Al-AlusiAl‑Isra · 17:102–109

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-Isra 17:102–109

17:102Page 292

قَالَ لَقَدۡ عَلِمۡتَ مَآ أَنزَلَ هَٰٓؤُلَآءِ إِلَّا رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ بَصَآئِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَٰفِرۡعَوۡنُ مَثۡبُورٗا ١٠٢

[Moses] said, "You have already known that none has sent down these [signs] except the Lord of the heavens and the earth as evidence, and indeed I think,1 O Pharaoh, that you are destroyed."

﴿قالَ﴾ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ رَدًّا لِقَوْلِهِ المَذْكُورِ: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ﴾ يا فِرْعَوْنُ ﴿ما أنْزَلَ هَؤُلاءِ﴾ أيِ الآياتِ التِّسْعَ أوْ بَعْضَها، والإشارَةُ إلى ذَلِكَ بِما ذُكِرَ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ عَلى إحْدى الرِّوايَتَيْنِ: والعَيْشُ بَعْدَ أُولَئِكَ الأيّامُ، وقَدْ مَرَّ ﴿إلا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: خالِقُهَما ومُدَبِّرُهُما، وحاصِلُ الرَّدِّ أنَّ عِلْمَكَ بِأنَّ هاتِيكَ الآياتِ مِنَ اللَّهِ تَعالى إذْ لا يَقْدِرُ عَلَيْها سِواهُ تَعالى يَقْتَضِي أنِّي لَسْتُ بِمَسْحُورٍ ولا ساحِرٍ، وأنَّ كَلامِي غَيْرُ مُخْتَلٍّ لَكِنَّ حُبَّ الرِّياسَةِ حَمَلَكَ عَلى العِنادِ في التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ إيماءً إلى أنَّ إنْزالَها مِن آثارِ ذَلِكَ، وفي البَحْرِ: ما أحْسَنَ إسْنادَ إنْزالِها إلى رَبِّ السَّمَواتِ والأرْضِ إذْ هو عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا سَألَهُ فِرْعَوْنُ في أوَّلِ مُحاوَرَتِهِ فَقالَ لَهُ: وما رَبُّ العالَمِينَ؟ قالَ: رَبُّ السَّمَواتِ والأرْضِ تَنْبِيهًا عَلى نَقْصِهِ وأنَّهُ لا تَصَرُّفَ لَهُ في الوُجُودِ فَدَعْواهُ الرُّبُوبِيَّةَ دَعْوى مُسْتَحِيلٍ فَبَكَّتَهُ وأعْلَمَهُ أنَّهُ يَعْلَمُ آياتِ اللَّهِ تَعالى ومَن أنْزَلَها ولَكِنَّهُ مُكابِرٌ مُعانِدٌ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهم ظُلْمًا وعُلُوًّا﴾ وخاطَبَهُ بِذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّوْبِيخِ أيْ أنْتَ بِحالِ مَن يَعْلَمُ هَذِهِ أوْ هي مِنَ الوُضُوحِ بِحَيْثُ تَعْلَمُها ولَيْسَ خِطابُهُ عَلى جِهَةِ إخْبارِهِ عَنْ عِلْمِهِ أوِ العِلْمِ بِعِلْمِهِ لِيَكُونَ إفادَةَ لازِمِ الخَبَرِ كَقَوْلِكَ لِمَن حَفِظَ التَّوْراةَ: حَفِظْتَ التَّوْراةَ.

وقَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما والكِسائِيُّ: «لَقَدْ عَلِمْتُ» بِضَمِّ التّاءِ فَيَكُونُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ أخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ أنَّهُ لَيْسَ بِمَسْحُورٍ كَما زَعَمَ عَدُوُّ اللَّهِ تَعالى وعَدُوُّهُ بَلْ هو يَعْلَمُ أنَّ ما أنْزَلَ تِلْكَ الآياتِ إلّا خالِقُ السَّمَواتِ والأرْضِ ومُدَبِّرُهُما، ورُوِيَ عَنِ الأمِيرِ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ قالَ: واللَّهِ ما عَلِمَ عَدُوُّ اللَّهِ تَعالى ولَكِنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ هو الَّذِي عَلِمَ، وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ لا يَصِحُّ لِأنَّهُ رَواهُ كُلْثُومٌ المُرادِيُّ وهو مَجْهُولٌ وكَيْفَ يَقُولُ ذَلِكَ بابُ مَدِينَةِ العِلْمِ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، ووَجْهُ نِسْبَةِ العَلَمِ إلَيْهِ ظاهِرٌ.

وقَدْ ذَكَرَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ في الدُّرِّ المَنثُورِ أنَّ سَعِيدَ بْنَ مَنصُورٍ وابْنَ المُنْذِرِ وابْنَ أبِي حاتِمٍ أخْرَجُوا عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ بِالضَّمِّ ويَقُولُ ذَلِكَ. ولَمْ يَتَعَقَّبْهُ بِشَيْءٍ، ولَعَلَّ هَذا المَجْهُولَ الَّذِي ذَكَرَهُ أبُو حَيّانَ في أسانِيدِهِمْ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

وجُمْلَةُ: ﴿ما أنْزَلَ﴾ إلَخْ مُعَلَّقٌ عَنْها سادَةٌ مَسَدَّ ﴿عَلِمْتَ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَصائِرَ﴾ حالٌ مِن هَؤُلاءِ والعامِلُ فِيهِ أنْزَلَ المَذْكُورُ عِنْدَ الحُوفِيِّ وأبِي البَقاءِ وابْنِ عَطِيَّةَ وما قَبْلُ إلّا يَعْمَلُ فِيما بَعْدَها إذا كانَ مُسْتَثْنًى مِنهُ أوْ تابِعًا لَهُ، وقَدْ نَصَّ الأخْفَشُ والكِسائِيُّ عَلى جَوازِ: ما ضَرَبَ هِنْدًا إلّا زَيْدٌ ضاحِكَةً، ومَذْهَبُ الجُمْهُورِ عَدَمُ الجَوازِ؛ فَإنْ ورَدَ ما ظاهِرُهُ ذَلِكَ أُوِّلَ عِنْدَهم عَلى إضْمارِ فِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلُ، والتَّقْدِيرُ هُنا: أنْزَلَها بَصائِرَ؛ أيْ: بَيِّناتٍ مَكْشُوفاتٍ تُبَصِّرُكَ صِدْقِي عَلى أنَّهُ جَمْعُ بَصِيرَةٍ بِمَعْنى مُبْصِرَةٍ أيْ بَيِّنَةٍ وتُطْلَقُ البَصائِرُ عَلى الحُجَجِ بِجَعْلِها كَأنَّها بَصائِرُ العُقُولِ، أيْ: ما أنْزَلَها إلّا حُجَجًا وأدِلَّةً عَلى صِدْقِي وتَكُونُ بِمَعْنى العِبْرَةِ كَما ذَكَرَهُ الرّاغِبُ، هَذا ولا يَخْفى عَلَيْكَ أنَّهُ إذا كانَ المُرادُ مِنَ الآياتِ التِّسْعِ ما اقْتَضاهُ خَبَرُ صَفْوانَ السّابِقُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ ( هَؤُلاءِ ) إشارَةً

صفحة 186

إلى ما أظْهَرَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ المُعْجِزاتِ ويُعْتَبَرُ إظْهارُ ذَلِكَ فِيما يُفْصِحُ عَنْهُ الفاءُ الفَصِيحَةُ وإنْ أبَيْتَ إلّا جَعْلَها إشارَةً إلى الآياتِ المَذْكُورَةِ بِذَلِكَ المَعْنى لِتَحَقُّقِ جَمِيعِها مِن أوَّلِ الأمْرِ وثُبُوتِها وقْتَ المُحاوَرَةِ وشِدَّةِ مُلاءَمَةِ الإنْزالِ لَها احْتَجْتَ إلى ارْتِكابِ نَوْعِ تَكَلُّفٍ فِيما لا يَخْفى عَلَيْكَ.

﴿وإنِّي لأظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ أيْ: هالِكًا كَما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ عَلى أنَّهُ مِن ثَبَرَ اللّازِمِ بِمَعْنى هَلَكَ، ومَفْعُولُ فِيهِ لِلنَّسَبِ بِناءً عَلى أنَّهُ يَأْتِي لَهُ مِنَ اللّازِمِ والمُتَعَدِّي، وفَسَّرَهُ بَعْضُهم بِ «مُهْلَكًا» وهو ظاهِرٌ، وعَنِ الفَرّاءِ أنَّهُ قالَ: أيْ: مَصْرُوفًا عَنِ الخَيْرِ مَطْبُوعًا عَلى الشَّرِّ مِن قَوْلِهِمْ: ما ثَبَرَكَ عَنْ هَذا؛ أيْ: ما مَنَعَكَ وإلَيْهِ يَرْجِعُ ما أخْرَجَهُ الطَّسْتِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن تَفْسِيرِهِ بِ «مَلْعُونًا» مَحْبُوسًا عَنِ الخَيْرِ.

وأخْرَجَ الشِّيرازِيُّ في الألْقابِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرانَ عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ تَفْسِيرَهُ بِناقِصِ العَقْلِ، وفي مَعْناهُ تَفْسِيرُ الضَّحّاكِ بِمَسْحُورٍ قالَ: رَدَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِمِثْلِ ما قالَ لَهُ فِرْعَوْنُ مَعَ اخْتِلافِ اللَّفْظِ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في ذَمِّ الغَضَبِ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ ﴿مَثْبُورًا﴾ في الآيَةِ فَقالَ: مُخالِفًا ثُمَّ قالَ: الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِن أنْ يَلْعَنُوا أوْ يَسُبُّوا، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا مَعْنًى مَجازِيٌّ لَهُ وكَذا ناقِصُ العَقْلِ ولا داعِيَ إلى ارْتِكابِهِ، وما ذَكَرَهُ الإمامُ مالِكٌ فِيهِ ما فِيهِ، نَعَمْ قِيلَ: إنَّ تَفْسِيرَهُ بِ «هالِكًا» ونَحْوِهِ مِمّا فِيهِ خُشُونَةٌ يُنافِي قَوْلَهُ تَعالى خِطابًا لِمُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا﴾ وأشارَ أبُو حَيّانَ إلى جَوابِهِ بِأنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ أوَّلًا يَتَوَقَّعُ مِن فِرْعَوْنَ المَكْرُوهَ كَما قالَ: ﴿إنَّنا نَخافُ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أوْ أنْ يَطْغى﴾ فَأُمِرَ أنْ يَقُولَ لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا، فَلَمّا قالَ سُبْحانَهُ لَهُ: ﴿لا تَخَفْ﴾ وثِقَ بِحِمايَةِ اللَّهِ تَعالى فَصالَ عَلَيْهِ صَوْلَةَ المَحْمِيِّ وقابَلَهُ مِنَ الكَلامِ بِما لَمْ يَكُنْ لِيُقابِلَهُ بِهِ قَبْلَ ذَلِكَ، وفِيهِ كَلامٌ سَتَطَّلِعُ عَلَيْهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في مَحَلِّهِ، وبِالجُمْلَةِ التَّفْسِيرُ الأوَّلُ أظْهَرُ التَّفاسِيرِ ولا ضَيْرَ فِيهِ لا سِيَّما مَعَ تَعْبِيرِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِالظَّنِّ ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ قارَعَ ظَنَّهُ بِظَنِّهِ وشَتّانَ ما بَيْنَ الظَّنَّيْنِ فَإنَّ ظَنَّ فِرْعَوْنَ إفْكٌ مُبِينٌ وظَنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ يَحُومُ حَوْلَ اليَقِينِ.

وقَرَأ أُبَيٌّ وابْنُ كَعْبٍ: «وإنْ إخالُكَ يا فِرْعَوْنُ لَمَثْبُورًا» عَلى «إنْ» المُخَفَّفَةِ واللّامِ الفارِقَةِ، وإخالُ بِمَعْنى أظُنُّ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ في الفَصِيحِ وقَدْ تُفْتَحُ في لُغَةٍ كَما في القامُوسِ.

17:103Page 292

فَأَرَادَ أَن يَسۡتَفِزَّهُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ فَأَغۡرَقۡنَٰهُ وَمَن مَّعَهُۥ جَمِيعٗا ١٠٣

So he intended to drive them from the land, but We drowned him and those with him all together.

﴿فَأرادَ﴾ فِرْعَوْنُ ﴿أنْ يَسْتَفِزَّهُمْ﴾ أيْ: مُوسى وقَوْمَهُ، وأصْلُ الِاسْتِفْزازِ الإزْعاجُ وكَنّى بِهِ عَنْ إخْراجِهِمْ ﴿مِنَ الأرْضِ﴾ أيْ أرْضِ مِصْرَ الَّتِي هم فِيها أوْ مِن جَمِيعِ الأرْضِ، ويَلْزَمُ إخْراجَهم مِن ذَلِكَ قَتْلُهم واسْتِئْصالُهم وهو المُرادُ ﴿فَأغْرَقْناهُ ومَن مَعَهُ جَمِيعًا﴾ أيْ: فَعَكَسْنا عَلَيْهِ مَكْرَهُ حَيْثُ أرادَ ذَلِكَ لَهم دُونَهُ فَكانَ لَهُ دُونَهم فاسْتُفِزَّ بِالإغْراقِ هو وقَوْمُهُ وهَذا التَّعْكِيسُ أظْهَرُ مِنَ الشَّمْسِ عَلى الثّانِي وظاهِرٌ عَلى الأوَّلِ لِأنَّهُ أرادَ إخْراجَهم مِن مِصْرَ فَأُخْرِجَ هو أشَدَّ الإخْراجِ بِالإهْلاكِ والزِّيادَةُ لا تَضُرُّ في التَّعْكِيسِ بَلْ تُؤَيِّدُهُ.

17:104Page 292

وَقُلۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِۦ لِبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱسۡكُنُواْ ٱلۡأَرۡضَ فَإِذَا جَآءَ وَعۡدُ ٱلۡأٓخِرَةِ جِئۡنَا بِكُمۡ لَفِيفٗا ١٠٤

And We said after him [i.e., Pharaoh] to the Children of Israel, "Dwell in the land, and when there comes the promise [i.e., appointment] of the Hereafter, We will bring you forth in [one] gathering."

﴿وقُلْنا﴾ عَلى لِسانِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿مِن بَعْدِهِ﴾ أيْ: مِن بَعْدِ فِرْعَوْنَ عَلى مَعْنى مِن بَعْدِ إغْراقِهِ، أوِ الضَّمِيرُ لِلْإغْراقِ المَفْهُومِ مِنَ الفِعْلِ السّابِقِ؛ أيْ: مِن بَعْدِ إغْراقِهِ وإغْراقِ مَن مَعَهُ ﴿لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾ الَّذِينَ

صفحة 187

أرادَ فِرْعَوْنُ اسْتِفْزازَهم ﴿اسْكُنُوا الأرْضَ﴾ الَّتِي أرادَ أنْ يَسْتَفِزَّكم مِنها؛ وهي أرْضُ مِصْرَ، وهَذا ظاهِرٌ إنْ ثَبَتَ أنَّهم دَخَلُوها بَعْدَ أنْ خَرَجُوا مِنها واتَّبَعَهم فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ وأُغْرِقُوا وإنْ لَمْ يَثْبُتْ فالمُرادُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ ذَرِّيَّةُ أُولَئِكَ الَّذِينَ أرادَ فِرْعَوْنُ اسْتِفْزازَهُمْ، واخْتارَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّ المُرادَ مِنَ الأرْضِ الأرْضُ المُقَدَّسَةُ وهي أرْضُ الشّامِ ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ﴾ أيِ الكَرَّةِ أوِ الحَياةِ أوِ السّاعَةِ أوِ الدّارِ الآخِرَةِ، والمُرادُ عَلى جَمِيعِ ذَلِكَ قِيامُ السّاعَةِ ﴿جِئْنا بِكم لَفِيفًا﴾ أيْ: مُخْتَلِطِينَ أنْتُمْ وهم ثُمَّ نَحْكُمُ بَيْنَكم ونُمَيِّزُ سُعَداءَكم مِن أشْقِيائِكُمْ، وأصْلُ اللَّفِيفِ الجَماعَةُ مِن قَبائِلَ شَتّى فَهو اسْمُ جَمْعٍ كالجَمِيعِ ولا واحِدَ لَهُ أوْ هو مَصْدَرٌ شامِلٌ لِلْقَلِيلِ والكَثِيرِ؛ لِأنَّهُ يُقالُ: لَفَّ لَفًّا ولَفِيفًا، والمُرادُ مِنهُ ما أُشِيرَ إلَيْهِ، وفَسَّرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ بِ «جَمِيعًا» وكَيْفَما كانَ فَهو حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في بِكُمْ، ونَصَّ بَعْضُهم عَلى أنَّ في «بِكُمْ» تَغْلِيبُ المُخاطَبِينَ عَلى الغائِبِينَ، والمُرادُ بِهِمْ وبِكم وما ألْطَفَهُ مَعَ ﴿لَفِيفًا﴾

17:105Page 293

وَبِٱلۡحَقِّ أَنزَلۡنَٰهُ وَبِٱلۡحَقِّ نَزَلَۗ وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا مُبَشِّرٗا وَنَذِيرٗا ١٠٥

And with the truth We have sent it [i.e., the Qur’ān] down, and with the truth it has descended. And We have not sent you, [O Muḥammad], except as a bringer of good tidings and a warner.

﴿وبِالحَقِّ أنْزَلْناهُ وبِالحَقِّ نَزَلَ﴾ عَوْدٌ إلى شَرْحِ حالِ القُرْآنِ الكَرِيمِ؛ فَهو مُرْتَبِطٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ والجِنُّ﴾ الآيَةَ. وهَكَذا طَرِيقَةُ العَرَبِ في كَلامِها تَأْخُذُ في شَيْءٍ وتَسْتَطْرِدُ مِنهُ إلى آخَرَ ثُمَّ إلى آخَرَ ثُمَّ تَعُودُ إلى ما ذَكَرْتُهُ أوَّلًا، والحَدِيثُ شُجُونٌ، فَضَمِيرُ الغائِبِ لِلْقُرْآنِ، وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، والآيَةُ مُرْتَبِطَةٌ بِما عِنْدَها، والإنْزالُ فِيها كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْزَلْنا الحَدِيدَ﴾ وقَدْ حَمَلَهُ بَعْضُهم عَلى هَذا المَعْنى فِيما قَبْلُ أوْ لِلْآياتِ التِّسْعِ، وذُكِرَ عَلى المَعْنى أوْ لِلْوَعْدِ المَذْكُورِ آنِفًا، والظّاهِرُ أنَّ الباءَ في المَوْضِعَيْنِ لِلْمُلابَسَةِ، والجارَّ والمَجْرُورَ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ القُرْآنِ، واحْتِمالُ أنْ يَكُونَ أوَّلًا حالًا مِن ضَمِيرِهِ تَعالى خِلافُ الظّاهِرِ، والمُرادُ بِالحَقِّ الأوَّلِ عَلى ما قِيلَ الحِكْمَةُ الإلَهِيَّةُ المُقْتَضِيَةُ لِإنْزالِهِ وبِالثّانِي ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ العَقائِدِ والأحْكامِ ونَحْوِها؛ أيْ: ما أنْزَلْناهُ إلّا مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ المُقْتَضِي لِإنْزالِهِ وما نَزَلَ إلّا مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ الَّذِي اشْتَمَلَ عَلَيْهِ، وقِيلَ: الباءُ الأُولى لِلسَّبَبِيَّةِ مُتَعَلِّقَةٌ بِالفِعْلِ بَعْدُ، والثّانِيَةُ لِلْمُلابَسَةِ، وقِيلَ: هُما لِلسَّبَبِيَّةِ فَيَتَعَلَّقانِ بِالفِعْلِ وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: الحَقُّ الأوَّلُ التَّوْحِيدُ، والثّانِي الوَعْدُ والوَعِيدُ، والأمْرُ والنَّهْيُ، وقِيلَ: الحَقُّ في المَوْضِعَيْنِ الأمْرُ المَحْفُوظُ الثّابِتُ، والمَعْنى: ما أنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ إلّا مَحْفُوظًا بِالرَّصَدِ مِنَ المَلائِكَةِ وما نَزَلَ عَلى الرَّسُولِ إلّا مَحْفُوظًا بِهِمْ مِن تَخْلِيطِ الشَّياطِينِ، وحاصِلُهُ أنَّهُ مَحْفُوظٌ حالَ الإنْزالِ وحالَ النُّزُولِ وما بَعْدَهُ، لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِن خَلْفِهِ.

وأبْعَدَ مَن جَوَّزَ كَوْنَ المُرادِ بِالحَقِّ الثّانِي النَّبِيَّ ﷺ ومَعْنى نُزُولِهِ بِهِ نُزُولُهُ عَلَيْهِ وحُلُولُهُ عِنْدَهُ مِن قَوْلِهِمْ: نَزَلَ بِفُلانٍ ضَيْفٌ، وعَلى سائِرِ الأوْجُهِ لا تَخْفى فائِدَةُ ذِكْرِ الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ بَعْدَ الأُولى، وما يُتَوَهَّمُ مِنَ التَّكْرارِ مُنْدَفِعٌ، ونَحا الطَّبَرِيُّ إلى أنَّ الجُمْلَةَ الثّانِيَةَ تَوْكِيدٌ لِلْأُولى مِن حَيْثُ المَعْنى؛ لِأنَّهُ يُقالُ: أنْزَلْتُهُ فَنَزَلَ، وأنْزَلْتُهُ فَلَمْ يَنْزِلْ، إذا عَرَضَ لَهُ مانِعٌ مِنَ النُّزُولِ فَجاءَتِ الجُمْلَةُ الثّانِيَةُ مُزِيلَةً لِهَذا الِاحْتِمالِ وتَحاشى بَعْضُهم مِن إطْلاقِ التَّوْكِيدِ لِما بَيْنَ الإنْزالِ والنُّزُولِ مِنَ المُغايَرَةِ، وادَّعى أنَّهُ لَوْ كانَتِ الثّانِيَةُ تَوْكِيدًا لِلْأُولى لَما جازَ العَطْفُ لِكَمالِ الِاتِّصالِ ﴿وما أرْسَلْناكَ إلا مُبَشِّرًا﴾ لِلْمُطِيعِ بِالثَّوابِ ﴿ونَذِيرًا﴾ لِلْعاصِي مِنَ العِقابِ فَلا عَلَيْكَ إلّا التَّبْشِيرُ والإنْذارُ لا هِدايَةُ الكَفَرَةِ المُقْتَرِحِينَ وإكْراهُهم عَلى الدِّينِ، ولَعَلَّ الجُمْلَةَ لِتَحْقِيقِ حَقِّيَّةِ بَعْثَتِهِ ﷺ إثْرَ تَحْقِيقِ حَقِيقَةِ القُرْآنِ ونُصِبَ ما بَعْدَ إلّا عَلى الحالِ.

17:106Page 293

وَقُرۡءَانٗا فَرَقۡنَٰهُ لِتَقۡرَأَهُۥ عَلَى ٱلنَّاسِ عَلَىٰ مُكۡثٖ وَنَزَّلۡنَٰهُ تَنزِيلٗا ١٠٦

And [it is] a Qur’ān which We have separated [by intervals] that you might recite it to the people over a prolonged period. And We have sent it down progressively.

﴿وقُرْآنًا﴾ نُصِبَ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَرَقْناهُ﴾ فَهو مِن بابِ الِاشْتِغالِ ورَجَّحَ النَّصْبَ عَلى

صفحة 188

الرَّفْعِ العَطْفُ عَلى الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ ولَوْ رُفِعَ عَلى الِابْتِداءِ في غَيْرِ القُرْآنِ جازَ إلّا أنَّهُ لا بُدَّ لَهُ مِن مُلاحَظَةِ مُسَوِّغٍ عِنْدَ مَن لا يَكْتَفِي في صِحَّةِ الِابْتِداءِ بِالنَّكِرَةِ بِحُصُولِ الفائِدَةِ وعَلى هَذا أخْرَجَهُ الحُوفِيُّ.

وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هو مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ، وقالَ الفَرّاءُ: هو مَنصُوبٌ بِ «أرْسَلْناكَ» أيْ ما ﴿أرْسَلْناكَ إلا مُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ وقُرْآنًا كَما تَقُولُ رَحْمَةٌ لِأنَّ القُرْآنَ رَحْمَةٌ، ولا يَخْفى أنَّهُ إعْرابٌ مُتَكَلِّفٌ لا يَكادُ يَقُولُهُ فاضِلٌ، ومِمّا يَقْضِي مِنهُ العَجَبَ ما جَوَّزَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ مِن نَصْبِهِ بِالعَطْفِ عَلى الكافِ فِي: ( أرْسَلْناكَ ) .

وقالَ أبُو البَقاءِ: وهو دُونَ الأوَّلِ وفَوْقَ ما عَداهُ إنَّهُ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ دَلَّ عَلَيْهِ ( آتَيْنا ) السّابِقُ أوْ ﴿أرْسَلْناكَ﴾ وجُمْلَةُ ﴿فَرَقْناهُ﴾ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لَهُ أيْ: آتَيْناكَ قُرْآنًا فَرَقْناهُ؛ أيْ: أنْزَلْناهُ مُنَجَّمًا مُفَرَّقًا أوْ فَرَقْنا فِيهِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، فَحُذِفَ الجارُّ وانْتَصَبَ مَجْرُورُهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ عَلى التَّوَسُّعِ كَما في قَوْلِهِ: ويَوْمًا شَهِدْناهُ سُلَيْمًا وعامِرًا.

ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «بَيَّنّا» حَلالَهُ وحَرامَهُ، وقالَ الفَرّاءُ: أحْكَمْناهُ وفَصَّلْناهُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ وقَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وابْنُ عَبّاسٍ وأُبَيٌّ وعَبْدُ اللَّهِ وأبُو رَجاءٍ وقَتادَةُ والشَّعْبِيُّ وحُمَيْدٌ وعُمَرُ بْنُ قائِدٍ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وعَمْرُو بْنُ ذَرٍّ وعِكْرِمَةُ والحَسَنُ بِخِلافٍ عَنْهُ: «فَرَّقْناهُ» بِشَدِّ الرّاءِ، ومَعْناهُ كالمُخَفَّفِ؛ أيْ: أنْزَلْناهُ مُفَرَّقًا مُنَجَّمًا بَيْدَ أنَّ التَّضْعِيفَ لِلتَّكْثِيرِ في الفِعْلِ وهو التَّفْرِيقُ، وقِيلَ: فَرَقَ بِالتَّخْفِيفِ يَدُلُّ عَلى فَصْلٍ مُتَقارِبٍ وبِالتَّشْدِيدِ عَلى فَصْلٍ مُتَباعِدٍ والأوَّلُ أظْهَرُ، ولَمّا كانَ قَوْلُهُ تَعالى الآتِي: ﴿عَلى مُكْثٍ﴾ يَدُلُّ عَلى كَثْرَةِ نُجُومِهِ كانَتِ القِراءَتانِ بِمَعْنًى، وقِيلَ: مَعْناهُ فَرَقْنا آياتِهِ بَيْنَ أمْرٍ ونَهْيٍ وحُكْمٍ وأحْكامٍ ومَواعِظَ وأمْثالٍ وقِصَصٍ وأخْبارِ مُغَيَّباتٍ أتَتْ وتَأْتِي، والجُمْهُورُ عَلى الأوَّلِ.

وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ الأنْبارِيِّ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ إلى السَّفَرَةِ الكِرامِ الكاتِبِينَ في السَّماءِ الدُّنْيا فَنَجَّمَتْهُ السَّفَرَةُ عَلى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ عِشْرِينَ لَيْلَةً ونَجَّمَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى النَّبِيِّ ﷺ عِشْرِينَ سَنَةً.

وفِي رِوايَةٍ أنَّهُ أُنْزِلَ لَيْلَةَ القَدْرِ في رَمَضانَ ووُضِعَ في بَيْتِ العِزَّةِ في السَّماءِ الدُّنْيا ثُمَّ أُنْزِلَ نُجُومًا في عِشْرِينَ.

وفِي رِوايَةٍ: في ثَلاثٍ وعِشْرِينَ سَنَةً.

وفِي أُخْرى في خَمْسٍ وعِشْرِينَ.

وهَذا الِاخْتِلافُ عَلى ما في البَحْرِ مَبْنِيٌّ عَلى الِاخْتِلافِ في سِنِّهِ ﷺ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ مِن طَرِيقِ قَتادَةَ عَنِ الحَسَنِ كانَ يَقُولُ: أنْزَلَ اللَّهُ القُرْآنَ عَلى نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ في ثَمانِي عَشْرَةَ سَنَةً ثَمانِ سِنِينَ بِمَكَّةَ وعَشْرٌ بَعْدَما هاجَرَ.

وتَعَقَّبَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ بِأنَّهُ قَوْلٌ مُخْتَلٌّ لا يَصِحُّ عَنِ الحَسَنِ، واعْتَمَدَ جَمْعٌ أنَّ بَيْنَ أوَّلِهِ وآخِرِهِ ثَلاثًا وعِشْرِينَ سَنَةً وكانَ يَنْزِلُ بِهِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى ما قِيلَ: خَمْسَ آياتٍ خَمْسَ آياتٍ، فَقَدْ أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعْبِ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: تَعَلَّمُوا القُرْآنَ خَمْسَ آياتٍ خَمْسَ آياتٍ؛ فَإنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَنْزِلُ بِهِ خَمْسًا خَمْسًا.

وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ أبِي نَضْرَةَ قالَ: كانَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ يُعَلِّمُنا القُرْآنَ خَمْسَ آياتٍ بِالغَداةِ، وخَمْسَ آياتٍ بِالعَشِيِّ، ويُخْبِرُ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ نَزَلَ بِهِ خَمْسَ آياتٍ خَمْسَ آياتٍ، وكانَ المُرادُ في الغالِبِ؛ فَإنَّهُ قَدْ صَحَّ أنَّهُ نَزَلَ بِأكْثَرَ مِن ذَلِكَ وبِأقَلَّ مِنهُ.

وقَرَأ أُبَيٌّ وعَبْدُ اللَّهِ: «فَرَقْناهُ عَلَيْكَ لِتَقْرَأهُ عَلى النّاسِ عَلى مُكْثٍ» أيْ: تُؤَدَةٍ وتَأنٍّ؛ فَإنَّهُ أيْسَرُ لِلْحِفْظِ وأعْوَنُ عَلى الفَهْمِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وقِيلَ: أيْ تَطاوُلٍ في المُدَّةِ وتَقْضِيها شَيْئًا فَشَيْئًا، والظّاهِرُ

صفحة 189

تَعَلُّقُ لِتَقْرَأهُ بِ «فَرَقْناهُ» وعَلى النّاسِ بِ «تَقْرَأهُ» و«عَلى مُكْثٍ» بِهِ أيْضًا، إلّا أنَّ فِيهِ تَعَلُّقَ حَرْفَيْ جَرٍّ بِمَعْنًى بِمُتَعَلِّقٍ واحِدٍ. وأُجِيبَ بِأنَّ تَعَلُّقَ الثّانِي بَعْدَ اعْتِبارِ تَعَلُّقِ الأوَّلِ بِهِ فَيَخْتَلِفُ المُتَعَلِّقُ، وفي البَحْرِ لا يُبالى بِتَعَلُّقِ هَذَيْنِ الحَرْفَيْنِ بِما ذُكِرَ لِاخْتِلافِ مَعْناهُما؛ لِأنَّ الأوَّلَ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ بِهِ، والثّانِيَ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ: مُتَمَهِّلًا مُتَرَسِّلًا، ولِما في ذَلِكَ مِنَ القِيلِ والقالِ اخْتارَ بَعْضُهم تَعَلُّقَهُ بِ «فَرَقْناهُ»، وجَوَّزَ الخَفاجِيُّ تَعَلُّقَهُ بِمَحْذُوفٍ؛ أيْ: تَفْرِيقًا أوْ فَرْقًا عَلى مُكْثٍ أوْ قِراءَةً عَلى مُكْثٍ مِنكَ كَمُكْثِ تَنْزِيلِهِ، وجَعَلَهُ أبُو البَقاءِ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في «فَرَقْناهُ» أيْ: مُتَمَكِّثًا، ومِنَ العَجِيبِ قَوْلُ الحُوفِيِّ إنَّهُ بَدَلٌ مِن ﴿عَلى النّاسِ﴾ وقَدْ تَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ لا يَصِحُّ لِأنَّ ﴿عَلى مُكْثٍ﴾ مِن صِفاتِ القارِئِ أوْ مِن صِفاتِ المَقْرُوءِ ولَيْسَ مِن صِفاتِ النّاسِ لِيَكُونَ بَدَلًا مِنهُمْ، والمُكْثُ مُثَلَّثُ المِيمِ، وقُرِئَ بِالضَّمِّ والفَتْحِ ولَمْ يُقْرَأْ بِالكَسْرِ، وهو لُغَةٌ قَلِيلَةٌ، وزَعَمَ ابْنُ عَطِيَّةَ إجْماعَ القُرّاءِ عَلى الضَّمِّ.

﴿ونَزَّلْناهُ تَنْزِيلا﴾ عَلى حَسَبِ الحَوادِثِ والمَصالِحِ فَذِكْرُ هَذا بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَرَقْناهُ﴾ إلَخْ مُفِيدٌ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الأوَّلَ دالٌّ عَلى تَدْرِيجِ نُزُولِهِ لِيَسْهُلَ حِفْظُهُ وفَهْمُهُ مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى مُقْتَضٍ لِذَلِكَ، وهَذا أخَصُّ مِنهُ فَإنَّهُ دالٌّ عَلى تَدْرِيجِهِ بِحَسَبِ الِاقْتِضاءِ ﴿قُلْ﴾ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ﴿آمِنُوا بِهِ﴾ أيْ: بِالقُرْآنِ ﴿أوْ لا تُؤْمِنُوا﴾ أيْ: بِهِ عَلى مَعْنى أنَّ إيمانَكم بِهِ وعَدَمَ إيمانِكم بِهِ سَواءٌ؛ لِأنَّ إيمانَكم لا يَزِيدُهُ كَمالًا وعَدَمَ إيمانِكم لا يُورِثُهُ نَقْصًا.

﴿إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن قَبْلِهِ﴾ أيِ العُلَماءَ الَّذِينَ قَرَؤُوا الكُتُبَ السّالِفَةَ مِن قَبْلِ تَنَزُّلِ القُرْآنِ وعَرَفُوا حَقِيقَةَ الوَحْيِ وأماراتِ النُّبُوَّةِ وتَمَكَّنُوا مِن تَمْيِيزِ الحَقِّ والباطِلِ والمُحِقِّ والمُبْطِلِ أوْ رَأوْا نَعْتَكَ ونَعْتَ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ ﴿إذا يُتْلى﴾ أيِ القُرْآنِ ﴿عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأذْقانِ﴾ الخُرُورُ السُّقُوطُ بِسُرْعَةٍ، والأذْقانُ جَمْعُ ذَقَنٍ وهو مُجْتَمِعُ اللَّحْيَيْنِ ويُطْلَقُ عَلى ما يَنْبُتُ عَلَيْهِ مِنَ الشَّعْرِ مَجازًا وكَذا يُطْلَقُ عَلى الوَجْهِ تَعْبِيرًا بِالجُزْءِ عَنِ الكُلِّ قِيلَ: وهو المُرادُ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ فَكَأنَّهُ قِيلَ: يَسْقُطُونَ بِسُرْعَةٍ عَلى وُجُوهِهِمْ ﴿سُجَّدًا﴾ تَعْظِيمًا لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى أوْ شُكْرًا لِإنْجازِ ما وعَدَ بِهِ في تِلْكَ الكُتُبِ مِن بِعْثَتِكَ، والظّاهِرُ أنَّ هُنا «خَرُّوا» و«سُجُودًا» عَلى الحَقِيقَةِ، وقِيلَ: لا شَيْءَ مِن ذَلِكَ وإنَّما المَقْصُودُ أنَّهم يَنْقادُونَ لِما سَمِعُوا ويَخْضَعُونَ لَهُ كَمالَ الِانْقِيادِ والخُضُوعِ، فَأُخْرِجَ الكَلامُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ، وفَسَّرَ الخُرُورَ لِلْأذْقانِ بِالسُّقُوطِ عَلى الوُجُوهِ الزَّمَخْشَرِيُّ ثُمَّ قالَ: وإنَّما ذُكِرَ الذَّقَنُ لِأنَّهُ أوَّلُ ما يَلْقى السّاجِدُ بِهِ الأرْضَ مِن وجْهِهِ، وقِيلَ: فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأنَّ الأوَّلَ هو الجَبْهَةُ والأنْفُ ثُمَّ وُجِّهَ بِأنَّهُ إذا ابْتَدَأ الخُرُورَ فَأقْرَبُ الأشْياءِ مِن وجْهِهِ إلى الأرْضِ هو الذَّقَنُ، وكَأنَّهُ أُرِيدَ أوَّلَ ما يَقْرُبُ مِنَ اللِّقاءِ، وجُوِّزَ أنْ تَبْقى الأذْقانُ عَلى حَقِيقَتِها والمُرادُ المُبالَغَةُ في الخُشُوعِ وهو تَعْفِيرُ اللِّحى عَلى التُّرابِ أوْ أنَّهُ رُبَّما خَرُّوا عَلى الذَّقَنِ كالمُغْشى عَلَيْهِمْ لِخَشْيَةِ اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ: لَعَلَّ سُجُودَهم كانَ هَكَذا غَيْرَ ما عَرَفْناهُ وهو كَما تَرى.

وقالَ صاحِبُ الفَرائِدِ: المُرادُ المُبالَغَةُ في التَّحامُلِ عَلى الجَبْهَةِ والأنْفِ حَتّى كَأنَّهم يُلْصِقُونَ الأذْقانَ بِالأرْضِ وهو وجْهٌ حَسَنٌ جِدًّا، واللّامُ عَلى ما نَصَّ عَلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ لِلِاخْتِصاصِ، وذَكَرَ أنَّ المَعْنى جَعَلُوا أذْقانَهم لِلْخُرُورِ واخْتَصُّوها بِهِ.

ومَعْنى هَذا الِاخْتِصاصِ عَلى ما في الكَشْفِ أنَّ الخُرُورَ لا يَتَعَدّى الأذْقانَ إلى غَيْرِها مِنَ الأعْضاءِ المُقابِلَةِ، وحَقَّقَ ذَلِكَ بِما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ، واعْتُرِضَ القَوْلُ بِالِاخْتِصاصِ بِأنَّهُ مُخالِفٌ لِما سَبَقَ مِن قَوْلِهِ: إنَّ الذَّقَنَ أوَّلُ ما يَلْقى السّاجِدُ بِهِ الأرْضَ وأُجِيبَ بِما أُجِيبَ وتَعَقَّبَهُ الخَفاجِيُّ بِأنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ الِاخْتِصاصَ الَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ اللّامُ بِمَعْنى الحَصْرِ

صفحة 190

ولَيْسَ كَذَلِكَ وإنَّما هو بِمَعْنى تَعَلُّقٍ خاصٍّ ولَوْ سُلِّمَ فَمَعْنى الِاخْتِصاصِ بِالذَّقَنِ الِاخْتِصاصُ بِجِهَتِهِ ومُحاذِيهِ وهي جِهَةُ السُّفْلِ ولا شَكَّ في اخْتِصاصِهِ بِهِ؛ إذْ هو لا يَكُونُ لِغَيْرِهِ ﴿يَخِرُّونَ لِلأذْقانِ﴾ يَقَعُونَ عَلى الأرْضِ عِنْدَ التَّحْقِيقِ، والمُرادُ تَصْوِيرُ تِلْكَ الحالَةِ كَما في قَوْلِهِ: فَخَرَّ صَرِيعًا لِلْيَدَيْنِ ولِلْفَمِ؛ فَتَأمَّلْ.

واخْتارَ بَعْضُهم كَوْنَ اللّامِ بِمَعْنى عَلى، وزَعَمَ بَعْضٌ عَوْدَ ضَمِيرَيْ «بِهِ» و«قَبْلَهُ» عَلى النَّبِيِّ ﷺ ويَأْباهُ السِّباقُ واللَّحاقُ.

وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ جَرِيرٍ أنَّ ضَمِيرَ ( يُتْلى ) لِكِتابِهِمْ، ولا يَخْفى حالُهُ، والظّاهِرُ أنَّ الجُمْلَةَ الِاسْمِيَّةَ داخِلَةٌ في حَيِّزِ

17:107Page 293

قُلۡ ءَامِنُواْ بِهِۦٓ أَوۡ لَا تُؤۡمِنُوٓاْۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ مِن قَبۡلِهِۦٓ إِذَا يُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ يَخِرُّونَۤ لِلۡأَذۡقَانِۤ سُجَّدٗاۤ ١٠٧

Say, "Believe in it or do not believe." Indeed, those who were given knowledge before it1 - when it is recited to them, they fall upon their faces in prostration,

﴿قُلْ﴾ وهي تَعْلِيلٌ لِما يُفْهَمُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿آمِنُوا بِهِ أوْ لا تُؤْمِنُوا﴾ مِن عَدَمِ المُبالاةِ بِذَلِكَ، أيْ: إنْ لَمْ تُؤْمِنُوا بِهِ فَقَدْ آمَنُ بِهِ أحْسَنَ إيمانٍ مَن هو خَيْرٌ مِنكُمْ، ويَجُوزُ أنْ لا تَكُونَ داخِلَةً في حَيِّزٍ قُلْ بَلْ هي تَعْلِيلٌ لَهُ عَلى سَبِيلِ التَّسْلِيَةِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَأنَّهُ قِيلَ: تَسَلَّ بِإيمانِ العُلَماءِ عَنْ إيمانِ الجَهَلَةِ، ولا تَكْتَرِثْ بِإيمانِهِمْ وأغْراضِهِمْ، وقَدْ ذَكَرَ كِلا الوَجْهَيْنِ الكَشّافُ قالَ في الكَشْفِ: والحاصِلُ أنَّ المَقْصُودَ التَّسَلِّي والِازْدِراءُ وعَدَمُ المُبالاةِ المُفِيدُ لِلتَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ مُفَرَّعٌ عَلَيْهِ مُدْمَجٌ أوْ بِالعَكْسِ، والصِّيغَةُ في الثّانِي أظْهَرُ والتَّعْلِيلُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ في الأوَّلِ.

وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يَتَوَجَّهُ في الآيَةِ مَعْنًى آخَرُ؛ وهو أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أوْ لا تُؤْمِنُوا﴾ إنَّما جاءَ لِلْوَعِيدِ، والمَعْنى: افْعَلُوا أيَّ الأمْرَيْنِ شِئْتُمْ فَسَتَرَوْنَ ما تُجازَوْنَ بِهِ ثُمَّ ضَرَبَ لَهُمُ المَثَلَ عَلى جِهَةِ التَّقْرِيعِ بِمَن تَقَدَّمَ مِن أهْلِ الكِتابِ، أيْ: إنَّ النّاسَ لَمْ يَكُونُوا كَما أنْتُمْ في الكُفْرِ بَلْ كانَ الَّذِينَ أُوتُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ والزَّبُورَ والكُتُبَ المُنَزَّلَةَ إذا يُتْلى عَلَيْهِمْ ما أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ خَشَعُوا وآمَنُوا اه، وهو بَعِيدٌ جِدًّا ولا يَخْلُو عَنِ ارْتِكابِ مَجازٍ.

ورُبَّما يَكُونُ في الكَلامِ عَلَيْهِ اسْتِخْدامُ

17:108–109Page 293

وَيَقُولُونَ سُبۡحَٰنَ رَبِّنَآ إِن كَانَ وَعۡدُ رَبِّنَا لَمَفۡعُولٗا ١٠٨

And they say, "Exalted is our Lord! Indeed, the promise of our Lord has been fulfilled."

وَيَخِرُّونَ لِلۡأَذۡقَانِ يَبۡكُونَ وَيَزِيدُهُمۡ خُشُوعٗا۩ ١٠٩

And they fall upon their faces weeping, and it [i.e., the Qur’ān] increases them in humble submission.

﴿ويَقُولُونَ﴾ أيْ: في سُجُودِهِمْ أوْ مُطْلَقًا ﴿سُبْحانَ رَبِّنا﴾ عَنْ خُلْفِ وعْدِهِ أوْ عَمّا يَفْعَلُ الكَفَرَةُ مِنَ التَّكْذِيبِ ﴿إنْ كانَ وعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولا﴾ إنْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ المُثْقَّلَةِ واسْمُها ضَمِيرُ شَأْنٍ واللّامُ فارِقَةٌ، أيْ: إنَّ الشَّأْنَ هَذا ﴿ويَخِرُّونَ لِلأذْقانِ يَبْكُونَ﴾ كَرَّرَ الخُرُورَ لِلْأذْقانِ لِاخْتِلافِ السَّبَبِ فَإنَّ الأوَّلَ لِتَعْظِيمِ أمْرِ اللَّهِ تَعالى أوِ الشُّكْرِ لِإنْجازِ الوَعْدِ والثّانِي لِما أثَّرَ فِيهِمْ مِن مَواعِظِ القُرْآنِ، والجارُّ والمَجْرُورُ إمّا مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِمّا قَبْلُ أوْ مِمّا بَعُدَ، أيْ: ساجِدِينَ، وجُمْلَةُ ﴿يَبْكُونَ﴾ حالٌ أيْضًا أيْ: باكِينَ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ تَعالى، ولَمّا كانَ البُكاءُ ناشِئًا مِنَ الخَشْيَةِ النّاشِئَةِ مِنَ التَّفَكُّرِ الَّذِي يَتَجَدَّدُ جِيءَ بِالجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ المُفِيدَةِ لِلتَّجَدُّدِ، وقَدْ جاءَ في مَدْحِ البُكاءِ مِن خَشْيَتِهِ تَعالى أخْبارٌ كَثِيرَةٌ.

فَقَدْ أخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ عَنِ النَّضْرِ بْنِ سَعْدٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««لَوْ أنَّ عَبْدًا بَكى في أُمَّةٍ لَأنْجى اللَّهُ تَعالى تِلْكَ الأُمَّةَ مِنَ النّارِ بِبُكاءِ ذَلِكَ العَبْدِ، وما مِن عَمَلٍ إلّا لَهُ وزْنٌ وثَوابٌ إلّا الدَّمْعَةَ؛ فَإنَّها تُطْفِئُ بُحُورًا مِنَ النّارِ، وما اغْرَوْرَقَتْ عَيْنٌ بِمائِها مِن خَشْيَةِ اللَّهِ تَعالى إلّا حَرَّمَ اللَّهُ تَعالى جَسَدَها عَلى النّارِ، فَإنْ فاضَتْ عَلى خَدِّهِ لَمْ يَرْهَقْ وجْهَهُ قَتَرٌ ولا ذِلَّةٌ»».

وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ««عَيْنانِ لا تَمَسُّهُما النّارُ: عَيْنٌ بَكَتْ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ تَعالى وعَيْنٌ باتَتْ تَحْرُسُ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى»».

وأخْرَجَ هو والنَّسائِيُّ ومُسْلِمٌ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««لا يَلِجُ النّارَ رَجُلٌ بَكى مِن خَشْيَةِ اللَّهِ تَعالى حَتّى يَعُودَ اللَّبَنُ في الضَّرْعِ، ولا اجْتَمَعَ عَلى عَبْدٍ غُبارٌ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى ودُخانُ جَهَنَّمَ»». زادَ النَّسائِيُّ: في مَنخَرَيْهِ، ومُسْلِمٌ: أبَدًا.

ويَنْبَغِي أنْ يَكُونَ ذَلِكَ حالَ العُلَماءِ؛ فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ

صفحة 191

المُنْذِرِ وغَيْرُهُما عَنْ عَبْدِ الأعْلى التَّيْمِيِّ أنَّهُ قالَ: إنَّ مَن أُوتِيَ مِنَ العِلْمِ ما لا يُبْكِيهِ لَخَلِيقٌ أنْ قَدْ أُوتِيَ مِنَ العِلْمِ ما لا يَنْفَعُهُ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى نَعَتَ أهْلَ العِلْمِ فَقالَ: ﴿ويَخِرُّونَ لِلأذْقانِ يَبْكُونَ ويَزِيدُهُمْ﴾ أيِ القُرْآنُ بِسَماعِهِمْ ﴿خُشُوعًا﴾ لِما يَزِيدُهم عِلْمًا ويَقِينًا بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى عَلى ما حَصَلَ عِنْدَهم مِنَ الأدِلَّةِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском