Al-AlusiAn‑Nahl · 16:50–52

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

An-Nahl 16:50–52

16:50Page 272

يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوۡقِهِمۡ وَيَفۡعَلُونَ مَا يُؤۡمَرُونَ۩ ٥٠

They fear their Lord above them, and they do what they are commanded.

﴿يَخافُونَ رَبَّهُمْ﴾ ومِمَّنْ صَرَّحَ بِعَوْدِ الضَّمِيرِ فِيهِ عَلى ما أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ، وقالَ أبُو حَيّانَ: إنَّهُ الظّاهِرُ، وذَهَبَ ابْنُ السّائِبِ ومُقاتِلٌ إلى ما قُلْنا أيْ يَخافُونَ مالِكَ أمْرِهِمْ ﴿مِن فَوْقِهِمْ﴾ إمّا مُتَعَلِّقٌ- بِـ يَخافُونَ- وخَوْفُ رَبِّهِمْ كِنايَةٌ عَنْ خَوْفِ عَذابِهِ أوِ الكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ هو العَذابُ عَلى ما هو الظّاهِرُ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن ( رَبَّهم ) أيْ كائِنًا مِن فَوْقِهِمْ، ومَعْنى كَوْنِهِ سُبْحانَهُ فَوْقَهم قَهْرُهُ وغَلَبَتُهُ لِأنَّ الفَوْقِيَّةَ المَكانِيَّةَ مُسْتَحِيلَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ تَعالى، ومَذْهَبُ السَّلَفِ قَدْ أسْلَفْناهُ لَكَ وأظُنُّهُ عَلى ذِكْرٍ مِنكَ. والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في لا ( يَسْتَكْبِرُونَ ) وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ بَيانًا لِنَفْيِ الِاسْتِكْبارِ وتَقْرِيرًا لَهُ لِأنَّ مَن خافَ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَسْتَكْبِرْ عَنْ عِبادَتِهِ، واخْتارَهُ ابْنُ المُنِيرِ وقالَ: إنَّهُ الوَجْهُ لَيْسَ إلّا لِئَلّا يَتَقَيَّدَ الِاسْتِكْبارُ ولِيَدُلَّ عَلى ثُبُوتِ هَذِهِ الصِّفَةِ أيْضًا عَلى الإطْلاقِ، ولا بُدَّ أنْ يُقالَ عَلى تَقْدِيرِ الحالِيَّةِ: إنَّها حالٌ غَيْرُ مُنْتَقِلَةٍ وقَدْ جاءَتْ في الفَصِيحِ بَلْ في أفْصَحِهِ عَلى الصَّحِيحِ، وفي اخْتِيارِ عُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ تَرْبِيَةٌ لِلْمَهابَةِ وإشْعارٌ بِعِلَّةِ الحُكْمِ.

﴿ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ أيْ ما يُؤْمَرُونَ بِهِ مِنَ الطّاعاتِ والتَّدْبِيراتِ وإيرادِ الفِعْلِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ جَرى عَلى سُنَنِ الجَلالَةِ وإيذانٌ بِعَدَمِ الحاجَةِ إلى التَّصْرِيحِ بِالفاعِلِ لِاسْتِحالَةِ اسْتِنادِهِ إلى غَيْرِهِ سُبْحانَهُ، واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ المَلائِكَةَ مُكَلَّفُونَ مُدارُونَ بَيْنَ الخَوْفِ والرَّجاءِ، أمّا دَلالَتُها عَلى التَّكْلِيفِ فَلِمَكانِ الأمْرِ، وأمّا عَلى الخَوْفِ فَهو أظْهَرُ مِن أنْ يَخْفى، وأمّا عَلى الرَّجاءِ فَلِاسْتِلْزامِ الخَوْفِ عَلى ما قِيلَ، وقِيلَ: إنَّ اتِّصافَهم بِالرَّجاءِ لِأنَّ مِن خَدَمَ أكْرَمُ

صفحة 159

الأكْرَمِينَ كانَ مِنَ الرَّجاءِ بِمَكانٍ مَكِينٍ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ خَوْفَهم لَيْسَ إلّا خَوْفَ إجْلالٍ ومَهابَةٍ لا خَوْفَ وعِيدٍ وعَذابٍ، ويَرُدُّهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهم مِن خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ ﴿ومَن يَقُلْ مِنهم إنِّي إلَهٌ مِن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾ [الأنْبِياءِ: 28، 29] ولا يُنافِي ذَلِكَ عِصْمَتَهُمْ، وقالَ الإمامُ: الأصَحُّ أنَّ ذَلِكَ الخَوْفَ خَوْفُ الإجْلالِ، وذُكِرَ أنَّهُ نُقِلَ عَنِابْنِ عَبّاسٍ واسْتُدِلَّ لَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما يَخْشى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ﴾ [فاطِرٍ: 28] وفي القَلْبِ مِنهُ شَيْءٌ، والحَقُّ أنَّ الآيَةَ لا تَصْلُحُ دَلِيلًا لِكَوْنِ المَلائِكَةِ أفْضَلَ مِنَ البَشَرِ. واسْتَدَلَّ بِها فِرْقَةٌ عَلى ذَلِكَ مِن أرْبَعَةِ أوْجُهٍ ذَكَرَها الإمامُ ولَمْ يَتَعَقَّبْها بِشَيْءٍ لِأنَّهُ مِمَّنْ يَقُولُ بِهَذِهِ الأفْضَلِيَّةِ، ومَوْضِعُ تَحْقِيقِ ذَلِكَ كُتُبُ الكَلامِ.

* * *

هَذا ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ: ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ وهو القِيامَةُ الكُبْرى الَّتِي يَرْتَفِعُ فِيها حَجْبُ التَّعَيُّناتِ ويَضْمَحِلُّ السَّوِيُّ، ولَمّا كانَ ﷺ مُشاهِدًا لِذَلِكَ في عَيْنِ الجَمْعِ قالَ ( أتى) ولَمّا كانَ ظُهُورُها عَلى التَّفْصِيلِ بِحَيْثُ تَظْهَرُ لِلْكُلِّ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ حِينٍ قالَ: ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ لِأنَّ هَذا لَيْسَ وقْتَ ظُهُورِهِ، ثُمَّ أكَّدَ شُهُودَهُ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى وفَناءِ الخَلْقِ في القِيامَةِ: ﴿سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ بِإثْباتِ وُجُودِ الغَيْرِ، ثُمَّ فَصَّلَ ما شاهَدَ في عَيْنِ الجَمْعِ لِكَوْنِهِ في مَقامِ الفَرْقِ بَعْدَ الجَمْعِ لا يَحْتَجِبُ بِالوَحْدَةِ عَنِ الكَثْرَةِ ولا بِالعَكْسِ فَقالَ: ﴿يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ﴾ وهو العِلْمُ الَّذِي تَحْيا بِهِ القُلُوبُ ﴿عَلى مَن يَشاءُ مَن عِبادِهِ﴾ وهُمُ المُخْلِصُونَ لَهُ ﴿أنْ أنْذِرُوا أنَّهُ لا إلَهَ إلا أنا فاتَّقُونِ﴾ وقالَ بَعْضُهُمْ: أيْ خَوِّفُوا الخَلْقَ مِنَ الخَواطِرِ الرَّدِيئَةِ المَمْزُوجَةِ بِالنَّظَرِ إلى غَيْرِي وخَوْفُهم مِن عَظِيمِ جَلالِي، وهَذا وحْيُ تَبْلِيغٍ وهو مَخْصُوصٌ بِالمُرْسَلِينَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وذَكَرُوا أنَّ الوَحْيَ إذا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ غَيْرَ مَخْصُوصٍ بِهِمْ بَلْ يَكُونُ لِلْأوْلِياءِ أيْضًا ﴿الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ ألا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا﴾ [فُصِّلَتْ: 30] وقَدْ رُوِيَ عَنْ بَعْضِ أئِمَّةِ أهْلِ البَيْتِ أنَّ المَلائِكَةَ تُزاحِمُهم في مَجالِسِهِمْ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى عَدَّدَ الصِّفاتِ وفَصَّلَ النِّعَمَ فَقالَ:

﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ﴾ إلَخْ، وفي قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وتَحْمِلُ أثْقالَكُمْ﴾ إلَخْ إشارَةٌ كَما نُقِلَ عَنِ الجُنَيْدِ قُدِّسَ سِرُّهُ إلى أنَّهُ يَنْبَغِي لِمَن أرادَ البُلُوغَ إلى مَقْصِدِهِ أنْ يَكُونَ أوَّلُ أمْرِهِ وقَصْدِهِ الجَهْدَ والِاجْتِهادَ لِيُوصِلَهُ بَرَكَةُ ذَلِكَ إلى مَقْصُودِهِ، وذَكَرُوا أنَّ المَحْمُولِينَ مِنَ العِبادِ إلى المَقاصِدِ أصْنافٌ وكَذا المَحْمُولُ عَلَيْهِ، فَمَحْمُولٌ بِنُورِ الفِعْلِ، ومَحْمُولٌ بِنُورِ الصِّفَةِ، ومَحْمُولٌ بِنُورِ الذّاتِ، فالمَحْمُولُ بِنُورِ الفِعْلِ يَكُونُ بَلَدُهُ مَقامَ الخَوْفِ والرَّجاءِ ومَحَلَّتُهُ صِدْقُ اليَقِينِ ودارُهُ مُرَبَّعُ الشُّهُودِ، والمَحْمُولُ بِنُورِ الصِّفَةِ يَكُونُ بَلَدُهُ مَقامَ المَعْرِفَةِ ومَحَلَّتُهُ صَفْوَ الخُلَّةِ ودارُهُ دارَ المَوَدَّةِ، والمَحْمُولُ بِنُورِ الذّاتِ يَكُونُ بَلَدُهُ التَّوْحِيدَ ومَحَلَّتُهُ الفَناءَ ودارُهُ البَقاءَ، وهَذِهِ الأصْنافُ لِلسّالِكِ، وأمّا المَجْذُوبُ فَمَحْمُولٌ عَلى مَطِيَّةِ الفَضْلِ إلى بَلَدِ المُشاهَدَةِ، وفي قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ويَخْلُقُ﴾ ما لا ( تَعْلَمُونَ ) تَحْيِيرٌ لِلْأفْهامِ وتَعْجِيزٌ أيْ تَعْجِيزٌ عَنْ أنْ تُدْرِكَ المَلِكَ العَلّامَ وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ فِيها تَعْلِيمًا لِلْوُقُوفِ عِنْدَ ما لا يُدْرِكُهُ العَقْلُ مِن آثارِ الصُّنْعِ وفُنُونِ العِلْمِ وعَدَمِ مُقابَلَةِ ذَلِكَ بِالإنْكارِ حَيْثُ أخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ يَخْلُقُ ما لا يُعْلَمُ بِمُقْتَضى القُوى البَشَرِيَّةِ المُعْتادَةِ وإنَّما يُعْلَمُ بِقُوَّةٍ إلَهِيَّةٍ وعِنايَةٍ صَمَدِيَّةٍ، ألا تَرى الصُّوفِيَّةَ الَّذِينَ ( مَنَّ ) اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِما مَنَّ كَيْفَ عَلِمُوا عَوالِمَ عَظِيمَةً نِسْبَةَ عالَمِ الشَّهادَةِ إلَيْها كَنِسْبَةِ الذَّرَةِ إلى الجَبَلِ العَظِيمِ، ومِمَّنْ زَعَمَ الِانْتِظامَ في سِلْكِهِمْ كالكَفْشِيَّةِ المُلَقِّبِينَ أنْفُسَهم بِالكَشْفِيَّةِ مَن ذَكَرَ مِن ذَلِكَ أشْياءَ لا يَشُكُّ العاقِلُ في أنَّها لا أصْلُ لَها بَلْ لَوْ عُرِضَ كَلامُهم في ذَلِكَ عَلى الأطْفالِ أوِ المَجانِينِ لَمْ يَشُكُّوا في أنَّهُ حَدِيثُ خُرافَةٍ صادِرٌ عَنْ مَحْضِ التَّخَيُّلِ، وأنا أسْألُ اللَّهَ تَعالى أنْ لا يَبْتَلِي مُسْلِمًا بِمِثْلِ ما ابْتَلاهُمْ، وقَدْ عَزَمْتُ حِينَ رَأيْتُ بَعْضَ كُتُبِهِمُ الَّتِي ألَّفَها بَعْضُ مُعاصِرِينا مِنهم مِمّا اشْتَمَلَ عَلى ذَلِكَ عَلى أنْ أصْنَعَ نَحْوَ ما صَنَعُوا

صفحة 160

مُقابَلَةً لِلْباطِلِ بِمِثْلِهِ لَكِنْ مَنَعَنِي الحَياءُ مِنَ اللَّهِ والِاشْتِغالُ بِخِدْمَةِ كَلامِهِ سُبْحانَهُ والعِلْمُ بِأنَّ تِلْكَ الخُرافاتِ لا تُرَوَّجُ إلّا عِنْدَ مَن سُلِبَ مِنهُ الإدْراكُ والتَّحَقُّقُ بِالجَماداتِ، وقالَ الواسِطِيُّ في الآيَةِ: المَعْنى يَخْلُقُ فِيكم مِنَ الأفْعالِ ما لا تَعْلَمُونَ أنَّها لَكم أمْ عَلَيْكم ﴿وعَلى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ أيِ السَّبِيلُ القَصْدُ وهو التَّوْحِيدُ ﴿ومِنها جائِرٌ﴾

وهُوَ ما عَدا ذَلِكَ ﴿ولَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾ لَكِنَّهُ لَمْ يَشَأْ لِعَدَمِ اسْتِعْدادِكم ولِتَظْهَرَ صِفاتُ جَمالِهِ وجَلالِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وألْقى في الأرْضِ رَواسِيَ﴾ وهُمُ الأوْتادُ أرْبابُ التَّمْكِينِ ﴿أنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ أيْ تَضْطَرِبَ، ومِنَ الكَلامِ المَشْهُورِ عَلى الألْسِنَةِ لَوْ خَلَتْ قُلِبَتْ ﴿وأنْهارًا﴾ وهُمُ العُلَماءُ الَّذِينَ تَحْيا بِفُراتِ عُلُومِهِمْ أشْجارُ القُلُوبِ ﴿وسُبُلا﴾ وهُمُ المُرْشِدُونَ الدّاعُونَ إلَيْهِ تَعالى ﴿وعَلاماتٍ﴾ وهي الآياتُ الآفاقِيَّةُ والأنْفُسِيَّةُ ﴿وبِالنَّجْمِ هم يَهْتَدُونَ﴾ وهي الأنْوارُ الَّتِي تَلُوحُ لِلسّالِكِ مِن عالِمِ الغَيْبِ.

وقالَ بَعْضُهُمْ: ألْقى في أرْضِ القُلُوبِ رَواسِيَ العُلُومِ الغَيْبِيَّةِ والمَعارِفِ السَّرْمَدِيَّةِ وأجْرى فِيها أنْهارَ أنْوارِ المَعْرِفَةِ والمُكاشَفَةِ والمَحَبَّةِ والشَّوْقِ والعِشْقِ والحِكْمَةِ والفِطْنَةِ وأوْضَحَ سُبُلًا لِلْأرْواحِ والعُقُولِ والأسْرارِ، فَسَبِيلُ الأرْواحِ إلى أنْوارِ الصِّفاتِ، وسَبِيلُ العُقُولِ إلى أنْوارِ الآياتِ، وسَبِيلِ الأسْرارِ إلى أنْوارِ الذّاتِ، والسُّبُلُ في الحَقِيقَةِ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ، ومِن كَلامِهِمُ الطُّرُقُ إلى اللَّهِ تَعالى بِعَدَدِ أنْفاسِ الخَلائِقِ. والعَلاماتُ في الظّاهِرِ أنْوارُ الأفْعالِ لِلْعُمُومِ، وأخَصُّ العَلاماتِ في العالَمِ الأوْلِياءُ، والنُّجُومُ أهْلُ المَعارِفِ الَّذِينَ يَسْبَحُونَ في أفْلاكِ الدَّيْمُومِيَّةِ بِأرْواحِهِمْ وقُلُوبِهِمْ وأسْرارِهِمْ مَنِ اقْتَدى بِهِمْ يَهْتَدِي إلى مَقْصُودِهِ الأبَدِيِّ، وفي الحَدِيثِ: ««أصْحابِي كالنُّجُومِ بِأيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ»».

والمُرادُ بِهِمْ خَواصُّهم لِيَتَأتّى الخِطابُ، ويَجُوزَ أنْ يُرادَ كُلُّهم والخِطابُ لَنا ولا مانِعَ مِن ذَلِكَ عَلى مَشْرَبِ القَوْمِ ﴿والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يَخْلُقُونَ﴾ ﴿أمْواتٌ غَيْرُ أحْياءٍ وما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ ما أعْظَمَها آيَةً في النَّهْيِ عَلى مَن يَسْتَغِيثُ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى مِنَ الجَماداتِ والأمْواتِ ويَطْلُبُ مِنهُ ما لا يَسْتَطِيعُ جَلْبَهُ لِنَفْسِهِ أوْ دَفْعَهُ عَنْها.

وقالَ بَعْضُ أكابِرِ السّادَةِ الصُّوفِيَّةِ قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى أسْرارَهُمْ: إنَّ الِاسْتِغاثَةَ بِالأوْلِياءِ مَحْظُورَةٌ إلّا مِن عارِفٍ يُمَيِّزُ بَيْنَ الحُدُوثِ والقِدَمِ فَيَسْتَغِيثُ بِالوَلِيِّ لا مِن حَيْثُ نَفْسُهُ بَلْ مِن حَيْثُ ظُهُورُ الحَقِّ فِيهِ فَإنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مَحْظُورٍ لِأنَّهُ اسْتِغاثَةٌ بِالحَقِّ حِينَئِذٍ، وأنا أقُولُ إذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَما الدّاعِي لِلْعُدُولِ عَنِ الِاسْتِغاثَةِ بِالحَقِّ مِن أوَّلِ الأمْرِ؟ وأيْضًا إذا ساغَتِ الِاسْتِغاثَةُ بِالوَلِيِّ مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ فَلْتَسُغِ الصَّلاةُ والصَّوْمُ وسائِرُ أنْواعِ العِبادَةِ لَهُ مِن تِلْكَ الحَيْثِيَّةِ أيْضًا، ولَعَلَّ القائِلَ بِذَلِكَ قائِلٌ بِهَذا. بَلْ قَدْ رَأيْتُ لِبَعْضِهِمْ ما يَكُونُ هَذا القَوْلُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ تَسْبِيحٌ ولا يَكادُ يَجْرِي قَلَمِي أوْ يَفْتَحُ فَمِي بِذِكْرِهِ، فالطَّرِيقُ المَأْمُونُ عِنْدَ كُلِّ رَشِيدٍ الِاسْتِغاثَةُ والِاسْتِعانَةُ عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَهو سُبْحانُهُ الحَيُّ القادِرُ العالِمُ بِمَصالِحِ عِبادِهِ، فَإيّاكَ والِانْتِظامَ في سِلْكِ الَّذِينَ يَرْجُونَ النَّفْعَ مَن غَيْرِهِ تَعالى ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ ذَكَرُوا أنَّ السّابِقِينَ المُوَحِّدِينَ يَتَوَفّاهُمُ اللَّهُ تَعالى بِذاتِهِ، وأمّا الأبْرارُ والسُّعَداءُ فَقِسْمانِ، فَمَن تَرَقّى عَنْ مَقامِ النَّفْسِ بِالتَّجَرُّدِ وصَلَ إلى مَقامِ القَلْبِ بِالعُلُومِ والفَضائِلِ يَتَوَفّاهم مَلَكُ المَوْتِ، ومَن كانَ في مَقامِ النَّفْسِ مِنَ العِبادِ والصُّلَحاءِ والزُّهّادِ المُتَشَرِّعِينَ الَّذِينَ لَمْ يَتَجَرَّدُوا عَنْ عَلائِقِ البَدَنِ بِالتَّحْلِيَةِ والتَّخْلِيَةِ تَتَوَفّاهم مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ، وأمّا الأشْرارُ الأشْقِياءُ فَتَتَوَفّاهم مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ، وأمّا الأشْرارُ الأشْقِياءُ فَتَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ أيْضًا ولَكِنَّ مَلائِكَةَ العَذابِ ويَتَشَكَّلُونَ لَهم عَلى صُورَةِ أخْلاقِهِمُ الذَّمِيمَةِ كَما يَتَشَكَّلُ مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ لِمَن تَقَدَّمَ عَلى صُورَةِ أخْلاقِهِمُ الحَسَنَةِ ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ طَيِّبِينَ﴾ طابَتْ نُفُوسُهم في خِدْمَةِ مَوْلاها وطابَتْ قُلُوبُهم في مَحَبَّةِ

صفحة 161

سَيِّدِها وطابَتْ أرْواحُهم بِطِيبِ مُشاهَدَةِ رَبِّها وطابَتْ أسْرارُهم بِطِيبِ الأنْوارِ، وقِيلَ: طَيِّبَةٌ أبْدانُهم وأرْواحُهم بِمُلازَمَةِ الخِدْمَةِ وتَرْكِ الشَّهَواتِ.

وقِيلَ: طَيِّبَةُ أرْواحُهم بِالمَوْتِ لِكَوْنِهِ بابَ الوِصالِ وسَبَبَ الحَياةِ الأبَدِيَّةِ ﴿وقالَ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ﴾ قالُوهُ إلْزامًا بِزَعْمِهِمْ لِلْمُوَحِّدِينَ وما دَرَوْا أنَّهُ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ لِأنَّهُ تَعالى لا يَشاءُ إلّا ما يَعْلَمُ ولا يَعْلَمُ إلّا ما عَلَيْهِ الشَّيْءُ في نَفْسِهِ فَلَوْلا أنَّهم في نَفْسِ الأمْرِ مُشْرِكُونَ ما شاءَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ ﴿فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ هم أهْلُ القُرْآنِ المُتَخَلِّقُونَ بِأخْلاقِهِ القائِمُونَ بِأمْرِهِ ونَهْيِهِ الواقِفُونَ عَلى ما أوْدَعَ فِيهِ مِنَ الأسْرارِ والغُيُوبِ وقَلِيلٌ ما هم فالمُرادُ بِالذِّكْرِ القُرْآنُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْزَلْنا إلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إلَيْهِمْ ولَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾ .

وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يُظْهِرْ مَكْنُوناتِ أسْرارِ كِتابِهِ إلّا لِنَبِيِّهِ ﷺ فَهو عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الأمِينُ المُؤْتَمَنُ عَلى الأسْرارِ. وقَدْ أشارَ سُبْحانُهُ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِتَبْيِينِ ذَلِكَ وقَدْ فَعَلَ ولَكِنْ عَلى حَسَبِ القابِلِيّاتِ- لا تَمْنَعُوا الحِكْمَةَ عَنْ أهْلِها فَتَظْلِمُوهم ولا تَمْنَحُوها غَيْرَ أهْلِها فَتَظْلِمُوها- ولا تُودَعُ الأسْرارُ إلّا عِنْدَ الأحْرارِ. وذَلِكَ لِأنَّها أمانَةٌ وإذا أُودِعَتْ عِنْدَ غَيْرِهِمْ لَمْ يُؤْمَن عَلَيْها مِنَ الخِيانَةِ. وخِيانَتُها إفْشاؤُها وإفْشاؤُها خَطَرٌ عَظِيمٌ. ولِذا قِيلَ:

مَن شاوَرُوهُ فَأبْدى السِّرَّ مُشْتَهِرًا لَمْ يَأْمَنُوهُ عَلى الأسْرارِ ما عاشا

وجانَبُوهُ فَلَمْ يَسْعَدْ بِقُرْبِهِمْ ∗∗∗ وأبْدَلُوهُ مَكانَ الأُنْسِ إيحاشا

لا يَصْطَفُّونَ مُذِيعًا بَعْضَ سِرِّهِمْ ∗∗∗ حاشا وِدادِهِمْ مِن ذاكم حاشا

﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ﴾ أيْ ذاتٍ وحَقِيقَةٍ مَخْلُوقَةٍ أيَّةَ ذاتٍ كانَتْ ﴿يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ﴾ قِيلَ: أيْ يَتَمَثَّلُ صُوَرُهُ ومَظاهِرُهُ ﴿عَنِ اليَمِينِ﴾ جِهَةَ الخَيْرِ ﴿والشَّمائِلِ﴾ جِهاتَ الشُّرُورِ، ولَمّا كانَتْ جِهَةُ اليَمِينِ إشارَةً إلى جِهَةِ الخَيْرِ الَّذِي لا يُنْسَبُ إلّا إلَيْهِ تَعالى وحَّدَ اليَمِينَ ولَمّا كانَتْ جِهَةُ الشِّمالِ إشارَةً إلى جِهَةِ الشَّرِّ الَّذِي لا يَنْبَغِي أنْ يُنْسَبَ إلَيْهِ تَعالى كَما يُرْشِدُ إلَيْهِ قَوْلُهُ: والشَّرُّ لَيْسَ إلَيْكَ ولَكِنْ يُنْسَبُ إلى غَيْرِهِ سُبْحانَهُ وكانَ في الغَيْرِ تَعَدُّدٌ ظاهِرٌ جَمْعَ الشِّمالِ. وقِيلَ في وجْهِ الإفْرادِ والجَمْعِ: إنَّ جَمِيعَ المَوْجُوداتِ تَشْتَرِكُ في نَوْعٍ مِنَ الخَيْرِ لا تَكادُ تَفِيءُ عَنْهُ وهو العِشْقُ فَقَدْ بَرْهَنَ ابْنُ سِينا عَلى سَرَيانِ قُوَّةِ العِشْقِ في كُلِّ واحِدٍ مِنَ الهُوِيّاتِ ولا تَكادُ تَشْتَرِكُ في شَرِّ كَذَلِكَ فَما تَفِيءُ عَنْهُ مِنَ الشَّرِّ لا يَكُونُ إلّا مُتَعَدِّدًا فَلِذا جَمَعَ الشِّمالَ ولا كَذَلِكَ ما تَفِيءُ عَنْهُ مِنَ الخَيْرِ فَلِذا أفْرَدَ اليَمِينَ فَلْيُتَأمَّلْ ﴿ولِلَّهِ يَسْجُدُ﴾ يَنْقادُ ما ﴿فِي السَّماواتِ وما في الأرْضِ مِن دابَّةٍ﴾ أيْ مَوْجُودٍ يَدِبُّ ويَتَحَرَّكُ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ ﴿والمَلائِكَةُ وهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ لا يَمْتَنِعُونَ عَنِ الِانْقِيادِ والتَّذَلُّلِ لِأمْرِهِ ﴿يَخافُونَ رَبَّهم مِن فَوْقِهِمْ﴾ لِأنَّهُ القاهِرُ المُؤَثِّرُ فِيهِمْ ﴿ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ طَوْعًا وانْقِيادًا، واللَّهُ تَعالى الهادِي سَواءَ السَّبِيلِ.

16:51Page 272

۞ وَقَالَ ٱللَّهُ لَا تَتَّخِذُوٓاْ إِلَٰهَيۡنِ ٱثۡنَيۡنِۖ إِنَّمَا هُوَ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞ فَإِيَّٰيَ فَٱرۡهَبُونِ ٥١

And Allāh has said, "Do not take for yourselves two1 deities. He [i.e., Allāh] is but one God, so fear only Me."

ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَعْدَ ما بَيَّنَ أنَّ جَمِيعَ المَوْجُوداتِ، خاضِعَةٌ مُنْقادَةٌ لَهُ تَعالى أرْدَفَ ذَلِكَ بِحِكايَةِ نَهْيِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى لِلْمُكَلَّفِينَ عَنِ الإشْراكِ فَقالَ عَزَّ قائِلًا: ﴿وقالَ اللَّهُ﴾ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولِلَّهِ يَسْجُدُ﴾ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى ﴿وأنْزَلْنا إلَيْكَ الذِّكْرَ﴾ وقِيلَ: إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ما ( خَلَقَ اللَّهُ ) عَلى أُسْلُوبِ:

عَلَفْتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا

أيْ أوَ لَمْ يَرَوْا إلى ما خَلَقَ اللَّهُ ولَمْ يَسْمَعُوا إلى ما قالَ اللَّهُ ولا يَخْفى تَكَلُّفُهُ، وإظْهارُ الفاعِلِ وتَخْصِيصُ لَفْظَةِ الجَلالَةِ بِالذِّكْرِ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ تَعالى مُتَعَيِّنُ الأُلُوهِيَّةِ وإنَّما المَنهِيُّ عَنْهُ هو الإشْراكُ بِهِ لا أنَّ المَنهِيَّ عَنْهُ هو مُطْلَقُ اتِّخاذِ الهَيِّنِ بِحَيْثُ يَتَحَقَّقُ الِانْتِهاءُ عَنْهُ بِرَفْضِ أيِّهِما كانَ، ولَمْ يُذْكَرِ المَقُولُ لَهم لِلْعُمُومِ أيْ

صفحة 162

قالَ تَعالى لِجَمِيعِ المُكَلَّفِينَ بِواسِطَةِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ: ﴿لا تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ المَشْهُورُ أنَّ (اثْنَيْنِ) وصْفٌ لِإلَهَيْنِ وكَذا «واحِدٌ» في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

﴿إنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ﴾ صِفَةٌ لِـ إلَهٌ، وجِيءَ بِهِما لِلْإيضاحِ والتَّفْسِيرِ لا لِلتَّأْكِيدِ وإنْ حَصَلَ. وتَقْرِيرُ ذَلِكَ أنَّ لَفْظَ «إلَهَيْنِ» حامِلٌ لِمَعْنى الجِنْسِيَّةِ أعْنِي الإلَهِيَّةَ ومَعْنى العَدَدِ أعْنِي الِاثْنَيْنِيَّةَ وكَذا لَفْظُ «إلَهٌ» حامِلٌ لِمَعْنى الجِنْسِيَّةِ والوَحْدَةِ، والغَرَضُ المَسُوقُ لَهُ الكَلامُ في الأوَّلِ النَّهْيُ عَنِ اتِّخاذِ الِاثْنَيْنِ مِنَ الإلَهِ لا عَنِ اتِّخاذِ جِنْسِ الإلَهِ، وفي الثّانِي إثْباتُ الواحِدِ مِنَ الإلَهِ لا إثْباتُ جِنْسِهِ فَوَصَفَ «إلَهَيْنِ» بِاثْنَيْنِ «وإلَهٌ» بِواحِدٍ إيضاحًا لِهَذا الغَرَضِ وتَفْسِيرًا لَهُ، فَإنَّهُ قَدْ يُرادُ بِالمُفْرَدِ الجِنْسُ نَحْوَ نِعْمَ الرَّجُلُ زَيْدٌ. وكَذا المُثَنّى كَقَوْلِهِ:

فَإنَّ النّارَ بِالعُودَيْنِ تُذْكى وإنَّ الحَرْبَ

أوَّلُها الكَلامُ وإلى هَذا ذَهَبَ صاحِبُ الكَشّافِ، وما يُفْهَمُ مِنهُ أنَّهُ تَأْكِيدٌ فَمَعْناهُ أنَّهُ مُحَقَّقٌ ومُقَرَّرٌ مِنَ المَتْبُوعِ فَهو تَأْكِيدٌ لُغَوِيٌّ لا أنَّهُ مُؤَكِّدُ أمْرِ المَتْبُوعِ في النِّسْبَةِ أوِ الشُّمُولِ لِيَكُونَ تَأْكِيدًا صِناعِيًّا كَيْفَ وهو إنَّما يَكُونُ بِتَقْرِيرِ المَتْبُوعِ بِنَفْسِهِ أوْ بِما يُوافِقُهُ مَعْنًى أوْ بِألْفاظٍ مَحْفُوظَةٍ، فَما قِيلَ: إنَّ مَذْهَبَهُ أنَّ ذَلِكَ مِنَ التَّأْكِيدِ الصِّناعِيِّ لَيْسَ بِشَيْءٍ إذْ لا دَلالَةَ في كَلامِهِ عَلَيْهِ. وقَدْ أوْرَدَ السَّكّاكِيُّ الآيَةَ في بابِ عَطْفِ البَيانِ مُصَرِّحًا بِأنَّهُ مِن هَذا القَبِيلِ فَتَوَهَّمَ مِنهُ بَعْضُهم أنَّهُ قائِلٌ بِأنَّ ذَلِكَ عَطْفُ بَيانٍ صِناعِيٌّ، وهو الَّذِي اخْتارَهُ العَلّامَةُ القُطْبُ في شَرْحِ المِفْتاحِ نافِيًا كَوْنَهُ وصْفًا، واسْتَدَلَّ عَلى ذَلِكَ بِأنَّ مَعْنى قَوْلِهِمُ: الصِّفَةُ تابِعٌ يَدُلُّ عَلى مَعْنًى في مَتْبُوعِهِ أنَّهُ تابِعٌ ذُكِرَ لِيَدُلَّ عَلى مَعْنًى في مَتْبُوعِهِ عَلى ما نُقِلَ عَنِ ابْنِ الحاجِبِ، ولَمْ يُذْكَرْ (اثْنَيْنِ وواحِدٌ) لِلدَّلالَةِ عَلى الِاثْنَيْنِيَّةِ والوَحْدَةِ اللَّتَيْنِ في مَتْبُوعِهِما فَيَكُونا وصْفَيْنِ بَلْ ذُكِرا لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ القَصْدَ مِن مَتْبُوعِهِما إلى أحَدِ جُزْئَيْهِ أعْنِي الِاثْنَيْنِيَّةَ والوَحْدَةَ دُونَ الجُزْءِ الآخَرِ أعْنِي الجِنْسِيَّةَ، فَكُلٌّ مِنهُما تابِعٌ غَيْرُ صِفَةٍ يُوَضِّحُ مَتْبُوعَهُ فَيَكُونُ عَطْفَ بَيانٍ لا صِفَةً.

وقالَ العَلّامَةُ الثّانِي: لَيْسَ في كَلامِ السَّكّاكِيِّ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَطْفُ بَيانٍ صِناعِيٌّ لِجَوازِ أنْ يُرِيدَ أنَّهُ مِن قَبِيلِ الإيضاحِ والتَّفْسِيرِ وإنْ كانَ وصْفًا صِناعِيًّا، ويَكُونُ إيرادُهُ في ذَلِكَ المَبْحَثِ مِثْلَ إيرادِ كُلِّ رَجُلٍ عارِفٍ وكُلِّ إنْسانٍ حَيَوانٍ في بَحْثِ التَّأْكِيدِ ومِثْلُ ذَلِكَ عادَةً لَهُ. وتَعَقَّبَ العَلّامَةُ الأوَّلَ بِأنَّهُ إنْ أُرِيدَ أنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ إلّا لِيَدُلَّ عَلى مَعْنًى في مَتْبُوعِهِ فَلا يُصَدَّقُ التَّعْرِيفُ عَلى شَيْءٍ مِنَ الصِّفَةِ لِأنَّها البَتَّةَ تَكُونُ لِتَخْصِيصٍ أوْ تَأْكِيدٍ أوْ مَدْحٍ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ وإنْ أُرِيدَ أنَّهُ ذُكِرَ لِيَدُلَّ عَلى هَذا المَعْنى ويَكُونَ الغَرَضُ مِن دَلالَتِهِ عَلَيْهِ شَيْئًا آخَرَ كالتَّخْصِيصِ والتَّأْكِيدِ وغَيْرِهِما فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذِكْرُ اثْنَيْنِ (اثْنَيْنِ وواحِدٌ) لِلدَّلالَةِ عَلى الِاثْنَيْنِيَّةِ والوَحْدَةِ ويَكُونُ الغَرَضُ مِن هَذا بَيانَ المَقْصُودِ وتَفْسِيرَهُ، كَما أنَّ الدّابِرَ في أمْسِ الدّابِرِ ذُكِرَ لِيَدُلَّ عَلى مَعْنى الدُّبُورِ والغَرَضُ مِنهُ التَّأْكِيدُ بَلِ الأمْرُ كَذَلِكَ عِنْدَ التَّحْقِيقِ، ألا تَرى أنَّ السَّكّاكِيَّ جَعَلَ مِنَ الوَصْفِ ما هو كاشِفٌ ومُوَضِّحٌ ولَمْ يَخْرُجْ بِهَذا عَنِ الوَصْفِيَّةِ. وأُجِيبُ بِأنّا نَخْتارُ الشِّقَّ الثّانِيَ ونَقُولَ: مُرادُ العَلّامَةِ مِن قَوْلِهِ: ذُكِرَ لِيَدُلَّ عَلى مَعْنًى في مَتْبُوعِهِ أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ مِن ذِكْرِ الدَّلالَةِ عَلى حُصُولِ المَعْنى في المَتْبُوعِ لِيَتَوَسَّلَ بِذَلِكَ إلى التَّخْصِيصِ أوِ التَّوْضِيحِ أوِ المَدْحِ أوِ الذَّمِّ إلى غَيْرِ ذَلِكَ وذِكْرُ (اثْنَيْنِ وواحِدٌ) لَيْسَ لِلدَّلالَةِ عَلى حُصُولِ الِاثْنَيْنِيَّةِ والوَحْدَةِ في مَوْصُوفَيْهِما بَلْ تَعْيِينُ المَقْصُودِ مَنَّ جُزْئَيْهِما فَلا يَكُونانِ صِفَةً، وذُكِرُ الدّابِرُ لِيَدُلَّ عَلى حُصُولِ الدُّبُورِ في الأمْسِ ثُمَّ يَتَوَسَّلُ بِذَلِكَ إلى التَّأْكِيدِ وكَذا في الوَصْفِ الكاشِفِ بِخِلافِ ما نَحْنُ فِيهِ فَتَدَبَّرْهُ

صفحة 163

فَإنَّهُ غامِضٌ، ولَمْ يُجَوِّزِ العَلّامَةُ الأوَّلُ البَدَلِيَّةَ فَقالَ: وأمّا أنَّهُ لَيْسَ بِبَدَلٍ فَظاهِرٌ لِأنَّهُ لا يَقُومُ مَقامَ المُبْدَلِ مِنهُ.

ونَظَرَ فِيهِ العَلّامَةُ الثّانِي بِأنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ البَدَلَ يَجِبُ صِحَّةُ قِيامِهِ مَقامَ المُبْدَلِ مِنهُ فَقَدْ جَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ «الجِنَّ» في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الجِنَّ﴾ [الأنْعامِ: 100] بَدَلًا مِن (شُرَكاءَ) ومَعْلُومٌ أنَّهُ لا مَعْنى لِقَوْلِنا وجَعَلُوا لِلَّهِ الجِنَّ. ثُمَّ قالَ: بَلْ لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: الأوْلى أنَّهُ بَدَلٌ لِأنَّهُ المَقْصُودُ بِالنِّسْبَةِ إذِ النَّهْيُ عَنِ اتِّخاذِ الِاثْنَيْنِ مِنَ الإلَهِ عَلى ما مَرَّ تَقْرِيرُهُ. وتُعُقِّبَ بِأنَّ الرَّضِيَّ قَدْ ذَكَرَ أنَّهُ لَمّا لَمْ يَكُنِ البَدَلُ مَعْنًى في المَتْبُوعِ حَتّى يَحْتاجَ إلى المَتْبُوعِ كَما احْتاجَ الوَصْفُ ولَمْ يُفْهَمْ مَعْناهُ مِنَ المَتْبُوعِ كَما فُهِمَ ذَلِكَ في التَّأْكِيدِ جازَ اعْتِبارُهُ مُسْتَقِلًّا لَفْظًا أيْ صالِحًا لِأنْ يَقُومَ مَقامَ المَتْبُوعِ اهـ.

ولا يَخْفى أنَّ صِحَّةَ إقامَتِهِ بِهَذا المَعْنى لا تَقْتَضِي أنْ يَتِمَّ مَعْنى الكَلامِ بِدُونِهِ حَتّى يَرُدَّ ما أوْرَدَ وقِيلَ: إنَّ ذِكْرَ «اثْنَيْنِ» لِلدَّلالَةِ عَلى مُنافاةِ الِاثْنَيْنِيَّةِ لِلْأُلُوهِيَّةِ وذِكْرُ الوَحْدَةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّها مِن لَوازِمِ الأُلُوهِيَّةِ.

وجَعَلَ ذَلِكَ بَعْضُهم مِن رَوادِفِ الدَّلالَةِ عَلى كَوْنِ ما ذُكِرَ مَساقَ النَّهْيِ والإثْباتِ وهو الظّاهِرُ وإنْ قِيلَ فِيهِ ما قِيلَ. وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ (تَتَّخِذُوا) مُتَعَدٍّ إلى مَفْعُولَيْنِ وأنَّ (اثْنَيْنِ) مَفْعُولُهُ الأوَّلُ (وإلَهَيْنِ) مَفْعُولُهُ الثّانِي والتَّقْدِيرُ لا تَتَّخِذُوا اثْنَيْنِ إلَهَيْنِ، وقِيلَ: الأوَّلُ مَفْعُولٌ أوَّلُ والثّانِي ثانٍ، وقِيلَ (إلَهَيْنِ) مَفْعُولُهُ الأوَّلُ. (واثْنَيْنِ) باقٍ عَلى الوَصْفِيَّةِ والتَّوْكِيدِ والمَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفٌ أيْ مَعْبُودَيْنِ، ولا يَخْفى ما في ذَلِكَ، وإثْباتُ الوَحْدَةِ لَهُ تَعالى مَعَ أنَّ المُسَمّى المُعَيَّنَ لا يَتَعَدَّدُ بِمَعْنى أنَّهُ لا مُشارِكَ لَهُ في صِفاتِهِ وأُلُوهِيَّتِهِ فَلَيْسَ الحَمْلُ لَغْوًا، ولا حاجَةَ لِجَعْلِ الضَّمِيرِ لِلْمَعْبُودِ بِحَقِّ المَفْهُومِ مِنَ الجَلالَةِ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِخْدامِ كَما قِيلَ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَحْقِيقُهُ في سُورَةِ الإخْلاصِ. وفي التَّعْبِيرِ بِالضَّمِيرِ المَوْضُوعِ لِلْغائِبِ التِفاتٌ مِنَ التَّكَلُّمِ إلى الغَيْبَةِ عَلى رَأْيٍ السَّكّاكِيِّ المُكْتَفِي بِكَوْنِ الأُسْلُوبِ المُلْتَفَتِ عَنْهُ حَقُّ الكَلامِ وإنْ لَمْ يَسْبِقِ الذِّكْرُ عَلى ذَلِكَ الوَجْهِ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإيّايَ فارْهَبُونِ﴾ فَفِيهِ التِفاتٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى التَّكَلُّمِ عَلى مَذْهَبِ الجُمْهُورِ أيْضًا، والنُّكْتَةُ فِيهِ بَعْدَ النُّكْتَةِ العامَّةِ أعْنِي الإيقاظَ وتَطْرِيَةَ الإصْغاءِ المُبالَغَةُ في التَّخْوِيفِ والتَّرْهِيبِ فَإنَّ تَخْوِيفَ الحاضِرِ مُواجَهَةٌ أبْلَغُ مِن تَخْوِيفِ الغائِبِ سِيَّما بَعْدَ وصْفِهِ بِالوَحْدَةِ والأُلُوهِيَّةِ المُقْتَضِيَةِ لِلْعَظَمَةِ والقُدْرَةِ التّامَّةِ عَلى الِانْتِقامِ.

والفاءُ في (فَإيّايَ) واقِعَةٌ في جَوابِ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ و«إيّايَ» مَفْعُولٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُقَدَّرُ مُؤَخَّرًا يَدُلُّ عَلَيْهِ (فارْهَبُونِ) أيْ إنْ رَهِبْتُمْ شَيْئًا فَإيّايَ ارْهَبُوا، وقَوْلُ ابْنِ عَطِيَّةَ: إنَّ «إيّايَ» مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ فارْهَبُوا إيّايَ فارْهَبُونِ ذُهُولٌ عَنِ القاعِدَةِ النَّحْوِيَّةِ، وهي أنَّهُ إذا كانَ المَعْمُولُ ضَمِيرًا مُنْفَصِلًا والفِعْلُ مُتَعَدٍّ إلى واحِدٍ هو الضَّمِيرُ وجَبَ تَأخُّرُ الفِعْلِ نَحْوَ ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتِحَةِ: 5] ولا يَجُوزُ أنْ يَتَقَدَّمَ إلّا في ضَرُورَةٍ نَحْوَ قَوْلِهِ:

إلَيْكَ حَتّى بَلَغْتُ إيّاكا وعَطْفُ المُفَسَّرِ المَذْكُورِ عَلى المُفَسَّرِ المَحْذُوفِ بِالفاءِ لِأنَّ المُرادَ رَهْبَةٌ بَعْدَ رَهْبَةٍ، وقِيلَ: لِأنَّ المُفَسَّرَ حَقُّهُ أنْ يُذْكَرَ بَعْدَ المُفَسِّرِ، ولا يَخْفى فَصْلُ الضَّمِيرِ وتَقْدِيمُهُ مِنَ الحَصْرِ أيِ ارْهَبُونِي لا غَيْرَ فَأنا ذَلِكَ الإلَهُ الواحِدُ القادِرُ عَلى الِانْتِقامِ

16:52Page 272

وَلَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلَهُ ٱلدِّينُ وَاصِبًاۚ أَفَغَيۡرَ ٱللَّهِ تَتَّقُونَ ٥٢

And to Him belongs whatever is in the heavens and the earth, and to Him is [due] worship constantly. Then is it other than Allāh that you fear?

﴿ولَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ﴾ أوْ عَلى الخَبَرِ أوْ مُسْتَأْنِفٌ جِيءَ بِهِ تَقْرِيرًا لِعِلَّةِ انْقِيادِ ما فِيهِما لَهُ سُبْحانَهُ خاصَّةً وتَحْقِيقًا لِتَخْصِيصِ الرَّهْبَةِ بِهِ تَعالى، وتَقَدَّمَ الظَّرْفُ لِتَقْوِيَةِ ما في اللّامِ مِن مَعْنى التَّخْصِيصِ، وكَذا يُقالُ فِيما بَعْدُ أيْ لَهُ تَعالى وحْدَهُ ما في السَّمَواتِ والأرْضِ خَلْقًا ومُلْكًا ﴿ولَهُ﴾ وحْدَهُ ﴿الدِّينُ﴾ أيِ الطّاعَةُ والِانْقِيادُ كَما هو أحَدُ مَعانِيهِ. ونُقِلَ عَنِ ابْنِ عَطِيَّةَ وغَيْرِهِ ﴿واصِبًا﴾ أيْ واجِبًا لازِمًا لا زَوالَ لَهُ لِما تَقَرَّرَ أنَّهُ سُبْحانَهُ الإلَهُ

صفحة 164

وحْدَهُ الحَقِيقُ بِأنْ يُرْهَبَ، وتَفْسِيرُ ﴿واصِبًا﴾ بِما ذُكِرَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ وعِكْرِمَةَ ومُجاهِدٍ والضَّحّاكِ وجَماعَةٍ وأنْشَدُوا لِأبِي الأسْوَدِ الدُّؤَلِيِّ:

لا أبْتَغِي الحَمْدَ القَلِيلَ بَقاؤُهُ يَوْمًا بِذَمِّ الدَّهْرِ أجْمَعُ واصِبًا

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: هو مِنَ الوَصَبِ بِمَعْنى التَّعَبِ أوْ شِدَّتِهِ، وفاعِلٌ لِلنَّسَبِ كَما في قَوْلِهِ:

وأضْحى فُؤادِي بِهِ فاتِنًا أيْ ذا وصَبٍ وكَلَفَةٍ، ومِن هُنا سُمِّيَ الدِّينُ تَكْلِيفًا، وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: ﴿واصِبًا﴾ خالِصًا، ونُقِلَ ذَلِكَ أيْضًا عَنِ الفَرّاءِ، وقِيلَ: الدِّينُ المُلْكُ والواصِبُ الدّائِمُ، ويُبْعِدُ ذَلِكَ قَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ الصَّلْتِ:

ولَهُ الدِّينُ واصِبًا ولَهُ المُ ∗∗∗ لْكُ وحَمْدٌ لَهُ عَلى كُلِّ حالِ

وقِيلَ: الدِّينُ الجَزاءُ والواصِبُ كَما في سابِقِهِ أيْ لَهُ تَعالى الجَزاءُ دائِمًا لا يَنْقَطِعُ ثَوابُهُ لِلْمُطِيعِ وعِقابُهُ لِلْعاصِي، وأيًّا ما كانَ فَنَصَبَ ﴿واصِبًا﴾ عَلى أنَّهُ حالٌ مِن ضَمِيرِ ( الدِّينُ ) المُسْتَكِنِّ في الظَّرْفِ والظَّرْفُ عامِلٌ فِيهِ أوْ حالٌ مِنَ ( الدِّينُ ) والظَّرْفُ هو العامِلُ عَلى رَأْيِ مَن يَرى جَوازَ اخْتِلافِ العامِلِ في الحالِ والعامِلِ في صاحِبِها. واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ أفْعالَ العِبادِ مَخْلُوقَةٌ لَهُ تَعالى ﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ﴾ الهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والفاءُ لِلتَّعْقِيبِ أيْ أبْعَدَ ما تَقَرَّرَ مِن تَخْصِيصِ جَمِيعِ المَوْجُوداتِ لِلسُّجُودِ بِهِ تَعالى وكَوْنُ ذَلِكَ كُلِّهِ لَهُ سُبْحانَهُ ونَهْيُهُ عَنِ اتِّخاذِ الإلَهَيْنِ وكَوْنُ الدِّينِ لَهُ واصِبًا المُسْتَدْعِي ذَلِكَ لِتَخْصِيصِ التَّقْوى بِهِ تَعالى تَتَّقُونَ غَيْرَهُ، والمُنْكَرُ تَقْوى غَيْرِ اللَّهِ تَعالى لا مُطْلَقُ التَّقْوى ولِذا قَدَّمَ الغَيْرَ، وأُولى الهَمْزَةِ لا لِلِاخْتِصاصِ حَتّى يَرِدَ أنَّ إنْكارَ تَخْصِيصِ التَّقْوى بِغَيْرِهِ سُبْحانَهُ لا يُنافِي جَوازَها، وقِيلَ: يَصِحُّ أنْ يُعْتَبَرَ الِاخْتِصاصُ بِالإنْكارِ فَيَكُونُ التَّقْدِيمُ لِاخْتِصاصِ الإنْكارِ لا لِإنْكارِ الِاخْتِصاصِ. وفي البَحْرِ أنَّ هَذا الِاسْتِفْهامَ يَتَضَمَّنُ التَّوْبِيخَ والتَّعَجُّبَ أيْ بَعْدَ ما عَرَفْتُمْ مِن وحْدانِيَّتِهِ سُبْحانَهُ وأنَّ ما سِواهُ لَهُ ومُحْتاجٌ إلَيْهِ كَيْفَ تَتَّقُونَ وتَخافُونَ غَيْرَهُ

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском