِ إمّا لِلِاسْتِمْرارِ أوْ لِاسْتِحْضارِ تِلْكَ الصُّورَةِ البَدِيعَةِ، والجُمْلَةُ إمّا مَعْطُوفَةٌ عَلى الصِّلَةِ أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِ صَبَرُوا.

16:43Page 272

وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ إِلَّا رِجَالٗا نُّوحِيٓ إِلَيۡهِمۡۖ فَسۡـَٔلُوٓاْ أَهۡلَ ٱلذِّكۡرِ إِن كُنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ ٤٣

And We sent not before you except men to whom We revealed [Our message]. So ask the people of the message [i.e., former scriptures] if you do not know.

صفحة 147

﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلا رِجالا نُوحِي إلَيْهِمْ﴾ رَدٌّ لِقُرَيْشٍ حَيْثُ أنْكَرُوا رِسالَةَ النَّبِيِّ ﷺ وقالُوا: اللَّهُ تَعالى أعْظَمُ أنْ يَكُونَ رَسُولُهُ بَشَرًا هَلّا بَعَثَ إلَيْنا مَلَكًا أيْ جَرَتِ السُّنَّةُ الإلَهِيَّةُ حَسْبَما اقْتَضَتْهُ الحِكْمَةُ بِأنْ لا نَبْعَثَ لِلدَّعْوَةِ العامَّةِ إلّا بَشَرًا نُوحِي إلَيْهِمْ بِواسِطَةِ المَلَكِ في الأغْلَبِ الأوامِرَ والنَّواهِيَ لِيُبَلِّغُوها، ويُحْتَرَزُ بِالدَّعْوَةِ العامَّةِ عَنْ بَعْثِ المَلَكِ لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لِلتَّبْلِيغِ أوْ لِغَيْرِهِمْ كَبَعْثِهِ لِمَرْيَمَ لِلْبِشارَةِ، وبِالأغْلَبِ بَعْضُ أقْسامِ الوَحْيِ مِمّا لَمْ يَكُنْ بِواسِطَةِ المَلَكِ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلا وحْيًا أوْ مِن وراءِ حِجابٍ أوْ يُرْسِلَ رَسُولا فَيُوحِيَ بِإذْنِهِ ما يَشاءُ﴾ [الشُّورى: 51] وقَرَأ الجُمْهُورُ «يُوحى» بِالياءِ وفَتْحِ الحاءِ. وفِرْقَةٌ بِالياءِ وكَسْرِها وعَبْدُ اللَّهِ والسُّلَمِيُّ وطَلْحَةُ. وحَفْصٌ بِالنُّونِ وكَسْرِها. وفي ذَلِكَ مِن تَعْظِيمِ أمْرِ الوَحْيِ ما لا يَخْفى. ولَمّا كانَ المَقْصُودُ مِنَ الخِطابِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَنْبِيهَ الكُفّارِ عَلى مَضْمُونِهِ صُرِفَ الخِطابُ إلَيْهِمْ فَقِيلَ: ﴿فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ﴾ أيْ أهْلَ الكِتابِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ والسُّدِّيُّ وغَيْرُهُمْ، وتَسْمِيَةُ الكِتابِ تُعْلَمُ مِمّا سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وعَنْ مُجاهِدٍ تَخْصِيصُهُ بِالتَّوْراةِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ كَتَبْنا في الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ [الأنْبِياءِ: 105] فَأهْلُهُ اليَهُودُ.

قالَ في البَحْرِ والمُرادُ مَن لَمْ يُسْلِمْ مِن أهْلِ الكِتابِ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ لا يُتَّهَمُونَ عِنْدَ أهْلِ مَكَّةَ في إخْبارِهِمْ بِأنَّ الرُّسُلَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ كانُوا رِجالًا فَإخْبارُهم بِذَلِكَ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ، والمُرادُ كَسْرُ حُجَّتِهِمْ وإلْزامُهم وإلّا فالحَقُّ واضِحٌ في نَفْسِهِ لا يَحْتاجُ فِيهِ إلى إخْبارِ هَؤُلاءِ، وقَدْ أرْسَلَ المُشْرِكُونَ بَعْدَ نُزُولِها إلى أهْلِ يَثْرِبَ يَسْألُونَهم عَنْ ذَلِكَ، وقالَ الأعْمَشُ وابْنُ عُيَيْنَةَ وابْنُ جُبَيْرٍ: المُرادُ مَن أسْلَمَ مِنهم كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وسَلْمانَ الفارِسِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وغَيْرِهِما.

ويُضْعِفُهُ أنَّ قَوْلَ مَن أسْلَمِ لا حُجَّةَ فِيهِ عَلى الكُفّارِ ومِنهُ يُعْلَمُ ضَعْفُ ما قالَهُ أبُو جَعْفَرٍ وابْنُ زَيْدٍ مِن أنَّ المُرادَ مِنَ الذِّكْرِ القُرْآنُ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى سَمّاهُ ذِكْرًا في مَواضِعَ مِنها ما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى قَرِيبًا، وأهْلُ الذِّكْرِ عَلى هَذا المُسْلِمُونَ مُطْلَقًا، وخَصَّهم بَعْضُ الإمامِيَّةِ بِالأئِمَّةِ أهْلِ البَيْتِ احْتِجاجًا بِما رَواهُ جابِرٌ ومُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ مِنهم عَنْ أبِي جَعْفَرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: نَحْنُ أهْلُ الذِّكْرِ، وبَعْضُهم فَسَّرَ الذِّكْرَ بِالنَّبِيِّ ﷺ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذِكْرًا﴾ ﴿رَسُولا﴾ [الطَّلاقِ: 10، 11] عَلى قَوْلٍ، ويُقالُ عَلى مُقْتَضى ما في البَحْرِ: كَيْفَ يُقْنَعُ كُفّارُ أهْلِ مَكَّةَ بِخَبَرِ أهْلِ البَيْتِ في ذَلِكَ ولَيْسُوا بِأصْدَقَ مِن رَسُولِ اللَّهِ عِنْدَهم وهو عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ المَشْهُورُ فِيما بَيْنَهم بِالأمِينِ، ولَعَلَّ ما رَواهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنّا مُوافِقًا بِظاهِرِهِ لِمَن زَعَمَهُ ذَلِكَ البَعْضُ مِنَ الإمامِيَّةِ عَنْ أنَسٍ قالَ: ««سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إنَّ الرَّجُلَ لَيُصَلِّي ويَصُومُ ويَحُجُّ ويَعْتَمِرُ وإنَّهُ لِمُنافِقٌ قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ بِماذا دَخَلَ عَلَيْهِ النِّفاقُ؟ قالَ: يَطْعَنُ عَلى إمامِهِ وإمامُهُ مَن قالَ اللَّهُ تَعالى في كِتابِهِ: ﴿فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ﴾ إلى آخِرِهِ»».

مِمّا لا يَصِحُّ، وأنا أقُولُ: يَجُوزُ أنْ يُرادَ مِن أهْلِ الذِّكْرِ أهْلُ القُرْآنِ وإنْ قالَ أبُو حَيّانَ ما قالَ وسَتَعْلَمُ وجْهَهُ قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى المَنّانُ، وقالَ الرُّمّانِيُّ والزَّجّاجُ، والأزْهَرِيُّ: المُرادُ بِأهْلِ الذِّكْرِ عُلَماءُ أخْبارِ الأُمَمِ السّالِفَةِ كائِنًا مَن كانَ فالذِّكْرُ بِمَعْنى الحِفْظِ كَأنَّهُ قِيلَ: اسْألُوا المُطَّلِعِينَ عَلى أخْبارِ الأُمَمِ يُعْلِمُوكم بِذَلِكَ ﴿إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ وجَوابُ إنْ إمّا مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ أيْ فاسْألُوا، وإمّا نَفْسُ ما قَبْلَهُ بِناءً عَلى جَوازِ تَقَدُّمِ الجَوابِ عَلى الشَّرْطِ. واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى لَمْ يُرْسِلِ امْرَأةً ولا صَبِيًّا ولا يُنافِيهِ نُبُوَّةُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ في المَهْدِ فَإنَّ النُّبُوَّةَ أعَمُّ مِنَ الرِّسالَةِ ولا يَقْتَضِي صِحَّةَ القَوْلِ بِنُبُوَّةِ مَرْيَمَ أيْضًا لِأنَّ غايَتَهُ نَفْيُ رِسالَةِ المَرْأةِ، ولا يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ إثْباتُ نُبُوَّتِها، وذَهَبَ إلى صِحَّةِ نُبُوَّةِ النِّساءِ جَماعَةٌ وصَحَّحَ ذَلِكَ ابْنُ السَّيِّدِ، ولا يُنافِي ما دَلَّتْ عَلَيْهِ الآيَةُ مِن نَفْيِ إرْسالِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿جاعِلِ المَلائِكَةِ رُسُلا﴾ لِأنَّ المُرادَ جاعِلُهم

صفحة 148

رُسُلًا إلى المَلائِكَةِ أوْ إلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لا لِلدَّعْوَةِ العامَّةِ وهو المُدَّعى كَما عَلِمْتَ فالرَّسُولُ إمّا بِالمَعْنى المُصْطَلَحِ أوْ بِالمَعْنى اللُّغَوِيِّ، وقالَ الجَبائِيُّ: إنَّ المَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لَمْ يُبْعَثُوا إلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ إلّا مُمَثَّلِينَ بِصُوَرِ الرِّجالِ ورُدَّ بِما رُوِيَ «أنَّ نَبِيَّنا ﷺ رَأى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى صُورَتِهِ الَّتِي هو عَلَيْها مَرَّتَيْنِ»

وهُوَ وارِدٌ عَلى الحَصْرِ المُقْتَضِي لِلْعُمُومِ فَلا يُرَدُّ عَلَيْهِ أنَّهُ لا دَلالَةَ فِيما رَوى عَلى رُؤْيَةِ مَن قَبْلَ نَبِيِّنا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى صُورَتِهِ مَعَ أنَّهُ إذا ثَبَتَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ولَمْ يَثْبُتْ أنَّهُ مِن خُصُوصِيّاتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَلا مانِعَ مِن ثُبُوتِهِ لِغَيْرِهِ قالَهُ الشِّهابُ، وذَكَرَ أنَّهُ نَقَلَ الإمامُ عَنِ القاضِي أنَّ مُرادَ الجَبائِيَّ أنَّهم لَمْ يُبْعَثُوا إلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِحَضْرَةِ أُمَمِهِمْ إلّا وهم عَلى صُوَرِ الرِّجالِ كَما رُوِيَ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَضَرَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمَحْضَرٍ مِن أصْحابِهِ في صُورَةِ دِحْيَةَ الكَلْبِيِّ وفي صُورَةِ سُراقَةَ وفي صُورَةِ أعْرابِيٍّ لَمْ يَعْرِفُوهُ.

واسْتُدِلَّ بِها أيْضًا عَلى وُجُوبِ المُراجَعَةِ لِلْعُلَماءِ فِيما لا يُعْلَمُ.

وفِي الإكْلِيلِ لِلْجَلالِ السُّيُوطِيِّ أنَّهُ اسْتُدِلَّ بِها عَلى جَوازِ تَقْلِيدِ العامِّ في الفُرُوعِ وانْظُرِ التَّقْيِيدَ بِالفُرُوعِ فَإنَّ الظّاهِرَ العُمُومُ لا سِيَّما إذا قُلْنا إنَّ المَسْألَةَ المَأْمُورِينَ بِالمُراجَعَةِ فِيها والسُّؤالِ عَنْها مِنَ الأُصُولِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما نُقِلَ عَنِ الجَلالِ المَحَلِّيِّ أنَّهُ يَلْزَمُ غَيْرَ المُجْتَهِدِ عامِّيًّا كانَ أوْ غَيْرَهُ التَّقْلِيدُ لِلْمُجْتَهِدِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ والصَّحِيحُ أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ المَسائِلِ الِاعْتِقادِيَّةِ وغَيْرِها وبَيْنَ أنْ يَكُونَ المُجْتَهِدُ حَيًّا أوْ مَيِّتًا اهـ.

وصَحَّحَ هو وغَيْرُهُ امْتِناعَ التَّقْلِيدِ عَلى المُجْتَهِدِ مُطْلَقًا سَواءٌ كانَ لَهُ قاطِعٌ أوْ لا وسَواءٌ كانَ مُجْتَهِدًا بِالفِعْلِ أوْ لَهُ أهْلِيَّةُ الِاجْتِهادِ، ومُقْتَضى كَلامِهِمْ أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ تَقْلِيدِ أحَدِ أئِمَّةِ المَذاهِبِ الأرْبَعِ وتَقْلِيدِ غَيْرِهِ مِنَ المُجْتَهِدِينَ نَعَمْ ذَكَرَ العَلّامَةُ ابْنُ حَجَرِ، وغَيْرُهُ أنَّهُ يُشْتَرَطُ في تَقْلِيدِ الغَيْرِ أنْ يَكُونَ مَذْهَبُهُ مُدَوَّنًا مَحْفُوظَ الشُّرُوطِ والمُعْتَبَراتِ فَقَوْلُ السُّبْكِيِّ: إنَّ مُخالِفَ الأرْبَعَةِ كَمُخالِفِ الإجْماعِ مَحْمُولٌ عَلى ما لَمْ يُحْفَظْ ولَمْ تُعْرَفْ شُرُوطَهُ وسائِرُ مُعْتَبَراتِهِ مِنَ المَذاهِبِ الَّتِي انْقَطَعَ حَمَلَتُها وفُقِدَتْ كُتُبُها كَمَذْهَبِ الثَّوْرِيِّ والأوْزاعِيِّ وابْنِ أبِي لَيْلى وغَيْرِهِمْ، ثُمَّ إنَّ تَقْلِيدَ الغَيْرِ بِشَرْطِهِ إنَّما يَجُوزُ في العَمَلِ وأمّا لِلْإفْتاءِ والقَضاءِ فَيَتَعَيَّنُ أحَدُ المَذاهِبِ الأرْبَعِ، واسْتَشْكَلَ الفَرْقَ العَلّامَةُ ابْنُ قاسِمٍ العَبّادِيُّ، وأُجِيبُ بِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الفَرْقُ أنَّهُ يُحْتاطُ فِيهِما لِتَعَدِّيهِما ما لا يُحْتاطُ في العَمَلِ فَيُتْرَكانِ لِأدْنى مَحْذُورٍ ولَوْ مُحْتَمَلًا، ونَظِيرُ ذَلِكَ ما ذَكَرَهُ بَعْضُ الشّافِعِيَّةِ في القَوْلَيْنِ المُتَكافِئَيْنِ أنَّهُ لا يُفْتى ولا يُقْضى بِكُلٍّ مِنهُما لِاحْتِمالِ كَوْنِهِ مَرْجُوحًا ويَجُوزُ العِلْمُ بِهِ وذَكَرَ الإمامُ أنَّ مِنَ النّاسِ مَن جَوَّزَ التَّقْلِيدَ لِلْمُجْتَهِدِ لِهَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: لَمّا لَمْ يَكُنْ أحَدُ المُجْتَهِدِينَ عالِمًا وجَبَ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ إلى المُجْتَهِدِ العالِمِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاسْألُوا﴾ الآيَةَ فَإنْ لَمْ يُجِبْ فَلا أقَلَّ مِنَ الجَوازِ، وأُيِّدَ ذَلِكَ بِأنَّ بَعْضَ المُجْتَهِدِينَ نَقَلُوا مَذاهِبَ بَعْضِ الصَّحابَةِ وأقَرُّوا الحُكْمَ عَلَيْهِ، والصَّحِيحُ ما سَمِعْتَ أوَّلًا، وما ذُكِرَ لَيْسَ بِتَقْلِيدٍ بَلْ هو مِن بابِ مُوافَقَةِ الِاجْتِهادِ الِاجْتِهادَ. واحْتَجَّ بِها أيْضًا نُفاةُ القِياسِ فَقالُوا: المُكَلَّفُ إذا نَزَلَتْ بِهِ واقِعَةٌ فَإنْ كانَ عالِمًا بِحُكْمِها لَمْ يَجُزْ لَهُ القِياسُ وإلّا وجَبَ عَلَيْهِ سُؤالُ مَن كانَ عالِمًا بِها بِظاهِرِ الآيَةِ ولَوْ كانَ القِياسُ حُجَّةً لَما وجَبَ عَلَيْهِ السُّؤالُ لِأجْلِ أنَّهُ يُمْكِنُهُ اسْتِنْباطُ ذَلِكَ الحُكْمِ بِالقِياسِ، فَثَبَتَ أنَّ تَجْوِيزَ العَمَلِ بِالقِياسِ يُوجِبُ تَرْكَ العَمَلِ بِظاهِرِ الآيَةِ فَوَجَبَ أنْ لا يَجُوزَ. وأُجِيبُ بِأنَّهُ ثَبَتَ جَوازُ العَمَلِ بِالقِياسِ بِإجْماعِ الصَّحابَةِ والإجْماعُ أقْوى مِن هَذا الدَّلِيلِ.

وقالَ بَعْضُهُمْ: إذا كانَ المُكَلَّفُ مِمَّنْ يَقْدِرُ عَلى القِياسِ كانَ مِمَّنْ يَعْلَمُ فَلا يَجِبُ عَلَيْهِ السُّؤالُ فَتَأمَّلْ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском