Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
An-Nahl 16:60–65
16:60Page 273
لِلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ مَثَلُ ٱلسَّوۡءِۖ وَلِلَّهِ ٱلۡمَثَلُ ٱلۡأَعۡلَىٰۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٦٠
For those who do not believe in the Hereafter is the description [i.e., an attribute] of evil;1 and for Allāh is the highest attribute. And He is Exalted in Might, the Wise.
﴿لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ مِمَّنْ ذُكِرَتْ قَبائِحُهم ﴿مَثَلُ السَّوْءِ﴾ صِفَةُ السَّوْءِ الَّتِي هي كالمَثَلِ في القُبْحِ وهي الحاجَةُ إلى الوَلَدِ لِيَقُومَ مَقامَهم بَعْدَ مَوْتِهِمْ ويَبْقى بِهِ ذِكْرُهُمْ، وإيثارُ الذُّكُورِ لِلِاسْتِظْهارِ، ووَأْدُ البَناتِ لِدَفْعِ العارِ أوْ خَشْيَةِ الإمْلاقِ عَلى حَسَبِ اخْتِلافِ أغْراضِ الوائِدِينَ المُنادِي كُلُّ واحِدٍ مِن ذَلِكَ بِالعَجْزِ والقُصُورِ والشُّحِّ البالِغِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿مَثَلُ السَّوْءِ﴾ النّارُ، وأظُنُّهُ لا يَصِحُّ عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، ومِنهُ ابْنُ عَطِيَّةَ حَمَلَ المَثَلَ عَلى الصِّفَةِ وقالَ: إنَّهُ لا يُضْطَرُّ إلَيْهِ لِأنَّهُ خُرُوجٌ عَنِ اللَّفْظِ بَلْ هو عَلى بابِهِ، وذَلِكَ أنَّهم قالُوا: إنَّ البَناتِ لِلَّهِ سُبْحانَهُ فَقَدْ جَعَلُوا لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ مَثَلًا فَإنَّ البَناتِ مِنَ البَشَرِ وكَثْرَةُ البَناتِ أمْرٌ مَكْرُوهٌ عِنْدَهم ذَمِيمٌ فَهو المَثَلُ السُّوءُ الَّذِي أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى بِأنَّهُ لَهُمْ، ولَيْسَ في البَناتِ فَقَطْ بَلْ لَمّا جَعَلُوا لَهُ تَعالى البَناتِ جَعَلَهُ هو سُبْحانَهُ لَهم عَلى الإطْلاقِ في كُلِّ سَوْءٍ ولا غايَةَ أبْعَدُ مِن عَذابِ النّارِ اه، وهو أشْبَهُ عِنْدِي بِالرَّطانَةِ كَما لا يَخْفى ووَضْعُ المَوْصُولِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلْإشْعارِ بِأنَّ مَدارَ اتِّصافِهِمْ بِتِلْكَ القَبائِحِ هو الكُفْرُ بِالآخِرَةِ
﴿ولِلَّهِ المَثَلُ الأعْلى﴾ أيِ الصِّفَةُ العَجِيبَةُ الشَّأْنِ الَّتِي هي مَثَلٌ في العُلُوِّ مُطْلَقًا وهو الوُجُوبُ الذّاتِيُّ والغِنى المُطْلَقُ والجُودُ الواسِعُ والنَّزاهَةُ عَنْ صِفاتِ المَخْلُوقِينَ ويَدْخُلُ فِيهِ عُلُوُّهُ تَعالى عَمّا يَقُولُ عُلُوًّا كَبِيرًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنْ قَتادَةَ أنَّ المَثَلَ الأعْلى شَهادَةٌ عَلى لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وهو رِوايَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والَّذِي أخْرَجَهُ عَنْهُ البَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ وغَيْرُهُ هو ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ﴿وهُوَ العَزِيزُ﴾ المُنْفَرِدُ بِكَمالِ القُدْرَةِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ ومِن ذَلِكَ مُؤاخَذَتُهم بِقَبائِحِهِمْ، وقِيلَ: هو الَّذِي لا يُوجَدُ لَهُ نَظِيرٌ ﴿الحَكِيمُ﴾ الَّذِي يَفْعَلُ كُلَّ ما يَفْعَلُ بِمُقْتَضى الحِكْمَةِ البالِغَةِ.
16:61Page 273
وَلَوۡ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِظُلۡمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيۡهَا مِن دَآبَّةٖ وَلَٰكِن يُؤَخِّرُهُمۡ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗىۖ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمۡ لَا يَسۡتَـٔۡخِرُونَ سَاعَةٗ وَلَا يَسۡتَقۡدِمُونَ ٦١
And if Allāh were to impose blame on the people for their wrongdoing, He would not have left upon it [i.e., the earth] any creature, but He defers them for a specified term. And when their term has come, they will not remain behind an hour, nor will they precede [it].
﴿ولَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ﴾ الظّالِمِينَ مُطْلَقًا، وقِيلَ: بِالكُفْرِ والمُؤاخَذَةُ مُفاعَلَةٌ مِن فاعِلٍ بِمَعْنى فَعَلَ وهو الظّاهِرُ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هي مَجازٌ كَأنَّ العَبْدَ يَأْخُذُ حَقَّ اللَّهِ تَعالى بِمَعْصِيَتِهِ واللَّهُ تَعالى يَأْخُذُ مِنهُ بِعاقِبَتِهِ وكَذا الحالُ في مُؤاخَذَةِ الخَلْقِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا ﴿بِظُلْمِهِمْ﴾ أيْ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ ومَعاصِيهِمْ بِناءً عَلى أنَّ الظُّلْمَ فِعْلُ ما لا يَنْبَغِي ووَضْعُهُ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ وقَدْ يُخَصُّ بِالكُفْرِ والتَّعَدِّي عَلى الغَيْرِ ويَدْخُلُ فِيهِ ما عُدَّ مِنَ القَبائِحِ، وهَذا تَصْرِيحٌ بِما أفادَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ وإيذانٌ بِأنَّ ما أتاهُ هَؤُلاءِ الكَفَرَةُ مِنَ القَبائِحِ قَدْ تَناهى إلى أمَدٍ لا غايَةَ وراءَهُ ﴿ما تَرَكَ عَلَيْها﴾ أيْ عَلى الأرْضِ المَدْلُولِ عَلَيْها بِالنّاسِ وبِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن دابَّةٍ﴾ بِناءً عَلى شُهْرَةِ كَوْنِ الدَّبِيبِ في الأرْضِ أيْ ما تَرَكَ عَلَيْها شَيْئًا مِنَ الدَّوابِّ أصْلًا بَلْ أهْلَكَها بِالمَرَّةِ، أمّا الظّالِمُ فَبِظُلْمِهِ وأمّا غَيْرُهُ فَبِشُؤْمِ ذَلِكَ فَقَدْ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ).﴾ ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً﴾ وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ وغَيْرُهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: إنَّ الظّالِمَ لا يَضُرُّ إلّا نَفْسَهُ فَقالَ: بَلى واللَّهِ إنَّ الحُبارى لَتَمُوتُ هَزْلًا
صفحة 171
فِي وكْرِها مِن ظُلْمِ الظّالِمِ، وأخْرَجَ أيْضًا هو فِيهِ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: كادَ الجَعْلُ أنْ يُعَذَّبَ في جُحْرِهِ بِذَنْبِ ابْنِ آدَمَ ثُمَّ قَرَأ الآيَةَ، وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ذُنُوبُ ابْنِ آدَمَ قَتَلَتِ الجَعْلَ في جُحْرِهِ ثُمَّ قالَ: إي واللَّهِ زَمَنَ غَرَقِ قَوْمِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: المُرادُ مِن دابَّةٍ ظالِمَةٍ عَلى أنَّ التَّنْوِينَ لِلنَّوْعِ وهو مَخْصُوصٌ بِالكُفّارِ والعُصاةِ مِنَ الإنْسِ، وقِيلَ: مِنهم ومِنَ الجِنِّ، وقِيلَ: المُرادُ الدّابَّةُ الظّالِمَةُ الفاعِلَةُ لِما لا يَنْبَغِي شَرْعًا أوْ عُرْفًا فَيَدْخُلُ بَعْضُ الدَّوابِّ إذا ضَرَّ غَيْرَهُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ مِنهُمُ ابْنُ عَبّاسٍ: المُرادُ بِالدّابَّةِ المُشْرِكُ فَقَدْ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وقالَ الجَبائِيُّ: الدّابَّةُ عَلى عُمُومِها فَتَشْمَلُ سائِرَ الحَيَواناتِ، والمُرادُ بِالنّاسِ الظّالِمُونَ مُطْلَقًا ووَجْهُ المُلازَمَةِ أنَّهُ تَعالى لَوْ آخَذَهم بِما كَسَبُوا مِن كُفْرٍ أوْ مَعْصِيَةٍ لَعَجَّلَ هَلاكَهم وحِينَئِذٍ لا يَبْقى لَهم نَسْلٌ، ومِنَ المَعْلُومِ أنْ لا أحَدَ إلّا وفي آبائِهِ مَن يَسْتَحِقُّ العِقابَ وإذا هَلَكُوا جَمِيعًا وبَطَلَ نَسْلُهم لا يَبْقى أحَدٌ مِنَ النّاسِ وحِينَئِذٍ يَهْلَكُ الدَّوابُّ لِأنَّها مَخْلُوقَةٌ لِمَنافِعِ العِبادِ ومَصالِحِهِمْ كَما يُشْعِرُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ وبِتَخْصِيصِ النّاسِ يَسْقُطُ الِاسْتِدْلالُ بِالآيَةِ عَلى عَدَمِ عِصْمَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: لا حاجَةَ إلى التَّخْصِيصِ في ذَلِكَ والآيَةُ مِن بابِ بَنُو تَمِيمٍ قَتَلُوا قَتِيلًا لِتَظافُرِ الأدِلَّةِ والنُّصُوصِ عَلى عِصْمَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. فَلا يُقالُ: الأصْلُ الحَمْلُ عَلى الحَقِيقَةِ.
واسْتَدَلَّ بَعْضُهم لِلتَّخْصِيصِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِن عِبادِنا فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ومِنهم مُقْتَصِدٌ ومِنهم سابِقٌ بِالخَيْراتِ﴾ وإلّا يَفْسَدُ التَّقْسِيمُ، وقَدْ يُقالُ: إنَّهُ ما أحَدٌ إلّا وهو مُتَّصِفٌ بِظُلْمٍ إلّا أنَّ مَراتِبَهُ مُخْتَلِفَةٌ فَحَسَناتُ الأبْرارِ سَيِّئاتُ المُقَرَّبِينَ، والعِصْمَةُ الَّتِي تُدْعى لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ إنَّما هي العِصْمَةُ مِمّا يُعَدُّ ذَنْبًا بِالنِّسْبَةِ إلى غَيْرِهِمْ وأمّا العِصْمَةُ مِمّا يُعَدُّ ذَنْبًا بِالنِّسْبَةِ إلى مَقامِهِمْ ومَرْتَبَتِهِمْ فَلا تُدْعى لَهم إذْ قَدْ وقَعَ ذَلِكَ مِنهم كَما يَشْهَدُ بِهِ كَثِيرٌ مِنَ الآياتِ، وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: ««قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَوْ أنَّ اللَّهَ تَعالى يُؤاخِذُنِي وعِيسى ابْنَ مَرْيَمَ بِذُنُوبِنا- وفي لَفْظٍ- بِما جَنَتْ هاتانِ الإبْهامُ والَّتِي تَلِيها لَعَذَّبَنا ما يَظْلِمُنا شَيْئًا»».
نَعَمْ إنَّهُ لا يُقالُ لِنَبِيٍّ هو ظالِمٌ ولا لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ هم ظالِمُونَ ويُقالُ النّاسُ ظالِمُونَ وهَذا نَظِيرُ قَوْلِهِمْ: لا يُقالُ لِلَّهِ سُبْحانَهُ خالِقُ القِرَدَةِ والخَنازِيرِ ويُقالُ هو خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، ورُبَّ شَيْءٍ يَجُوزُ تَبَعًا ولا يَجُوزُ اسْتِقْلالًا، وأمْرُ التَّقْسِيمِ هَيِّنٌ عِنْدَ المُتَأمِّلِ فَلْيُتَأمَّلْ، ومِنَ النّاسِ مَنِ احْتَجَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ أصْلَ المِضْمارِ الحُرْمَةُ إذْ لَوْ كانَ الضَّرَرُ مَشْرُوعًا فَإمّا أنْ يَكُونَ مَشْرُوعًا عَلى وجْهٍ يَكُونُ جَزاءً عَلى جُرْمٍ أوْ لا وكِلا القِسْمَيْنِ باطِلٌ، أمّا الأوَّلُ فَلِلْآيَةِ وذَلِكَ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ أنَّها لِمَكانِ لَوْ تَقْتَضِي أنَّ تَعالى ما آخَذَ النّاسَ بِظُلْمِهِمْ وأنَّهُ تَرَكَ عَلى ظَهْرِها دابَّةً. الثّانِي أنَّ مُقْتَضى المُؤاخَذَةِ عَدَمُ تَرْكِ دابَّةٍ عَلى ظَهْرِها ونَحْنُ نُشاهِدُ أنَّهُ سُبْحانَهُ قَدْ تَرَكَ كَثِيرًا مِنَ الدَّوابِّ فَيَجِبُ القَطْعُ بِأنَّهُ تَعالى لَمْ يُؤاخِذْ بِالظُّلْمِ، وأمّا الثّانِي فَباطِلٌ بِالإجْماعِ فَثَبَتَ بِمُقْتَضى آيَةِ تَحْرِيمِ المَضارِّ، ويُؤَكِّدُ ذَلِكَ آياتٌ أُخَرُ وأخْبارٌ وحِينَئِذٍ يُقالُ: إذا وقَعَتْ حادِثَةٌ مُشْتَمِلَةٌ عَلى الضَّرَرِ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ فَإنْ وجَدْنا نَصًّا يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ مَشْرُوعًا قَضَيْنا بِهِ تَقْدِيمًا لِلْخاصِّ عَلى العامِ وإلّا قَضَيْنا بِالحُرْمَةِ بِناءً عَلى الأصْلِ الَّذِي قُرِّرَ. واسْتَدَلَّ بِها المُعْتَزِلَةُ عَلى أنَّ العِبادَ خالِقُونَ لِأفْعالِهِمْ ووَجْهٌ مَعَ رَدِّهِ غَنِيٌّ عَنِ البَيانِ ﴿ولَكِنْ﴾ لا يُؤاخِذُهم بِذَلِكَ بَلْ ﴿يُؤَخِّرُهم إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ سَمّاهُ سُبْحانَهُ وعَيَّنَهُ لِأعْمالِهِمْ أوْ لِعَذابِهِمْ كَيْ يَتَوالَدُوا أوْ يَكْثُرَ عَذابُهم ﴿فَإذا جاءَ أجَلُهُمْ﴾ المُسَمّى ﴿لا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ عَنْهُ ﴿ساعَةً﴾ أقَلَّ مُدَّةٍ ﴿ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ عَلَيْهِ، وقَدْ مَرَّ الكَلامُ في نَظِيرِها
16:62Page 273
وَيَجۡعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكۡرَهُونَۚ وَتَصِفُ أَلۡسِنَتُهُمُ ٱلۡكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ ٱلنَّارَ وَأَنَّهُم مُّفۡرَطُونَ ٦٢
And they attribute to Allāh that which they dislike [i.e., daughters], and their tongues assert the lie that they will have the best [from Him]. Assuredly, they will have the Fire, and they will be [therein] neglected.1
﴿ويَجْعَلُونَ لِلَّهِ﴾ أيْ يُثْبِتُونَ
صفحة 172
لَهُ سُبْحانَهُ ويَنْسُبُونَ إلَيْهِ بِزَعْمِهِمْ ﴿ما يَكْرَهُونَ﴾ الَّذِي يَكْرَهُونَهُ لِأنْفُسِهِمْ مِنَ البَناتِ، والتَّعْبِيرُ- بِما- عِنْدَ أبِي حَيّانَ عَلى إرادَةِ النَّوْعِ، وهَذا عَلى ما سَمِعْتُ تَكْرِيرٌ لِما سَبَقَ تَثْنِيَةً لِلتَّقْرِيعِ وتَوْطِئَةً لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتَصِفُ ألْسِنَتُهُمُ الكَذِبَ﴾ أيْ يَجْعَلُونَ لِلَّهِ تَعالى ما يَجْعَلُونَ ومَعَ ذَلِكَ تَصِفُ ألْسِنَتُهُمُ الكَذِبَ وهو ﴿أنَّ لَهُمُ الحُسْنى﴾ أيِ العاقِبَةَ الحُسْنى عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ولا يَتَعَيَّنُ إرادَةُ الجَنَّةِ.
وعَنْ بَعْضِهِمْ أنَّ المُرادَ بِها ذَلِكَ بِناءً عَلى أنَّ مِنهم مَن يُقِرُّ بِالبَعْثِ وهَذا بِالنِّسْبَةِ لَهم أوْ أنَّهُ عَلى الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ كَما رُوِيَ أنَّهم قالُوا: إنْ كانَ مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ صادِقًا في البَعْثِ فَلَنا الجَنَّةُ بِما نَحْنُ عَلَيْهِ، قِيلَ: وهو المُناسِبُ لِقَوْلِهِ تَعالى الآتِي: ﴿لا جَرَمَ أنَّ لَهُمُ النّارَ﴾ لِظُهُورِ دَلالَتِهِ عَلى أنَّهم حَكَمُوا لِأنْفُسِهِمْ بِالجَنَّةِ، فَلا يُرَدُّ أنَّهم كَيْفَ قالُوا ذَلِكَ وهم مُنْكِرُونَ لِلْبَعْثِ، وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّهم أرادُوا بِالحُسْنى البَنِينَ ولَيْسَ بِذاكَ وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: المُرادُ- بِما يَكْرَهُونَ- أعَمُّ مِمّا تَقَدَّمَ فَيَشْمَلُ البَناتِ وقَدْ عُلِمَ كَراهَتُهم لَها وإثْباتُها لِلَّهِ تَعالى بِزَعْمِهِمْ والشُّرَكاءُ في الرِّياسَةِ فَإنَّ أحَدَهم لا يَرْضى أنْ يُشْرَكَ في ذَلِكَ ويَزْعُمَ الشَّرِيكَ لَهُ سُبْحانَهُ والِاسْتِخْفافَ بِرُسُلِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَإنَّهم يَغْضَبُونَ لَوِ اسْتُخِفَّ بِرَسُولٍ لَهم أرْسَلُوهُ في أمْرٍ لِغَيْرِهِمْ ويَسْتَخِفُّونَ بِرُسُلِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمُ السَّلامُ وأراذِلَ الأمْوالِ فَإنَّهم كانُوا إذا رَأوْا ما عَيَّنُوهُ لِلَّهِ تَعالى مِن أنْعامِهِمْ أزْكى بَدَّلُوهُ بِما لِآلِهَتِهِمْ وإذا رَأوْا ما لِآلِهَتِهِمْ أزْكى تَرَكُوهُ لَها ولَوْ فُعِلَ نَحْوُ ذَلِكَ مَعَهم غَضِبُوا، وعَلى هَذا يُفَسَّرُ الجَعْلُ بِما يَعُمُّ الزَّعْمَ والِاخْتِيارَ وما تَعُمُّ القِلاءَ وغَيْرَهَمْ ولا يَخْلُو الكَلامُ عَنْ نَوْعِ تَكْرِيرٍ، والمُرادُ مِن (تَصِفُ ألْسِنَتُهُمُ الكَذِبَ) يَكْذِبُونَ وهو مِن بَلِيغِ الكَلامِ وبَدِيعِهِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُمْ: عَيْنُها تَصِفُ السِّحْرَ أيْ ساحِرَةٌ وقَدُّها يَصِفُ الهَيْفَ أيْ هَيْفاءُ، وقَوْلُ أبِي العَلاءِ المَعَرِّي:
سَرى بَرْقُ المَعَرَّةِ بَعْدَ وهَنٍ فَباتَ بَرّامَةً يَصِفُ الكَلالا
وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى قَرِيبًا تَمامُ الكَلامِ في ذَلِكَ، والظّاهِرُ أنَّ ( الكَذِبَ ) مَفْعُولُ ﴿تَصِفُ﴾ وأنَّ ( لَهُمُ ) بَدَلٌ مِنهُ أوْ بِتَقْدِيرِ بِأنَّ لَهم ولَمّا حُذِفَتِ الباءُ صارَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، وعِنْدَ الخَلِيلِ هو في مَوْضِعِ جَرٍّ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ كَما أشَرْنا إلَيْهِ في بَيانِ المَعْنى، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ كَوْنَ ( الكَذِبَ ) بَدَلًا- مِمّا يَكْرَهُونَ- وهو كَما تَرى. وقَرَأ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ بِاخْتِلافِ ( ألْسِنَتُهُمُ ) بِإسْقاطِ التّاءِ وهي لُغَةُ تَمِيمٍ، واللِّسانُ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ قِيلَ: ويُجْمَعُ المُذَكَّرُ عَلى ألْسِنَةٍ نَحْوَ حِمارٍ وأحْمِرَةٍ والمُؤَنَّثُ عَلى ألْسُنٍ كَذِراعٍ وأذْرُعٍ. وقَرَأ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ وبَعْضُ أهْلِ الشّامِ «الكُذُبُ» بِثَلاثِ ضَمّاتٍ وهو جَمْعُ كَذُوبٍ كَصُبُرٍ وصَبُورٍ وهو مَقِيسٌ. وقِيلَ: جَمْعُ كاذِبٍ نَحْوَ شارِفٍ وشُرُفٍ وهو غَيْرُ مَقِيسٍ، ورَفَعَهُ عَلى أنَّهُ صِفَةُ الألْسِنَةِ ﴿أنَّ لَهُمُ الحُسْنى﴾ حِينَئِذٍ مَفْعُولُ (تَصِفُ ﴿لا جَرَمَ﴾ أيْ حَقًّا ﴿أنَّ لَهُمُ﴾ مَكانَ ما زَعَمُوهُ مِنَ الحُسْنى ﴿النّارَ﴾ الَّتِي لَيْسَ وراءَ عَذابِها عَذابٌ وهو عَلَمٌ في السَّوْأى، وكَلِمَةُ لا رَدٌّ لِكَلامٍ و( جَرَمَ ) بِمَعْنى كَسْبَ و(أنَّ لَهُمُ) في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى المَفْعُولِيَّةِ أيْ كَسْبَ ما صَدَرَ مِنهم إنَّ لَهم ذَلِكَ.
وإلى هَذا ذَهَبَ الزَّجّاجُ، وقالَ قُطْرُبٌ: ( جَرَمَ ) بِمَعْنى ثَبَتَ ووَجَبَ و( أنَّ لَهم ) في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الفاعِلِيَّةِ لَهُ، وقِيلَ: ( لا جَرَمَ ) بِمَعْنى حَقًّا و( أنَّ لَهُمُ ) فاعِلُ حَقَّ المَحْذُوفِ، وقَدْ مَرَّ تَمامُ الكَلامِ في ذَلِكَ وحَلا. وقَرَأ الحَسَنُ وعِيسى بْنُ عُمَرَ «إنَّ لَهُمْ» بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وجَعْلِ الجُمْلَةِ جَوابَ قَسَمٍ أغْنَتْ عَنْهُ ( لا جَرَمَ ) وكَذا قَرَآ بِالكَسْرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنَّهم مُفْرَطُونَ﴾ أيْ مُقَدَّمُونَ مُعَجَّلٌ بِهِمْ إلَيْها عَلى ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ مِن أفْرَطْتُّهُ إلى كَذا قَدَّمَتْهُ
صفحة 173
وهُوَ مَعْدى بِالهَمْزَةِ مِن فَرَطَ إلى كَذا تَقَدَّمَ إلَيْهِ ومِنهُ ««أنا فَرَطُكم عَلى الحَوْضِ»» أيْ مُتَقَدِّمِكم وكَثِيرًا ما يُقالُ لِلْمُتَقَدِّمِ إلى الماءِ لِإصْلاحِ نَحْوِ دَلْوٍ فارِطٌ وفَرْطٌ، وأنْشَدُوا لِلْقَطامِيِّ:
واسْتَعْجَلُونا وكانُوا مِن صَحابَتِنا ∗∗∗ كَما تَعَجَّلَ فُرّاطٌ لِوِرادِ
وقالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وابْنُ أبِي هِنْدٍ: أيْ مُتْرَكُونَ في النّارِ مَنسِيُّونَ فِيها أبَدًا مِن أفْرَطْتُ فُلانًا خَلْفِي إذا تَرَكْتَهُ ونَسِيتَهُ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ مَسْعُودٍ وأبُو رَجاءٍ، وشَيْبَةُ ونافِعٌ وأكْثَرُ أهْلِ المَدِينَةِ ﴿مُفْرَطُونَ﴾ بِكَسْرِ الرّاءِ اسْمَ فاعِلٍ مِن أفْرَطَ اللّازِمَ إذا تَجاوَزَ أيْ مُتجاوِزُو الحَدِّ في مَعاصِي اللَّهِ تَعالى. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ «مُفَرِّطُونَ» بِتَشْدِيدِ الرّاءِ وكَسْرِها مِن فَرَّطَ في كَذا إذا قَصَّرَ أيْ مُقَصِّرُونَ في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، وعَنْهُ أنَّهُ قَرَأ «مُفَرَّطُونَ» بِتَشْدِيدِ الرّاءِ وفَتْحِها مِن فَرَّطْتُهُ المُعَدّى بِالتَّضْعِيفِ مِن فَرَّطَ بِمَعْنى تَقَدَّمَ أيْ مُقَدَّمُونَ إلى النّارِ.
16:63Page 273
تَٱللَّهِ لَقَدۡ أَرۡسَلۡنَآ إِلَىٰٓ أُمَمٖ مِّن قَبۡلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَعۡمَٰلَهُمۡ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ ٱلۡيَوۡمَ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٦٣
By Allāh, We did certainly send [messengers] to nations before you, but Satan made their deeds attractive to them. And he is their [i.e., the disbelievers] ally today [as well], and they will have a painful punishment.
﴿تاللَّهِ لَقَدْ أرْسَلْنا إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ﴾ تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَمّا كانَ يَنالُهُ مِن جَهالاتِ قَوْمِهِ الكَفَرَةِ ووَعِيدٌ لَهم عَلى ذَلِكَ، ولا يَخْفى ما في ذَلِكَ مِن عَظِيمِ التَّأْكِيدِ أيْ أرْسَلْنا رُسُلًا إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِ أُمَّتِكَ أوْ مِن قَبْلِ إرْسالِكَ إلى هَؤُلاءِ فَدَعَوْهم إلى الحَقِّ ﴿فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهُمْ﴾ القَبِيحَةَ فَلَمْ يَتْرُكُوها ولَمْ يَمْتَثِلُوا دَعْوَةَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في نِسْبَةِ التَّزْيِينِ إلى الشَّيْطانِ ﴿فَهُوَ ولِيُّهُمُ﴾ أيْ قَرِينُ الأُمَمِ وبِئْسَ القَرِينُ أوْ مُتَوَلِّي إغْوائِهِمْ وصَرْفِهِمْ عَنِ الحَقِّ ﴿اليَوْمَ﴾ أيْ يَوْمَ زَيَّنَ الشَّيْطانُ أعْمالَهم فِيهِ، وهو وإنْ كانَ ماضِيًا واليَوْمُ المُعَرَّفُ مَعْرُوفٌ في زَمانِ الحالِ كالآنَ لَكِنْ صُوِّرَ بِصُورَةِ الحالِ لِيَسْتَحْضِرَ السّامِعُ تِلْكَ الصُّورَةَ العَجِيبَةَ ويَتَعَجَّبَ مِنها، وسُمِّيَ مِثْلُ ذَلِكَ حِكايَةَ الحالِ الماضِيَةِ وهو اسْتِعارَةٌ مِنَ الحُضُورِ الخارِجِيِّ لِلْحُضُورِ الذِّهْنِيِّ أوِ المُرادُ بِاليَوْمِ مُدَّةُ الدُّنْيا لِأنَّها كالوَقْتِ الحاضِرِ بِالنِّسْبَةِ لِلْآخِرَةِ وهي شامِلَةٌ لِلْماضِي والآتِي وما بَيْنَهُما أيْ فَهو ولِيُّهم في الدُّنْيا ﴿ولَهُمْ﴾ في الأُخْرى ﴿عَذابٌ ألِيمٌ﴾ وهو عَذابُ النّارِ، وقَدْ ورَدَ إطْلاقُ اليَوْمِ عَلى مُدَّتِها كَثِيرًا فَهو مَجازٌ مُتَعارَفٌ ولَيْسَ فِيهِ حِكايَةٌ لِما مَضى أوْ يَوْمُ القِيامَةِ الَّذِي فِيهِ عَذابُهم لَكِنْ صُوِّرَ بِصُورَةِ الحالِ اسْتِحْضارًا لَهُ كَما في الوَجْهِ الأوَّلِ إلّا أنَّهُ حِكايَةٌ آتِيَةٌ وفي الأوَّلِ حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ ولَيْسَ مِن مَجازٍ الأوَّلُ، والوَلِيُّ عَلى هَذا بِمَعْنى النّاصِرِ أيْ لا ناصِرَ لَهم في ذَلِكَ اليَوْمِ غَيْرُهُ وهو نَفْيٌ لِلنّاصِرِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ:
وبَلْدَةٍ لَيْسَ بِها أنِيسُ إلّا اليَعافِيرُ وإلّا العِيسُ
ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى المُتَوَلِّي لِلْإغْواءِ إذا لا إغْواءَ ثَمَّةَ ولا بِمَعْنى القَرِينِ لِأنَّهُ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ، وجَوَّزَ بَعْضُهم بِاعْتِبارِ أنَّهُ مَعَهم في النّارِ في الجُمْلَةِ ولا يَضُرُّ اخْتِلافُهم في الدَّرَكاتِ، والظّاهِرُ أنَّ ضَمائِرَ الجَمْعِ كُلَّها لِلْأُمَمِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ في بَعْضِها، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ ( ولِيُّهُمُ ) المُضافَ إلَيْهِ لِقُرَيْشٍ لا لِلْأُمَمِ (واليَوْمَ) بِمَعْنى الزَّمانِ الَّذِي وقَعَ فِيهِ الخِطابُ أيْ زَيَّنَ الشَّيْطانُ لِلْكَفَرَةِ المُتَقَدِّمِينَ أعْمالَهم فَهو ولِيُّ هَؤُلاءِ لِأنَّهم مِنهم.
وأنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلْمُتَقَدِّمِينَ، والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ ولِيُّ أمْثالِهِمْ، والمُرادُ مِنَ الأمْثالِ قُرَيْشٌ.
وتَعَقَّبَ ذَلِكَ أبُو حَيّانَ بِأنَّ فِيهِ بُعْدًا لِاخْتِلافِ الضَّمائِرِ مِن غَيْرِ داعٍ إلَيْهِ ولا إلى تَقْدِيرِ المُضافِ. ورُدَّ بِأنَّ لَفَظَ اليَوْمِ داعٍ إلَيْهِ، وقالَ الطَّيِّبِيُّ: إنَّ الوَجْهَ وعَلَيْهِ النَّظْمُ الفائِقُ لِأنَّ في تَصْدِيرِ القَسَمِيَّةِ بِقَوْلِهِ تَعالى:
صفحة 174
( تاللَّهَ) بَعْدَ إنْكارِهِمُ الرِّسالَةَ وتَعْدادِ قَبائِحِهِمْ الإشْعارُ بِأنَّ ما ذُكِرَ كالتَّسْلِيَةِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ الأُمَمَ الخالِيَةَ مَعَ الرِّسالَةِ السّالِفَةِ لَمْ تَزَلْ عَلى هَذِهِ الوَتِيرَةِ فَلَكَ أُسْوَةٌ بِالرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وقَوْمُكَ خَلَفٌ لِتِلْكَ الأُمَمِ فَلا تَهْتَمَّ لِذَلِكَ فَإنَّ رَبَّكَ يَنْتَقِمُ لَكَ مِنهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ فاشْتَغِلْ أنْتَ بِتَبْلِيغِ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ وتَقْرِيرِ أنْواعِ الدَّلائِلِ المَنصُوبَةِ عَلى الوَحْدانِيَّةِ وبِالتَّنْبِيهِ عَلى إقامَةِ الشُّكْرِ عَلى نِعَمِ اللَّهِ تَعالى المُتَظاهِرَةِ اه.
وقالَ في الكَشْفِ: لا تَرْجِيحَ لِهَذا الوَجْهِ مِن حَيْثُ التَّسَلِّي إذِ الكُلُّ مُفِيدٌ لِذَلِكَ عَلى وجْهٍ بَيِّنٍ وإنَّما التَّرْجِيحُ لِلْوَجْهِ الصّائِرِ إلى اسْتِحْضارِ الحالِ لِما فِيهِ مِن مَزِيدِ التَّشَفِّي اه، والحَقُّ أنَّ ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ غَيْرُ ظاهِرٍ وما قِيلَ: إنَّ لَفْظَ ( اليَوْمَ ) داعٍ إلَيْهِ في حَيِّزِ المَنعِ، وقُصارى ما يُقالُ: وُجُودُ القَرِينَةِ المُصَحِّحَةِ لا المُرَجِّحَةِ هَذا. وذُكِرَ في الكَشْفِ في بَيانِ رَبْطِ الآياتِ أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ويَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ﴾ إلى هَذا المَوْضِعِ فَنٌّ آخَرُ مِن كُفْرانِهِمْ وتَعْدادِ قَبائِحِهِمْ، وجازَ أنْ يَكُونَ مِن تَتِمَّةِ سابِقِهِ عَلى مِنوالِ ﴿وما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ إلّا أنَّهُ بَنى عَلى الغَيْبَةِ دَلالَةً عَلى أنَّهُ فَنٌّ آخَرُ، وهَذا قَرِيبُ المُتَناوَلِ، وجازَ أنْ يَجْعَلَ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ﴾ فَإنَّ ما وقَعَ مِنَ الكَلامِ بَعْدَهُ مِن تَتِمَّتِهِ اعْتِراضًا واسْتِطْرادًا كَأنَّهُ قِيلَ: ذاكَ مُعْتَقَدُهم في المَعادِ وهَذا في المُبْتَدَأِ وهم فِيما بَيْنَ ذَلِكَ مُتَدَيِّنُونَ بِهَذا الدِّينِ القَوِيمِ ومَعَ اخْتِلافِ العَقِيدَةِ في المَبْدَأِ والمَعادِ يَدَّعُونَ أنَّ لَهُمُ الحُسْنى فَيَحِقُّ لَهم ضِدُّ ذَلِكَ حَقًّا ثُمَّ قالَ:
16:64Page 273
وَمَآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِي ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٗ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ٦٤
And We have not revealed to you the Book, [O Muḥammad], except for you to make clear to them that wherein they have differed and as guidance and mercy for a people who believe.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وما أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ إلا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ شَدِيدُ المُلائَمَةِ عَلى هَذا الوَجْهِ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ هُنالِكَ: ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾، ولِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْزَلْنا إلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إلَيْهِمْ﴾ وفِيهِ أنَّ مَنِ اسْتَبانَ لَهُ الهُدى بِهَذا البَيانِ اسْتَغْنى عَنْ ذَلِكَ البَيانِ حَيْثُ لا يَنْفَعُهُ إلّا العِلْمُ بِكَذِبِهِ وهَذا أنْسَبُ لِتَأْلِيفِ النَّظْمِ اه.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ احْتِمالَ العَطْفِ بَعِيدٌ، والمُرادُ بِالكِتابِ القُرْآنُ فَإنَّهُ الحَقِيقُ بِهَذا الِاسْمِ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ العِلَلِ أيْ ما أنْزَلْناهُ عَلَيْكَ لِعِلَّةٍ مِنَ العِلَلِ إلّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ ما اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ البَعْثِ وقَدْ كانَ فِيهِمْ مَن يُؤْمِنُ بِهِ وأشْياءَ مِنَ التَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ والإقْرارِ والإنْكارِ ومُقْتَضى رُجُوعِ الضَّمائِرِ السّابِقَةِ إلى الأُمَمِ السّالِفَةِ أنْ يَرْجِعَ ضَمِيرُ (إلَيْهِمْ) و(اخْتَلَفُوا) إلَيْهِمْ أيْضًا لَكِنْ مَنَعَ عَنْهُ عَدَمُ تَأتِّي تَبْيِينِ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ لَهم فَمِنهم مَن جَعَلَهُ راجِعًا إلى قُرَيْشٍ لِأنَّ البَحْثَ فِيهِمْ ومِنهم مَن جَعَلَهُ راجِعًا إلى النّاسِ مُطْلَقًا لِعَدَمِ اخْتِصاصٍ ذَلِكَ بقُرَيْشٍ ويَدْخُلُونَ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا.
﴿وهُدًى ورَحْمَةً﴾ عَظِيمَيْنِ ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ خَصَّهم بِالذِّكْرِ لِكَوْنِهِمُ المُغْتَنِمِينَ آثارَهُ. والِاسْمانِ- قالَ أبُو حَيّانَ: - في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى أنَّهُما مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ والنّاصِبُ ( أنْزَلْنا ) ولَمّا اتَّحَدَ الفاعِلُ في العِلَّةِ والمَعْلُولِ وصَلَ الفِعْلُ لَهُما بِنَفْسِهِ، ولَمّا لَمْ يَتَّحِدْ في ( لِتُبَيِّنَ ) لِأنَّ فاعِلَ الإنْزالِ هو اللَّهُ تَعالى لا الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وصَلَتِ العِلَّةُ بِالحَرْفِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هُما مَعْطُوفانِ عَلى مَحَلِّ ( لِتُبَيِّنَ ) وهو لَيْسَ بِصَحِيحٍ لِأنَّ مَحَلَّهُ لَيْسَ نَصْبًا فَيُعْطَفُ مَنصُوبٌ عَلَيْهِ، ألا تَرى أنَّهُ لَوْ نَصَبَ لَمْ يَجُزْ لِاخْتِلافِ الفاعِلِ اه. وتُعِقِّبَ بِأنَّ مَعْنى كَوْنِهِ في مَحَلِّ نَصْبٍ أنَّهُ في مَحَلٍّ لَوْ خَلا مِنَ المَوانِعِ ظَهَرَ نَصْبُهُ وهو هُنا كَذَلِكَ لِمَن تَأمَّلَ فَقَوْلُهُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ لَأنَّ مَحَلَّهُ لَيْسَ نَصْبًا لَيْسَ عَلى ما يَنْبَغِي.
وقالَ الحَلَبِيُّ: إنَّ ذَلِكَ مَمْنُوعٌ إذْ لا خِلافَ في أنَّ مَحَلَّ الجارِّ والمَجْرُورِ النَّصْبُ ولِذا أجازُوا مَرَرْتُ بِزَيْدٍ وعَمْرًا بِالعَطْفِ عَلى المَحالِّ ولِلْخَفاجِيِّ هاهُنا كَلامٌ إنْ أرَدْتَهُ فارْجِعْ إلَيْهِ وراجِعْ، ولَعَلَّهُ إنَّما قُدِّمَتْ عِلَّةُ التَّبْيِينِ عَلى عِلَّتَيِ الهُدى والرَّحْمَةِ
صفحة 175
لِتَقَدُّمِهِ في الوَجْهِ في الوُجُودِ عَلَيْهِما
16:65Page 274
وَٱللَّهُ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَحۡيَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَآۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّقَوۡمٖ يَسۡمَعُونَ ٦٥
And Allāh has sent down rain from the sky and given life thereby to the earth after its lifelessness. Indeed in that is a sign for a people who listen.
﴿واللَّهُ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ﴾ ماءً تَقَدَّمَ الكَلامُ في مِثْلِهِ، وهَذا عَلى ما قِيلَ تَكْرِيرٌ لِما سَبَقَ تَأْكِيدًا لِمَضْمُونِهِ وتَوْحِيدًا لِما يَعْقُبُهُ مِن أدِلَّةِ التَّوْحِيدِ ﴿فَأحْيا بِهِ الأرْضَ﴾ بِما أنْبَتَ بِهِ فِيها مِن أنْواعِ النَّباتاتِ ﴿بَعْدَ مَوْتِها﴾ بَعْدَ يُبْسِها فالإحْياءُ والمَوْتُ اسْتِعارَةٌ لِلْإنْباتِ واليُبْسِ، ولَيْسَ المُرادُ إعادَةَ اليابِسِ بَلْ إنْباتَ مِثْلِهِ، والفاءُ لِلتَّعْقِيبِ العادِيِّ فَلا يُنافِيهِ ما بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ مِنَ المُهْلَةِ، ونَظِيرُ ذَلِكَ تَزَوَّجَ فَوُلِدَ لَهُ ولَدٌ، والآيَةُ دَلِيلٌ لِمَن قالَ: إنَّ المُسَبِّباتِ بِالأسْبابِ لا عِنْدَها ومَن قالَ بِهِ أوَّلَ ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ في إنْزالِ الماءِ مِنَ السَّماءِ وإحْياءِ الأرْضِ المَيْتَةِ ﴿لآيَةً﴾ وأيَّةُ آيَةٍ دالَّةٍ عَلى وحْدَتِهِ سُبْحانَهُ وعِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ وحِكْمَتِهِ جَلَّ شَأْنُهُ، والإشارَةُ بِما يَدُلُّ عَلى البُعْدِ إمّا لِتَعْظِيمِ المُشارِ إلَيْهِ أوْ لِعَدَمِ ذِكْرِهِ صَرِيحًا ﴿لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ قالَ المَوْلى ابْنُ الكَمالِ: أُرِيدَ بِالسَّمْعِ القَبُولُ كَما في سَمِعَ اللَّهُ لِمَن حَمِدَهُ أيْ لِقَوْمٍ يَتَأمَّلُونَ فِيها ويَعْقِلُونَ وجْهَ دَلالَتِها ويَقْبَلُونَ مَدْلُولَها، وإنَّما خَصَّ كَوْنَها آيَةً لَهم لِأنَّ غَيْرَهم لا يَنْتَفِعُ بِها وهَذا كالتَّخْصِيصِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُدًى ورَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ وبِما قَرَّرْناهُ تَبَيَّنَ وجْهُ العُدُولِ عَنْ- يُبْصِرُونَ- إلى ﴿يَسْمَعُونَ﴾ انْتَهى، وقالَ الخَفاجِيُّ: اللّائِقُ بِالمَقامِ ما ذَكَرَهُ الشَّيْخانِ وبَيانُهُ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ أرْسَلَ إلى الأُمَمِ السّالِفَةِ رُسُلًا وكُتُبًا فَكَفَرُوا بِها فَكانَ لَهم خِزْيٌ في الدُّنْيا والآخِرَةِ عَقَّبَهُ بِأنَّهُ أرْسَلَهُ ﷺ بِسَيِّدِ الكُتُبِ فَكانَ عَيْنَ الهُدى والرَّحْمَةِ لِمَن أُرْسِلَ إلَيْهِ إشارَةً إلى أنَّ مُخالَفَةَ أُمَّتِهِ لِمَن قَبْلَهم تُقَرِّبُهم مِن سَعادَةِ الدّارَيْنِ وتَبْشِيرًا لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِكَثْرَةٍ مُتابِعِيهِ وقِلَّةٍ مُناوِيهِ وأنَّهم سَيَدْخُلُونَ في دِينِهِ أفْواجًا أفْواجًا ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ لِإنْزالِهِ تِلْكَ الرَّحْمَةَ الَّتِي أحْيَتْ مِن مَوْتَةِ الضَّلالِ إنْزالَ الأمْطارِ الَّتِي أحْيَتْ مَواتَ الأرْضِ وهو الَّذِي يُنَزِّلُ الغَيْثَ مِن بَعْدِ ما قَنَطُوا ولَوْلا هَذا لَكانَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ كالأجْنَبِيِّ عَمّا قَبْلَهُ وبَعْدَهُ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً﴾ إلَخْ تَتْمِيمٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أنْزَلْنا﴾ إلَخْ ولِلْمَقْصُودِ بِالذّاتِ مِنهُ فالمُناسِبُ (يَسْمَعُونَ) لا يُبْصِرُونَ ولَوْ كانَ تَتْمِيمًا لِمُلاصِقَةٍ مِنَ الإنْباتِ لَمْ يَكُنْ- لِيَسْمَعُونَ- بِمَعْنى يَقْبَلُونَ مُناسِبَةٌ أيْضًا، ثُمَّ قالَ: ومَن لَمْ يَقِفْ عَلى مَحَطِّ نَظَرِهِمْ قالَ في جَوابِهِ: يُمْكِنُ أنْ يَحْمِلَ عَلى يَسْمَعُونَ قَوْلَيِ واللَّهُ أنْزَلَ إلَخْ فَإنَّهُ مُذَكَّرٌ وحامِلٌ عَلى تَأمُّلِ مَدْلُولِهِ انْتَهى، وفي قَوْلِهِ عَقِبَهُ: بِأنَّهُ أرْسَلَهُ ﷺ بِسَيِّدِ الكُتُبِ فَكانَ عَيْنَ الهُدى والرَّحْمَةِ إشارَةٌ إلَخْ خَفاءٌ كَما لا يَخْفى، ومَتى كانَ تَتْمِيمًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أنْزَلْنا﴾ إلَخْ لَمْ يَظْهَرْ جَعْلُ المُشارِ إلَيْهِ ما سَمِعْتَ وهو الظّاهِرُ، وفي البَحْرِ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ إنْزالَ الكِتابِ لِلتَّبْيِينِ كانَ القُرْآنُ حَياةً لِلْأرْواحِ وشِفاءً لِما في الصُّدُورِ مِن عِلَلِ العَقائِدِ ولِذَلِكَ خَتَمَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ أيْ يُصَدِّقُونَ والتَّصْدِيقُ مَحَلُّهُ القَلْبُ، ذَكَرَ سُبْحانَهُ إنْزالَ المَطَرِ الَّذِي هو حَياةُ الأجْسامِ وسَبَبُ بَقائِها ثُمَّ أشارَ سُبْحانَهُ بِإحْياءِ الأرْضِ بَعْدَ مَوْتِها إلى إحْياءِ القُلُوبِ بِالقُرْآنِ كَما قالَ تَعالى: ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ﴾ فَكَما تَصِيرُ الأرْضُ خَضِرَةً بِالنَّباتِ نَضِرَةً بَعْدَ هُمُودِها كَذَلِكَ القَلْبُ يَحْيا بِالقُرْآنِ بَعْدَ أنْ كانَ مَيِّتًا بِالجَهْلِ ولِذَلِكَ خَتَمَ تَعالى بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿يَسْمَعُونَ﴾ أيْ يَسْمَعُونَ هَذا التَّشْبِيهَ المُشارَ إلَيْهِ والمَعْنى سَماعَ إنْصافٍ وتَدَبُّرٍ، ولِمُلاحَظَةِ هَذا المَعْنى واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ لَمْ يَخْتِمْ سُبْحانَهُ- بِلِقَوْمٍ يُبْصِرُونَ- وإنْ كانَ إنْزالُ المَطَرِ مِمّا يُبْصَرُ ويُشاهَدُ انْتَهى.
وفِيهِ أيْضًا مِنَ التَّكَلُّفِ ما فِيهِ، وأقُولُ: لَعَلَّ الأظْهَرَ أنَّ المُشارَ إلَيْهِ ما ذُكِرَ مِنَ الإنْزالِ والإحْياءِ والسَّماعِ عَلى ظاهِرِهِ والكَلامُ تَتْمِيمٌ لِمُلاصِقِهِ والعُدُولُ عَنْ يُبْصِرُونَ إلى (يَسْمَعُونَ) لِلْإشارَةِ إلى ظُهُورِ هَذا المُعْتَبَرِ فِيهِ وأنَّهُ لا يَحْتاجُ إلى نَظَرٍ ولا تَفَكُّرٍ وإنَّما يَحْتاجُ المُنَبَّهَ إلى أنْ يَسْمَعَ القَوْلَ فَقَطْ، ويَكْفِي في رَبْطِ الآيَةِ بِما قَبْلَها تَشارُكُ الكِتابِ والمَطَرِ
صفحة 176
فِي الإحْياءِ لَكِنَّ في ذاكَ إحْياءَ القُلُوبِ وفي هَذا إحْياءَ الأرْضِ الجَدُوبِ فَتَأمَّلْ
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences