Al-AlusiAn‑Nahl · 16:90–92

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

An-Nahl 16:90–92

16:90Page 277

۞ إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَٱلۡإِحۡسَٰنِ وَإِيتَآيِٕ ذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَيَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِ وَٱلۡبَغۡيِۚ يَعِظُكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ ٩٠

Indeed, Allāh orders justice and good conduct and giving [help] to relatives and forbids immorality and bad conduct and oppression. He admonishes you that perhaps you will be reminded.

﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ﴾ أيْ فِيما نَزَّلَهُ عَلَيْكَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ، وإيثارُ صِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ فِيهِ وفِيما بَعْدَهُ لِإفادَةِ التَّجَدُّدِ والِاسْتِمْرارِ ﴿بِالعَدْلِ﴾ أيْ بِمُراعاةِ التَّوَسُّطِ بَيْنَ طَرَفَيِ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ وهو رَأْسُ الفَضائِلِ كُلِّها يَنْدَرِجُ تَحْتَهُ فَضِيلَةُ القُوَّةِ العَقْلِيَّةِ المَلَكِيَّةِ مِنَ الحِكْمَةِ المُتَوَسِّطَةِ بَيْنَ الجَهْبَذَةِ والبَلادَةِ، وفَضِيلَةُ القُوَّةِ الشَّهَوِيَّةِ البَهِيمِيَّةِ مِنَ العِفَّةِ المُتَوَسِّطَةِ بَيْنَ الخَلاعَةِ والجُمُودِ، وفَضِيلَةُ القُوَّةِ الغَضَبِيَّةِ السَّبْعِيَّةِ مِنَ الشَّجاعَةِ المُتَوَسِّطَةِ بَيْنَ التَّهَوُّرِ والجُبْنِ. فَمِنَ الحِكَمِ الِاعْتِقادِيَّةِ التَّوْحِيدُ المُتَوَسِّطُ بَيْنَ التَّعْطِيلِ ونَفْيِ الصَّنائِعِ كَما تَقُولُهُ الدَّهْرِيَّةُ والتَّشْرِيكُ كَما تَقُولُهُ الثَّنَوِيَّةُ والوَثَنِيَّةُ، وعَلَيْهِ اقْتَصَرَ ابْنُ عَبّاسٍ في تَفْسِيرِ العَدْلِ عَلى ما رَواهُ عَنْهُ البَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ. وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُمْ، وضَمَّ إلَيْهِ بَعْضُهُمُ القَوْلَ بِالكَسْبِ المُتَوَسِّطِ بَيْنَ مَحْضِ الجَبْرِ والقَدَرِ. ومِنَ الحِكَمِ العَمَلِيَّةِ التَّعَبُّدُ بِأداءِ الواجِباتِ المُتَوَسِّطُ بَيْنَ الباطِلَةِ وتَرْكِ العَمَلِ لِزَعْمِ أنَّهُ لا فائِدَةَ فِيهِ إذِ الشَّقِيُّ والسَّعِيدُ مُتَعَيَّنانِ في الأزَلِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ المَلاحِدَةِ والتَّرَهُّبُ بِتَرْكِ المُباحاتِ تَشْبِيهًا بِالرُّهْبانِ. ومِنَ الحِكَمِ الخُلُقِيَّةِ الجُودُ المُتَوَسِّطُ بَيْنَ البُخْلِ والتَّبْذِيرِ. وعَنْ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ أنَّ العَدْلَ اسْتِواءُ السَّرِيرَةِ والعَلانِيَةِ في العَمَلِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ أنَّهُ قالَ: دَعانِي عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ فَقالَ لِي: صِفْ لِي العَدْلَ فَقُلْتُ: بَخٍ سَألْتَ عَنْ أمْرٍ جَسِيمٍ كُنْ لِصَغِيرِ النّاسِ أبًا ولِكَبِيرِهِمُ ابْنًا ولِلْمِثْلِ مِنهم أخًا ولِلنِّساءِ كَذَلِكَ وعاقِبِ النّاسَ عَلى قَدْرِ ذُنُوبِهِمْ وعَلى قَدْرِ أجْسادِهِمْ ولا تَضْرِبَنَّ لِغَضَبِكَ سَوْطًا واحِدًا فَتَكُونَ مِنَ العادِينَ، ولَعَلَّ اخْتِيارَ ذَلِكَ لِأنَّهُ الأوْفَقُ بِمَقامِ السّائِلِ وإلّا فَما تَقَدَّمَ في تَفْسِيرِهِ أوْلى ﴿والإحْسانِ﴾ أيْ إحْسانِ الأعْمالِ والعِبادَةِ أيِ الإتْيانُ بِها عَلى الوَجْهِ اللّائِقِ، وهو إمّا بِحَسَبِ الكَيْفِيَّةِ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ ما رَواهُ البُخارِيُّ مِن قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««الإحْسانُ أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ»». أوْ بِحَسَبِ الكَمِّيَّةِ كالتَّطَوُّعِ بِالنَّوافِلِ الجابِرَةِ لِما في الواجِباتِ مِنَ النَّقْصِ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالإحْسانِ المُتَعَدِّي بِإلى لا المُتَعَدِّي بِنَفْسِهِ فَإنَّهُ يُقالُ: أحْسَنَهُ وأحْسَنَ إلَيْهِ أيِ الإحْسانُ إلى النّاسِ والتَّفَضُّلُ عَلَيْهِمْ،

فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ النَّجّارِ في تارِيخِهِ مِن طَرِيقِ العُكْلِيِّ عَنْ أبِيهِ قالَ: مَرَّ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ بِقَوْمٍ يَتَحَدَّثُونَ فَقالَ: فِيمَ أنْتُمْ؟ فَقالُوا: نَتَذاكَرُ المُرُوءَةَ فَقالَ: أوَما كَفاكُمُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ذاكَ في كِتابِهِ إذْ يَقُولُ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ والإحْسانِ﴾ فالعَدْلُ الإنْصافُ والإحْسانُ التَّفَضُّلُ فَما بَقِيَ بَعْدَ هَذا.

وأعْلى مَراتِبِ الإحْسانِ عَلى هَذا الإحْسانُ إلى المُسِيءِ وقَدْ أمَرَ بِهِ نَبِيُّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: قالَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: إنَّما الإحْسانُ أنْ تُحْسِنَ إلى مَن أساءَ إلَيْكَ لَيْسَ الإحْسانُ أنْ تُحْسِنَ إلى مَن أحْسَنَ إلَيْكَ، وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما بَعْدَ ما فَسَّرَ

صفحة 218

العَدْلَ بِالتَّوْحِيدِ فَسَّرَ الإحْسانَ بِأداءِ الفَرائِضِ، وفِيهِ اعْتِبارُ الإحْسانِ مُتَعَدِّيًا بِنَفْسِهِ، وقِيلَ: العَدْلُ أنْ يُنْصِفَ ويَنْتَصِفَ والإحْسانُ أنْ يُنْصِفَ ولا يَنْتَصِفَ وقِيلَ العَدْلُ في الأفْعالِ والإحْسانُ في الأقْوالِ.

﴿وإيتاءِ ذِي القُرْبى﴾ أيْ إعْطاءِ الأقارِبِ حَقَّهم مِنَ الصِّلَةِ والبِرِّ، وهَذا داخِلٌ في العَدْلِ أوِ الإحْسانِ وصُرِّحَ بِهِ اهْتِمامًا بِشَأْنِهِ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِذِي القُرْبى ما يَعُمُّ سائِرَ الأقارِبِ سَواءٌ كانُوا مِن جِهَةِ الأُمِّ أوْ مِن جِهَةِ الأبِ، وهَذا هو المُرادُ بِذَوِي الأرْحامِ الَّذِينَ حَثَّ الشّارِعُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى صِلَتِهِمْ عَلى الأصَحِّ، وقِيلَ: ذَوُو الأرْحامِ الأقارِبُ مِن جِهَةِ الأُمِّ، وذَكَرَ الطَّبَرْسِيُّ أنَّ المَرْوِيَّ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ أنَّ المُرادَ مِن ذِي القُرْبى هُنا قَرابَتُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ المُرادُونَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ولِلرَّسُولِ ولِذِي القُرْبى﴾ .

﴿ويَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ﴾ الإفْراطِ في مُتابَعَةِ القُوَّةِ الشَّهَوِيَّةِ كالزِّنا مَثَلًا، وفَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما الفَحْشاءَ بِهِ، ولَعَلَّهُ تَمْثِيلٌ لا تَخْصِيصٌ (والمُنْكَرِ) ما يُنْكَرُ عَلى مُتَعاطِيهِ مِنَ الإفْراطِ في إظْهارِ القُوَّةِ الغَضَبِيَّةِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُقاتِلٍ تَفْسِيرُهُ بِالشِّرْكِ، وعَنِ ابْنِ السّائِبِ أنَّهُ ما وُعِدَ عَلَيْهِ بِالنّارِ، وعَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ أنَّهُ مُخالَفَةُ السَّرِيرَةِ لِلْعَلانِيَةِ، وقِيلَ: ما لا يُوجِبُ الحَدَّ في الدُّنْيا لَكِنْ يُوجِبُ العَذابَ في الآخِرَةِ.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ما تُنْكِرُهُ العُقُولُ. وتَعَقَّبَهُ ابْنُ المُنِيرِ فَقالَ: إنَّهُ لَفْتَةٌ إلى الِاعْتِزالِ ولَوْ قالَ: المُنْكَرُ ما أنْكَرَهُ الشَّرْعُ لَوافَقَ الحَقَّ لَكِنَّهُ لا يَدَعْ بِدْعَةَ المُعْتَزِلَةِ في التَّحْسِينِ والتَّقْبِيحِ بِالعَقْلِ، وقالَ في الكَشْفِ بَعْدَ قَوْلِهِ: ما تُنْكِرُهُ العُقُولُ أيْ بَعْدَ رَدِّهِ إلى قَوانِينِ الشَّرْعِ فالإنْكارُ بِالعَقْلِ بِالضَّرُورَةِ، وإنَّما الخِلافُ في مَأْخَذِهِ والمَقْصُودُ أنَّ ما يُمْكِنُ أنْ يَجْرِيَ عَلى المَذْهَبَيْنِ لا يَحِقُّ المُحاقَّةُ فِيهِ وهو كالتَّعْرِيضِ بِابْنِ المُنِيرِ، واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ أنَّ المُنْكَرَ أعَمُّ مِنَ الفَحْشاءِ قالَ: لِاشْتِمالِهِ عَلى المَعاصِي والرَّذائِلِ، وعَلى أوَّلًا لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ﴿والبَغْيِ﴾ الِاسْتِعْلاءِ والِاسْتِيلاءِ عَلى النّاسِ والتَّجَبُّرِ عَلَيْهِمْ، وهو مِن آثارِ القُوَّةِ الوَهْمِيَّةِ الشَّيْطانِيَّةِ الَّتِي هي حاصِلَةٌ مِن رَذِيلَتَيِ القُوَّتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ الشَّهْوانِيَّةِ والغَضَبِيَّةِ، وأصْلُ مَعْنى البَغْيِ الطَّلَبُ ثُمَّ اخْتُصَّ بِطَلَبِ التَّطاوُلِ بِالظُّلْمِ والعُدْوانِ، ومِن ثَمَّ فُسِّرَ بِما فُسِّرَ وبِذَلِكَ فَسَّرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وتَخْصِيصُ كُلٍّ مِنَ المُتَعاطِفاتِ الثَّلاثَةِ المَنهِيِّ عَنْها بِالإشارَةِ إلى قُوَّةٍ مِنَ القُوى الثَّلاثَةِ مِمّا ذَهَبَ إلَيْهِ غَيْرُ واحِدٍ.

واعْتُرِضَ بِأنَّ ذَلِكَ مِمّا لا دَلِيلَ عَلَيْهِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: المُنْكَرُ أعَمُّ الثَّلاثَةِ بِاعْتِبارِ أنَّ المُرادَ بِهِ ما يُنْكِرُهُ الشَّرْعُ ويُقَبِّحُهُ مِنَ الأقْوالِ أوِ الأفْعالِ سَواءٌ عَظُمَ قُبْحُهُ ومَفْسَدَتُهُ أمْ لا وسَواءٌ كانَ مُتَعَدِّيًا إلى الغَيْرِ أمْ لا، وأنَّ المُرادَ بِالفَحْشاءِ ما عَظُمَ قُبْحُهُ مِن ذَلِكَ، ومِنهُ قِيلَ لِمَن عَظُمَ قُبْحُهُ في البُخْلِ فاحِشٌ، وعَلى ذَلِكَ حَمَلَ الرّاغِبُ قَوْلَ الشّاعِرِ:

أرى المَوْتَ يَعْتامُ الكِرامَ ويَصْطَفِي عَقِيلَةَ مالِ الفاحِشِ المُتَشَدِّدِ

والبَغْيُ التَّطاوُلُ بِالظُّلْمِ والعُدْوانِ فَفي الآيَةِ عَطْفُ العامِّ عَلى الخاصِّ وعَطْفُ الخاصِّ عَلى العامِّ، وقِيلَ: المُرادُ بِالفَحْشاءِ مُقابِلُ العَدْلِ ويُفَسَّرُ بِما خَرَجَ عَنْ سُنَنِ الِاعْتِدالِ إلى جانِبِ الإفْراطِ، وبِالمُنْكَرِ ما يُقابِلُ ما فِيهِ الإحْسانُ ويُفَسَّرُ بِما أتى بِهِ عَلى غَيْرِ الوَجْهِ اللّائِقِ بَلْ عَلى وجْهٍ يُنْكَرُ ويُسْتَقْبَحُ وبِالبَغْيِ ما يُقابِلُ إيتاءَ ذِي القُرْبى

صفحة 219

ويُفَسَّرُ بِما فُسِّرَ ويَكُونُ قَدْ قُوبِلَ في الآيَةِ الأمْرُ بِالنَّهْيِ وكُلٌّ مِنَ المَأْمُورِ بِهِ بِكُلٍّ مِنَ المَنهِيِّ عَنْهُ وجَمَعَ بَيْنَ الأمْرِ والنَّهْيِ مَعَ أنَّ الأمْرَ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ والنَّهْيَ عَنِ الشَّيْءِ أمْرٌ بِضِدِّهِ لِمَزِيدِ الِاهْتِمامِ والِاعْتِناءِ. والإمامُ الرّازِيُّ قَدْ أطالَ الكَلامَ في هَذا المَقامِ وذَكَرَ أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يَقْتَضِي المُغايَرَةَ بَيْنَ الثَّلاثَةِ المَأْمُورِ بِها ويَقْتَضِي أيْضًا المُغايَرَةَ بَيْنَ الثَّلاثَةِ المَنهِيِّ عَنْها وشَرَعَ في بَيانِ المُغايِرَةِ بَيْنَ الأوَّلِ ثُمَّ قالَ: والحاصِلُ أنَّ العَدْلَ عِبارَةٌ عَنِ القَدْرِ الواجِبِ مِنَ الخَيْراتِ والإحْسانَ عِبارَةٌ عَنِ الزِّيادَةِ في الطّاعاتِ بِحَسَبِ الكَمِّيَّةِ وبِحَسَبِ الكَيْفِيَّةِ وبِحَسَبِ الدَّواعِي والصَّوارِفِ وبِحَسَبِ الِاسْتِغْراقِ في شُهُودِ مَقامِ العُبُودِيَّةِ والرُّبُوبِيَّةِ، ويَدْخُلُ في تَفْسِيرِهِ التَّعْظِيمُ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى والشَّفَقَةُ عَلى خَلْقِهِ سُبْحانَهُ، ومِنَ الظّاهِرِ أنَّ الشَّفَقَةَ عَلى الخَلْقِ أقْسامٌ كَثِيرَةٌ أشْرَفُها وأجَلُّها صِلَةُ الرَّحِمِ لا جَرَمَ أنَّهُ سُبْحانَهُ أفْرَدَهُ بِالذِّكْرِ، ثُمَّ شَرَعَ في بَيانِ المُغايَرَةِ بَيْنَ الأخِيرَةِ وقالَ: تَفْصِيلُ القَوْلِ في ذَلِكَ أنَّهُ تَعالى أوْدَعَ في النَّفْسِ البَشَرِيَّةِ قُوىً أرْبَعَةً وهي الشَّهْوانِيَّةُ البَهِيمِيَّةُ والغَضَبِيَّةُ السَّبْعِيَّةُ والوَهْمِيَّةُ الشَّيْطانِيَّةُ والعَقْلِيَّةُ المَلَكِيَّةُ، وهَذِهِ الأخِيرَةُ لا يَحْتاجُ الإنْسانُ إلى تَهْذِيبِها لِأنَّها مِن جَوْهَرِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ونَتائِجِ الأرْواحِ القُدْسِيَّةِ العُلْوِيَّةِ وإنَّما المُحْتاجُ إلى التَّهْذِيبِ الثَّلاثَةُ قَبْلَها، ولَمّا كانَتِ الأُولى أعْنِي القُوَّةَ الشَّهْوانِيَّةَ إنَّما تَرْغَبُ في تَحْصِيلِ اللَّذّاتِ الشَّهْوانِيَّةِ وكانَ هَذا النَّوْعُ مَخْصُوصًا بِاسْمِ الفُحْشِ- ألا تَرى أنَّهُ تَعالى سَمّى الزِّنا فاحِشَةً- أشارَ إلى تَهْذِيبِها بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ويَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ﴾ المُرادُ مِنهُ المَنعُ مِن تَحْصِيلِ الذّاتِ الشَّهْوانِيَّةِ الخارِجَةِ عَنْ إذَنِ الشَّرِيعَةِ، ولَمّا كانَتِ الثّانِيَةُ أعْنِي القُوَّةَ الغَضَبِيَّةَ السَّبْعِيَّةَ تَسْعى أبَدًا في إيصالِ الشَّرِّ والبَلاءِ والإيذاءِ إلى سائِرِ النّاسِ أشارَ سُبْحانَهُ إلى تَهْذِيبِها بِنَهْيِهِ تَعالى عَنِ المُنْكَرِ إذْ لا شَكَّ أنَّ النّاسَ يُنْكِرُونَ تِلْكَ الحالَةَ فالمُنْكَرُ عِبارَةٌ عَنِ الإفْراطِ الحاصِلِ في آثارِ القُوَّةِ الغَضَبِيَّةِ، ولَمّا كانَتِ الثّالِثَةُ أعْنِي القُوَّةَ الوَهْمِيَّةَ الشَّيْطانِيَّةَ تَسْعى أبَدًا في الِاسْتِعْلاءِ عَلى النّاسِ والتَّرَفُّعِ وإظْهارِ الرِّياسَةِ والتَّقَدُّمِ أشارَ سُبْحانَهُ إلى تَهْذِيبِها بِالنَّهْيِ عَنِ البَغْيِ إذْ لا مَعْنى لَهُ إلّا التَّطاوُلُ والتَّرَفُّعُ عَلى النّاسِ، ثُمَّ قالَ: ومِنَ العَجائِبِ في هَذا البابِ أنَّ العُقَلاءَ قالُوا: أخَسُّ هَذِهِ القُوى الثَّلاثِ الشَّهْوانِيَّةُ وأوْسَطُها الغَضَبِيَّةُ وأعْلاها الوَهْمِيَّةُ، واللَّهُ تَعالى راعى هَذا التَّرْتِيبَ فَبَدَأ سُبْحانَهُ بِذِكْرِ الفَحْشاءِ الَّتِي هي نَتِيجَةُ القُوَّةِ الشَّهْوانِيَّةِ ثُمَّ بِالمُنْكَرِ الَّذِي هو نَتِيجَةُ القُوَّةِ الغَضَبِيَّةِ ثُمَّ بِالبَغْيِ الَّذِي هي نَتِيجَةُ القُوَّةِ الوَهْمِيَّةِ اه. وما تَقَدَّمَ عَنْ غَيْرِ واحِدٍ مَأْخُوذٌ مِن هَذا، ولْيُنْظَرْ هَلْ يَثْبُتُ بِما قَرَّرَهُ دَلِيلُ التَّخْصِيصِ فَيَنْدَفِعُ الِاعْتِراضُ السّابِقُ أمْ لا، ثُمَّ إنَّ الظّاهِرَ عَلَيْهِ أنَّ عَطْفَ البَغْيِ عَلى ما قَبْلَهُ كَعَطْفِ (إيتاءِ ذِي القُرْبى) عَلى ما قَبْلَهُ.

وبِالجُمْلَةِ أنَّ الآيَةَ كَما أخْرَجَ البُخارِيُّ في الأدَبِ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أجْمَعُ آيَةٍ لِلْخَيْرِ والشَّرِّ، وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنِ الحَسَنِ نَحْوَ ذَلِكَ، وأخْرَجَ الباوَرْدِيُّ وأبُو نُعَيْمٍ في مَعْرِفَةِ الصَّحابَةِ عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ قالَ: «بَلَغَ أكْتَمَ بْنَ صَيْفِيٍّ مَخْرَجُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَأرادَ أنْ يَأْتِيَهُ فَأتى قَوْمَهُ فانْتُدِبَ رَجُلانِ فَأتَيا رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالا: نَحْنُ رُسُلُ أكْتَمَ يَسْألُكَ مَن أنْتَ وما جِئْتَ بِهِ؟ فَقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ورَسُولُهُ ثُمَّ تَلا عَلَيْهِمْ هَذِهِ الآيَةَ ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ﴾ إلَخْ قالُوا: رَدِّدْ عَلَيْنا هَذا القَوْلَ فَرَدَّدَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلَيْهِمْ حَتّى حَفِظُوهُ فَأتَيا أكْتَمَ فَأخْبَراهُ فَلَمّا سَمِعَ الآيَةَ قالَ: إنِّي لَأُراهُ يَأْمُرُ بِمَكارِمِ الأخْلاقِ ويَنْهى عَنْ مَذامِّها فَكُونُوا في هَذا الأمْرِ رَأْسًا ولا تَكُونُوا فِيهِ أذْنابًا».

وقَدْ صارَتْ هَذِهِ الآيَةُ أيْضًا كَما أخْرَجَ أحْمَدُ والطَّبَرانِيُّ والبُخارِيُّ في الأدَبِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ سَبَبَ اسْتِقْرارِ الإيمانِ في قَلْبِ عُثْمانَ بْنِ مَظْعُونٍ ومَحَبَّتِهِ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ولِجَمْعِها ما جَمَعَتْ أقامَها عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ حِينَ آلَتِ

صفحة 220

الخِلافَةُ إلَيْهِ مَقامَ ما كانَ بَنُو أُمَيَّةَ غَضِبَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ يَجْعَلُونَهُ في أواخِرِ خُطَبِهِمْ مِن سَبِّ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ ولَعَنَ كُلَّ مَن بَغَّضَهُ وسَبَّهُ وكانَ ذَلِكَ مِن أعْظَمِ مَآثِرِهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: لَوْ لَمْ يَكُنْ في القُرْآنِ غَيْرُ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ لَكَفَتْ في كَوْنِهِ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وهُدًى. ولَعَلَّ إيرادَها عُقَيْبَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونَزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ لِلتَّنْبِيهِ عَلَيْهِ فَإنَّها إذا نُظِرَ إلى أنَّها قَدْ جَمَعَتْ ما جَمَعَتْ مَعَ وجازَتْها اسْتَيْقَظَتْ عُيُونُ البَصائِرِ وتَحَرَّكَتْ لِلنَّظَرِ فِيما عَداها.

وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ عُثْمانَ بْنِ أبِي العاصِ قالَ: «كُنْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ جالِسًا إذْ شَخَصَ بَصَرُهُ فَقالَ: أتانِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَأمَرَنِي أنْ أضَعَ هَذِهِ الآيَةَ بِهَذا المَوْضِعِ إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ إلَخْ».

واسْتُدِلَّ بِها عَلى أنَّ صِيغَةَ أ م ر تَتَناوَلُ الواجِبَ والمَندُوبَ ومَوْضُوعُها القَدْرُ المُشْتَرَكُ وتَحْقِيقُ ذَلِكَ في الأُصُولِ.

﴿يَعِظُكُمْ﴾ أيْ يُنَبِّهُكم بِما يَأْمُرُ ويَنْهى سُبْحانَهُ أحْسَنَ تَنْبِيهٍ، وهو إمّا اسْتِئْنافٌ وإمّا حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في الفِعْلَيْنِ ﴿لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ طَلَبًا لِأنْ تَتَّعِظُوا بِذَلِكَ وتَنْتَبِهُوا.

16:91Page 277

وَأَوۡفُواْ بِعَهۡدِ ٱللَّهِ إِذَا عَٰهَدتُّمۡ وَلَا تَنقُضُواْ ٱلۡأَيۡمَٰنَ بَعۡدَ تَوۡكِيدِهَا وَقَدۡ جَعَلۡتُمُ ٱللَّهَ عَلَيۡكُمۡ كَفِيلًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا تَفۡعَلُونَ ٩١

And fulfill the covenant of Allāh when you have taken it, [O believers], and do not break oaths after their confirmation while you have made Allāh, over you, a security [i.e., witness]. Indeed, Allāh knows what you do.

﴿وأوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ قالَ قَتادَةُ ومُجاهِدٌ: نَزَلَتْ فِيما كانَ مِن تَحالُفِ الجاهِلِيَّةِ في أمْرٍ بِمَعْرُوفٍ أوْ نَهْيٍ عَنْ مُنْكَرٍ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مَزِيدَةَ بْنِ جابِرٍ أنَّها نَزَلَتْ في بَيْعَةِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ مَن أسْلَمَ بايَعَ عَلى الإسْلامِ. وظاهِرُهُ أنَّها في البَيْعَةِ عَلى الإسْلامِ مُطْلَقًا، فالمُرادُ بِعَهْدِ اللَّهِ تِلْكَ البَيْعَةُ كَما نَصَّ عَلَيْهِ غَيْرُ واحِدٍ. واعْتُرِضَ بِأنَّ الظّاهِرَ أنَّهُ عامٌّ في كُلِّ مُوَثَّقٍ وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلامُ مَيْمُونَ بْنِ مَهْرانَ، وسَبَبُ النُّزُولِ لَيْسَ مِنَ المُخَصَّصاتِ، ولِذا قالُوا: الِاعْتِبارُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ. وأُجِيبَ بِأنَّ قَرِينَةَ التَّخْصِيصِ قَوْلُهُ تَعالى فِيما قَبْلُ: ( إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ) الآيَةَ، وفِيهِ نَظَرٌ، وقالَ الأصَمُّ: المُرادُ بِهِ الجِهادُ وما فُرِضَ في الأمْوالِ مِن حَقٍّ ولا يُلائِمُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا عاهَدْتُمْ﴾ وقِيلَ: المُرادُ بِهِ النَّذْرُ، وقِيلَ: اليَمِينُ: وتَعَقَّبَ ذَلِكَ الإمامُ بِأنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى.

﴿ولا تَنْقُضُوا الأيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها﴾ تَكْرارًا لِأنَّ الوَفاءَ بِالعَهْدِ والمَنعَ مِنَ النَّقْضِ مُتَقارِبانِ لِأنَّ الأمْرَ بِالفِعْلِ يَسْتَلْزِمُ النَّهْيَ عَنِ التَّرْكِ، وإذا حُمِلَ العَهْدُ عَلى العُمُومِ بِحَيْثُ دَخَلَ تَحْتَهُ اليَمِينُ كانَ هَذا مِن بابِ تَخْصِيصِ بَعْضِ الإفْرادِ بِالذِّكْرِ لِلِاعْتِناءِ بِهِ وبَعْضُ مَن فَسَّرَ العَهْدَ بِالبَيْعَةِ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حَمَلَ الأيْمانَ عَلى ما وقَعَ عِنْدَ تِلْكَ البَيْعَةِ، وجَوَّزَ بَعْضُهم حَمَلَها عَلى مُطْلَقِ الأيْمانِ.

وفِي الحَواشِي السَّعْدِيَّةِ أنَّ الظّاهِرَ أنَّ المُرادَ بِها الأشْياءُ المَحْلُوفُ عَلَيْها كَما في قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ:

««ومَن حَلَفَ عَلى يَمِينٍ فَرَأى غَيْرَها خَيْرًا مِنها فَلْيَأْتِ الَّذِي هو خَيْرٌ ولْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ»» لِأنَّهُ لَوْ كانَ المُرادُ ذِكْرَ اسْمِ اللَّهِ تَعالى كانَ عَيْنَ التَّأْكِيدِ لا المُؤَكَّدِ فَلَمْ يَكُنْ مَحَلَّ ذِكْرِ العَطْفِ كَما تُقَرِّرَ في المَعانِي ورُدَّ بِأنَّ المُرادَ بِها العَقْدُ لا المَحْلُوفُ عَلَيْهِ لِأنَّ النَّقْضَ إنَّما يُلائِمُ العَقْدَ ولا يُنافِي ذَلِكَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿بَعْدَ تَوْكِيدِها﴾ لِأنَّ المُرادَ كَوْنُ العَقْدِ مُؤَكَّدًا بِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى لا بِذِكْرِ غَيْرِهِ كَما يَفْعَلُهُ العامَّةُ الجَهَلَةُ فالمَعْنى أنَّ ذَلِكَ النَّهْيَ لِما ذُكِرَ لا عَنْ نَقْضِ الحَلِفِ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى وقالَ الواحِدِيُّ: إنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿بَعْدَ تَوْكِيدِها﴾ لِإخْراجِ لَغْوِ اليَمِينِ نَحْوَ لا واللَّهِ بَلى واللَّهِ بِناءً عَلى أنَّ المَعْنى بَعْدَ تَوْكِيدِها بِالعَزْمِ والعَقْدِ ولَغْوُ اليَمِينِ لَيْسَتْ كَذَلِكَ. ثُمَّ إذا حُمِلَ الإيمانُ عَلى مُطْلَقِها فَهُوَ- كَما قالَ الإمامُ- عامٌّ دَخَلَهُ التَّخْصِيصُ بِالحَدِيثِ السّابِقِ الدّالِّ عَلى أنَّهُ مَتى كانَ الصَّلاحُ في نَقْضِ اليَمِينِ جازَ نَقْضُها. وتُعِقِّبَ بِأنَّ فِيهِ تَأمُّلًا لِأنَّ الحَظْرَ لَوْ لَمْ يَكُنْ باقِيًا لَما احْتِيجَ إلى الكَفّارَةِ السّاتِرَةِ لِلذَّنْبِ. وأُجِيبَ بِأنَّ وُجُوبَ الكَفّارَةِ بِطَرِيقِ الزَّجْرِ إذْ أصْلُ الإيمانِ الِانْعِقادُ ولَوْ مَحْظُورَةً فَلا يُنافِي لُزُومَ مُوجَبِها، وجُوِّزَ أنْ يُقالَ: إنَّ ذَلِكَ لِلْإقْدامِ عَلى الحَلِفِ بِاللَّهِ

صفحة 221

تَعالى في غَيْرِ مَحَلِّهِ فَلْيُتَأمَّلْ، والتَّوْكِيدُ التَّوْثِيقُ، ومِنهُ أُكِّدَ بِقَلْبِ الواوِ هَمْزَةً عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ، مِنَ النُّحاةِ، وذَهَبَ آخَرُونَ إلى أنَّ وكَّدَ وأكَّدَ لُغَتانِ أصْلِيَّتانِ لِأنَّ الِاسْتِعْمالَيْنِ في المادَّةِ مُتَساوِيانِ فَلا يَحْسُنُ القَوْلُ بِأنَّ الواوَ بَدَلٌ مِنَ الهَمْزَةِ كَما في الدُّرِّ المَصُونِ وهو الَّذِي اخْتارَهُ أبُو حَيّانَ.

﴿وقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكم كَفِيلا﴾ أيْ شاهِدًا رَقِيبًا فَإنَّ الكَفِيلَ مُراعٍ لِحالِ المَكْفُولِ بِهِ رَقِيبٌ عَلَيْهِ واسْتِعْمالُ الكَفِيلِ في ذَلِكَ إمّا مِن بابِ الِاسْتِعارَةِ أوِ المَجازِ المُرْسَلِ والعَلاقَةُ اللُّزُومُ.

والظّاهِرُ أنَّ جَعْلَهم مَجازٌ أيْضًا لِأنَّهم لَمّا فَعَلُوا ذَلِكَ واللَّهُ تَعالى مُطَّلِعٌ عَلَيْهِمْ فَكَأنَّهم جَعَلُوهُ سُبْحانَهُ شاهِدًا قالَهُ الخَفاجِيُّ ثُمَّ قالَ: ولَوْ أُبْقِيَ الكَفِيلُ عَلى ظاهِرِهِ وجُعِلَ تَمْثِيلًا لِعَدَمِ تَخَلُّصِهِمْ مِن عُقُوبَتِهِ وإنَّهُ يُسَلِّمُهم لَها كَما يُسَلِّمُ الكَفِيلُ مَن كَفَلَهُ كَما يُقالُ: مَن ظَلَمَ فَقَدْ أقامَ كَفِيلًا بِظُلْمِهِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ لا يُمْكِنُهُ التَّخَلُّصُ مِنَ العُقُوبَةِ كَما ذَكَرَهُ الرّاغِبُ لَكانَ مَعْنًى بَلِيغًا جِدًّا فَتَدَبَّرْ. والظّاهِرُ أنَّ الجُمْلَةَ في مَوْضِعِ الحالِ مِن فاعِلِ ﴿تَنْقُضُوا﴾ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ حالًا مِن فاعِلِ المَصْدَرِ وإنْ كانَ مَحْذُوفًا، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾ أيْ مِنَ النَّقْضِ فَيُجازِيكم عَلى ذَلِكَ في وضْعِ التَّعْلِيلِ لِلنَّهْيِ السّابِقِ، وقالَ الخَفاجِيُّ: إنَّهُ كالتَّفْسِيرِ لِما قَبْلَهُ

16:92Page 277

وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّتِي نَقَضَتۡ غَزۡلَهَا مِنۢ بَعۡدِ قُوَّةٍ أَنكَٰثٗا تَتَّخِذُونَ أَيۡمَٰنَكُمۡ دَخَلَۢا بَيۡنَكُمۡ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرۡبَىٰ مِنۡ أُمَّةٍۚ إِنَّمَا يَبۡلُوكُمُ ٱللَّهُ بِهِۦۚ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ مَا كُنتُمۡ فِيهِ تَخۡتَلِفُونَ ٩٢

And do not be like she who untwisted her spun thread after it was strong [by] taking your oaths as [means of] deceit between you because one community is more plentiful [in number or wealth] than another community.1 Allāh only tries you thereby. And He will surely make clear to you on the Day of Resurrection that over which you used to differ.

﴿ولا تَكُونُوا﴾ فِيما تَصْنَعُونَ مِنَ النَّقْضِ ﴿كالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها﴾ مَصْدَرٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ أيْ مَغْزُولَها، والفِعْلُ مِنهُ غَزَلَ يَغْزِلُ بِكَسْرِ الزّايِ، والنَّقْضُ ضِدُّ الإبْراءِ، وهو في الجُرْمِ فَكُّ أجْزائِهِ بَعْضِها مِن بَعْضٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِ قُوَّةٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِنَقَضَتْ عَلى أنَّهُ ظَرْفٌ لَهُ لا حالٌ ومِن- زائِدَةٌ مُطَّرِدَةٌ في مِثْلِهِ أيْ كالمَرْأةِ الَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِن بَعْدِ إبْرامِهِ وإحْكامِهِ.

﴿أنْكاثًا﴾ جَمْعُ نِكْثٍ بِكَسْرِ النُّونِ وهو ما يَنْكُثُ فَتْلُهُ وانْتِصابُهُ قِيلَ عَلى إنَّهُ حالٌ مُؤَكَّدَةٌ مِن ﴿غَزْلَها﴾ وقِيلَ: عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِنَقَضَ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى جَعَلَ، وجَوَّزَ الزَّجّاجُ كَوْنَ النَّصْبِ عَلى المَصْدَرِيَّةِ لِأنَّ ﴿نَقَضَتْ﴾ بِمَعْنى نَكَثَتْ فَهو مُلاقٍ لِعامِلِهِ في المَعْنى.

وقالَ في الكَشْفِ: إنَّ جَعْلَهُ مَفْعُولًا عَلى التَّضْمِينِ أوْلى مِن جَعْلِهِ حالًا أوْ مَصْدَرًا، وفي الإتْيانِ بِهِ مَجْمُوعًا مُبالَغَةٌ وكَذَلِكَ في حَذْفِ المَوْصُوفَةِ لِيَدُلَّ عَلى الخَرْقاءِ الحَمْقاءِ وما أشْبَهَ ذَلِكَ، وفي الكَشّافِ ما يُشِيرُ إلى اعْتِبارِ التَّضْمِينِ حَيْثُ قالَ: أيْ لا تَكُونُوا كالمَرْأةِ الَّتِي أنْحَتْ عَلى غَزْلِها بَعْدَ أنْ أحْكَمَتْهُ فَجَعَلَتْهُ أنْكاثًا، وفي قَوْلِهِ: أنْحَتْ- عَلى ما قالَ القُطْبُ- إشارَةٌ إلى أنَّ ﴿نَقَضَتْ﴾ مَجازٌ عَنْ أرادَتِ النَّقْضَ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ﴾ وذُكِرَ أنَّهُ فُسِّرَ بِذَلِكَ جَمْعًا بَيْنَ القَصْدِ والفِعْلِ لِيَدُلَّ عَلى حَماقَتِها واسْتِحْقاقِها اللَّوْمَ بِذَلِكَ فَإنَّ نَقْضَها لَوْ كانَ مِن غَيْرِ قَصْدٍ لَمْ تَسْتَحِقَّ ذَلِكَ ولِأنَّ التَّشْبِيهَ كُلَّما كانَ أكْثَرَ تَفْصِيلًا كانَ أحْسَنَ، ولا يَخْفى ما في اعْتِبارِ التَّضْمِينِ وهَذا المَجازُ مِنَ التَّكَلُّفِ وكَأنَّهُ لِهَذا قِيلَ: إنَّ اعْتِبارَ القَصْدِ لِأنَّ المُتَبادِرَ مِنَ الفِعْلِ الِاخْتِيارِيِّ وفي الكَشْفِ خَرَجَ ذَلِكَ المَعْنى مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِ قُوَّةٍ﴾ فَإنَّ نَقْضَ المُبْرَمِ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ إنْحاءٍ بالِغٍ وقَصْدٍ تامٍّ ولَمْ يُرِدْ بِالمَوْصُولِ امْرَأةً بِعَيْنِها بَلِ المُرادُ مِن هَذِهِ صِفَتُهُ فَفي الآيَةِ حالُ النّاقِضِ بِحالِ النّاقِضِ في أخَسِّ أحْوالِهِ تَحْذِيرًا مِنهُ وإنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِن فِعْلِ العُقَلاءِ وصاحِبُهُ داخِلٌ في عِدادِ حَمْقى النِّساءِ، وقِيلَ: المُرادُ امْرَأةٌ مَعْلُومَةٌ عِنْدَ المُخاطَبِينَ كانَتْ تَغْزِلُ فَإذا بَرَمَتْ غَزْلَها تَنْقُضُهُ وكانَتْ تُسَمّى خَرْقاءَ مَكَّةَ، قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: كانَ اسْمُها رَبْطَةَ بِنْتَ عَمْرٍو المِرْيَةَ تُلَقَّبُ الحَفْراءَ، وقالَ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ: هي امْرَأةٌ مِن قُرَيْشٍ اسْمُها رَبْطَةُ بِنْتُ سَعْدٍ التَّيْمِيِّ اتَّخَذَتْ

صفحة 222

مِغْزَلًا قَدْرَ ذِراعٍ وصِنّارَةً مِثْلَ أُصْبُعٍ وفَلَكَةً عَظِيمَةً عَلى قَدْرِها فَكانَتْ تَغْزِلُ هي وجِوارُها مِنَ الغَداةِ إلى الظُّهْرِ ثُمَّ تَأْمُرُهُنَّ فَيَنْقُضْنَ ما غَزَلْنَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي بَكْرِ بْنِ حَفْصٍ قالَ: كانَتْ سَعِيدَةُ الأسَدِيَّةُ مَجْنُونَةً تَجْمَعُ الشَّعْرَ واللِّيفَ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿ولا تَكُونُوا كالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها﴾

ورَوى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَطاءٍ «أنَّها شَكَتْ جُنُونَها إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وطَلَبَتْ أنْ يَدْعُوَ لَها بِالمُعافاةِ فَقالَ لَها عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «إنْ شِئْتِ دَعَوْتُ فَعافاكِ اللَّهُ تَعالى وإنْ شِئْتِ صَبَرْتِ واحْتَسَبْتِ ولَكِ الجَنَّةُ» فاخْتارَتِ الصَّبْرَ والجَنَّةَ».

وذَكَرَ عَطاءٌ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ أراهُ إيّاها، وعَنْ مُجاهِدٍ هَذا فِعْلُ نِساءِ نَجْدٍ تَنْقُضُ إحْداهُنَّ غَزْلَها ثُمَّ تَنْفُشُهُ فَتَغْزِلُهُ بِالصُّوفِ، وإلى عَدَمِ التَّعْيِينِ ذَهَبَ قَتادَةُ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ ﴿تَتَّخِذُونَ أيْمانَكم دَخَلا بَيْنَكُمْ﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ( لا تَكُونُوا ) أوْ في الجارِّ والمَجْرُورِ الواقِعِ مَوْقِعَ الخَبَرِ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ خَبَرُ تَكُونُوا و﴿كالَّتِي﴾ نَقَضَتْ في مَوْضِعِ الحالِ وهو خِلافُ الظّاهِرِ، وقالَ الإمامُ: الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ أنْ أتَتَّخِذُونَ، والدَّخَلُ في الأصْلِ ما يَدْخُلُ الشَّيْءَ ولَمْ يَكُنْ مِنهُ ثُمَّ كُنِّيَ بِهِ عَنِ الفَسادِ والعَداوَةِ المُسْتَبْطِنَةِ كالدَّغَلِ، وفَسَّرَهُ قَتادَةُ بِالغَدْرِ والخِيانَةِ، ونَصْبُهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ، وقِيلَ: عَلى المَفْعُولِيَّةِ مِن أجْلِهِ، وفائِدَةُ وُقُوعِ الجُمْلَةِ حالًا الإشارَةُ إلى وجْهِ الشَّبَهِ أيْ لا تَكُونُوا مُشَبَّهِينَ بِامْرَأةٍ هَذا شَأْنُها مُتَّخِذِينَ أيْمانَكم وسِيلَةً لِلْغَدْرِ والفَسادِ بَيْنَكم ﴿أنْ تَكُونَ أُمَّةٌ﴾ أيْ بِأنْ تَكُونَ جَماعَةٌ ﴿هِيَ أرْبى﴾ أيْ أزْيَدَ عَدَدًا وأوْفَرَ مالًا ﴿مِن أُمَّةٍ﴾ أيْ مِن جَماعَةٍ أُخْرى، والمَعْنى لا تَغْدِرُوا بِقَوْمٍ بِسَبَبِ كَثْرَتِهِمْ وقِلَّتِهِمْ بَلْ حافِظُوا عَلى أيْمانِكم مَعَهُمْ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ. وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُما عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: كانُوا يُحالِفُونَ الحُلَفاءَ فَيَجِدُونَ أكْثَرَ مِنهم وأعَزَّ فَيَنْقُضُونَ حَلِفَهم ويُحالِفُونَ الَّذِينَ هم أعَزُّ فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ لا تَغْدِرُوا بِجَماعَةٍ بِسَبَبِ أنْ تَكُونَ جَماعَةٌ أُخْرى أكْثَرَ مِنها وأعَزَّ بَلْ عَلَيْكُمُ الوَفاءَ بِالأيْمانِ والمُحافَظَةَ عَلَيْها وإنَّ قَلَّ مَن خَلَّفْتُمْ لَهُ وكَثُرَ الآخَرُ وجُوِّزَ في «تَكُونَ» أنْ تَكُونَ تامَّةً وناقِصَةً وفِي- هِيَ- أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً وعِمادًا «فَأرْبى» إمّا مَرْفُوعٌ أوْ مَنصُوبٌ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ البَصْرِيِّينَ لا يُجَوِّزُونَ كَوْنَ ( هي ) عِمادَ التَّنْكِيرِ ( أُمَّةٌ ) .

وزَعَمَ بَعْضُ الشِّيعَةِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ قَدْ حُرِّفَتْ وأصْلُها أنْ تَكُونَ أئِمَّةٌ هي أزْكى مِن أئِمَّتِكم ولَعَمْرِي قَدْ ضَلُّوا سَواءَ السَّبِيلِ ﴿إنَّما يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ﴾ الضَّمِيرُ المَجْرُورُ عائِدٌ إمّا عَلى المَصْدَرِ المُنْسَبِكِ مِن ( أنْ تَكُونَ ) أوْ عَلى المَصْدَرِ المُنْفَهَمِ مِن ﴿أرْبى﴾ وهو الرَّبْوُ بِمَعْنى الزِّيادَةِ، وقَوْلُ ابْنِ جُبَيْرٍ وابْنِ السّائِبِ ومُقاتِلٍ يَعْنِي بِالكَثْرَةِ مُرادُهم مِنهُ هَذا واكْتَفَوْا بِبَيانِ حاصِلِ المَعْنى، وظَنَّ ابْنُ الأنْبارِيِّ أنَّهم أرادُوا أنَّ الضَّمِيرَ راجِعٌ إلى نَفْسِ الكَثْرَةِ لَكِنْ لَمّا كانَ تَأْنِيثُها غَيْرَ حَقِيقِيٍّ صَحَّ التَّذْكِيرُ وهو كَما تَرى، وقِيلَ: إنَّهُ لِأرْبى لِتَأْوِيلِهِ بِالكَثِيرِ، وقِيلَ لِلْأمْرِ بِالوَفاءِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى- وأوْفُوا- إلَخْ ولا حاجَةَ إلى جَعْلِهِ مُنْفَهِمًا مِنَ النَّهْيِ عَنِ الغَدْرِ بِالعَهْدِ واخْتارَ بَعْضُهُمُ الأوَّلَ لِأنَّهُ أسْرَعُ تَبادُرًا أيْ يُعامِلُكم مُعامَلَةَ المُخْتَبَرِ بِذَلِكَ الكَوْنِ لِيَنْظُرَ أتَتَمَسَّكُونَ بِحَبَلِ الوَفاءِ بِعَهْدِ اللَّهِ تَعالى وبَيْعَةِ رَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أمْ تَغْتَرُّونَ بِكَثْرَةِ قُرَيْشٍ وشَوْكَتِهِمْ وقِلَّةِ المُؤْمِنِينَ وضَعْفِهِمْ بِحَسَبِ ظاهِرِ الحالِ ﴿ولَيُبَيِّنَنَّ لَكم يَوْمَ القِيامَةِ ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ فَيُجازِيكم بِأعْمالِكم ثَوابًا وعِقابًا

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском