Al-AlusiAn‑Nahl · 16:77–79

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

An-Nahl 16:77–79

16:77Page 275

وَلِلَّهِ غَيۡبُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَمَآ أَمۡرُ ٱلسَّاعَةِ إِلَّا كَلَمۡحِ ٱلۡبَصَرِ أَوۡ هُوَ أَقۡرَبُۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٧٧

And to Allāh belongs the unseen [aspects] of the heavens and the earth. And the command for the Hour is not but as a glance of the eye or even nearer. Indeed, Allāh is over all things competent.

﴿ولِلَّهِ﴾ تَعالى خاصَّةً لا لِأحَدٍ غَيْرِهِ اسْتِقْلالًا ولا اشْتِراكًا ﴿غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ جَمِيعُ الأُمُورِ الغائِبَةِ عَنْ عُلُومِ المَخْلُوقِينَ بِحَيْثُ لا سَبِيلَ لَهم إلى إدْراكِها حِسًّا ولا فَهْمِها عَقْلًا، ومَعْنى الإضافَةِ إلَيْهِما التَّعَلُّقُ بِهِما إمّا بِاعْتِبارِ الوُقُوعِ فِيهِما حالًا أوْ مَآلًا وإمّا بِاعْتِبارِ الغَيْبَةِ عَنْ أهْلِهِما، ولا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ هَذا المُضافِ. والمُرادُ بَيانُ الِاخْتِصاصِ بِهِ تَعالى مِن حَيْثُ المَعْلُومِيَّةُ وحَسْبَما يُنْبِئُ عَنْهُ عُنْوانُ الغَيْبَةِ لا مِن حَيْثُ المَخْلُوقِيَّةُ والمَمْلُوكِيَّةُ وإنْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ في نَفْسِ الأمْرِ، وفِيهِ- كَما في إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ- إشْعارٌ بِأنَّ عِلْمَهُ تَعالى حُضُورِيٌّ وأنَّ تَحَقُّقَ الغُيُوبِ في نَفْسِها بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ولِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ تَعالى ولِلَّهِ عِلْمُ غَيْبِ السَّماواتِ والأرْضِ، وقِيلَ: المُرادُ بِغَيْبِ السَّماواتِ والأرْضِ ما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ ويُنَزِّلُ الغَيْثَ﴾ [لُقْمانَ: 34] الآيَةَ، وقِيلَ: يَوْمَ القِيامَةِ، ولا يَخْفى أنَّ القَوْلَ بِالعُمُومِ أوْلى.

﴿وما أمْرُ السّاعَةِ﴾ الَّتِي هي أعْظَمُ ما وقَعَ فِيهِ المُماراةُ مِنَ الغُيُوبِ المُتَعَلِّقَةِ بِالسَّماواتِ والأرْضِ مِن حَيْثُ الغَيْبَةُ عَنْ أهْلِهِما أوْ ظُهُورُ آثارِها فِيهِما عِنْدَ وُقُوعِها أيْ وما شَأْنُها في سُرْعَةِ المَجِيءِ ﴿إلا كَلَمْحِ البَصَرِ﴾ أيْ كَرَجْعِ الطَّرْفِ مِن أعْلى الحَدَقَةِ إلى أسْفَلِها. وفي البَحْرِ اللَّمْحُ النَّظَرُ بِسُرْعَةٍ يُقالُ: لَمَحَهُ لَمْحًا ولَمَحانًا إذا نَظَرَهُ بِسُرْعَةٍ ﴿أوْ هُوَ﴾ أيْ أمْرُها ﴿أقْرَبُ﴾ أيْ مِن ذَلِكَ وأسْرَعُ بِأنْ يَقَعَ في بَعْضِ أجْزاءِ زَمانِهِ فَإنْ رَجَعَ الطَّرْفُ مِن أعْلى الحَدَقَةِ إلى أسْفَلِها وإنْ قَصَرَ حَرَكَةٌ أيْنِيَّةٌ لَها هُوِيَّةٌ اتِّصالِيَّةٌ مُنْطَبِقَةٌ عَلى زَمانٍ لَهُ هو كَذَلِكَ قابِلٌ لِلِانْقِسامِ إلى أبْعاضٍ هي أزْمِنَةٌ أيْضًا بَلْ بِأنْ يَقَعَ فِيما يُقالُ لَهُ آنٍ وهو جُزْءٌ غَيْرُ مُنْقَسِمٍ مِن أجْزاءِ الزَّمانِ كَآنِ ابْتِدائِيَّةِ الحَرَكَةِ، و«أوْ» قالَ الفَرّاءُ: بِمَعْنى بَلْ.

ورَدَّهُ في البَحْرِ بِأنَّ بَلْ لِلْإضْرابِ وهو لا يَصِحُّ هُنا بِقِسْمَيْهِ، أمّا الإبْطالُ فَلِأنَّهُ يَؤُولُ إلى أنَّ الحُكْمَ السّابِقَ غَيْرُ مُطابِقٍ فَيَكُونُ الإخْبارُ بِهِ كَذِبًا واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ، وأمّا الِانْتِقالُ فَلِأنَّهُ يَلْزَمُهُ التَّنافِي بَيْنَ الإخْبارِ بِكَوْنِهِ مِثْلَ لَمْحِ البَصَرِ وكَوْنِهِ أقْرَبَ فَلا يُمْكِنُ صِدْقُهُما مَعًا ويَلْزَمُ الكَذِبُ المُحالُ أيْضًا. وأُجِيبُ بِاخْتِبارِ الثّانِي ولا تَنافِيَ بَيْنَ تَشْبِيهِهِ في السُّرْعَةِ بِما هو غايَةُ ما يَتَعارَفُهُ النّاسُ في بابِهِ وبَيْنَ كَوْنِهِ في الواقِعِ أقْرَبَ مِن ذَلِكَ، وهَذا بَناهُ عَلى أنَّ الغَرَضَ مِنَ التَّشْبِيهِ بَيانُ سُرْعَتِهِ لا بَيانُ مِقْدارِ زَمانِ وُقُوعِهِ وتَحْدِيدِهِ. وأُجِيبُ أيْضًا بِما يُصَحِّحُهُ بِشِقَّيْهِ وهو أنَّهُ ورَدَ عَلى عادَةِ النّاسِ يَعْنِي أنَّ أمْرَها إذا سُئِلْتُمْ عَنْها أنْ يُقالَ فِيهِ: وهو كَلَمْحِ البَصَرِ ثُمَّ يُضْرَبُ عَنْهُ إلى ما هو أقْرَبُ. وقِيلَ: هي لِلتَّخْيِيرِ. ورَدَّهُ في البَحْرِ أيْضًا بِأنَّهُ إنَّما يَكُونُ في المَحْظُوراتِ كَخُذْ مِن مالِي دِينارًا أوْ دِرْهَمًا أوْ في التَّكْلِيفاتِ كَآيَةِ الكَفّاراتِ. وأُجِيبُ بِأنَّ هَذا مَبْنِيٌّ عَلى مَذْهَبِ ابْنِ مالِكٍ مِن أنَّ ( أوْ ) تَأْتِي لِلتَّخْيِيرِ وأنَّهُ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِالوُقُوعِ

صفحة 199

بَعْدَ الطَّلَبِ بَلْ يَقَعُ في الخَبَرِ ويَكْثُرُ في التَّشْبِيهِ حَتّى خَصَّهُ بَعْضُهم بِهِ. وفي شَرْحِ الهادِي اعْلَمْ أنَّ التَّخْيِيرَ والإباحَةَ مُخْتَصّانِ بِالأمْرِ إذْ لا مَعْنى لَهُما في الخَبَرِ كَما أنَّ الشَّكَّ والإبْهامَ مُخْتَصّانِ بِالخَبَرِ. وقَدْ جاءَتِ الإباحَةُ في غَيْرِ الأمْرِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ﴾ [البَقَرَةِ: 17- 19] أيْ بِأيِّ هَذَيْنِ شَبَّهْتَ فَأنْتَ مُصِيبٌ وكَذا إنْ شَبَّهْتَ بِهِما جَمِيعًا، ومِثْلُهُ في الشِّعْرِ كَثِيرٌ، وقِيلَ: إنَّ المُرادَ تَخْيِيرُ المُخاطَبِ بَعْدَ فَرْضِ الطَّلَبِ والسُّؤالِ فَلا حاجَةَ إلى البِناءِ عَلى ما ذُكِرَ، وهو كَما تَرى، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ التَّخْيِيرَ مُشْكِلٌ مِن جِهَةٍ أُخْرى وهي أنَّ أحَدَ الأمْرَيْنِ مِن كَوْنِهِ كَلَمْحِ البَصَرِ أوْ أقْرَبَ غَيْرُ مُطابِقٍ لِلْواقِعِ فَكَيْفَ يُخْبِرُ اللَّهُ تَعالى بَيْنَ ما لا يُطابِقُهُ، وفِيهِ أنَّ المُرادَ التَّخْيِيرُ في التَّشْبِيهِ وأيُّ ضَرَرٍ في عَدَمِ وُقُوعِ المُشَبَّهِ بِهِ بَلْ قَدْ يُسْتَحْسَنُ فِيهِ عَدَمُ الوُقُوعِ كَما في قَوْلِهِ:

أعْلامُ ياقُوتٍ نُشِرْ نَ عَلى رِماحٍ مِن زَبَرْجَدِ

وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هي لِلشَّكِّ عَلى بابِها عَلى مَعْنى أنَّهُ لَوِ اتَّفَقَ أنْ يَقِفَ عَلى أمْرِها شَخْصٌ مِنَ البَشَرِ لَكانَتْ مِنَ السُّرْعَةِ بِحَيْثُ يَشُكُّ هَلْ هو كَلَمْحِ البَصَرِ أوْ أقْرَبَ. وتَعَقَّبَهُ في البَحْرِ أيْضًا بِأنَّ الشَّكَّ بَعِيدٌ لِأنَّ هَذا إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَنْ أمْرِ السّاعَةِ والشَّكُّ مُسْتَحِيلٌ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ أيْ فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلى غَيْرِ المُتَكَلِّمِ، وفي ارْتِكابِهِ بُعْدٌ، ويَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا مُرادُهُ تَعْلِيلُهُ البُعْدَ بِالِاسْتِحالَةِ فَلَيْسَ اعْتِراضُهُ مِمّا يُقْضى مِنهُ العَجَبُ كَما تُوُهِّمَ، وقالَ الزَّجّاجُ: هي لِلْإبْهامِ وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا فائِدَةَ في إبْهامِ أمْرِها في السُّرْعَةِ وإنَّما الفائِدَةُ في إبْهامِ وقْتِ مَجِيئِها. وأُجِيبُ بِأنَّ المُرادَ أنَّهُ يَسْتَبْهِمُ عَلى مَن يُشاهِدُ سُرْعَتَها هَلْ هي كَلَمْحِ البَصَرِ أوْ أقَلَّ فَتَدَبَّرْ. والمَأْثُورُ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّها بِمَعْنى بَلْ وعَلَيْهِ كَثِيرُونَ، والمُرادُ تَمْثِيلُ سُرْعَةِ مَجِيئِها واسْتِقْرابُهُ عَلى وجْهِ المُبالَغَةِ، وقَدْ كَثُرَ في النَّظْمِ مِثْلُ هَذِهِ المُبالَغَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

قالَتْ لَهُ البَرْقُ وقالَتْ لَهُ الرِّي ∗∗∗ حُ جَمِيعًا وهُما ما هُما

أأنْتْ تَجْرِي مَعَنا قالَ إنْ ∗∗∗ نَشِطَتْ أضْحَكَتْكُما مِنكُما

إنَّ ارْتِدادَ الطَّرْفِ قَدْ فَتَّهُ ∗∗∗ إلى المَدى سَبْقًا فَمَن أنْتُما

وقِيلَ: المَعْنى وما أمْرُ إقامَةِ السّاعَةِ المُخْتَصِّ عِلْمُها بِهِ سُبْحانَهُ وهي إماتَةُ الأحْياءِ وإحْياءُ الأمْواتِ مِنَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ وتَبْدِيلُ صُوَرِ الأكْوانِ أجْمَعِينَ وقَدْ أنْكَرَها المُنْكِرُونَ وجَعَلُوها مِن قَبِيلِ ما لا يَدْخُلُ تَحْتَ دائِرَةِ الإمْكانِ في سُرْعَةِ الوُقُوعِ وسُهُولَةِ التَّأتِّي إلّا كَلَمْحِ البَصَرِ أوْ هو أقْرَبُ عَلى ما مَرَّ مِنَ الأقْوالِ في (أوْ ﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ومِن جُمْلَةِ الأشْياءِ أنْ يَجِيءَ بِها في أسْرَعِ ما يَكُونُ فَهو قادِرٌ عَلى ذَلِكَ، وتَقُولُ عَلى الثّانِي: ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ أمْرُ إقامَتِها فَهو سُبْحانُهُ قادِرٌ عَلَيْهِ فالجُمْلَةُ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ. وفي الكَشْفِ عَلى تَقْدِيرِ عُمُومِ الغَيْبِ وشُمُولِهِ لِجَمِيعِ ما غابَ في السَّماواتِ والأرْضِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وما أمْرُ السّاعَةِ﴾ كالمُسْتَفادِ مِنَ الأوَّلِ وهو كالتَّمْهِيدِ لَهُ أيْ يَخْتَصُّ بِهِ عِلْمُ كُلِّ غَيْبٍ السّاعَةَ وغَيْرَها فَهو الآتِي بِها لِلْعِلْمِ والقُدْرَةِ، ولِهَذا عَقَّبَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ إلَخْ، وأمّا إذا أُرِيدَ بِالغَيْبِ السّاعَةُ فَهو ظاهِرٌ اهـ. ولا يَخْفى الحالُ عَلى القَوْلِ بِأنَّ المُرادَ بِالغَيْبِ ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ ويُنَزِّلُ الغَيْثَ﴾ [لُقْمانَ: 34] الآيَةَ، وعَلى القَوْلِ الأخِيرِ في الغَيْبِ يَكُونُ ذِكْرُ السّاعَةِ مِن وضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِتَقْوِيَةِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ.

16:78Page 275

وَٱللَّهُ أَخۡرَجَكُم مِّنۢ بُطُونِ أُمَّهَٰتِكُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ شَيۡـٔٗا وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡأَبۡصَٰرَ وَٱلۡأَفۡـِٔدَةَ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ٧٨

And Allāh has extracted you from the wombs of your mothers not knowing a thing, and He made for you hearing and vision and hearts [i.e., intellect] that perhaps you would be grateful.

﴿واللَّهُ أخْرَجَكم مِن بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا﴾ [النَّحْلِ: 72]

صفحة 200

مُنْتَظِمٌ مَعَهُ في سَلْكِ أدِلَّةِ التَّوْحِيدِ، ويُفْهَمُ مِن قَوْلِ العَلّامَةِ الطَّيِّبِيِّ أنَّهُ تَعالى عَقَّبَ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ بِقَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿واللَّهُ أخْرَجَكُمْ﴾ إلَخْ مَعْطُوفًا بِالواوِ إيذانًا بِأنَّ مَقْدُوراتِهِ تَعالى لا نِهايَةَ لَها والمَذْكُورُ بَعْضٌ مِنها أنَّ العَطْفَ عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( إنَّ اللَّهَ ) إلَخْ، والَّذِي تَنْبَسِطُ لَهُ النَّفْسُ هو الأوَّلُ.

والأُمَّهاتُ بِضَمِّ الهَمْزَةِ وفَتْحِ الهَمْزَةِ جَمْعُ أُمٍّ والهاءُ فِيهِ مَزِيدَةٌ وكَثُرَ زِيادَتُها فِيهِ ووَرَدَ بِدُونِها، والمَعْنى في الحالَيْنِ واحِدٌ، وقِيلَ: ذُو الزِّيادَةِ لِلْأناسِيِّ والعارِي عَنْها لِلْبَهائِمِ، ووَزْنُ المُفْرَدِ فُعْلٌ لِقَوْلِهِمُ الأُمُومَةُ، وجاءَ بِالهاءِ كَقَوْلِ قَصِيِّ بْنِ كِلابٍ عَلَيْهِما الرَّحْمَةُ:

أُمَّهْتِي خِنْدَفُ وإلْياسُ أبِي وهو قَلِيلٌ، وأقَلُّ مِن ذَلِكَ زِيادَةُ الهاءِ في الفِعْلِ كَما قِيلَ في أهْراقَ، وفِيهِ بَحْثٌ فارْجِعْ إلى الصِّحاحِ وغَيْرِهِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ والمِيمِ هُنا، وفي الزُّمُرِ، والنَّجْمِ. والرُّومِ، والكِسائِيُّ بِكَسْرِ المِيمِ فِيهِنَّ والأعْمَشُ بِحَذْفِ الهَمْزَةِ وكَسْرِ المِيمِ، وابْنُ أبِي لَيْلى بِحَذْفِها وفَتْحِ المِيمِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: حَذْفُ الهَمْزَةِ رَدِيءٌ ولَكِنَّ قِراءَةَ ابْنِ أبِي لَيْلى أصْوَبُ، وكانَتْ كَذَلِكَ عَلى ما في البَحْرِ لِأنَّ كَسْرَ المِيمِ إنَّما هو لِإتْباعِها حَرَكَةَ الهَمْزَةِ فَإذا كانَتِ الهَمْزَةُ مَحْذُوفَةً زالَ الإتْباعُ بِخِلافِ قِراءَةِ ابْنِ أبِي لَيْلى فَإنَّهُ أقَرَّ المِيمَ عَلى حَرَكَتِها ﴿لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ في مَوْضِعِ الحالِ (وشَيْئًا) مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ أوْ مَفْعُولُ ( تَعْلَمُونَ )، والنَّفْيُ مُنْصَبٌّ عَلَيْهِ، والعِلْمُ بِمَعْنى المَعْرِفَةِ أيْ غَيْرَ عارِفِينَ شَيْئًا أصْلًا مِن حَقِّ المُنْعِمِ وغَيْرِهِ، وقِيلَ: شَيْئًا مِن مَنافِعِكُمْ، وقِيلَ: مِمّا قَضى عَلَيْكم مِنَ السَّعادَةِ أوِ الشَّقاوَةِ، وقِيلَ: مِمّا أخَذَ عَلَيْكم مِنَ المِيثاقِ في أصْلابِ آبائِكُمْ، والظّاهِرُ العُمُومُ ولا داعِيَ إلى التَّخْصِيصِ. وعَنْ وهْبٍ يُولَدُ المَوْلُودُ خَدِرًا إلى سَبْعَةِ أيّامٍ لا يُدْرِكُ راحَةً ولا ألَمًا.

وادَّعى بَعْضُهم أنَّ النَّفْسَ لا تَخْلُو في مَبْدَأِ الفِطْرَةِ عَنِ العِلْمِ الحُضُورِيِّ وهو عِلْمُها بِنَفْسِها إذِ المُجَرَّدُ لا يَغِيبُ عَنْ ذاتِهِ أصْلًا، فَقَدْ قالَ الشَّيْخُ في بَعْضِ تَعْلِيقاتِهِ عِنْدَ إثْباتِ تَجَرُّدِ النَّفْسِ: إنَّكَ لا تَغْفُلُ عَنْ ذاتِكَ أصْلًا في حالٍ مِنَ الأحْوالِ ولَوْ في حالِ النَّوْمِ والسُّكْرِ، ولَوْ جُوِّزَ أنْ يَغْفُلَ عَنْ ذاتِهِ في بَعْضِ الأحْوالِ حَتّى لا يَكُونَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الجَمادِ في هَذِهِ الحالَةِ فَرْقٌ فَلا يُجْدِي هَذا البُرْهانُ مَعَهُ، وقالَ بَهْمَنيارُ في التَّحْصِيلِ في فَصْلِ العَقْلِ والمَعْقُولِ: ثُمَّ إنَّ النَّفْسَ الإنْسانِيَّةَ تَشْعُرُ بِذاتِها فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ وُجُودُها عَقْلِيًّا فَيَكُونُ نَفْسُ وُجُودِها نَفْسَ إدْراكِها ولِهَذا لا تَعْزُبُ عَنْ ذاتِها البَتَّةَ، ومِثْلُهُ في الشِّفاءِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ عَدَمَ الخُلُوِّ مَبْنِيٌّ عَلى مُقَدِّماتٍ خَفِيَّةٍ كَتَجَرُّدِ النَّفْسِ الَّذِي أنْكَرَهُ الطَّبِيعِيُّونَ عَنْ آخِرِهِمْ وإنَّ كُلَّ مُجَرَّدٍ عالَمٌ ولا يَتِمُّ البُرْهانُ عَلَيْهِ، وأيْضًا ما نُقِلَ مِن أنَّ عِلْمَ النَّفْسِ بِذاتِها عَيْنُ ذاتِها لا يُنافِي أنْ يَكُونَ لِكَوْنِ الذّاتِ عِلْمًا بِها شَرْطٌ فَما لَمْ يَتَحَقَّقْ ذَلِكَ الشَّرْطُ لَمْ تَكُنِ الذّاتُ عِلْمًا بِها كَما أنَّ لِكَوْنِ المَبْدَأِ الفَيّاضِ خِزانَةً لِمَعْقُولاتِ زَيْدٍ مَثَلًا شَرْطًا إذا تَحَقَّقَ تَحَقَّقَ وإلّا فَلا، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ أنَّ عِلْمَ النَّفْسِ بِصِفاتِها أيْضًا نَفْسُ صِفاتِها عِنْدَهم ومَعَ ذَلِكَ يَجُوزُ الغَفْلَةُ عَنِ الصِّفَةِ في بَعْضِ الأحْيانِ كَما لا يَخْفى.

وأيْضًا إذا قُلْنا: إنَّ حَقِيقَةَ الذّاتِ غَيْرُ غائِبَةٍ عَنْها، وقُلْنا: إنَّ ذَلِكَ عِلْمٌ بِها يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ حَقِيقَةُ النَّفْسِ المُجَرَّدَةِ مَعْلُومَةً لِكُلِّ أحَدٍ ومِنِ البَيِّنِ أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، عَلى أنَّ المُحَقِّقَ الطَّوْسِيُّ قَدْ مَنَعَ قَوْلَهُمْ: إنَّكَ لا تَغْفُلُ عَنْ ذاتِكَ أبَدًا، وقالَ: إنَّ المُغْمى عَلَيْهِ رُبَّما غَفَلَ عَنْ ذاتِهِ في وقْتِ الإغْماءِ، ومِثْلُهُ كَثِيرٌ مِنَ الأمْراضِ النَّفْسانِيَّةِ، ومِنَ العَجائِبِ أنَّ بَعْضَ الأجِلَّةِ ذَكَرَ أنَّ المُرادَ بِخُلُوِّها في مَبْدَأِ الفِطْرَةِ خُلُوُّها حالَ تَعَلُّقِها بِالبَدَنِ، وقالَ: إنَّهُ لا يُنافِي

صفحة 201

ذَلِكَ ما قالَهُ الشَّيْخُ مِن أنَّ الطِّفْلَ يَتَعَلَّقُ بِالثَّدْيِ حالَ التَّوَلُّدِ بِإلْهامٍ فِطْرِيٍّ لِأنَّ حالَ التَّعَلُّقِ سابِقٌ عَلى ذَلِكَ وذَلِكَ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ أنَّ الخُلُوَّ في مَبْدَأِ الفِطْرَةِ إنَّما يَظْهَرُ لِذَوِي الحَدْسِ بِمُلاحَظَةِ حالِ الطِّفْلِ وتَجارِبِ أحْوالِهِ ووَجْهُ العَجَبِ ظاهِرٌ فافْهَمْ ولا تَغْفُلْ.

وتَفْسِيرُ العِلْمِ بِالمَعْرِفَةِ مِمّا ذَهَبَ إلَيْهِ غَيْرُ واحِدٍ، وفي أمالِي العِزِّ لا يَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ باقِيًا عَلى بابِهِ ويَكُونُ (شَيْئًا) مَصْدَرًا أيْ لا تَعْلَمُونَ عِلْمًا لِوَجْهَيْنِ. الأوَّلُ أنَّهُ يَلْزَمُ حَذْفُ المَفْعُولَيْنِ وهو خِلافُ الأصْلِ. الثّانِي أنَّهُ لَوْ كانَ باقِيًا عَلى بابِهِ لَكانَ النّاسُ يَعْلَمُونَ المُبْتَدَأ الَّذِي هو أحَدُ المَفْعُولَيْنِ قَبْلَ الخُرُوجِ مِنَ البُطُونِ وهو مُحالٌ لِاسْتِحالَةِ العِلْمِ عَلى مَن لَمْ يُولَدْ، بَيانُ ذَلِكَ أنّا إذا قُلْنا: عَلِمْتُ زَيْدًا مُقِيمًا يَجِبُ أنْ يَكُونَ العِلْمُ بِزَيْدٍ مُتَقَدِّمًا قَبْلَ هَذا العِلْمِ وهَذا العِلْمُ إنَّما يَتَعَلَّقُ بِإقامَتِهِ، وكَذَلِكَ إذا قُلْتَ: ما عَلِمْتُ زَيْدًا مُقِيمًا فالَّذِي لَمْ يُعْلَمْ هو إقامَةُ زَيْدٍ وأمّا هو فَمَعْلُومٌ وذَلِكَ مُسْتَفادٌ مِن جِهَةِ الوَضْعِ فَحَيْثُ أُثْبِتَ العِلْمُ أوْ نُفِيَ فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ الأوَّلُ مَعْلُومًا فَيَتَعَيَّنُ حَمْلُ العِلْمِ عَلى المَعْرِفَةِ اه. ويُعْلَمُ مِنهُ عَدَمُ اسْتِقامَةِ جَعْلِ العِلْمِ عَلى بابِهِ، (وشَيْئًا) مَفْعُولُهُ الأوَّلُ والمَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ﴾ يَحْتِمَلُ أنْ يَكُونَ جُمْلَةً ابْتِدائِيَّةً ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى الجُمْلَةِ الواقِعَةِ خَبَرًا والواوُ لا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ، ونُكْتَةُ تَأْخِيرِهِ أنَّ السَّمْعَ ونَحْوَهُ مِن آلاتِ الإدْراكِ إنَّما يُعْتَدُّ بِهِ إذا أُحِسَّ وأُدْرِكَ وذَلِكَ بَعْدَ الإخْراجِ، وجَعَلَ إنْ تَعَدّى لِواحِدٍ بِأنْ كانَ بِمَعْنى خَلَقَ- لَكُمْ- مُتَعَلِّقٌ بِهِ وإنْ تَعَدّى لِاثْنَيْنِ بِأنْ كانَ بِمَعْنى صَيَّرَ فَهو مَفْعُولُهُ الثّانِي، وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى المَنصُوباتِ لِما مَرَّ غَيْرُ مَرَّةٍ.

والمَعْنى جَعَلَ لَكم هَذِهِ الأشْياءَ آلاتٍ تُحَصِّلُونَ بِها العِلْمَ والمَعْرِفَةَ بِأنْ تُحِسُّوا بِمَشاعِرِكم جُزْئِيّاتِ الأشْياءِ وتُدْرِكُوها بِأفْئِدَتِكم وتَنْتَبِهُوا لِما بَيْنَها مِنَ المُشارَكاتِ والمُبايَناتِ بِتَكْرِيرِ الإحْساسِ فَيَحْصُلُ لَكم عُلُومٌ بَدِيهِيَّةٌ تَتَمَكَّنُونَ بِالنَّظَرِ فِيها مِن تَحْصِيلِ العُلُومِ الكَسْبِيَّةِ، وهَذا خُلاصَةُ ما ذَكَرَهُ الإمامُ في هَذا المَقامِ ومُسْتَمَدُّ ما ذَهَبَ إلَيْهِ الكَثِيرُ مِنَ الحُكَماءِ مِن أنَّ النَّفْسَ في أوَّلِ أمْرِها خالِيَةٌ عَنِ العُلُومِ فَإذا اسْتَعْمَلَتِ الحَواسَّ الظّاهِرَةَ أدْرَكَتْ بِالقُوَّةِ الوَهْمِيَّةِ أُمُورًا جُزْئِيَّةً بِمُشارَكاتٍ ومُبايَناتٍ جُزْئِيَّةٍ بَيْنَها فاسْتَعَدَّتْ لِأنْ يُفِيدَ عَلَيْها المَبْدَأُ الفَيّاضُ المُشارَكاتِ الكُلِّيَّةَ، ويُثْبِتُونَ لِلنَّفْسِ أرْبَعَ مَراتِبَ. مَرْتَبَةُ العَقْلِ الهُيُولانِيِّ. ومَرْتَبَةُ العَقْلِ بِالمَلَكَةِ. ومَرْتَبَةُ العَقْلِ بِالفِعْلِ ومَرْتَبَةُ العَقْلِ المُسْتَفادِ، ويَزْعُمُونَ أنَّ النَّفْسَ لا تُدْرِكُ الجُزْئِيَّ المادِّيَّ، ولَهم في هَذا المَقامِ كَلامٌ طَوِيلٌ وبَحْثٌ عَرِيضٌ.

وأهْلُ السُّنَّةِ يَقُولُونَ: إنَّ النَّفْسَ تُدْرِكُ الكُلِّيَّ والجُزْئِيَّ مُطْلَقًا بِاسْتِعْمالِ المَشاعِرِ وبِدُونِهِ كَما فُصِّلَ في مَحَلِّهِ، وتَحْقِيقُ هَذا المَطْلَبِ بِما لَهُ وما عَلَيْهِ يَحْتاجُ إلى بَسْطٍ كَثِيرٍ، وقَدْ عُرِضَ والمُسْتَعانُ بِالحَيِّ القَيُّومِ جَلَّ جَلالُهُ وعَمَّ نَوالُهُ مِنَ الحَوادِثِ المُوجِبَةِ لِاخْتِلالِ أمْرِ الخاصَّةِ والعامَّةِ ما شَوَّشَ ذِهْنِي وحالَ بَيْنَ تَحْقِيقِ ذَلِكَ وبَيْنِي، أسْألُ اللَّهَ سُبْحانَهُ أنْ يَمُنَّ عَلَيْنا بِما يَسُرُّ الفُؤادَ ويُيَسِّرُ لَنا ما يَكُونُ عَوْنًا عَلى تَحْصِيلِ المُرادِ وبِالجُمْلَةِ المَأْثُورُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ قالَ: يُرِيدُ سُبْحانَهُ أنَّهُ جَعَلَ لَكم ذَلِكَ لِتَسْمَعُوا مَواعِظَ اللَّهِ تَعالى وتُبْصِرُوا ما أنْعَمَ اللَّهُ تَعالى بِهِ عَلَيْكم مِن إخْراجِكم مِن بُطُونِ أُمَّهاتِكم إلى أنْ صِرْتُمْ رِجالًا وتَعْقِلُوا عَظَمَتَهُ سُبْحانَهُ. وقِيلَ المَعْنى جَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ لِتَسْمَعُوا بِهِ نُصُوصَ الكِتابِ والسَّنَةِ الَّتِي هي دَلائِلُ سَمْعِيَّةٌ لِتَسْتَدِلُّوا بِها عَلى ما يُصْلِحُكم في أمْرِ دِينِكُمْ، والأبْصارَ لِتُبْصِرُوا بِها عَجائِبَ مَصْنُوعاتِهِ تَعالى وغَرائِبَ مَخْلُوقاتِهِ سُبْحانَهُ فَتَسْتَدِلُّوا بِها عَلى وحْدانِيَّتِهِ

صفحة 202

جَلَّ وعَلا، والأفْئِدَةَ لِتَعْقِلُوا بِها مَعانِيَ الأشْياءِ الَّتِي جَعَلَها سُبْحانَهُ دَلائِلَ لَكُمْ، والسَّمْعُ والأبْصارُ عَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ عَلى ظاهِرِهِما ولَمْ نَرَ مَن جَوَّزَ إخْراجَهُما عَنْ ذَلِكَ.

وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِهِما الحَواسُّ الظّاهِرَةُ عَلى الأوَّلِ، والأفْئِدَةُ جَمْعُ فُؤادٍ وهو وسَطُ القَلْبِ وهو مِنَ القَلْبِ كالقَلْبِ مِنَ الصَّدْرِ، وهَذا الجَمْعُ عَلى ما في الكَشّافِ مِن جُمُوعِ القِلَّةِ الجارِيَةِ مَجْرى جُمُوعِ الكَثْرَةِ والقِلَّةِ إذا لَمْ يَرِدْ في السَّماعِ غَيْرُهُما كَما جاءَ شُسُوعٌ في جَمْعِ شِسْعٍ لا غَيْرَ فَجَرى ذَلِكَ المَجْرى، وقالَ الزَّجّاجُ: لَمْ يُجْمَعْ فُؤادٌ عَلى أكْثَرِ العَدَدِ ورُبَّما قِيلَ: أفْئِدَةٌ وفِئْدانُ كَما قِيلَ: أغْرِبَةٌ وغِرْبانُ في جَمْعِ غُرابٍ، وفي التَّفْسِيرِ الكَبِيرِ لَعَلَّ الفُؤادَ إنَّما جُمِعَ عَلى بِناءِ القِلَّةِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ السَّمْعَ والبَصَرَ كَثِيرٌ وأمّا الفُؤادُ فَقَلِيلٌ لِأنَّهُ إنَّما خُلِقَ لِلْمَعارِفِ الحَقِيقِيَّةِ والعُلُومِ اليَقِينِيَّةِ وأكْثَرُ الخَلْقِ لَيْسَ لَهم ذَلِكَ بَلْ يَكُونُونَ مُشْتَغِلِينَ بِالأفْعالِ البَهِيمِيَّةِ والصِّفاتِ السَّبْعِيَّةِ فَكَأنَّ فُؤادَهم لَيْسَ بِفُؤادٍ فَلِذا ذُكِرَ في جَمْعِهِ جَمْعُ القِلَّةِ اه، ويَرُدُّ عَلَيْهِ الأبْصارُ فَإنَّهُ جَمْعُ قِلَّةٍ أيْضًا. وفي البَحْرِ بَعْدَ نَقْلِهِ أنَّهُ قَوْلٌ هَذَيانِيٌّ ولَوْلا جَلالَةُ قائِلِهِ لَمْ نُسَطِّرْهُ في الكُتُبِ وإنَّما يُقالُ في هَذا ما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِمّا ذَكَرَ سابِقًا إلّا أنَّ قَوْلَهُ: لَمْ يَجِئْ في جَمْعِ شِسْعٍ إلّا شُسُوعٌ لَيْسَ بِصَحِيحٍ بَلْ جاءَ فِيهِ أشْساعٌ جَمْعُ قِلَّةٍ عَلى قِلَّةٍ اه فاحْفَظْ ولا تَغْفُلْ.

وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الفُؤادَ إنَّما يُدْرِكُ ما لَيْسَ بِمَحْدُودٍ بِنَحْوِ أيْنَ وكَيْفَ وكَمْ وغَيْرَ ذَلِكَ وإنَّ لِكُلِّ مُدْرَكٍ قُوَّةً مُدْرِكَةً لَهُ تُناسِبُهُ لا يُمْكِنُ أنْ يُدْرَكَ بِغَيْرِها عَلى نَحْوِ المَحْسُوساتِ الظّاهِرَةِ مِنَ الأصْواتِ والألْوانِ والطُّعُومِ ونَحْوِها والحَواسِّ الظّاهِرَةِ مِنَ السَّمْعِ والبَصَرِ والذَّوْقِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ وهو كَما تَرى.

وإفْرادُ السَّمْعِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ مَصْدَرٌ في الأصْلِ، وقِيلَ: إنَّما أُفْرِدَ وجُمِعَ الأبْصارُ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ مُدْرَكاتِهِ نَوْعٌ واحِدٌ ومُدْرَكاتِ البَصَرِ أكْثَرُ مِن ذَلِكَ وتَقْدِيمُهُ لِما أنَّهُ طَرِيقُ تَلَقِّي الوَحْيِ أوْ لِأنَّ إدْراكَهُ أقْدَمُ مِن إدْراكِ البَصَرِ، وقِيلَ: لِأنَّ مُدْرَكاتِهِ أقَلُّ مِن مُدْرَكاتِهِ، والخِلافُ في الأفْضَلِ مِنهُما شَهِيرٌ وقَدْ مَرَّ، وتَقْدِيمُها عَلى الأفْئِدَةِ المُشارِ بِها إلى العَقْلِ لِتَقَدُّمِ الظّاهِرِ عَلى الباطِنِ أوْ لِأنَّ لَهُما مَدْخَلًا في إدْراكِهِ في الجُمْلَةِ بَلْ هُما مِن خَدَمِهِ والخَدَمُ تَتَقَدَّمُ بَيْنَ يَدِي السّادَةِ، وكَثِيرٌ مِنَ السُّنَنِ أُمِرَ بِتَقْدِيمِهِ عَلى فُرُوضِ العِبادَةِ أوْ لِأنَّ مُدْرَكاتِهِما أقَلُّ قَلِيلٍ بِالنِّسْبَةِ إلى مُدْرَكاتِهِ كَيْفَ لا ومُدْرَكاتِهِ لا تَكادُ تُحْصى وإنْ قِيلَ: إنَّ لِلْعَقْلِ حَدًّا يَنْتَهِي إلَيْهِ كَما أنَّ لِلْبَصَرِ حَدًّا كَذَلِكَ، واسْتَأْنَسَ بَعْضُهم بِذِكْرِ ما يُشِيرُ إلَيْهِ فَقَطْ دُونَ ضَمِّ ما يُشِيرُ إلى سائِرِ المَشاعِرِ الباطِنَةِ إلَيْهِ لِنَفْيِ الحَواسِّ الخَمْسِ الباطِنَةِ الَّتِي أثْبَتَها الحُكَماءُ بِما لا يَخْلُو عَنْ كَدَرٍ، وتَفْصِيلُ الكَلامِ في مَحَلِّهِ ﴿لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ كَيْ تَعْرِفُوا ما أنْعَمَ سُبْحانَهُ بِهِ عَلَيْكم طَوْرًا غَبِّ طَوْرٍ فَتَشْكُرُوهُ، وقِيلَ: المَعْنى جَعَلَ ذَلِكَ كَيْ تَشْكُرُوهُ تَعالى بِاسْتِعْمالِ ما ذُكِرَ فِيما خَلَقَ لِأجْلِهِ

16:79Page 275

أَلَمۡ يَرَوۡاْ إِلَى ٱلطَّيۡرِ مُسَخَّرَٰتٖ فِي جَوِّ ٱلسَّمَآءِ مَا يُمۡسِكُهُنَّ إِلَّا ٱللَّهُۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ٧٩

Do they not see the birds controlled in the atmosphere of the sky? None holds them up except Allāh. Indeed in that are signs for a people who believe.

﴿ألَمْ يَرَوْا﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ وابْنُ عامِرٍ وطَلْحَةُ والأعْمَشُ، وابْنُ هُرْمُزَ «ألَمْ تَرَوْا» بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ عَلى أنَّهُ خِطابُ العامَّةِ، والمُرادُ بِهِمْ جَمِيعُ الخَلْقِ المُخاطَبُونَ قَبْلُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ أخْرَجَكم مِن بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ﴾ لا عَلى أنَّ المُخاطَبَ مَن وقَعَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ بِتَلْوِينِ الخِطابِ لِأنَّهُ المُناسِبُ لِلِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ ولِذا جُعِلَ قِراءَةُ الجُمْهُورِ بِياءِ الغَيْبَةِ بِاعْتِبارِ غَيْبَةِ ( يَعْبُدُونَ ) ولَمْ يَجْعَلُوا ذَلِكَ التِفاتًا وحِينَئِذٍ فالإنْكارُ بِاعْتِبارِ انْدِراجِهِمْ في العامَّةِ، والرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةٌ أيْ ألَمْ يَنْظُرُوا ﴿إلى الطَّيْرِ﴾ جَمْعُ طائِرٍ كَرَكْبٍ وراكِبٍ ويَقَعُ عَلى الواحِدِ أيْضًا ولَيْسَ بِمُرادٍ ويُقالُ في الجَمْعِ أيْضًا طُيُورٌ وأطْيارٌ ﴿مُسَخَّراتٍ﴾ مُذَلَّلاتٍ لِلطَّيَرانِ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ طَيَرانَها لَيْسَ بِمُقْتَضى طَبْعِها

صفحة 203

﴿فِي جَوِّ السَّماءِ﴾ أيْ في الهَواءِ المُتَباعِدِ مِنَ الأرْضِ واللَّوْحُ والسُّكاكُ أبْعَدُ مِنهُ، وقِيلَ: الجَوُّ مَسافَةُ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ والجَوُّ لُغَةٌ فِيهِ، وإضافَتُهُ إلى السَّماءِ لِما أنَّهُ في جانِبِها مِنَ النّاظِرِ ولِإظْهارِ كَمالِ القُدْرَةِ، وعَنِ السُّدِّيِّ تَفْسِيرُ الجَوِّ بِالجَوْفِ وفُسِّرَتِ السَّماءُ عَلى هَذا بِجِهَةِ العُلُوِّ، والطَّيْرُ قَدْ يَطِيرُ في هَذِهِ الجِهَةِ حَتّى يَغِيبَ عَنِ النَّظَرِ ولَمْ يَعْلَمْ مُنْتَهى ارْتِفاعِهِ في الطَّيَرانِ إلّا اللَّهُ تَعالى، وعَنْ كَعْبٍ أنَّ الطَّيْرَ لا تَرْتَفِعُ أكْثَرَ مِنَ اثْنَيْ عَشَرَ مِيلًا.

﴿ما يُمْسِكُهُنَّ﴾ في الجَوِّ عَنِ الوُقُوعِ ﴿إلا اللَّهُ﴾ عَزَّ وجَلَّ بِقُدْرَتِهِ الواسِعَةِ فَإنَّ ثُقْلَ جَسَدِها ورِقَّةَ الهَواءِ يَقْتَضِيانِ سُقُوطَها ولا عَلاقَةَ مِن فَوْقِها ولا دِعامَةَ مِن تَحْتِها، والجُمْلَةُ إمّا حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في ( مُسَخَّراتٍ ) أوْ مِنَ ﴿الطَّيْرِ﴾ وإمّا مُسْتَأْنَفَةٌ ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ الَّذِي ذُكِرَ مِنَ التَّسْخِيرِ في الجَوِّ والإمْساكِ فِيهِ، وقِيلَ: المُشارُ إلَيْهِ ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ والَّتِي قَبْلَها ﴿لآياتٍ﴾ دالَّةٌ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ جَلَّ شَأْنُهُ ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ مِن شَأْنِهِمْ أنْ يُؤْمِنُوا، وخُصَّ ذَلِكَ بِهِمْ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِهِ، واقْتَصَرَ الإمامُ عَلى جَعْلِ المُشارِ إلَيْهِ ما في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: وهَذا دَلِيلٌ عَلى كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وحِكْمَتِهِ سُبْحانَهُ فَإنَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ خَلَقَ الطّائِرَ خِلْقَةً مَعَها يُمْكِنُهُ الطَّيَرانُ أعْطاهُ جَناحًا يَبْسُطُهُ مَرَّةً ويُكِنُّهُ أُخْرى مِثْلَ ما يَعْمَلُ السّابِحُ في الماءِ وخَلَقَ الجَوَّ خِلْقَةً مَعَها يُمْكِنُ الطَّيَرانُ خَلَقَهُ خِلْقَةً لَطِيفَةً يَسْهُلُ بِسَبَبِها خَرْقُهُ والنَّفاذُ فِيهِ ولَوْلا ذَلِكَ لَما كانَ الطَّيَرانُ مُمْكِنًا اه.

وكَذا المَوْلى أبُو السُّعُودِ قالَ: إنَّ في ذَلِكَ الَّذِي ذُكِرَ مِن تَسْخِيرِ الطَّيْرِ لِلطَّيَرانِ بِأنْ خَلَقَها خِلْقَةً تَتَمَكَّنُ بِها مِنهُ بِأنْ جَعَلَ لَها أجْنِحَةً خَفِيفَةً وأذْنابًا كَذَلِكَ وجَعَلَ أجْسادَها مِنَ الخِفَّةِ بِحَيْثُ إذا بَسَطَتْ أجْنِحَتَها وأذْنابَها لا يُطِيقُ ثِقْلُها أنْ يَخْرُقَ ما تَحْتَها مِنَ الهَواءِ الرَّقِيقِ القَوامِ وتَخْرُقُ ما بَيْنَ يَدَيْها مِنَ الهَواءِ لِأنَّها لا تُلاقِيهِ بِحَجْمٍ كَبِيرٍ لِآياتٍ ظاهِرَةٍ، وذَكَرَ أنَّ تَسْخِيرَها بِما خَلَقَ لَها مِنَ الأجْنِحَةِ والأسْبابِ المُساعِدَةِ. وتَعَقَّبَ ذَلِكَ أبُو حَيّانَ بِقَوْلِهِ: والَّذِي نَقُولُهُ إنَّهُ كانَ يُمْكِنُ الطّائِرُ أنْ يَطِيرَ ولَوْ لَمْ يُخْلَقْ لَهُ جَناحٌ وإنَّهُ كانَ يُمْكِنُهُ خَرْقُ الشَّيْءِ الكَثِيفِ وذَلِكَ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى ولا نَقُولُ: إنَّهُ لَوْلا الجَناحُ ولُطْفُ الجَوِّ والآلاتُ ما أمْكَنَ الطَّيَرانُ اه وأنا لا أظُنُّ أنَّ أحَدًا يَنْفِي الإمْكانَ الذّاتِيَّ لِلطَّيَرانِ بِدُونِ الجَناحِ مَثَلًا لَكِنْ لا يَبْعُدُ نَفْيُهُ بِدُونِ لُطْفِ المَطارِ والكَثِيفُ مَتى خَرَقَ كانَ المَطارُ لَطِيفًا فافْهَمْ. واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ العَبْدَ خالِقٌ لِأفْعالِهِ، وأوَّلُها القاضِي وهو ارْتِكابٌ لِخِلافِ الظّاهِرِ لِغَيْرِ دَلِيلٍ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском