Al-AlusiAn‑Nahl · 16:70–72

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

An-Nahl 16:70–72

16:70Page 274

وَٱللَّهُ خَلَقَكُمۡ ثُمَّ يَتَوَفَّىٰكُمۡۚ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰٓ أَرۡذَلِ ٱلۡعُمُرِ لِكَيۡ لَا يَعۡلَمَ بَعۡدَ عِلۡمٖ شَيۡـًٔاۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٞ قَدِيرٞ ٧٠

And Allāh created you; then He will take you in death. And among you is he who is reversed to the most decrepit [old] age so that he will not know, after [having had] knowledge, a thing. Indeed, Allāh is Knowing and Competent.

ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ مِن عَجائِبِ أحْوالِ ما ذَكَرَ مِنَ الماءِ والنَّباتِ والأنْعامِ والنَّحْلِ أشارَ إلى بَعْضِ عَجائِبِ أحْوالِ البَشَرِ مِن أوَّلِ عُمْرِهِ إلى آخِرِهِ وتَطَوُّراتِهِ بَيْنَ ذَلِكَ فَقالَ عَزَّ قائِلًا: ﴿واللَّهُ خَلَقَكم ثُمَّ يَتَوَفّاكُمْ﴾ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ تَعالى المَبْنِيَّةُ عَلى الحِكَمِ البالِغَةِ بِآجالٍ مُخْتَلِفَةٍ، والقَرِينَةُ عَلى إرادَةِ ذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ومِنكم مَن يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ﴾ ولِذا قِيلَ: إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى مُقَدَّرٍ أيْ فَمِنكم مَن تَعَجَّلَ وفاتَهُ ومِنكم إلَخْ، (وأرْذَلِ العُمُرِ) أخَسُّهُ وأحْقَرُهُ وهو وقْتُ الهَرَمِ الَّذِي تَنْقُصُ فِيهِ القُوى وتَفْسَدُ الحَواسُّ ويَكُونُ حالُ الشَّخْصِ فِيهِ كَحالِهِ وقْتَ الطُّفُولِيَّةِ مِن ضَعْفِ العَقْلِ والقُوَّةِ. ومِن هُنا تَصَوَّرِ الرَّدَّ فَهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ في الخَلْقِ﴾ [يس: 68] فَفِيهِ مَجازٌ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّ «أرْذَلَ العُمُرِ» خَمْسٌ وسَبْعُونَ سَنَةً، وعَنْ قَتادَةَ أنَّهُ تِسْعُونَ، وقِيلَ: خَمْسٌ وتِسْعُونَ واخْتارَ جَمْعٌ تَفْسِيرَهُ بِما سَبَقَ وهو يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الأمْزِجَةِ فَرُبَّ مُعَمَّرٍ لَمْ تَنْتَقِصْ قُواهُ ومُنْتَقَصُ القُوى لَمْ يُعَمَّرْ، ولَعَلَّ التَّقْيِيدَ بِسِنٍّ مَخْصُوصٍ مَبْنِيٌّ عَلى الأغْلَبِ عِنْدَ مَن قَيَّدَ.

والخِطابُ إنْ كانَ لِلْمَوْجُودِينَ وقْتَ النُّزُولِ فالتَّعْبِيرُ بِالماضِي والمُسْتَقْبَلِ فِيهِ ظاهِرٌ، وإنْ كانَ عامًّا فالمُضِيُّ بِالنِّسْبَةِ إلى وقْتِ وُجُودِهِمْ والِاسْتِقْبالُ بِالنِّسْبَةِ إلى الخَلْقِ، وعَلى التَّقْدِيرِ الظّاهِرِ أنَّ ( مَن يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ)

صفحة 188

يَعُمُّ المُؤْمِنَ مُطْلَقًا والكافِرَ، وقِيلَ: إنَّهُ مَخْصُوصٌ بِالكافِرِ والمُسْلِمِ لا يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ ﴿إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [التِّينِ: 5، 6] وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهُ قالَ: مَن قَرَأ القُرْآنَ لَمْ يُرَدَّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ، والمُشاهَدَةُ تُكَذِّبُ كِلا القَوْلَيْنِ فَكَمْ رَأيْنا مُسْلِمًا قارِئَ القُرْآنِ قَدْ رُدَّ إلى ذَلِكَ، والِاسْتِدْلالُ بِالآيَةِ عَلى خِلافِهِ فِيهِ نَظَرٌ، وكانَ مِن دُعائِهِ ﷺ كَما أخْرَجَهُ البُخارِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسٍ: «أعُوذُ بِكَ مِنَ البُخْلِ والكَسَلِ وأرْذَلِ العُمُرِ وعَذابِ القَبْرِ وفِتْنَةِ الدَّجّالِ وفِتْنَةِ المَحْيا والمَماتِ».

﴿لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ اللّامُ لِلصَّيْرُورَةِ والعاقِبَةِ وهي في الأصْلِ لِلتَّعْلِيلِ وكَيْ مَصْدَرِيَّةٌ والفِعْلُ مَنصُوبٌ بِها والمُنْسَبِكُ مَجْرُورٌ بِاللّامِ والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ- بِـ يُرَدُّ، وزَعَمَ الحَوْفِيُّ أنَّ اللّامَ لامُ كَيْ دَخَلَتْ عَلى كَيْ لِلتَّوْكِيدِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، والعِلْمُ بِمَعْنى المَعْرِفَةِ، والكَلامُ كِنايَةٌ عَنْ غايَةِ النِّسْيانِ أيْ لِيَصِيرَ نَسّاءً بِحَيْثُ إذا كَسَبَ عِلْمًا في شَيْءٍ لَمْ يَنْشَبْ أنْ يَنْساهُ ويَزُلْ عَنْهُ عِلْمُهُ مِن ساعَتِهِ يَقُولُ لَكَ: مَن هَذا؟ فَتَقُولُ: فُلانٌ فَما يَلْبَثُ لَحْظَةً إلّا سَألَكَ عَنْهُ، وقِيلَ: المُرادُ لِئَلّا يَعْلَمَ زِيادَةَ عِلْمٍ عَلى عِلْمِهِ، وقِيلَ: لِئَلّا يَعْقِلَ مِن بَعْدِ عَقْلِهِ الأوَّلِ شَيْئًا فالعِلْمُ بِمَعْنى العَقْلِ لا بِمَعْناهُ الحَقِيقِيِّ كَما في سابِقِهِ، وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى وُقُوفِهِ وأنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى عِلْمٍ زائِدٍ، والوَجْهُ المُعْتَمَدُ الأوَّلُ، ونَصَبَ- شَيْئًا- عَلى المَصْدَرِيَّةِ أوِ المَفْعُولِيَّةِ، وجُوِّزَ فِيهِ التَّنازُعُ بَيْنَ يَعْلَمَ وعِلْمٍ، وكَوْنُ مَفْعُولِ- عِلْمٍ- مَحْذُوفًا لِقَصْدِ العُمُومِ أيْ لا يَعْلَمُ شَيْئًا ما بَعْدَ عِلْمِ أشْياءَ كَثِيرَةٍ ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ﴾ بِكُلِّ شَيْءٍ ومِن ذَلِكَ وجْهُ الحِكْمَةِ في الخَلْقِ والتَّوَفِّي والرَّدِّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ ﴿قَدِيرٌ﴾ عَلى كُلِّ شَيْءٍ ومِنهُ ما يَشاؤُهُ سُبْحانَهُ مِن ذَلِكَ، وقِيلَ: عَلِيمٌ بِمَقادِيرِ أعْمارِكم قَدِيرٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ يُمِيتُ الشّابَّ النَّشِيطَ ويُبْقِي الهَرَمَ الفانِيَ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ تَفاوُتَ الآجالِ لَيْسَ إلّا بِتَقْدِيرِ قادِرٍ حَكِيمٍ رَتَّبَ الأبْنِيَةَ وعَدَلَ الأمْزِجَةَ عَلى قَدْرٍ مَعْلُومٍ ولَوْ كانَ ذَلِكَ مُقْتَضى القَطائِعِ لَما بَلَغَ هَذا المَبْلَغَ، وقِيلَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ ما يَعْرِضُ في الهَرَمِ مِن ضَعْفِ القُوى والقُدْرَةِ وانْتِفاءِ العِلْمِ ذَكَرَ أنَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ مُسْتَمِرٌّ عَلى العِلْمِ الكامِلِ والقُدْرَةِ الكامِلَةِ لا يَتَغَيَّرانِ بِمُرُورِ الأزْمانِ كَما يَتَغَيَّرُ عِلْمُ البَشَرِ وقُدْرَتُهُمْ، ويُفِيدُ الِاسْتِمْرارُ الجُمْلَةَ الِاسْمِيَّةَ، والكَمالُ صِيغَةُ فَعِيلٍ، وقَدَّمَ صِفَةَ العِلْمِ لِتَجاوُزِ انْتِفاءِ العِلْمِ عَنِ المُخاطَبِينَ مَعَ أنَّ تَعَلُّقَ صِفَةِ العِلْمِ بِالشَّيْءِ أوَّلُ لِتَعَلُّقِهِ صِفَةَ القُدْرَةِ بِهِ، ولا يَخْفى عَلَيْكَ ما هو الأوْلى مِنَ الثَّلاثَةِ فَتَدَبَّرْ.

16:71Page 274

وَٱللَّهُ فَضَّلَ بَعۡضَكُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖ فِي ٱلرِّزۡقِۚ فَمَا ٱلَّذِينَ فُضِّلُواْ بِرَآدِّي رِزۡقِهِمۡ عَلَىٰ مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُهُمۡ فَهُمۡ فِيهِ سَوَآءٌۚ أَفَبِنِعۡمَةِ ٱللَّهِ يَجۡحَدُونَ ٧١

And Allāh has favored some of you over others in provision. But those who were favored [i.e., given more] would not hand over their provision to those whom their right hands possess [i.e., slaves] so they would be equal to them therein.1 Then is it the favor of Allāh they reject?

﴿واللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ في الرِّزْقِ﴾ أيْ جَعَلَكم مُتَفاوِتِينَ فِيهِ فَأعْطاكم مِنهُ أفْضَلَ مِمّا أعْطى مَمالِيكَكم ﴿فَما الَّذِينَ فُضِّلُوا﴾ فِيهِ عَلى غَيْرِهِمْ وهُمُ المُلّاكُ ﴿بِرادِّي﴾ أيْ بِمُعْطِي ﴿رِزْقِهِمْ﴾ الَّذِي رَزَقَهم إيّاهُ ﴿عَلى ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ عَلى مَمالِيكِهِمُ الَّذِينَ هم شُرَكاؤُهم في المَخْلُوقِيَّةِ والمَرْزُوقِيَّةِ ﴿فَهُمْ﴾ أيِ المُلّاكُ الَّذِينَ فُضِّلُوا والمَمالِيكُ ﴿فِيهِ﴾ أيْ في الرِّزْقِ ﴿سَواءٌ﴾ لا تَفاضُلَ بَيْنَهُمْ، والجُمْلَةُ اسْمِيَّةٌ واقِعَةٌ مَوْقِعَ فِعْلٍ مَنصُوبٍ في جَوابِ النَّفْيِ أيْ لا يَرُدُّونَهُ عَلَيْهِمْ فَيَسْتَوُوا فِيهِ ويَشْتَرِكُوا، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ في تَأْوِيلِ فِعْلٍ مَرْفُوعٍ مَعْطُوفٍ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: (بِرادِّي) أيْ لا يَرُدُّونَهُ عَلَيْهِمْ فَلا يَسْتَوُونَ، والمُرادُ بِذَلِكَ تَوْبِيخُ الَّذِينَ يُشْرِكُونَ بِهِ سُبْحانَهُ بَعْضَ مَخْلُوقاتِهِ وتَقْرِيعُهم والتَّنْبِيهُ عَلى كَمالِ قُبْحِ فِعْلِهِمْ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّكم لا تَرْضَوْنَ بِشَرِكَةِ عَبِيدِكم لَكم بِشَيْءٍ لا يَخْتَصُّ بِكم بَلْ يَعُمُّكم وإيّاهم مِنَ الرِّزْقِ الَّذِي هم أُسْوَةٌ لَكم في اسْتِحْقاقِهِ وهم أمْثالُكم في البَشَرِيَّةِ والمَخْلُوقِيَّةِ لِلَّهِ عَزَّ سُلْطانُهُ فَما بالُكم تُشْرِكُونَ بِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى فِيما لا يَلِيقُ إلّا بِهِ جَلَّ وعَلا مِنَ الأُلُوهِيَّةِ

صفحة 189

والمَعْبُودِيَّةِ الخاصَّةِ بِذاتِهِ تَعالى لِذاتِهِ بَعْضَ مَخْلُوقاتِهِ الَّذِي هو بِمَعْزِلٍ عَنْ دَرَجَةِ الِاعْتِبارِ، وهو عَلى ما صَرَّحَ بِهِ جَماعَةٌ عَلى شاكِلَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ضَرَبَ لَكم مَثَلا مِن أنْفُسِكم هَلْ لَكم مِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكم مِن شُرَكاءَ في ما رَزَقْناكم فَأنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ﴾ [الرُّومِ: 28] يَعْنُونَ بِذَلِكَ أنَّهُ مَثَلٌ ضُرِبَ لِكَمالِ قَباحَةِ ما فَعَلُوهُ، وفي قَوْلِهِ ﴿أفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ قَرِينَةٌ- كَما قِيلَ- عَلى ذَلِكَ، وكَذا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثالَ﴾ عَلى مُقَدَّرٍ وهي داخِلَةٌ في الحَقِيقَةِ عَلى الفِعْلِ أعْنِي (يَجْحَدُونَ) ولِتَضَمُّنِ الجُحُودِ مَعْنى الكُفْرِ جِيءَ بِالباءِ في مَعْمُولِهِ المُقَدَّمِ عَلَيْهِ لِلِاهْتِمامِ أوْ لِإبْهامِ الِاخْتِصاصِ مُبالَغَةً أوْ لِرِعايَةِ رُءُوسِ الآيِ، والمُرادُ بِالنِّعْمَةِ قِيلَ: الرِّزْقُ وقِيلَ ولَعَلَّهُ الأوْلى: ما يَشْمَلُهُ وغَيْرَهُ مِنَ النِّعَمِ الفائِضَةِ عَلَيْهِمْ مِنهُ سُبْحانَهُ أيْ يُشْرِكُونَ بِهِ تَعالى فَيَجْحَدُونَ نِعْمَتَهُ تَعالى حَيْثُ يَفْعَلُونَ ما يَفْعَلُونَ مِنَ الإشْراكِ فَإنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ يُضِيفُوا ما أُفِيضَ عَلَيْهِمْ مِنَ اللَّهِ تَعالى مِنَ النِّعَمِ إلى شُرَكائِهِمْ ويَجْحَدُوا كَوْنَهم مِن عِنْدِهِ جَلَّ وعَلا، وجُوِّزَ كَوْنُ المُرادِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى ما أنْعَمَ سُبْحانَهُ بِهِ مِن إقامَةِ الحُجَجِ وإيضاحِ السُّبُلِ وإرْسالِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ولا نِعْمَةَ أجْلُّ مَن ذَلِكَ، فَمَعْنى جُحُودِهِمْ ذَلِكَ إنْكارُهُ وعَدَمُ الِالتِفاتِ إلَيْهِ، وصِيغَةُ الغِيبَةِ لِرِعايَةِ (فَما الَّذِينَ) وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ والأعْرَجُ بِخِلافٍ عَنْهُ «تَجْحَدُونَ» بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ رِعايَةً لِبَعْضِكُمْ، هَذا وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَعْنى الآيَةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى فَضَّلَ بَعْضًا عَلى بَعْضٍ في الرِّزْقِ وأنَّ المُفَضَّلِينَ لا يَرُدُّونَ مِن رِزْقِهِمْ عَلى مَن دُونَهم شَيْئًا وإنَّما أنا رازِقُهم فالمالِكُ والمَمْلُوكُ في أصْلِ الرِّزْقِ سَواءٌ وإنْ تَفاوَتا كَمًّا وكَيْفًا، والمُرادُ النَّهْيُ عَنِ الإعْجابِ والمَنِّ اللَّذَيْنِ هُما مُقَدِّمَتا الكُفْرانِ.

والعَطْفُ عَلى مُقَدَّرٍ أيْضًا أيْ أيَعْجَبُونَ ويَمُنُّونَ فَيَجْحَدُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ ألا يَفْهَمُونَ فَيَجْحَدُونَ واخْتارَ في الكَشّافِ أنَّ المَعْنى أنَّهُ سُبْحانَهُ جَعَلَكم مُتَفاوِتِينَ في الرِّزْقِ فَرَزَقَكم أفْضَلَ مِمّا رَزَقَ مَمالِيكَكم وهم بَشَرٌ مِثْلُكم وإخْوانُكم وكانَ يَنْبَغِي أنْ تَرُدُّوا فَضْلَ ما رُزِقْتُمُوهُ عَلَيْهِمْ حَتّى تُساوُوا في المَلْبَسِ والمَطْعَمِ كَمًّا يُحْكى عَنْ أبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: ««إنَّما هم إخْوانُكم فاكْسُوهم مِمّا تَلْبَسُونَ وأطْعِمُوهم مِمّا تَطْعَمُونَ»».

فَمًا رُئِيَ عَبْدُهُ بَعْدَ ذَلِكَ إلّا ورِداؤُهُ رِداؤُهُ وإزارُهُ إزارُهُ مِن غَيْرِ تَفاوُتٍ، وحاصِلُهُ أنَّ اللَّهَ تَعالى فَضَّلَكم عَلى أمْثالِكم فَكانَ عَلَيْكم أنْ تَرُدُّوا مِن ذَلِكَ الفَضْلِ عَلَيْهِمْ شُكْرًا لِنِعْمَتِهِ تَعالى لِتَكُونُوا سَواءً في ذَلِكَ الفَضْلِ ويَبْقى لَكم فَضْلُ الإفْضالِ والتَّفَضُّلِ. فالآيَةُ حَثٌّ عَلى حُسْنِ المِلْكَةِ وأدْمَجَ أنَّهم وعَبِيدَهم مَرْبُوبُونَ بِنِعْمَتِهِ تَعالى ذَلِكَ مَعَ تَقَلُّبِهِمْ فِيها لِيَكُونَ تَمْهِيدًا لِكُفْرانِهِمْ نِعَمَهُ سُبْحانَهُ السَّوابِغَ إلى أنْ جَعَلُوا لَهُ عَزَّ وجَلَّ أنْدادًا لا تَمِلِكُ لِنَفْسِها ضَرًّا ولا نَفْعًا فَعَبَدُوها عِبادَتَهُ تَعالى أوْ أشَدَّ وأسَدَّ، وفي ذَلِكَ مِنَ البُعْدِ ما فِيهِ، والعَطْفُ فِيهِ عَلى مُقَدَّرٍ أيْضًا كَألا يَعْرِفُونَ ذَلِكَ فَيَجْحَدُونَ.

16:72Page 274

وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ أَزۡوَٰجٗا وَجَعَلَ لَكُم مِّنۡ أَزۡوَٰجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةٗ وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِۚ أَفَبِٱلۡبَٰطِلِ يُؤۡمِنُونَ وَبِنِعۡمَتِ ٱللَّهِ هُمۡ يَكۡفُرُونَ ٧٢

And Allāh has made for you from yourselves mates and has made for you from your mates sons and grandchildren and has provided for you from the good things. Then in falsehood do they believe and in the favor of Allāh they disbelieve?

﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكُمْ﴾ أيْ مِن جِنْسِكم ونَوْعِكم وهو مَجازٌ في ذَلِكَ، والأشْهَرُ مِن مَعانِي النَّفْسِ الذّاتُ ولا يَسْتَقِيمُ هُنا كَغَيْرِهِ فَلِذا ارْتَكَبَ المَجازَ وهو إمّا في المُفْرَدِ أوِ الجَمْعِ، واسْتَدَلَّ بِذَلِكَ بَعْضُهم عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ لِلْإنْسانِ أنْ يَنْكِحَ مِنَ الجِنِّ ﴿أزْواجًا﴾ لِتَأْنَسُوا بِها وتُقِيمُوا بِذَلِكَ مَصالِحَكم ويَكُونَ أوْلادُكم أمْثالَكم.

وأخْرَجَ غَيْرُ واحِدٍ عَنْ قَتادَةَ أنَّ هَذا خَلْقُ آدَمَ وحَوّاءَ عَلَيْهِما السَّلامُ فَإنَّ حَوّاءَ خُلِقَتْ مِن نَفْسِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا يُلائِمُهُ جَمْعُ الأنْفُسِ والأزْواجِ، وحَمْلُهُ عَلى التَّغْلِيبِ تَكَلُّفٌ غَيْرُ مُناسِبٍ لِلْمَقامِ وكَذا كَوْنُ المُرادِ مِنهُما بَعْضَ الأنْفُسِ وبَعْضَ الأزْواجِ ﴿وجَعَلَ لَكم مِن أزْواجِكُمْ﴾ أيْ مِنها فَوَضَعَ الظّاهِرَ

صفحة 190

مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلْإيذانِ بِأنَّ المُرادَ جَعَلَ لَكم مِنكم مَن زَوْجِهِ لا مِن زَوْجِ غَيْرَهُ ﴿بَنِينَ﴾ وبِأنَّ نَتِيجَةَ الزَّواجِ هو التَّوالُدُ ﴿وحَفَدَةً﴾ جَمْعُ حافِدٍ كَكاتِبٍ وكَتَبَةٍ، وهو مِن قَوْلِهِمْ: حَفَدَ يَحْفِدُ حَفْدًا وحُفُودًا وحَفَدانًا إذا أسْرَعَ في الخِدْمَةِ والطّاعَةِ، وفي الحَدِيثِ: ««إلَيْكَ نَسْعى ونَحْفِدُ»» وقالَ جَمِيلٌ:

حَفَدَ الوَلائِدُ حَوْلَهُنَّ وأسْلَمَتْ بِأكُفِّهِنَّ أزِمَّةَ الأجْمالِ

وقَدْ ورَدَ الفِعْلُ لازِمًا ومُتَعَدِّيًا كَقَوْلِهِ:

يَحْفِدُونَ الضَّيْفَ في أبْياتِهِمْ ∗∗∗ كَرَمًا ذَلِكَ مِنهم غَيْرَ ذُلِّ

وجاءَ في لُغَةٍ- كَما قالَ أبُو عُبَيْدَةَ - أحْفَدَ إحْفادًا، وقِيلَ: الحَفْدُ سُرْعَةُ القَطْعِ، وقِيلَ: مُقارَبَةُ الخَطْوِ، والمُرادُ بِالحِفَدَةِ عَلى ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ. والأزْهَرِيُّ وجاءَ في رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ واخْتارَهُ ابْنُ العَرَبِيِّ أوْلادُ الأوْلادِ، وكَوْنُهم مِنَ الأزْواجِ حِينَئِذٍ بِالواسِطَةِ، وقِيلَ: البَناتُ عَبَّرَ عَنْهُنَّ بِذَلِكَ إيذانًا بِوَجْهِ المِنَّةِ فَإنَّهُنَّ في الغالِبِ يَخْدُمْنَ في البُيُوتِ أتَمَّ خِدْمَةٍ، وقِيلَ: البَنُونَ والعَطْفُ لِاخْتِلافِ الوَصْفَيْنِ البُنُوَّةِ والخِدْمَةِ، وهو مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ تَغايُرِ الذّاتِ، وقَدْ مَرَّ نَظِيرُهُ فَيَكُونُ ذَلِكَ امْتِنانًا بِإعْطاءِ الجامِعِ لِهَذِهِ الوَصْفَيْنِ الجَلِيلَيْنِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: وجَعَلَ لَكم مِنهُنَّ أوْلادًا هم بَنُونَ وهم حافِدُونَ أيْ جامِعُونَ بَيْنَ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ، ويَقْرُبُ مِنهُ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن أنَّ البَنِينَ صِغارُ الأوْلادِ والحَفَدَةَ كِبارُهُمْ، وكَذا ما نُقِلَ عَنْ مُقاتِلٍ مِنَ العَكْسِ، وكَأنَّ ابْنَ عَبّاسٍ نَظَرَ إلى أنَّ الكِبارَ أقْوى عَلى الخِدْمَةِ (1) ومُقاتِلٌ نَظَرَ إلى أنَّ الصِّغارَ أقْرَبُ لِلِانْقِيادِ لَها وامْتِثالِ الأمْرِ بِها واعْتَبَرَ الحَفْدَ بِمَعْنى مُقارَبَةِ الخَطِّ، وقِيلَ: أوْلادُ المَرْأةِ مِنَ الزَّوْجِ الأوَّلِ، وأخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ والبُخارِيُّ في تارِيخِهِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُمُ الأُخْتانِ وأُرِيدَ بِهِمْ- عَلى ما قِيلَ- أزْواجُ البَناتِ ويُقالُ لَهُمْ: أصْهارٌ، وأنْشَدُوا:

فَلَوْ أنَّ نَفْسِي طاوَعَتْنِي لَأصْبَحَتْ ∗∗∗ لَها حَفْدٌ مِمّا يُعَدُّ كَثِيرُ

ولَكِنَّها نَفْسٌ عَلَيَّ أبِيَّةٌ ∗∗∗ عُيُونِي لِأصْهارِ اللِّئامِ تَدُورُ

والنَّصْبُ عَلى هَذا بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ أيْ وجَعَلَ لَكم حَفَدَةً لا بِالعَطْفِ عَلى ( بَنِينَ ) لِأنَّ القَيْدَ إذا تَقَدَّمَ يُعَلَّقُ بِالمُتَعاطِفَيْنِ وأزْواجُ البَناتِ لَيْسُوا مِنَ الأزْواجِ، وضَعُفَ بِأنَّهُ لا قَرِينَةَ عَلى تَقْدِيرِ خِلافِ الظّاهِرِ وفِيهِ دَغْدَغَةٌ لا تَخْفى.

وقِيلَ: لا مانِعَ مِنَ العَطْفِ بِأنْ يُرادَ بِالأخْتانِ أقارِبُ المَرْأةِ كَأبِيها وأخِيها لا أزْواجُ البَناتِ فَإنَّ إطْلاقَ الأُخْتانِ عَلَيْهِ إنَّما هو عِنْدَ العامَّةِ وأمّا عِنْدَ العَرَبِ فَلا كَما في الصِّحاحِ، وتَجْعَلُ ( مِن ) سَبَبِيَّةً ولا شَكَّ أنَّ الأزْواجَ سَبَبٌ لِجَعْلِ الحَفَدَةِ بِهَذا المَعْنى وهو كَما تَرى. وتُعُقِّبَ تَفْسِيرُهُ بِالأخْتانِ والرَّبائِبِ بِأنَّ السِّياقَ لِلِامْتِنانِ ولا يُمْتَنُّ بِذَلِكَ.

وأُجِيبُ بِأنَّ الِامْتِنانَ بِاعْتِبارِ الخِدْمَةِ ولا يَخْفى أنَّهُ مُصَحَّحٌ لا مُرَجَّحٌ. وقِيلَ: الحَفَدَةُ هُمُ الخَدَمُ والأعْوانُ وهو المَعْنى المَشْهُورُ لَهُ لُغَةً. والنَّصْبُ أيْضًا بِمُقَدَّرٍ أيْ وجَعَلَ لَكم خَدَمًا يَحْفِدُونَ في مَصالِحِكم ويُعِينُونَكم في أُمُورِكم.

وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ بَعْدَ نَقْلِ عِدَّةِ أقْوالٍ في المُرادِ مِن ذَلِكَ: وهَذِهِ الأقْوالُ مَبْنِيَّةٌ عَلى أنَّ كُلَّ أحَدٍ جُعِلَ لَهُ مِن زَوْجَتِهِ بَنُونَ وحَفَدَةٌ ولا يَخْفى أنَّهُ بِاعْتِبارِ الغالِبِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن أزْواجِكُمْ﴾ عَلى العُمُومِ والِاشْتِراكِ أيْ جَعَلَ مِن أزْواجِ البَشَرِ البَنِينَ والحَفَدَةَ ويَسْتَقِيمُ عَلى هَذا إجْراءُ الحَفَدَةِ عَلى مَجْراها في اللُّغَةِ إذِ

صفحة 191

البَشَرُ بِجُمْلَتِهِمْ لا يَسْتَغْنِي أحَدُهم عَنْ حَفَدَةٍ اهـ، وحِينَئِذٍ لا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرٍ لَكِنْ لا يَخْفى أنَّ فِيهِ بُعْدًا، وتَأْخِيرُ المَنصُوبِ في المَوْضِعَيْنِ عَنِ المَجْرُورِ لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ مِنَ التَّشْوِيقِ، وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ بِاللّامِ عَلى المَجْرُورِ بِمِن لِلْإيذانِ مِن أوَّلِ الأمْرِ بِعَوْدِ مَنفَعَةِ الجَعْلِ إلَيْهِمْ إمْدادًا لِلتَّشْوِيقِ وتَقْوِيَةً لَهُ.

﴿ورَزَقَكم مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ أيِ اللَّذائِذِ وهو مَعْناها اللُّغَوِيُّ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالطَّيِّبِ ما هو مُتَعارَفٌ في لِسانِ الشَّرْعِ وهو الحَلالُ. وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ المُخاطَبِينَ بِهَذا الكُفّارُ وهم لا شَرْعَ لَهم فَتَفْسِيرُهُ بِذَلِكَ غَيْرُ ظاهِرٍ، وأُجِيبُ بِأنَّهم مُكَلَّفُونَ بِالفُرُوعِ كالأُصُولِ فَيُوجَدُ في حَقِّهِمُ الحَلّالُ والحَرامُ، وأيْضًا هم مَرْزُوقُونَ بِكَثِيرٍ مِنَ الحَلالِ الَّذِي أكَلُوا بَعْضَهُ ولا يَلْزَمُ اعْتِقادُهم لِلْحِلِّ ونَحْوِهِ، و(مِن) لِلتَّبْعِيضِ لِأنَّ ما رُزِقُوهُ بَعْضٌ مِن كُلِّ الطَّيِّباتِ فَإنَّ ما في الدُّنْيا مِنها بِأسْرِهِ أُنْمُوذَجٌ لِما في الآخِرَةِ إذْ فِيها ما لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ، وما في الدُّنْيا لَمْ يَصِلْ كَثِيرٌ مِنهُ إلَيْهِمْ، والظّاهِرُ عَلى ما ذَكَرْنا عُمُومُ الطَّيِّباتِ لِلنَّباتِ والثِّمارِ والحُبُوبِ والأشْرِبَةِ والحَيَوانِ، وقِيلَ: المُرادُ بِها ما أتى مِن غَيْرِ نَصَبٍ، وقِيلَ: الغَنائِمُ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ.

﴿أفَبِالباطِلِ﴾ وهو مَنفَعَةُ الأصْنامِ وبَرَكَتُها وما ذاكَ إلّا وهْمٌ باطِلٌ لَمْ يَتَوَصَّلُوا إلَيْهِ بِدَلِيلٍ ولا أمارَةٍ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ وقُدِّمَ لِلْحَصْرِ فَيُفِيدُ أنْ لَيْسَ لَهم إيمانٌ إلّا بِذَلِكَ كَأنَّهُ شَيْءٌ مَعْلُومٌ مُسْتَيْقَنٌ ﴿وبِنِعْمَةِ اللَّهِ﴾ المُشاهَدَةِ المُعايَنَةِ الَّتِي لا شُبْهَةَ فِيها لِذِي عَقْلٍ وتَمْيِيزٍ مِمّا ذُكِرَ ومِمّا لا تُحِيطُ بِهِ دائِرَةُ البَيانِ ﴿هم يَكْفُرُونَ﴾ أيْ يَسْتَمِرُّونَ عَلى الكُفْرِ بِها والإنْكارِ لَها كَما يُنْكَرُ المُحالُ الَّذِي لا يَتَصَوَّرُهُ العُقُولُ وذَلِكَ بِإضافَتِها إلى أصْنامِهِمْ، وقِيلَ: الباطِلُ ما يُسَوِّلُ لَهُمُ الشَّيْطانُ مِن تَحْرِيمِ البَحِيرَةِ والسّائِبَةِ وغَيْرِهِما ونِعْمَةُ اللَّهِ تَعالى ما أحَلَّ لَهم. والآيَةُ عَلى هَذا ظاهِرَةُ التَّعَلُّقِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ورَزَقَكم مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ فَقَطْ دُونَ ما قَبْلَهُ أيْضًا والظّاهِرُ تَعَلُّقُها بِهِما، ومِن ذَلِكَ يَظْهَرُ حالٌ ما أخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ مِن أنَّ الباطِلَ الشَّيْطانُ ونِعْمَةُ اللَّهِ تَعالى مُحَمَّدٌ ﷺ، وما ذَكَرْناهُ قَدْ صَرَّحَ بِأكْثَرِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ، واسْتِفادَةُ الحَصْرِ مِنَ التَّقْدِيمِ ظاهِرَةٌ، وأمّا كَأنَّهُ شَيْءٌ مَعْلُومٌ مُسْتَيْقَنٌ فَمُسْتَفادٌ مِن حَصْرِهِمُ الإيمانَ فِيما ذَكَرَ لِأنَّ ذَلِكَ شَأْنُ المُؤْمِنِ بِهِ لا سِيَّما وقَدْ حُصِرُوا، وأيْضًا المُقابَلَةُ بِالمُشاهَدِ المَحْسُوسِ أعْنِي نِعْمَةَ اللَّهِ تَعالى دَلَّتْ عَلى تَعْكِيسِهِمْ فَيَدُلُّ عَلى أنَّهم جَعَلُوا المَوْهُومَ بِمَنزِلَةِ المُتَيَقَّنِ وبِالعَكْسِ، والفاءُ الَّتِي لِلتَّعْكِيسِ شَدِيدَةُ الدَّلالَةِ عَلى هَذا الأمْرِ والحَمْلُ عَلى أنَّها لِلْعَطْفِ عَلى مَحْذُوفٍ لَيْسَ بِالوَجْهِ كَذا في الكَشْفِ، وفِيهِ رَدٌّ عَلى ما قِيلَ إنَّ في كِلا التَّرْكِيبَيْنِ تَأْكِيدًا وتَخْصِيصًا، أمّا التَّخْصِيصُ فِيهِما فَمِن تَقْدِيمِ المَعْمُولِ، وأمّا التَّأْكِيدُ في الأوَّلِ فَلِأنَّ الفاءَ تَسْتَدْعِي مَعْطُوفًا عَلَيْهِ تَقْدِيرُهُ أيَكْفُرُونَ بِالحَقِّ ويُؤْمِنُونَ بِالباطِلِ والكُفْرُ بِالحَقِّ مُسْتَلْزِمٌ لِلْإيمانِ بِالباطِلِ فَقَدْ تَكَرَّرَ الإيمانُ بِالباطِلِ والتَّكْرِيرُ يُفِيدُ التَّأْكِيدَ، وأمّا التَّأْكِيدُ في الثّانِي فَمِن بِناءِ ( يَكْفُرُونَ ) عَلى هُمُ المُفِيدِ لِتَقَوِّي الحُكْمِ، وجَعَلَ كَلامَ الزَّمَخْشَرِيِّ مُشِيرًا إلى ذَلِكَ كُلِّهِ فَتَدَبَّرْ. وما ذُكِرَ مِن أنَّ تَقْدِيمَ الجارِّ في التَّرْكِيبَيْنِ لِلتَّخْصِيصِ مِمّا صَرَّحَ بِهِ غَيْرُ واحِدٍ، والعَلّامَةُ البَيْضاوِيُّ جَوَّزَ ذَلِكَ لَكِنَّهُ أقْحَمَ الإيهامَ هَنا نَظِيرَ ما فَعَلْناهُ فِيما سَلَفَ آنِفًا.

ووَجْهُ ذَلِكَ بِأنَّ المَقامَ لَيْسَ بِمَقامِ تَخْصِيصِ حَقِيقَةٍ إذْ لا اخْتِصاصَ لِإيمانِهِمْ بِالباطِلِ ولا لِكُفْرانِهِمْ بِنِعَمِ اللَّهِ سُبْحانَهُ ولَمْ يُقْحِمْهُ في تَفْسِيرِ نَظِيرِ ذَلِكَ في العَنْكَبُوتِ فَإنْ وُجِّهَ بِأنَّهم إذا آمَنُوا بِالباطِلِ كانَ إيمانُهم بِغَيْرِهِ بِمَنزِلَةِ

صفحة 192

العَدَمِ وإنَّ النِّعَمَ كُلَّها مِنَ اللَّهِ تَعالى إمّا بِالذّاتِ أوْ بِالواسِطَةِ فَلَيْسَ كُفْرانُهم إلّا لِنِعَمِهِ سُبْحانَهُ كَما قِيلَ لا يَشْكُرُ اللَّهَ مَن لا يَشْكُرُ النّاسَ بَقِيَ المُخالَفَةُ. وأُجِيبُ بِأنَّهُ إذا نَظَرَ لِلْواقِعِ فَلا حَصْرَ فِيهِ وإنْ لُوحِظَ ما ذُكِرَ يَكُونُ الحَصْرُ ادِّعائِيًّا وهو مَعْنى الإيهامِ لِلْمُبالَغَةِ فَلا تَخالُفَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيمُ لِلِاهْتِمامِ لِأنَّ المَقْصُودَ بِالإنْكارِ الَّذِي سِيقَ لَهُ الكَلامُ تَعَلُّقُ كُفْرانِهِمْ بِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى واعْتِقادُهم لِلْباطِلِ لا مُطْلَقُ الإيمانِ والكُفْرانِ، وأنْ يَكُونَ لِرِعايَةِ الفَواصِلِ وهو دُونَ النُّكْتَتَيْنِ، والِالتِفاتُ إلى الغَيْبَةِ لِلْإيذانِ بِاسْتِيجابِ حالِهِمْ لِلْإعْراضِ عَنْهم وصَرْفِ الخِطابِ إلى غَيْرِهِمْ مِنَ السّامِعِينَ تَعْجِيبًا لَهم مِمّا فَعَلُوهُ.

وفِي البَحْرِ أنَّ السُّلَمِيَّ قَرَأ «تُؤْمِنُونَ» بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ وأنَّهُ رَوى ذَلِكَ عَنْ عاصِمٍ، والجُمْلَةُ فِيما بَعْدَهُ عَلى هَذا كَما اسْتَظْهَرَهُ في البَحْرِ مُجَرَّدًا عَنِ الكَفَرَةِ غَيْرَ مُنْدَرِجٍ في التَّقْرِيعِ. هَذا بَقِيَ أنَّهُ وقَعَ في العَنْكَبُوتِ ﴿أفَبِالباطِلِ يُؤْمِنُونَ وبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾بِدُونِ ضَمِيرٍ ووَقَعَ هُنا ما سَمِعْتَ بِالضَّمِيرِ، وبَيَّنَ الخَفاجِيُّ سِرَّ ذَلِكَ بِأنَّهُ لِما سَبَقَ في هَذِهِ السُّورَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ أيْ يَكْفُرُونَ كَما مَرَّ فَلَوْ ذَكَرَ ما نَحْنُ فِيهِ بِدُونِ الضَّمِيرِ لَكانَتِ الآيَةُ تَكْرارًا بِحَسَبِ الظّاهِرِ فَأتى بِالضَّمِيرِ الدّالِّ عَلى المُبالَغَةِ والتَّأْكِيدِ لِيَكُونَ تَرَقِّيًا في الذَّمِّ بَعِيدًا عَنِ اللُّغَوِيَّةِ، ثُمَّ قالَ: وقِيلَ: إنَّهُ أُجْرِيَ عَلى عادَةِ العِبادِ إذا أخْبَرُوا عَنْ أحَدٍ بِمُنْكَرٍ يَجِدُونَ مَوْجِدَةً فَيُخْبِرُوا عَنْ حالِهِ الأُخْرى بِكَلامٍ آكَدَ مِنَ الأوَّلِ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا إنَّما يَنْفَعُ إذا سُئِلَ لِمَ قِيلَ: ﴿أفَبِالباطِلِ يُؤْمِنُونَ﴾ بِدُونِ ضَمِيرٍ وقِيلَ: ﴿وبِنِعْمَتِ اللَّهِ هم يَكْفُرُونَ﴾ بِهِ، وأمّا في الفَرْقِ بَيْنَ ما هُنا وما هُناكَ فَلا، وقِيلَ: آياتُ العَنْكَبُوتِ اسْتَمَرَّتْ عَلى الغَيْبَةِ فَلَمْ يُحْتَجْ إلى زِيادَةِ ضَمِيرِ الغائِبِ وأمّا الآيَةُ الَّتِي نَحْنُ فِيها فَقَدْ سَبَقَ قَبْلَها مُخاطَباتٌ كَثِيرَةٌ فَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِن ضَمِيرِ الغائِبِ المُؤَكِّدِ لِئَلّا يَلْتَبِسَ بِالخِطابِ، وتَخْصِيصُ هَذِهِ بِالزِّيادَةِ دُونَ ( أفَبِالباطِلِ يُؤْمِنُونَ ) مَعَ أنَّها الأُولى بِها بِحَسَبِ الظّاهِرِ لِتَقَدُّمِها لِئَلّا يَلْزَمَ زِيادَةُ الفاصِلَةِ الأُولى عَلى الثّانِيَةِ. واعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأنَّهُ لا يَخْفى أنَّهُ لا مُقْتَضى لِلُزُومِ الغَيْبَةِ ولا لَبْسَ لَوْ تُرِكَ الضَّمِيرُ.

وقَدْ يُقالُ: إنَّما لَمْ يُؤْتَ في آيَةِ العَنْكَبُوتِ بِالضَّمِيرِ ويُبْنى الفِعْلُ عَلَيْهِ إفادَةً لِلتَّقَوِّي اسْتِغْناءً بِتَكَرُّرِ ما يُفِيدُ كُفْرَ القَوْمِ بِالنِّعَمِ مَعَ قُرْبِهِ مِن تِلْكَ الآيَةِ عَنْ ذَلِكَ، عَلى أنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ هُناكَ ما تَسْتَمِدُّ مِنهُ الجُمْلَتانِ أتَمَّ اسْتِمْدادٍ وإنْ كانَ فِيهِ نَوْعُ بُعْدٍ ومُغايِرَةٍ ما وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِالباطِلِ وكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ [العَنْكَبُوتِ: 52] ولَمّا لَمْ تَكُنْ آيَةُ النَّحْلِ فِيما ذُكِرَ بِهَذِهِ المَرْتَبَةِ جِيءَ فِيها بِما يُفِيدُ التَّقَوِّيَ، أوْ يُقالُ: إنَّهُ لَمّا كانَ سَرْدُ النِّعَمِ هُنا عَلى وجْهٍ ظاهِرٍ في وُصُولِها إلَيْهِمْ والِامْتِنانِ بِها عَلَيْهِمْ كانَ ذَلِكَ أوْفَقَ بِأنْ يُؤْتى بِما يُفِيدُ كُفْرَهم بِها عَلى وجْهٍ يُشْعِرُ بِاسْتِبْعادِ وُقُوعِهِ مِنهم فَجِيءَ بِالضَّمِيرِ فِيهِ ولَمّا لَمْ يَكُنْ ما هُنالِكَ كَذَلِكَ لَمْ يُؤْتَ فِيهِ بِما ذَكَرَ، ولَعَلَّ التَّعْبِيرَ هُنا- بِـ يَكْفُرُونَ- وفِيما قَبْلُ ( يَجْحَدُونَ ) لِأنَّ ما قَبْلَ كانَ مَسْبُوقًا عَلى ما قِيلَ بِضَرْبِ مَثَلٍ لِكَمالِ قَباحَةِ ما فَعَلُوهُ والجُحُودُ أوْفَقُ بِذَلِكَ لِما أنَّ كَمالَ القُبْحِ فِيهِ أتَمُّ ولا كَذَلِكَ فِيما البَحْثُ فِيهِ كَذا قِيلَ فافْهَمْ واللَّهُ تَعالى بِأسْرارِ كِتابِهِ أعْلَمُ

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском