Al-AlusiAn‑Nahl · 16:5–8

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

An-Nahl 16:5–8

16:5Page 267

وَٱلۡأَنۡعَٰمَ خَلَقَهَاۖ لَكُمۡ فِيهَا دِفۡءٞ وَمَنَٰفِعُ وَمِنۡهَا تَأۡكُلُونَ ٥

And the grazing livestock He has created for you; in them is warmth1 and [numerous] benefits, and from them you eat.

﴿والأنْعامَ﴾ وهي الأزْواجُ الثَّمانِيَةُ مِنَ الإبِلِ، والبَقَرِ، والضَّأْنِ، والمَعِزِ، قالَ الرّاغِبُ: ولا يُقالُ أنْعامٌ إلّا إذا كانَ فِيها إبِلٌ، وخَصَّها بَعْضُهم هُنا بِذَلِكَ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، والنَّصْبُ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَلَقَها﴾ وهو أرْجَحُ مِنَ الرَّفْعِ في مِثْلِ هَذا المَوْضِعِ لِتَقَدُّمِ الفِعْلِيَّةِ وقُرِئَ بِهِ في الشَّواذِّ أوْ عَلى العَطْفِ عَلى الإنْسانِ وما

صفحة 98

بَعْدَ بَيانِ ما خُلِقَ لِأجْلِهِ والَّذِي بَعْدَهُ تَفْصِيلٌ لِذَلِكَ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿لَكُمْ﴾ إمّا مُتَعَلِّقٌ- بِخَلَقَها- وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِيها﴾ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ وقَوْلُهُ جَلَّ وعَلا: ﴿دِفْءٌ﴾ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ المَفْعُولِ أوِ الجارُّ والمَجْرُورُ الأوَّلُ خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ المَذْكُورِ والثّانِي مُتَعَلِّقٌ بِما فِيهِ مِن مَعْنى الِاسْتِقْرارِ، وقِيلَ: حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ فِيهِ العائِدِ عَلى المُبْتَدَأِ، وقِيلَ: حالٌ مِن «دِفَءٌ» إذْ لَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِفَةً، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ الثّانِي هو الخَبَرَ والأوَّلُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن مُبْتَدَئِهِ، وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ هَذا لا يَجُوزُ لِأنَّ الحالَ إذا كانَ العامِلُ فِيها مَعْنًى لا يَجُوزُ تَقْدِيمُها عَلى الجُمْلَةِ بِأسْرِها فَلا يَجُوزُ قائِمًا في الدّارِ زِيدٌ فَإنْ تَأخَّرَتِ الحالُ عَنِ الجُمْلَةِ جازَتْ بِلا خِلافٍ وإنْ تَوَسَّطَتْ فالأخْفَشُ عَلى الجَوازِ والجُمْهُورُ عَلى المَنعِ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أيْضًا أنْ يَرْتَفِعَ ﴿دِفْءٌ﴾ - بِلَكُمْ- أوْ- بِفِيها- والجُمْلَةُ كُلُّها حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ، وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ أيْضًا بِأنَّ ذَلِكَ لا يُعَدُّ مِن قَبِيلِ الجُمْلَةِ بَلْ هو مِن قَبِيلِ المُفْرَدِ، ونَقَلَ أنَّهم جَوَّزُوا أنْ يَكُونَ ( لَكم ) مُتَعَلِّقًا- بِخَلَقَها- وجُمْلَةُ فِيها ﴿دِفْءٌ﴾ اسْتِئْنافٌ لِذِكْرِ مَنافِعِ الأنْعامِ، واسْتَظْهَرَ كَوْنَ جُمْلَةِ ﴿لَكم فِيها دِفْءٌ﴾ مُسْتَأْنَفَةً، ثُمَّ قالَ: ويُؤَيِّدُ الِاسْتِئْنافُ فِيها الِاسْتِئْنافَ في مُقابَلَتِها أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولَكم فِيها جَمالٌ﴾ فَقابَلَ سُبْحانَهُ المَنفَعَةَ الضَّرُورِيَّةَ بِالمَنفَعَةِ الغَيْرِ الضَّرُورِيَّةِ، وإلى نَحْوِ ذَلِكَ ذَهَبَ القُطْبُ فاخْتارَ أنَّ الكَلامَ قَدْ تَمَّ عِنْدَ ﴿خَلَقَها﴾ لِهَذا العَطْفِ وخالَفَهُ في ذَلِكَ صاحِبُ الكَشْفِ فَقالَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿خَلَقَها لَكُمْ﴾ بِناءً عَلى تَفْسِيرِ الزَّمَخْشَرِيِّ لَهُ بِقَوْلِهِ: ما خَلَقَها إلّا لَكم ولِمَصالِحِكم يا جِنْسَ الإنْسانِ طَرَفٌ مِن تَرْشِيحِ المَعْنى الثّانِي في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ لِما في الِالتِفاتِ المُشارِ إلَيْهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلَيْهِ، وأمّا الحَصْرُ المُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ما خَلَقَها إلّا لَكم فَمِنَ اللّامِ المُفِيدَةِ لِلِاخْتِصاصِ سِيَّما وقَدْ نَوَّعَ الخِطابَ بِما يُفِيدُ زِيادَةَ التَّمْيِيزِ والِاخْتِصاصِ، وهَذا أوْلى مِن جَعْلِ (لَكم فِيها دِفْءٌ) مُقابِلَ (لَكم فِيها جَمالٌ) لِإفادَتِهِ المَعْنى الثّانِي وأبْلَغُ عَلى أنَّهُ يَكُونُ ﴿فِيها دِفْءٌ﴾ تَفْصِيلًا لِلْأوَّلِ وكَرَّرَ ( لَكم ) في الثّانِي لِبُعْدِ العَهْدِ وزِيادَةِ التَّقْرِيعِ اه، والحَقُّ في دَعْوى أوْلَوِيَّةِ تَعَلُّقِ ( لَكم ) بِما قَبْلَهُ مَعَهُ كَما لا يَخْفى، والدِّفْءُ اسْمٌ لِما يُدْفَأُ بِهِ أيْ يُسَخِّنُ، وتَقُولُ العَرَبُ: دَفِئَ يَوْمُنا فَهو دَفِيءٌ إذا حَصَلَتْ فِيهِ سُخُونَةٌ ودَفِئَ الرَّجُلُ دَفاءً ودِفاءً بِالفَتْحِ والكَسْرِ ورَجُلٌ دَفْآنٌ وامْرَأةٌ دَفْأى ويُجْمَعُ الدِّفْءُ عَلى أدْفاءٍ، والمُرادُ بِهِ ما يَعُمُّ اللِّباسَ والبَيْتَ الَّذِي يُتَّخَذُ مِن أوْبارِها وأصْوافِها، وفَسَّرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ فِيما أخْرَجَهُ عَنْهُ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ بِالثِّيابِ.

وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وغَيْرُهُ عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ نَسْلُ كُلِّ دابَّةٍ، ونَقَلَهُ الأُمَوِيُّ عَنْ لُغَةِ بَعْضِ العَرَبِ والظّاهِرُ هو الأوَّلُ. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ وأبُو جَعْفَرٍ «(دِفٌّ)» بِضَمِّ الفاءِ وشَدِّها وتَنْوِينِها، وُوجِهُ ذَلِكَ في البَحْرِ بِأنَّهُ نَقَلَ الحَرَكَةَ مِنَ الهَمْزَةِ إلى الفاءِ وحُذِفَتْ ثُمَّ شَدَّدَ الفاءَ إجْراءً لِلْوُصُولِ مَجْرى الوَقْفِ إذْ يَجُوزُ تَشْدِيدُها في الوَقْفِ.

وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما «دِفٌ» بِنَقْلِ الحَرَكَةِ والحَذْفِ دُونَ تَشْدِيدٍ، وفي اللَّوامِحِ قَرَأ الزُّهْرِيُّ «دِفٌ» بِضَمِّ الفاءِ مِن غَيْرِ هَمْزَةٍ وهي مُحَرَّكَةٌ بِحَرَكَتِها، ومِنهم مَن يُعَوِّضُ عَنْ هَذِهِ الهَمْزَةِ فَيُشَدِّدُ الفاءَ وهو أحَدُ وجْهَيْ حَمْزَةَ بْنِ حَبِيبٍ وقْفًا. واعْتُرِضَ بِأنَّ التَّشْدِيدَ وقْفًا لُغَةً مُسْتَقِلَّةً وإنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ حَذْفٍ مِنَ الكَلِمَةِ المَوْقُوفِ عَلَيْها ودُفِعَ بِأنَّهُ إنَّما يَكُونُ ذَلِكَ إذا وقَفَ عَلى آخِرِ حَرْفٍ مِنها أمّا إذا وقَفَ عَلى ما قَبْلَ الآخِرِ مِنها كَقاضٍ فَلا.

﴿ومَنافِعُ﴾ هي دَرُّها ورُكُوبُها والحِراثَةُ بِها والنَّضْحُ عَلَيْها وغَيْرُ ذَلِكَ، وإنَّما عَبَّرَ عَنْها بِها لِيَشْمَلَ الكُلَّ مَعَ أنَّهُ الأنْسَبُ بِمَقامِ الِامْتِنانِ بِالنِّعَمِ، وقَدَّمَ الدِّفْءَ رِعايَةً لِأُسْلُوبِ التَّرَقِّي إلى الأعْلى ﴿ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ أيْ تَأْكُلُونَ ما يُؤْكَلُ مِنها مِنَ اللُّحُومِ والشُّحُومِ ونَحْوَ ذَلِكَ- فَمِن- تَبْعِيضِيَّةٌ، والأكْلُ إمّا عَلى مَعْناهُ المُتَبادِرِ وإمّا بِمَعْنى التَّناوُلِ

صفحة 99

الشّامِلِ لِلشُّرْبِ فَيَدْخُلُ في العَدِّ الألْبانُ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مِنِ ابْتِدائِيَّةً وأنْ تَكُونَ لِلتَّبْعِيضِ مَجازًا أوْ سَبَبِيَّةً أيْ تَأْكُلُونَ ما يَحْصُلُ بِسَبَبِها فَإنَّ الحُبُوبَ والثِّمارَ المَأْكُولَةَ تُكْتَسَبُ بِاكْتِراءِ الإبِلِ مَثَلًا وأثْمانِ نِتاجِها وألْبانِها وجُلُودِها والأوَّلُ أظْهَرُ وأدْخَلُ ما يَحْصُلُ مِنَ اكْتِرائِها مِنَ الإجارَةِ الَّتِي يُتَوَصَّلُ بِها إلى مَصالِحَ كَثِيرَةٍ في المَنافِعِ، وتَغْيِيرُ النَّظْمِ الجَلِيلِ قِيلَ لِلْإيماءِ إلى أنَّها لا تَبْقى عِنْدَ الأكْلِ كَما في السّابِقِ واللّاحِقِ فَإنَّ الدِّفْءَ والمَنافِعَ الَّتِي أشَرْنا إلَيْها والجَمالَ يَحْصُلُ مِنها وهي باقِيَةٌ عَلى حالِها ولِذَلِكَ جُعِلَتْ مُحالٌ لَها بِخِلافِ الأكْلِ، وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ لِلْحَصْرِ عَلى مَعْنى أنَّ الأكْلَ مِنها هو المُعْتادُ المُعْتَمِدُ في المَعاشِ مِن بَيْنِ سائِرِ الحَيَواناتِ فَلا يَرُدُّ الأكْلَ مِنَ الدَّجاجِ والبَطِّ وصَيْدِ البَرِّ والبَحْرِ فَإنَّهُ مِن قَبِيلِ التَّفَكُّهِ، وكَذا لا يَرُدُّ أكْلَ لَحْمِ الخَيْلِ عِنْدَ مَن أباحَهُ لِأنَّهُ لَيْسَ مِنَ المُعْتادِ المُعْتَمِدِ أيْضًا، والحاصِلُ أنَّ الحَصْرَ إضافِيٌّ وبِذَلِكَ لا يَرُدُّ أيْضًا أكْلَ الخُبْزِ والبُقُولِ ونَحْوَها، ويُضَمُّ إلى هَذا الوَجْهِ في التَّقْدِيمِ رِعايَةُ الفَواصِلِ، وجَعْلُهُ لِمُجَرَّدِ ذَلِكَ كَما في الكَشْفِ قُصُورٌ، وأبُو حَيّانَ يُنْكِرُ كَوْنَ التَّقْدِيمِ مُطْلَقًا لِلْحَصْرِ فَيَنْحَصِرُ وجْهُهُ هُنا حِينَئِذٍ في الرِّعايَةِ المَذْكُورَةِ.

16:6Page 267

وَلَكُمۡ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسۡرَحُونَ ٦

And for you in them is [the enjoyment of] beauty when you bring them in [for the evening] and when you send them out [to pasture].

﴿ولَكم فِيها﴾ مَعَ ما ذُكِرَ مِنَ المَنافِعِ الضَّرُورِيَّةِ ﴿جَمالٌ﴾ زِينَةٌ في أعْيُنِ النّاسِ وعَظَمَةٌ ووَجاهَةٌ عِنْدَهُمْ، والمَشْهُورُ إطْلاقُهُ عَلى الحُسْنِ الكَثِيرِ، ويَكُونُ في الصُّورَةِ بِحُسْنِ التَّرْكِيبِ وتَناسُقِ الأعْضاءِ وتَناسُبِها، وفي الأخْلاقِ بِاشْتِمالِها عَلى الصِّفاتِ المَحْمُودَةِ وفي الأفْعالِ بِكَوْنِها مُلائِمَةً لِلْمَصْلَحَةِ مِن دَرْءِ المَضَرَّةِ وجَلْبِ المَنفَعَةِ وهو في الأصْلِ مَصْدَرُ- جَمُلٍ- بِضَمِّ المِيمِ ويُقالُ لِلرَّجُلِ جَمِيلٌ وجَمالٌ وجَمالٌ عَلى التَّكْثِيرِ ولِلْمَرْأةِ جَمِيلَةٌ وجُمَلاءُ عِنْدَ الكِسائِيِّ وأنْشَدَ:

فَهِيَ جُمَلاءُ كَبَدْرٍ طالِعٍ بَذَّتِ الخَلْقَ جَمِيعًا بِالجَمالِ

ورَأى بَعْضُهم إطْلاقَهُ عَلى التَّجَمُّلِ فَظُنَّ أنَّهُ مَصْدَرٌ بِإسْقاطِ الزَّوائِدِ ﴿حِينَ تُرِيحُونَ﴾ أيْ تَرُدُّونَها بِالعَشِيِّ مِنَ المَرْعى إلى مَراحِها يُقالُ: أراحَ الماشِيَةَ إذا رَدَّها إلى المَراحِ وقْتَئِذٍ ﴿وحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ تُخْرِجُونَها غَدْوَةً مِن حَظائِرِها ومَبِيتِها إلى مَسارِحِها ومَراعِيها يُقالُ: سَرَّحَها يُسَرِّحُها سَرَحًا وسُرُوحًا وسَرَحَتْ هي يَتَعَدّى ولا يَتَعَدّى، والفِعْلُ الأوَّلُ وكَذا الثّانِي مُتَعَدٍّ والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ لِرِعايَةِ الفَواصِلِ، وتَعْيِينُ الوَقْتَيْنِ لِأنَّ ما يَدُورُ عَلَيْهِ أمْرُ الجَمالِ مِن تَزَيُّنِ الأفْنِيَةِ وتَجاوُبُ ثُغائِها ورُغائِها إنَّما هو عِنْدَ الذَّهابِ والمَجِيءِ في ذَيْنِكَ الوَقْتَيْنِ، وأمّا عِنْدَ كَوْنِها في المَسارِحِ فَتَنْقَطِعُ إضافَتُها الحِسِّيَّةُ إلى أرْبابِها، وعِنْدَ كَوْنِها في الحَظائِرِ لا يَراها راءٍ ولا يَنْظُرُ إلَيْها ناظِرٌ.

وتَقْدِيمُ الإراحَةِ عَلى السَّرْحِ مَعَ أنَّها مُتَأخِّرَةٌ في الوُجُودِ عَنْهُ لِكَوْنِها أظْهَرُ مِنهُ في اسْتِتْباعٍ ما ذُكِرَ مِنَ الجَمالِ وأتَمُّ في اسْتِجْلابٍ الأُنْسِ والبَهْجَةِ إذْ فِيها حُضُورٌ بَعْدَ غَيْبَةٍ وإقْبالٌ بَعْدَ إدْبارٍ عَلى أحْسَنِ ما يَكُونُ مَلْأى البُطُونِ حافِلَةُ الضُّرُوعِ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ والضَّحّاكُ والجَحْدَرِيُّ «حِينًا» فِيهِما بِالتَّنْوِينِ وفَكُّ الإضافَةِ عَلى أنَّ كِلْتا الجُمْلَتَيْنِ صِفَةٌ لِحِينًا قَبْلَها والعائِدُ مَحْذُوفٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ( واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ ) أيْ حِينًا تُرِيحُونَ فِيهِ وحِينًا تَسْرَحُونَ فِيهِ، والعامِلُ في ( حِينَ ) إمّا المُبْتَدَأُ لِأنَّهُ بِمَعْنى التَّجَمُّلِ كَما قِيلَ وإمّا خَبَرُهُ لِما فِيهِ مِن مَعْنى الِاسْتِقْرارِ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِجَمالٍ

16:7Page 268

وَتَحۡمِلُ أَثۡقَالَكُمۡ إِلَىٰ بَلَدٖ لَّمۡ تَكُونُواْ بَٰلِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ ٱلۡأَنفُسِۚ إِنَّ رَبَّكُمۡ لَرَءُوفٞ رَّحِيمٞ ٧

And they carry your loads to a land you could not have reached except with difficulty to yourselves. Indeed, your Lord is Kind and Merciful.

﴿وتَحْمِلُ أثْقالَكُمْ﴾ أيْ أحْمالَكُمُ الثَّقِيلَةَ جَمْعُ ثُقْلٍ، وقِيلَ أجْسامَكم كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها﴾ حَيْثُ فُسِّرَتِ الأثْقالُ فِيهِ بِأجْسامِ بَنِي آدَمَ.

صفحة 100

﴿إلى بَلَدٍ﴾ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ اليَمَنُ والشّامُ ومِصْرُ وكَأنَّهُ نَظَرَ إلى أنَّها مَتاجِرُ أهْلِ مَكَّةَ كَما يُؤْذَنُ بِهِ ما في تَفْسِيرِ الخازِنِ عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مِن أنَّهُ قالَ: يُرِيدُ مِن مَكَّةَ إلى اليَمَنِ وإلى الشّامِ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ وعَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ وعِكْرِمَةَ أنَّهُ مَكَّةُ وكَأنَّهم نَظَرُوا إلى أنَّ أثْقالَهم وأحْمالَهم عِنْدَ القُفُولِ مِن مَتاجِرِهِمْ أكْثَرُ وحاجَتَهم إلى الحُمُولَةِ أمَسُّ، والظّاهِرُ أنَّهُ عامٌّ لِكُلِّ بَلَدٍ سَحِيقٍ وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ أبُو حَيّانَ، وجَعَلَ ما ورَدَ مِنَ التَّعْيِينِ كالمَذْكُورِ وكالَّذِي نَقَلَهُ عَنْ بَعْضِهِمْ مِن أنَّها مَدِينَةُ الرَّسُولِ ﷺ مَحْمُولًا عَلى التَّمْثِيلِ لا عَلى أنَّ المُرادَ ذَلِكَ المُعَيَّنُ دُونَ غَيْرِهِ ﴿لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ﴾ واصِلِينَ إلَيْهِ بِأنْفُسِكم مُجَرَّدِينَ عَنِ الإقْفالِ فَضْلًا عَنْ أنْ تَحْمِلُوا عَلى ظُهُورِكم أثْقالَكم لَوْ لَمْ تَكُنِ الأنْعامُ ولَمْ تُخْلَقْ ﴿إلا بِشِقِّ الأنْفُسِ﴾ أيْ مَشَقَّتِها وتَعَبِها، وقِيلَ: المَعْنى لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ بِها إلّا بِما ذُكِرَ وحَذَفَ بِها لِأنَّ المُسافِرَ لا بُدَّ لَهُ مِنَ الأثْقالِ، والمُرادُ التَّنْبِيهُ عَلى بُعْدِ البَلَدِ وأنَّهُ مَعَ الِاسْتِعانَةِ بِها بِحَمْلِ الأثْقالِ لا تَصِلُونَ إلَيْهِ إلّا بِالمَشَقَّةِ، ولا يَخْفى أنَّ الأوَّلَ أبْلَغُ. وقَرَأ مُجاهِدٌ والأعْرَجُ وأبُو جَعْفَرٍ وعَمْرُو بْنُ مَعِينٍ وابْنُ أرْقَمَ «بِشَقِّ» بِفَتْحِ الشِّينِ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ نافِعٍ وأبِي عَمْرٍو وكِلا ذَلِكَ لُغَةٌ، والمَعْنى ما تَقَدَّمَ، وقِيلَ: الشَّقُّ بِالفَتْحِ المَصْدَرُ وبِالكَسْرِ الِاسْمُ يَعْنِي المَشَقَّةَ وعَلى الكَسْرِ بِهَذا المَعْنى جاءَ قَوْلُهُ:

وذِي إبِلٍ يَسْعى ويَحْسَبُها لَهُ أخِي نَصْبٍ مِن شِقِّها ودَؤُوبِ

فَإنَّهُ أرادَ مِن مَشَقَّتِها، وعَنِ الفَرّاءِ أنَّ المَفْتُوحَ مَصْدَرٌ مِن شَقَّ الأمْرُ عَلَيْهِ شِقًّا وحَقِيقَتُهُ راجِعَةٌ إلى الشَّقِّ الَّذِي هو الصَّدْعُ والمَكْسُورُ النِّصْفُ يُقالُ: أخَذْتُ شِقَّ الشّاةِ أيْ نِصْفَها،

وجاءَ: ««اتَّقُوا النّارَ ولَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ»»

والمَعْنى إلّا بِذَهابِ نِصْفِ الأنْفُسِ كَأنَّ الأنْفُسَ تَذُوبُ تَعَبًا ونَصْبًا لِما يَنالُها مِنَ المَشَقَّةِ كَما يُقالُ لا تَقْدِرُ عَلى كَذا إلّا بِذَهابِ جُلِّ نَفْسِكَ أوْ قِطْعَةٍ مِن كَبِدِكَ وهو مِنَ المَجازِ، وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ إلّا بِشِقِّ قُوى الأنْفُسِ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ أيْ لَمْ تَكُونُوا ﴿بالِغِيهِ﴾ بِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ إلّا بِشِقِّ الأنْفُسِ، وجَعَلَ أبُو البَقاءِ الجارَّ والمَجْرُورَ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المَرْفُوعِ في بالِغِيهِ أيْ مَشْقُوقًا عَلَيْكم وضَمِيرُ ( تَحْمِلُ ) لِلْأنْعامِ إلّا أنَّ الحَمْلَ المَذْكُورَ بِاعْتِبارِ بَعْضِ أنْواعِها وهي الإبِلُ ومِثْلُهُ كَثِيرٌ، ومِن هُنا يَظْهَرُ ضَعْفُ اسْتِدْلالِ بَعْضِهِمْ بِهَذا الإسْنادِ عَلى أنَّ المُرادَ بِالأنْعامِ فِيما مَرَّ الإبِلُ فَقَطْ، وتَغْيِيرُ النَّظْمِ الكَرِيمِ السّابِقِ الدّالِّ عَلى كَوْنِ الأنْعامِ مَدارًا لِلنِّعَمِ إلى الفِعْلِيَّةِ المُفِيدَةِ لِلْحُدُوثِ قِيلَ: لَعَلَّهُ لِلْإشْعارِ بِأنَّ هَذِهِ النِّعْمَةَ لَيْسَتْ في العُمُومِ بِحَسَبِ المَنشَأِ وبِحَسَبِ المُتَعَلِّقِ وفي الشُّمُولِ لِلْأوْقاتِ والِاطِّرادِ في الأحْيانِ المَعْهُودَةِ بِمَثابَةِ النِّعَمِ السّالِفَةِ فَإنَّها بِحَسَبِ المَنشَأِ خاصَّةً كَما سَمِعْتَ بِالإبِلِ وبِحَسَبِ المُتَعَلِّقِ بِالمُتَقَلِّبِينَ في الأرْضِ لِلتِّجارَةِ وغَيْرِها في أحايِينَ غَيْرِ مُطَّرِدَةٍ، وأمّا سائِرُ النِّعَمِ المَعْدُودَةِ فَمَوْجُودَةٌ في جَمِيعِ الأصْنافِ وعامَّةٌ لِكافَّةِ المُخاطَبِينَ دائِمًا وفي عامَّةِ الأوْقاتِ اهـ. واحْتَجَّ كَما قالَ الإمامُ مُنْكِرُو كَراماتِ الأوْلِياءِ بِهَذِهِ الآيَةِ لِأنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّ الإنْسانَ لا يُمْكِنُهُ الِانْتِقالُ مِن بَلَدٍ إلى آخَرَ إلّا بِشِقِّ الأنْفُسِ وحَمْلِ الأثْقالِ عَلى الجَمالِ. ومُثْبِتُو الكَراماتِ يَقُولُونَ: إنَّ الأوْلِياءَ قَدْ يَنْتَقِلُونَ مِن بَلَدٍ إلى آخَرَ بَعِيدٍ في زَمانٍ قَلِيلٍ مِن غَيْرِ تَعَبٍ وتَحَمُّلِ مَشَقَّةٍ فَكانَ ذَلِكَ عَلى خِلافِ الآيَةِ فَيَكُونُ باطِلًا وإذا بَطَلَتْ في هَذِهِ الصُّورَةِ بَطَلَتْ في الجَمِيعِ إذْ لا قائِلَ بِالفَرْقِ.

وأجابَ بِأنّا نُخَصِّصُ عُمُومَ الآيَةِ بِالأدِلَّةِ الدّالَّةِ عَلى وُقُوعِ الكَراماتِ اهـ. ولَعَلَّ القائِلِينَ بِعَدَمِ ثُبُوتِ طَيِّ المَسافَةِ لِلْأوْلِياءِ يَسْتَنِدُونَ إلى هَذِهِ الآيَةِ لَكِنَّ هَؤُلاءِ لا يَنْفُونَ الكَراماتِ مُطْلَقًا فَلا يَصِحُّ قَوْلُهُ إذْ لا قائِلَ بِالفَرْقِ، ومَن أنْصَفَ عَلِمَ أنَّ الِاسْتِدْلالَ بِها عَلى هَذا المَطْلَبِ مِمّا لا يَكادُ يُلْتَفَتُ إلَيْهِ بِناءً عَلى أنَّها مَسُوقَةٌ لِلِامْتِنانِ ويَكْفِي فِيهِ

صفحة 101

وُجُودُ هَذا في أكْثَرِ الأحايِينِ لِأكْثَرِ النّاسِ فافْهَمْ ﴿إنَّ رَبَّكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ولِذَلِكَ أسْبَغَ عَلَيْكُمُ النِّعَمَ الجَلِيلَةَ ويَسَّرَ لَكُمُ الأُمُورَ الشّاقَّةَ العَسِيرَةَ

16:8Page 268

وَٱلۡخَيۡلَ وَٱلۡبِغَالَ وَٱلۡحَمِيرَ لِتَرۡكَبُوهَا وَزِينَةٗۚ وَيَخۡلُقُ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ٨

And [He created] the horses, mules and donkeys for you to ride and [as] adornment. And He creates that which you do not know.

﴿والخَيْلَ﴾ هو كَما قالَ غَيْرُ واحِدِ اسْمُ جِنْسٍ لِلْفَرَسِ لا واحِدَ لَهُ مَن لَفْظِهِ كالإبِلِ، وذَكَرَ الرّاغِبُ أنَّهُ في الأصْلِ يُطْلَقُ عَلى الأفْراسِ والفُرْسانِ، وهو عَطْفٌ عَلى الأنْعامِ أيْ وخَلَقَ الخَيْلَ ﴿والبِغالَ﴾ جَمْعُ بَغْلٍ مَعْرُوفٌ ﴿والحَمِيرَ﴾ جَمْعُ حِمارٍ كَذَلِكَ ويُجْمَعُ في القِلَّةِ عَلى أحْمِرَةٍ وفي الكَثْرَةِ عَلى حُمُرٍ وهو القِياسُ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِرَفْعِ «الخَيْلُ» وما عُطِفَ عَلَيْهِ ﴿لِتَرْكَبُوها﴾ تَعْلِيلٌ لِخَلْقِ المَذْكُوراتِ، والكَلامُ في تَعْلِيلِ أفْعالِ اللَّهِ تَعالى مَبْسُوطٌ في الكَلامِ ﴿وزِينَةً﴾ عَطْفٌ عَلى مَحَلِّ ﴿لِتَرْكَبُوها﴾ فَهو مِثْلُهُ مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ وتَجْرِيدُهُ عَنِ اللّامِ دُونَهُ لِأنَّ الزِّينَةَ فِعْلُ الزّائِنِ وهو الخالِقُ تَعالى فَفاعِلُ الفِعْلَيْنِ المُعَلَّلِ والمُعَلَّلِ بِهِ واحِدٌ بِخِلافِ فاعِلِ الرُّكُوبِ وفاعِلِ المُعَلَّلِ بِهِ فَشَرْطُ النَّصْبِ الَّذِي اشْتَرَطَهُ مَنِ اشْتَرَطَهُ مَوْجُودٌ في المَعْطُوفِ دُونَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ، وذَكَرَ بَعْضُ المُدَقِّقِينَ أنَّ في عَدَمِ مَجِيئِها عَلى سَنَنٍ واحِدٍ دَلالَةً عَلى أنَّ المَقْصُودَ الأصْلِيَّ الأوَّلُ فَجِيءَ بِالحُرُوفِ المَوْضُوعَةِ لِذَلِكَ وسِيقَ الخِطابُ وأُعِيدَ الضَّمِيرُ لِلثَّلاثَةِ في ﴿لِتَرْكَبُوها﴾ وجِيءَ بِالثّانِي تَتْمِيمًا ودَلالَةً عَلى أنَّهُ لَمّا كانَ مِن مَقاصِدِهِمْ عُدَّ في مَعْرِضِ الِامْتِنانِ وإلّا فَلَيْسَ التَّزَيُّنُ بِالعَرَضِ الزّائِلِ مِمّا يَقْصِدُهُ أهْلُ اللَّهِ تَعالى وهم أهْلُ الخِطابِ بِالقَصْدِ الأوَّلِ واعْتُرِضَ ما تَقَدَّمَ بِأنَّهُ وإنْ ثَبَتَ اتِّحادُ الفاعِلِ لَكِنْ لَمْ تَتِمَّ بِهِ شُرُوطُ صِحَّةِ النَّصْبِ لِفَقْدِ شَرْطٍ آخَرَ مِنها وهو المُقارَنَةُ في الوُجُودِ فَإنَّ الخَلْقَ مُتَقَدِّمٌ عَلى الزِّينَةِ. وأُجِيبُ بِأنَّ ذَلِكَ عَلى إرادَةِ إرادَةِ الزِّينَةِ كَما قِيلَ فِي: ضَرَبْتُ زَيْدًا تَأْدِيبًا أنَّ التَّأْدِيبَ بِتَأْوِيلِ إرادَتِهِ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ كَوْنَ ( زِينَةً ) مَصْدَرًا لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ ولِتَتَزَيَّنُوا بِها زِينَةً، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ إنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ وجَعَلَها زِينَةً، ورَوى قَتادَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قَرَأ «لِتَرْكَبُوها زِينَةً» بِغَيْرِ واوٍ، قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ إنَّ ( زِينَةً ) حِينَئِذٍ نَصْبٌ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿خَلَقَها﴾ أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿لِتَرْكَبُوها﴾ ولَمْ يُعَيِّنِ الضَّمِيرَ وعَيَّنَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ فَقالَ هو المَنصُوبُ، وقالَ غَيْرُ واحِدٍ تَجُوزُ الحالِيَّةُ مِن كُلٍّ مِنَ الضَّمِيرَيْنِ أيْ لِتَرْكَبُوها مُتَزَيِّنِينَ أوْ مُتَزَيَّنًا بِها، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ بَعْدَ حِكايَةِ القِراءَةِ: أيْ خَلَقَها زِينَةً لِتَرْكَبُوها، ومُرادُهُ عَلى ما قِيلَ أنَّ الزِّينَةَ إمّا ثانِي مَفْعُولَيْ- خَلَقَ- عَلى إجْرائِهِ مَجْرى جَعَلَ أوْ هو حالٌ عَنِ المَفْعُولاتِ الثَّلاثَةِ عَلى الجَمْعِ، وجَوَّزَ كَوْنَهُ مَفْعُولًا لَهُ ﴿لِتَرْكَبُوها﴾ وهو بِمَعْنى التَّزَيُّنِ فَلا يَرِدُ عَلَيْهِ اخْتِلافُ فاعِلِ الفِعْلَيْنِ قِيلَ: وأمّا لُزُومُ تَخْصِيصِ الرُّكُوبِ المَطْلُوبِ بِكَوْنِهِ لِأجْلِ الزِّينَةِ وكَوْنِ الحِكْمَةِ في خَلْقِها ذَلِكَ وكَوْنِ ذَلِكَ هو المَقْصُودَ الأصْلِيَّ لَنا فَلا ضَيْرَ فِيهِ لِأنَّ التَّجَمُّلَ بِالمَلابِسِ والمَراكِبِ لا مانِعَ مِنهُ شَرْعًا وهو لا يُنافِي أنْ يَكُونَ لِخَلْقِها حُكْمٌ أهَمُّ كالجِهادِ عَلَيْها وسَفَرِ الطّاعاتِ، وإنَّما خُصَّ لِمُناسَبَتِهِ لِمَقامِ الِامْتِنانِ مَعَ أنَّ الزِّينَةَ عَلى ما قالَ الرّاغِبُ ما لا يَشِينُ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ، وأمّا ما يَزِينُ في حالَةٍ دُونِ أُخْرى فَهو مِن وجْهِ شَيْنٍ اهـ فَتَأمَّلْ ولا تَغْفُلْ.

واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى حُرْمَةِ أكْلِ لُحُومِ المَذْكُوراتِ لِأنَّ السَّوْقَ في مَعْرِضِ الِاسْتِدْلالِ بِخَلْقِ هَذِهِ النِّعَمِ مِنَّةً عَلى هَذا النَّوْعِ دَلالَةً عَلى التَّوْحِيدِ وسُوءِ صَنِيعِ مَن يُقابِلُها بِالإشْراكِ والحَكِيمُ لا يَمُنُّ بِأدْنى النِّعْمَتَيْنِ تارِكًا أعْلاهُما، كَيْفَ وقَدْ ذُكِرَ أمامًا.

ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ القَوْلَ بِكَراهَةِ أكْلِ لُحُومِ الخَيْلِ لِهَذِهِ الآيَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، ورُوِيَ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ أنَّهُ قالَ: رَخَّصَ بَعْضُ العُلَماءِ في لَحْمِ الخَيْلِ فَأمّا أنا فَلا يُعْجِبُنِي أكْلُهُ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى أنَّهُ قالَ: أكْرَهُهُ والأُولى تَلُوحُ إلى قَوْلِهِ بِكَراهَةِ التَّنْزِيهِ والثّانِيَةُ تَدُلُّ عَلى التَّحْرِيمِ بِناءً عَلى ما رُوِيَ عَنْ

صفحة 102

أبِي يُوسُفَ أنَّهُ سَألَهُ إذا قُلْتَ في شَيْءٍ: أكْرَهُهُ فَما رَأْيُكَ فِيهِ؟ فَقالَ: التَّحْرِيمُ، وكَأنَّهُ لِهَذا قالَ صاحِبُ الهِدايَةِ: الأصَحُّ أنَّ كَراهَةَ أكْلِ لَحْمِها تَحْرِيمِيَّةٌ عِنْدَ الإمامِ، وفي العِمادِيَّةِ أنَّهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ رَجَعَ عَنِ القَوْلِ بِالكَراهَةِ قَبْلَ مَوْتِهِ بِثَلاثَةِ أيّامٍ وعَلَيْهِ الفَتْوى، وقالَ صاحِباهُ والإمامُ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ: لا بَأْسَ بِأكْلِ لُحُومِ الخَيْلِ. وأجابَ بَعْضُ الشّافِعِيَّةِ عَنِ الِاسْتِدْلالِ بِالآيَةِ بِمَنعِ كَوْنِ المَذْكُورِ أدْنى النِّعْمَتَيْنِ بِالنِّسْبَةِ إلى الخَيْلِ قالَ: وذَلِكَ لِأنَّ الآيَةَ ورَدَتْ لِلِامْتِنانِ عَلَيْهِمْ عَلى نَحْوِ ما ألِفُوهُ، ولا يُنْكِرُ ذُو أرَبٍ أنَّ مُعْظَمَ الغَرَضِ مِنَ الخَيْلِ الرُّكُوبُ والزِّينَةُ لا الأكْلُ بِخِلافِ النِّعَمِ، وذِكْرُ أغْلَبِ المَنفَعَتَيْنِ وتَرْكُ أدْناهُما لَيْسَ بِدْعًا بَلْ هو دَأْبُ اخْتِصاراتِ القُرْآنِ وذِكْرُهُ في الأوَّلِ إنْ لَمْ يَصِرْ حُجَّةً لَنا في الِاكْتِفاءِ مَعَ التَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ نَزْرٌ في المُقابِلِ فَلا يَصِيرُ حُجَّةً عَلَيْنا، فَظَهَرَ أنَّهُ لا اسْتِدْلالَ لا مِن عِبارَةِ الآيَةِ ولا مِن إشارَتِها.

واسْتَدَلُّوا عَلى الحِلِّ بِما صَحَّ مِن حَدِيثِ جابِرٍ «أنَّهُ ﷺ نَهى عَنْ لُحُومِ الحُمُرِ الأهْلِيَّةِ والبِغالِ وأذِنَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في لَحْمِ الخَيْلِ يَوْمَ خَيْبَرَ،» وفِيهِ دَلِيلٌ عِنْدَهم عَلى أنَّ الآيَةَ لا تَدُلُّ عَلى التَّحْرِيمِ لِإفادَتِهِ أنَّ تَحْرِيمَ لُحُومِ الحُمُرِ الأهْلِيَّةِ إنَّما وقَعَ عامَ خَيْبَرَ كَما هو الثّابِتُ عِنْدَ أكْثَرِ المُحَدِّثِينَ وهَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ فَلَوْ عُلِمَ التَّحْرِيمُ مِمّا فِيها كانَ ثابِتًا قَبْلَهُ، وبُحِثَ فِيهِ بِأنَّ السُّورَةَ وإنْ كانَتْ مَكِّيَّةً يَجُوزُ كَوْنُ هَذِهِ الآيَةِ مَدَنِيَّةً، وفِيهِ أنَّ مِثْلَ ذَلِكَ يَحْتاجُ إلى الرِّوايَةِ ومُجَرَّدُ الجَوازِ لا يَكْفِي، وعُورِضَ حَدِيثُ جابِرٍ بِما أخْرَجَهُ أبُو عُبَيْدٍ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ خالِدِ بْنِ الوَلِيدِ قالَ: ««نَهى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أكْلِ كُلِّ ذِي نابٍ مِنَ السِّباعِ وعَنْ لُحُومِ الخَيْلِ والبِغالِ والحَمِيرِ»».

والتَّرْجِيحُ كَما قالَ في الهِدايَةِ لِلْمُحَرَّمِ، لَكِنْ أنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا الخَبَرَ يُوهِي أمْرَ الِاسْتِدْلالِ لِما أنَّ خالِدًا قَدْ أسْلَمَ بِالمَدِينَةِ والآيَةُ مَكِّيَّةٌ فَلَوْ كانَ التَّحْرِيمُ مَعْلُومًا مِنها لَما كانَ لِلنَّهْيِ الَّذِي سَمِعَهُ كَثِيرُ فائِدَةٍ، والجُمْلَةُ الِاسْتِدْلالُ بِالآيَةِ عَلى حُرْمَةِ لُحُومِ الخَيْلِ لا يَسْلَمُ مِنَ العِثارِ فَلا بُدَّ مِنَ الرُّجُوعِ في ذَلِكَ إلى الأخْبارِ. والحُكْمُ عِنْدَ تَعارُضِها لا يَخْفى عَلى ذَوِي الِاسْتِبْصارِ، والَّذِي أمِيلُ إلَيْهِ الحَلُّ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ ﴿ويَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ أيْ ويَخْلُقُ غَيْرَ ذَلِكَ الَّذِي فَصَّلَهُ سُبْحانَهُ لَكُمْ، والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِما ذَكَرَ لِأنَّ مَجْمُوعَهُ غَيْرُ مَعْلُومٍ ولا يَكادُ يَكُونُ مَعْلُومًا فالكَلامُ إجْمالًا لِما عَدا الحَيَواناتِ المُحْتاجُ غالِبًا احْتِياجًا ضَرُورِيًّا أوْ غَيْرَ ضَرُورِيٍّ، والعُدُولُ إلى صِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ والتَّجَدُّدِ أوْ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إخْبارًا مِنهُ تَعالى بِأنَّ لَهُ سُبْحانَهُ ما لا عِلْمَ لَنا بِهِ مِنَ الخَلائِقِ فَـ (ما لا تَعْلَمُونَ) عَلى ظاهِرِهِ

فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ««قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إنَّ مِمّا خَلَقَ اللَّهُ تَعالى لَأرْضًا لُؤْلُؤَةً بَيْضاءَ مَسِيرَةَ ألْفِ عامٍ عَلَيْها جَبَلٌ مِن ياقُوتَةٍ حَمْراءَ مُحَدَّقٍ بِها في تِلْكَ الأرْضِ مَلَكٌ قَدْ مَلَأ شَرْقَها وغَرْبَها لَهُ سِتُّمِائَةِ رَأْسٍ في كُلِّ رَأْسٍ سِتُّمِائَةِ وجْهٍ في كُلِّ وجْهٍ سِتُّمِائَةِ ألْفٍ وسِتُّونَ ألْفَ فَمٍ في كُلِّ فَمٍ سِتُّونَ ألْفَ لِسانٍ يُثْنِي عَلى اللَّهِ تَعالى ويُقَدِّسُهُ ويُهَلِّلُهُ ويُكَبِّرُهُ بِكُلِّ لِسانٍ سِتَّمِائَةِ ألْفٍ وسِتِّينَ ألْفَ مَرَّةٍ فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ نَظَرَ إلى عَظَمَةِ اللَّهِ تَعالى فَيَقُولُ: وعِزَّتِكَ ما عَبَدْتُكَ حَقَّ عِبادَتِكَ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾» وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ أنَّ عَنْ يَمِينِ العَرْشِ نَهْرًا مِن نُورٍ مِثْلِ السَّماواتِ السَّبْعِ والأرْضِينَ السَّبْعِ والبِحارِ السَّبْعِ يَدْخُلُ فِيهِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ كُلَّ سَحَرٍ فَيَغْتَسِلُ فَيَزْدادُ جَمالًا إلى جَمالِهِ وعِظَمًا إلى عِظَمِهِ ثُمَّ يَنْتَفِضُ فَيَخْلُقُ اللَّهُ تَعالى مِن كُلِّ قَطْرَةٍ تَقَعُ مِن رِيشِهِ كَذا وكَذا ألْفَ مَلَكٍ فَيَدْخَلَ مِنهم كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ

صفحة 103

ألْفَ مَلَكٍ البَيْتَ المَعْمُورَ وسَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ الكَعْبَةَ لا يَعُودُونَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.

ورُوِيَ هَذا أيْضًا عَنِ الضَّحّاكِ ومُقاتِلٍ وعَطاءٍ، ومِمّا لا نَعْلَمُهُ أرْضُ السِّمْسِمَةِ الَّتِي ذَكَرَ عَنْها الشَّيْخُ الأكْبَرُ قُدِّسَ سِرُّهُ ما ذَكَرَ، وجابْرَصا وجابْلَقا حَسْبَما ذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ، وإنْ زَعَمَتْ ذَلِكَ مِنَ الخُرافاتِ كالَّذِي ذَكَرَهُ عَصْرِيُّنا رَئِيسُ الطّائِفَةِ الَّذِينَ سَمَّوْا أنْفُسَهم بِالكَشْفِيَّةِ ودَعاهم أعْداؤُهم مِنَ الإمامِيَّةِ بِالكَشْفِيَّةِ في غالِبِ كُتُبِهِ مِمّا تَضْحَكُ مِنهُ لَعَمْرُ أبِيكَ الثَّكْلى ويَتَمَنّى العالِمُ عِنْدَ سَماعِهِ لِمَزِيدِ حَيائِهِ مِنَ الجَهَلَةِ نُزُولَهُ إلى الأرْضِ السُّفْلى فاقْنَعْ بِما جاءَ في الآثارِ، ولا يُثْنِيَنَّكَ عَنْهُ شِبْهُ الفَلاسِفَةِ إذا صَحَّ سَنَدُهُ فَإنَّها كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ، والَّذِي أظُنُّهُ أنَّهُ لَيْسَ أحَدٌ مِنَ الكُفّارِ فَضْلًا عَنِ المُؤْمِنِينَ يَشُكُّ في أنَّ لِلَّهِ تَعالى خَلْقًا لا نَعْلَمُهم لِيُحْتاجَ إلى إيرادِ الشَّواهِدِ عَلى ذَلِكَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهَذا الخَلْقِ الخَلْقَ في الجَنَّةِ أيْ ويَخْلُقُ في الجَنَّةِ غَيْرَ ما ذَكَرَ مِنَ النِّعَمِ الدُّنْيَوِيَّةِ ما لا تَعْلَمُونَ أيْ ما لَيْسَ مِن شَأْنِكم أنْ تَعْلَمُوهُ، وهو ما أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ ﷺ حِكايَةً عَنِ اللَّهِ تَعالى: ««أعْدَدْتُ لِعِبادِي الصّالِحِينَ ما لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ»».

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском