Al-AlusiAl‑Isra · 17:12–14

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-Isra 17:12–14, continued

﴿ولِتَعْلَمُوا﴾ مُتَعَلِّقٌ كَما قِيلَ بِكِلا الفِعْلَيْنِ أعْنِي مَحْوَ آيَةِ اللَّيْلِ وجَعْلَ آيَةِ النَّهارِ مُبْصِرَةً، لا بِأحَدِهِما فَقَطْ؛ إذْ لا يَكُونُ ذَلِكَ بِانْفِرادِهِ مَدارًا لِلْعِلْمِ المَذْكُورِ، أيْ: لِتَعْلَمُوا بِتَفاوُتِ الجَدِيدَيْنِ أوْ نَيَّرَيْهِما ذاتًا مِن حَيْثُ الإظْلامُ والإضاءَةُ مَعَ تَعاقُبِهِما أوْ حَرَكاتِهِما وأوْضاعِهِما وسائِرِ أحْوالِهِما ﴿عَدَدَ السِّنِينَ﴾ الَّتِي يَتَعَلَّقُ بِها غَرَضٌ عِلْمِيٌّ لِإقامَةِ مَصالِحِكُمُ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ ﴿والحِسابَ﴾ أيِ الحِسابَ المُتَعَلِّقَ بِما في ضِمْنِها مِنَ الأوْقاتِ أيِ الأشْهُرِ واللَّيالِي والأيّامِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا نِيطَ بِهِ شَيْءٌ مِنَ المَصالِحِ المَذْكُورَةِ، ونَفْسُ السَّنَةِ مِن حَيْثُ تَحَقُّقُها مِمّا يَنْتَظِمُهُ الحِسابُ وإنَّما الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ العَدُّ طائِفَةٌ مِنها وتَعَلُّقُهُ في ضِمْنِ ذَلِكَ بِكُلِّ واحِدَةٍ مِنها لَيْسَ مِن حَيْثِيَّةِ التَّحَقُّقِ والتَّحَصُّلِ مِن عِدَّةِ أشْهُرٍ حَصَلَ كُلُّ واحِدَةٍ مِنها مِن عِدَّةِ أيّامٍ حَصَلَ كُلُّ واحِدٍ مِنها مِن طائِفَةٍ مِنَ السّاعاتِ مَثَلًا، فَإنَّ ذَلِكَ مِن وظِيفَةِ عِلْمِ الحِسابِ بَلْ مِن حَيْثُ إنَّها فَرْدٌ مِن طائِفَةِ السِّنِينَ المَعْدُودَةِ بَعْدَها أيْ نَفْسِها مِن غَيْرِ أنْ يُعْتَبَرَ في ذَلِكَ تَحْصِيلُ شَيْءٍ مُعَيَّنٍ كَما حَقَّقَ ذَلِكَ شَيْخُ الإسْلامِ.

وقِيلَ: المَعْنى لِتَعْلَمُوا بِاخْتِلافِهِما وتَعاقُبِهِما عَلى نَسَقٍ واحِدٍ أوْ بِحَرَكاتِهِما عَدَدَ السِّنِينَ إلَخِ. المُرادُ بِالحِسابِ جِنْسُهُ أيِ الجارِي في المُعامَلاتِ كالإجاراتِ والبُيُوعِ المُؤَجَّلَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ الظّاهِرَ المُناسِبَ أنَّ المُرادَ لِتَعْلَمُوا بِاللَّيْلِ فَإنَّ عَدَدَ السِّنِينَ الشَّرْعِيَّةِ والحِسابَ الشَّرْعِيَّ يُعْلَمانِ بِهِ غالِبًا أوْ بِالقَمَرِ لِقَوْلِهِ تَعالى في الأهِلَّةِ: ﴿قُلْ هي مَواقِيتُ لِلنّاسِ والحَجِّ﴾ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ السِّنِينَ شَمْسِيَّةٌ وقَمَرِيَّةٌ وبِكُلٍّ مِنهُما العَمَلُ، فَلَوْ قِيلَ إحْدى الآيَتَيْنِ مُبَيِّنَةٌ لِأحَدِهِما والأُخْرى لِلْآخَرِ لا مَحْذُورَ فِيهِ، وكَوْنُ الشَّرْعِ مُعَوِّلًا عَلى أحَدِهِما لا يَضُرُّ، وتَقْدِيمُ العَدَدِ عَلى الحِسابِ مِن أنَّ التَّرْتِيبَ بَيْنَ مُتَعَلِّقَيْهِما عَلى ما سَمِعْتَ أوَّلًا وُجُودًا وعَدَمًا عَلى العَكْسِ لِلتَّنْبِيهِ مِن أوَّلِ الأمْرِ عَلى أنَّ مُتَعَلِّقَ الحِسابِ ما في تَضاعِيفِ السِّنِينَ مِنَ الأوْقاتِ أوْ لِأنَّ العِلْمَ المُتَعَلِّقَ بِعَدَدِ السِّنِينَ عِلْمٌ إجْمالِيٌّ بِما تَعَلَّقَ بِهِ الحِسابُ تَفْصِيلًا أوْ لِأنَّ العِلْمَ المُتَعَلِّقَ بِالأوَّلِ أقْصى المَراتِبِ فَكانَ جَدِيرًا بِالتَّقْدِيمِ في مَقامِ الِامْتِنانِ، أوْ لِأنَّ العَدَدَ نازِلٌ مِنَ الحِسابِ مَنزِلَةَ البَسِيطِ مِنَ المُرَكَّبِ بِناءً عَلى ما حُقِّقَ مِن أنَّ الحِسابَ إحْصاءُ ما لَهُ كَمِّيَّةٌ مُنْفَصِلَةٌ بِتَكْرِيرِ أمْثالِهِ مِن حَيْثُ يَتَحَصَّلُ بِطائِفَةٍ مُعَيَّنَةٍ مِنها حَدٌّ مُعَيَّنٌ مِنهُ لَهُ اسْمٌ خاصٌّ وحُكْمٌ مُسْتَقِلٌّ، والعَدَدُ إحْصاؤُهُ

صفحة 31

بِمُجَرَّدِ تَكْرِيرِ أمْثالِهِ مِن غَيْرِ أنْ يَتَحَصَّلَ شَيْءٌ كَذَلِكَ ولِهَذا وكَوْنُ السِّنِينَ مِمّا لَمْ يُعْتَبَرْ فِيها حَدٌّ مُعَيَّنٌ لَهُ اسْمٌ خاصٌّ وحُكْمٌ مُسْتَقِلٌّ أُضِيفَ إلَيْها العَدَدُ وعُلِّقَ الحِسابُ بِما عَداها فَتَدَبَّرْ.

﴿وكُلَّ شَيْءٍ﴾ تَفْتَقِرُونَ إلَيْهِ في مَعاشِكم ومَعادِكم سِوى ما ذُكِرَ مِن جَعْلِ اللَّيْلِ والنَّهارِ آيَتَيْنِ وما يَتْبَعُهُ مِنَ المَنافِعِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ وهو مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَصَّلْناهُ تَفْصِيلا﴾ وهَذا مِن بابِ الِاشْتِغالِ، ورُجِّحَ النَّصْبُ لِتُقَدِّمِ جُمْلَةٍ فِعْلِيَّةٍ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى: (الحِسابَ) وجُمْلَةُ ﴿فَصَّلْناهُ﴾ صِفَةُ شَيْءٍ، وهو بَعِيدٌ مَعْنًى.

والتَّفْصِيلُ مِنَ الفَصْلِ بِمَعْنى القَطْعِ، والمُرادُ بِهِ الإبانَةُ التّامَّةُ، وجِيءَ بِالمَصْدَرِ لِلتَّأْكِيدِ. فالمَعْنى بَيَّنّا كُلَّ شَيْءٍ في القُرْآنِ الكَرِيمِ بَيانًا بَلِيغًا لا التِباسَ مَعَهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونَزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ فَظَهَرَ كَوْنُهُ هادِيًا لِلَّتِي هي أقْوَمُ ظُهُورًا بَيِّنًا.

17:13Page 283

وَكُلَّ إِنسَٰنٍ أَلۡزَمۡنَٰهُ طَٰٓئِرَهُۥ فِي عُنُقِهِۦۖ وَنُخۡرِجُ لَهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ كِتَٰبٗا يَلۡقَىٰهُ مَنشُورًا ١٣

And [for] every person We have imposed his fate upon his neck,1 and We will produce for him on the Day of Resurrection a record which he will encounter spread open.

﴿وكُلَّ إنْسانٍ﴾ مَنصُوبٌ عَلى حَدِّ ( كُلَّ شَيْءٍ ) أيْ: وألْزَمْنا كُلَّ إنْسانٍ مُكَلَّفٍ ﴿ألْزَمْناهُ طائِرَهُ﴾ أيْ: عَمَلَهُ الصّادِرَ مِنهُ بِاخْتِيارِهِ حَسْبَما قُدِّرَ لَهُ خَيْرًا كانَ أوْ شَرًّا كَأنَّهُ طارَ إلَيْهِ مِن عُشِّ الغَيْبِ ووَكْرِ القَدَرِ، وفي الكَشّافِ أنَّهم كانُوا يَتَفاءَلُونَ بِالطَّيْرِ ويُسَمُّونَهُ زَجْرًا، فَإذا سافَرُوا ومَرَّ بِهِمْ طَيْرٌ زَجَرُوهُ فَإنْ مَرَّ بِهِمْ سانِحًا بِأنْ مَرَّ مِن جِهَةِ اليَسارِ إلى اليَمِينِ تَيَمَّنُوا، وإنْ مَرَّ بارِحًا بِأنْ مَرَّ مِن جِهَةِ اليَمِينِ إلى الشَّمالِ تَشاءَمُوا؛ ولِذا سُمِّيَ تَطَيُّرًا، فَلَمّا نَسَبُوا الخَيْرَ والشَّرَّ إلى الطّائِرِ اسْتُعِيرَ اسْتِعارَةً تَصْرِيحِيَّةً لِما يُشْبِهُهُما مِن قَدَرِ اللَّهِ تَعالى وعَمَلِ العَبْدِ لِأنَّهُ سَبَبٌ لِلْخَيْرِ والشَّرِّ.

ومِنهُ طائِرُ اللَّهِ تَعالى لا طائِرُكَ؛ أيْ: قَدَرُ اللَّهِ جَلَّ شَأْنُهُ الغالِبُ الَّذِي يُنْسَبُ إلَيْهِ الخَيْرُ والشَّرُّ لا طائِرُكَ الَّذِي تَتَشاءَمُ بِهِ وتَتَيَمَّنُ، وقَدْ كَثُرَ فِعْلُهم ذَلِكَ حَتّى فَعَلُوهُ بِالظِّباءِ أيْضًا وسائِرِ حَيَواناتِ الفَلا، وسَمَّوْا كُلَّ ذَلِكَ تَطَيُّرًا كَما في البَحْرِ، وتَفْسِيرُهُ بِالعَمَلِ هُنا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ورَواهُ البَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ مُجاهِدٍ وذَهَبَ إلَيْهِ غَيْرُ واحِدٍ، وفَسَّرَهُ بَعْضُهم بِما وقَعَ لِلْعَبْدِ في القِسْمَةِ الأزَلِيَّةِ الواقِعَةِ حَسْبَ اسْتِحْقاقِهِ في العِلْمِ الأزَلِيِّ مِن قَوْلِهِمْ: طارَ إلَيْهِ سَهْمُ كَذا، ومِن ذَلِكَ: فَطارَ لَنا مِنَ القادِمِينَ عُثْمانُ بْنُ مَظْعُونٍ، أيْ: ألْزَمْنا كُلَّ إنْسانٍ نَصِيبَهُ وسَهْمَهُ الَّذِي قَسَمْناهُ لَهُ في الأزَلِ ﴿فِي عُنُقِهِ﴾ تَصْوِيرٌ لِشِدَّةِ اللُّزُومِ وكَمالِ الِارْتِباطِ وعَلى ذَلِكَ جاءَ قَوْلُهُ: إنَّ لِي حاجَةً إلَيْكَ فَقالَ: بَيْنَ أُذُنِي وعاتِقِي ما تُرِيدُ. وتَخْصِيصُ العُنُقِ لِظُهُورِ ما عَلَيْهِ مِن زائِنٍ كالقَلائِدِ والأطْواقِ أوْ شائِنٍ كالأغْلالِ والأوْهاقِ، ولِأنَّهُ العُضْوُ الَّذِي يَبْقى مَكْشُوفًا يَظْهَرُ ما عَلَيْهِ ويُنْسَبُ إلَيْهِ التَّقَدُّمُ والشَّرَفُ، ويُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الجُمْلَةِ وسَيِّدِ القَوْمِ، فالمَعْنى: ألْزَمْناهُ غُلَّهُ بِحَيْثُ لا يُفارِقُهُ أبَدًا، بَلْ يَلْزَمُهُ لُزُومَ القِلادَةِ والغُلِّ لا يَنْفَكُّ عَنْهُ بِحالٍ.

وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أُسَيْدٍ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ««إنَّ النُّطْفَةَ الَّتِي يُخْلَقُ مِنها النَّسَمَةُ تَطِيرُ في المَرْأةِ أرْبَعِينَ يَوْمًا وأرْبَعِينَ لَيْلَةً فَلا يَبْقى مِنها شَعْرٌ ولا بَشَرٌ ولا عِرْقٌ ولا عَظْمٌ إلّا دَخَلَتْهُ حَتّى إنَّها لَتَدْخُلُ بَيْنَ الظُّفْرِ واللَّحْمِ، فَإذا مَضى أرْبَعُونَ لَيْلَةً وأرْبَعُونَ يَوْمًا أهْبَطَها اللَّهُ تَعالى إلى الرَّحِمِ فَكانَتْ عَلَقَةً أرْبَعِينَ يَوْمًا وأرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ تَكُونُ مُضْغَةً أرْبَعِينَ يَوْمًا وأرْبَعِينَ لَيْلَةً فَإذا تَمَّتْ لَها أرْبَعَةُ أشْهُرٍ بَعَثَ اللَّهُ تَعالى إلَيْها مَلَكَ الأرْحامِ فَيَخْلُقُ عَلى يَدِهِ لَحْمَها ودَمَها وشَعْرَها وبَشَرَها، ثُمَّ يَقُولُ سُبْحانَهُ: صَوِّرْ فَيَقُولُ: يا رَبِّ، أُصَوِّرُ أزائِدٌ أمْ ناقِصٌ؟ أذَكَرٌ أمْ أُنْثى؟ أجَمِيلٌ أمْ ذَمِيمٌ؟ أجَعْدٌ أمْ سَبْطٌ؟ أقَصِيرٌ أمْ طَوِيلٌ؟ أأبْيَضُ أمْ آدَمُ؟ أسَوِيٌّ أمْ غَيْرُ سَوِيٍّ؟

صفحة 32

فَيَكْتُبُ مِن ذَلِكَ ما يَأْمُرُ اللَّهُ تَعالى بِهِ ثُمَّ يَقُولُ: أيْ رَبِّ، أشَقِيٌّ أمْ سَعِيدٌ؟ فَإنْ كانَ سَعِيدًا نَفَخَ فِيهِ بِالسَّعادَةِ في آخِرِ أجَلِهِ، وإنْ كانَ شَقِيًّا نَفَخَ فِيهِ بِالشَّقاوَةِ في آخِرِ أجَلِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: اكْتُبْ أثَرَها ورِزْقَها ومُصِيبَتَها وعَمَلَها بِالطّاعَةِ والمَعْصِيَةِ. فَيَكْتُبُ مِن ذَلِكَ ما يَأْمُرُهُ اللَّهُ تَعالى ثُمَّ يَقُولُ المَلَكُ: يا رَبِّ، ما أصْنَعُ بِهَذا الكِتابِ فَيَقُولُ سُبْحانَهُ: عَلِّقْهُ في عُنُقِهِ إلى قَضائِي عَلَيْهِ»».

فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكُلَّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ﴾ .

ولا يَخْفى أنَّ الظّاهِرَ مِن هَذا الخَبَرِ أنَّ ذِكْرَ العُنُقِ لَيْسَ لِلتَّصْوِيرِ المَذْكُورِ، وأنَّ الطّائِرَ عِبارَةٌ عَنِ الكِتابِ الَّذِي كُتِبَ فِيهِ ما كُتِبَ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ أنَسٍ أنَّهُ فَسَّرَهُ بِذَلِكَ صَرِيحًا، وبابُ المَجازِ واسِعٌ، ونَحْنُ نُؤْمِنُ بِالحَدِيثِ إذا صَحَّ ونُفَوِّضُ كَيْفِيَّةَ ما دَلَّ عَلَيْهِ إلى اللَّطِيفِ الخَبِيرِ جَلَّ جَلالُهُ، والظّاهِرُ مِنهُ أيْضًا عَدَمُ تَقْيِيدِ الإنْسانِ بِالمُكَلَّفِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ في كِتابِ القَدَرِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: ما مِن مَوْلُودٍ يُولَدُ إلّا وفي عُنُقِهِ ورَقَةٌ مَكْتُوبٌ فِيها شَقِيٌّ أوْ سَعِيدٌ، وآخِرُ الآيَةِ ظاهِرٌ في التَّقْيِيدِ.

وقَرَأ مُجاهِدٌ والحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ: (طَيْرَهُ) وقُرِئَ: (عُنْقِهِ) بِسُكُونِ النُّونِ ﴿ونُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ والبَعْثُ لِلْحِسابِ ﴿كِتابًا﴾ هي صَحِيفَةُ عَمَلِهِ، ونَصَبَهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ ( نُخْرِجُ ) وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِن مَفْعُولٍ لِ (نُخْرِجُ) مَحْذُوفٍ وهو ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى الطّائِرِ أيْ: نُخْرِجُهُ لَهُ حالَ كَوْنِهِ كِتابًا، ويُعَضِّدُ ذَلِكَ قِراءَةُ يَعْقُوبَ ومُجاهِدٍ، وابْنِ مُحَيْصِنٍ: (ويُخْرِجُ) بِالياءِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ مِن خَرَجَ يَخْرُجُ ونَصْبِ ﴿كِتابًا﴾ فَإنَّ فاعِلَهُ حِينَئِذٍ ضَمِيرُ الطّائِرِ وكِتابًا حالٌ مِنهُ، والأصْلُ تَوافُقُ القِراءَتَيْنِ، وكَذا قِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ: (ويُخْرَجُ) بِالياءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مِن أخْرَجَ ونَصْبِ ﴿كِتابًا﴾ أيْضًا، ووَجْهُ كَوْنِها عاضِدَةً أنَّ في (يُخْرَجُ) حِينَئِذٍ ضَمِيرًا مُسْتَتِرًا هو ضَمِيرُ الطّائِرِ وقَدْ كانَ مَفْعُولًا، واحْتِمالُ أنْ يَكُونَ (لَهُ) نائِبَ الفاعِلِ فَلا تُعَضَّدُ لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ؛ لِأنَّ إقامَةَ غَيْرِ المَفْعُولِ مَعَ وُجُودِهِ مَقامَ الفاعِلِ ضَعِيفَةٌ، ولَيْسَ ثَمَّةَ ما يَكُونُ كِتابًا حالًا مِنهُ فَيَتَعَيَّنُ ما ذُكِرَ كَما قالَهُ ابْنُ يَعِيشَ في شَرْحِ المُفَصَّلِ، وعَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قُرِئَ: (يُخْرَجُ) بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ أيْضًا ورَفْعِ (كِتابٌ) عَلى أنَّهُ نائِبُ الفاعِلِ، وقَرَأ الحَسَنُ: (يَخْرُجُ) بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ مِنَ الخُرُوجِ ورَفْعِ (كِتابٌ) عَلى الفاعِلِيَّةِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: (ويُخْرِجُ) بِالياءِ مِنَ الإخْراجِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ وهو ضَمِيرُ اللَّهِ تَعالى وفِيهِ التِفاتٌ مِنَ التَّكَلُّمِ إلى الغَيْبَةِ.

وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ هارُونَ قالَ في قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: (وكُلَّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ يَقْرَأُهُ يَوْمَ القِيامَةِ كِتابًا ﴿يَلْقاهُ﴾ أيْ يَلْقى الإنْسانَ أوْ يَلْقاهُ الإنْسانُ ﴿مَنشُورًا﴾ غَيْرَ مَطْوِيٍّ لِتَمْكُنَ قِراءَتُهُ وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ ذَلِكَ أمْرٌ مُهَيَّأٌ لَهُ غَيْرُ مَغْفُولٍ عَنْهُ. وجُمْلَةُ: ﴿يَلْقاهُ﴾ صِفَةُ (كِتابًا) و﴿مَنشُورًا﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونا صِفَتَيْنِ لَهُ، وفي تَقَدُّمِ الوَصْفِ بِالجُمْلَةِ عَلى الوَصْفِ بِالمُفْرَدِ وهو خِلافُ الظّاهِرِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو جَعْفَرٍ والجَحْدَرِيُّ والحَسَنُ بِخِلافٍ عَنْهُ: (يُلَقّاهُ) بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ اللّامِ وتَشْدِيدِ القافِ مِن لَقَّيْتُهُ كَذا أيْ: يَلْقى الإنْسانُ إيّاهُ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: يا ابْنَ آدَمَ، بَسَطْتُ لَكَ صَحِيفَةً، ووُكِّلَ بِكَ مَلَكانِ كَرِيمانِ أحَدُهُما عَنْ يَمِينِكَ والآخَرُ عَنْ شِمالِكَ حَتّى إذا مِتَّ طُوِيَتْ صَحِيفَتُكَ فَجُعِلَتْ في عُنُقِكَ في قَبْرِكَ حَتّى تَجِيءَ يَوْمَ القِيامَةِ فَتُخْرَجُ لَكَ.

17:14Page 283

ٱقۡرَأۡ كِتَٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفۡسِكَ ٱلۡيَوۡمَ عَلَيۡكَ حَسِيبٗا ١٤

[It will be said], "Read your record. Sufficient is yourself against you this Day as accountant."

﴿اقْرَأْ كِتابَكَ﴾ بِتَقْدِيرِ: يُقالُ لَهُ ذَلِكَ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ إمّا صِفَةٌ أوْ حالٌ أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ، والظّاهِرُ أنَّ جُمْلَةَ

صفحة 33

قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ مِن جُمْلَةِ مَقُولِ القَوْلِ المُقَدَّرِ، و(كَفى) فِعْلٌ ماضٍ وبِنَفَسِكَ فاعِلُهُ، والباءُ سَيْفُ خَطِيبٍ، وجاءَ إسْقاطُها ورَفْعُ الِاسْمِ كَما في قَوْلِهِ: كَفى الشَّيْبُ والإسْلامُ لِلْمَرْءِ ناهِيًا. وقَوْلُهُ:

ويُخْبِرُنِي عَنْ غائِبِ المَرْءِ هَدْيُهُ كَفى الهَدْيُ عَمّا غَيَّبَ المَرْءُ مُخْبِرا

ولَمْ تَلْحَقِ الفِعْلَ عَلامَةُ التَّأْنِيثِ وإنْ كانَ مِثْلُهُ تَلْحَقُهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما آمَنَتْ قَبْلَهم مِن قَرْيَةٍ﴾ ﴿وما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ﴾ قِيلَ: لِأنَّ الفاعِلَ مُؤَنَّثٌ مَجازِيٌّ ولا يَشْفِي الغَلِيلَ لِأنَّ فاعِلَ ما ذُكِرَ مِنَ الأفْعالِ مُؤَنَّثٌ مَجازِيٌّ مَجْرُورٌ بِحَرْفٍ زائِدٍ أيْضًا، وقَدْ لَحِقَ فِعْلَهُ عَلامَةُ التَّأْنِيثِ، وغايَةُ الأمْرِ في مِثْلِ ذَلِكَ جَوازُ الإلْحاقِ وعَدَمُهُ ولَمْ يُحْفَظْ كَما في البَحْرِ الإلْحاقُ في (كَفى) إذا كانَ الفاعِلُ مُؤَنَّثًا مَجْرُورًا بِالباءِ الزّائِدَةِ، ومِن هُنا قِيلَ: إنَّ فاعِلَ (كَفى) ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى الِاكْتِفاءِ أيْ: كَفى هو أيِ الِاكْتِفاءُ بِنَفْسِكَ، وقِيلَ: هو اسْمُ فِعْلٍ بِمَعْنى اكْتَفِ، والفاعِلُ ضَمِيرُ المُخاطَبِ، والباءُ عَلى القَوْلَيْنِ لَيْسَتْ بِزائِدَةٍ، ومَرْضِيُّ الجُمْهُورِ ما قَدَّمْناهُ، والتِزامُ التَّذْكِيرِ عِنْدَهم عَلى خِلافِ القِياسِ.

ووَجَّهَ بَعْضُهم ذَلِكَ بِكَثْرَةِ جَرِّ الفاعِلِ بِالباءِ الزّائِدَةِ حَتّى إنَّ إسْقاطَها مِنهُ لا يُوجَدُ إلّا في أمْثِلَةٍ مَعْدُودَةٍ فانْحَطَّتْ رُتْبَتُهُ عَنْ رُتْبَةِ الفاعِلِينَ فَلَمْ يُؤَنَّثِ الفِعْلُ لَهُ، وهَذا نَحْوَ ما قِيلَ فِي: مُرَّ بِهِنْدٍ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، ( واليَوْمِ ) ظَرْفٌ لِ (كَفى) و﴿حَسِيبًا﴾ تَمْيِيزٌ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ وقَوْلُهُمْ: لِلَّهِ تَعالى دَرُّهُ فارِسًا، وقِيلَ: حالٌ، وعَلَيْكَ مُتَعَلِّقٌ بِهِ قُدِّمَ لِرِعايَةِ الفَواصِلِ، وعُدِّيَ بِعَلى لِأنَّهُ بِمَعْنى الحاسِبِ، والعادُّ وهو يَتَعَدّى بِ (عَلى) كَما تَقُولُ: عَدَّدَ عَلَيْهِ قَبائِحَهُ، وجاءَ فَعِيلٌ الصِّفَةُ مِن فَعَلَ يَفْعِلُ بِكَسْرِ العَيْنِ في المُضارِعِ كالصَّرِيمِ بِمَعْنى الصّارِمِ وضَرِيبُ القِداحِ بِمَعْنى ضارِبِها إلّا أنَّهُ قَلِيلٌ أوْ بِمَعْنى الكافِي فَتَجُوزُ بِهِ عَنْ مَعْنى الشَّهِيدِ لِأنَّهُ يَكْفِي المُدَّعِيَ ما أهَمَّهُ فَعُدِّيَ بِ (عَلى) كَما يُعَدّى الشَّهِيدُ، وقِيلَ: هو بِمَعْنى الكافِي مِن غَيْرِ تَجَوُّزٍ لَكِنَّهُ عُدِّيَ تَعْدِيَةَ الشَّهِيدِ لِلُزُومِ مَعْناهُ لَهُ كَما فِي: أسَدٌ عَلَيَّ، وهو تَكَلُّفٌ بارِدٌ، وتَذْكِيرُهُ وهو فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ، وصْفٌ لِلنَّفْسِ المُؤَنَّثَةِ مَعْنًى؛ لِأنَّ الحِسابَ والشَّهادَةَ مِمّا يَغْلِبُ في الرِّجالِ فَأُجْرِيَ ذَلِكَ عَلى أغْلَبِ أحْوالِهِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: كَفى بِنَفْسِكَ رَجُلًا حَسِيبًا أوْ لِأنَّ النَّفْسَ مُؤَوَّلَةٌ بِالشَّخْصِ كَما يُقالُ: ثَلاثَةُ أنْفُسٍ أوْ لِأنَّ فَعِيلَ المَذْكُورَ مَحْمُولٌ عَلى فَعِيلٍ بِمَعْنى فاعِلٍ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالنَّفْسِ الذّاتُ فَكَأنَّهُ قِيلَ: كَفى بِكَ حَسِيبًا عَلَيْكَ.

وجَعَلَ بَعْضُهم في ذَلِكَ تَجْرِيدًا فَقِيلَ: إنَّهُ غَلَطٌ فاحِشٌ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ فِيهِ بَحْثًا؛ فَإنَّ الشّاهِدَ يُغايِرُ المَشْهُودَ عَلَيْهِ، فَإنِ اعْتُبِرَ كَوْنُ الشَّخْصِ في تِلْكَ الحالِ كَأنَّهُ شَخْصٌ آخَرُ كانَ تَجْرِيدًا لَكِنَّهُ لا يَتَعَلَّقُ بِهِ غَرَضٌ هُنا.

وعَنْ مُقاتِلٍ أنَّ المُرادَ بِالنَّفْسِ الجَوارِحُ؛ فَإنَّها تَشْهَدُ عَلى العَبْدِ إذا أنْكَرَ وهو خِلافُ الظّاهِرِ، وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ كانَ إذا قَرَأ الآيَةَ قالَ: يا ابْنَ آدَمَ، أنْصَفَكَ واللَّهِ مَن جَعَلَكَ حَسِيبَ نَفْسِكَ، والظّاهِرُ أنَّهُ يُقالُ ذَلِكَ لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ، وما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ مِن أنَّ الكافِرَ يُخْرَجُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كِتابٌ فَيَقُولُ: رَبِّ، إنَّكَ قَضَيْتَ أنَّكَ لَسْتَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ فاجْعَلْنِي أُحاسِبُ نَفْسِي فَيُقالُ لَهُ: ﴿اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ﴾ الآيَةَ. لا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ خاصٌّ بِالكافِرِ كَما لا يَخْفى، ويَقْرَأُ في ذَلِكَ اليَوْمِ كَما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ مَن لَمْ يَكُنْ قارِئًا في الدُّنْيا.

وجاءَ أنَّ المُؤْمِنَ يَقْرَأُ أوَّلًا سَيِّئاتِهِ وحَسَناتِهِ في ظَهْرِ كِتابِهِ يَراها أهْلُ المَوْقِفِ ولا يَراها هو فَيَغْبِطُونَهُ عَلَيْها، فَإذا اسْتَوْفى قِراءَةَ السَّيِّئاتِ وظَنَّ أنَّهُ قَدْ هَلَكَ رَأى في آخِرِها: هَذِهِ سَيِّئاتُكَ قَدْ غَفَرْناها لَكَ فَيَتَبَلَّجُ وجْهُهُ، ويَعْظُمُ سُرُورُهُ ثُمَّ يَقْرَأُ حَسَناتِهِ فَيَزْدادُ نُورًا ويَنْقَلِبُ إلى أهْلِهِ مَسْرُورًا ويَقُولُ: هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ إنِّي ظَنَنْتُ أنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ.

وأمّا الكافِرُ فَيَقْرَأُ أوَّلًا حَسَناتِهِ وسَيِّئاتِهِ في ظَهْرِ كِتابِهِ يَراها أهْلُ المَوْقِفِ فَيَتَعَوَّذُونَ مِن ذَلِكَ، فَإذا اسْتَوْفى قِراءَةَ

صفحة 34

الحَسَناتِ وجَدَ في آخِرِها: هَذِهِ حَسَناتُكَ قَدْ رَدَدْناها عَلَيْكَ وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ فَيَسْوَدُّ وجْهُهُ ويَعْظُمُ كَرْبُهُ ثُمَّ يَقْرَأُ سَيِّئاتِهِ فَيَزْدادُ بَلاءً عَلى بَلاءٍ ويَنْقَلِبُ بِمَزِيدِ خَيْبَةٍ وشَقاءٍ ويَقُولُ: ﴿يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ﴾ ﴿ولَمْ أدْرِ ما حِسابِيَهْ﴾ جَعَلَنا اللَّهُ تَعالى مِمَّنْ يَقْرَأُ فَيَرْقى لا مِمَّنْ يَقْرَأُ فَيَشْقى بِمَنِّهِ وكَرَمِهِ.

هَذا وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الكِتابَ بِالنَّفْسِ المُنْتَقَشَةِ بِآثارِ الأعْمالِ ونَشْرَهُ وقِراءَتَهُ بِظُهُورِ ذَلِكَ لَهُ ولِغَيْرِهِ، وبَيانُهُ أنَّ ما يَصْدُرُ عَنِ الإنْسانِ خَيْرًا أوْ شَرًّا يَحْصُلُ مِنهُ في الرُّوحِ أثَرٌ مَخْصُوصٌ وهو خَفِيٌّ ما دامَتْ مُتَعَلِّقَةً بِالبَدَنِ مُشْتَغِلَةً بِوارِداتِ الحَواسِّ والقُوى فَإذا انْقَطَعَتْ عَلاقَتُها قامَتْ قِيامَتُهُ لِانْكِشافِ الغِطاءِ بِاتِّصالِها بِالعالَمِ العُلْوِيِّ فَيَظْهَرُ في لَوْحِ النَّفْسِ نَقْشُ أثَرِ كُلِّ ما عَمِلَهُ في عُمْرِهِ وهو مَعْنى الكِتابَةِ والقِراءَةِ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا مَنزَعٌ صُوفِيٌّ حُكْمِيٌّ بَعِيدٌ مِنَ الظُّهُورِ قَرِيبٌ مِنَ البُطُونِ، وفِيهِ حَمْلُ القِيامَةِ عَلى القِيامَةِ الصُّغْرى وهو خِلافُ الظّاهِرِ أيْضًا، والرِّواياتُ ناطِقَةٌ بِما يُفْهَمُ مِن ظاهِرِ الآيَةِ نَعَمْ لَيْسَ فِيها نَفْيُ انْتِقاشِ النَّفْسِ بِآثارِ الأعْمالِ وظُهُورِ ذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ فَلا مانِعَ مِنَ القَوْلِ بِالأمْرَيْنِ، ومِن هُنا قالَ الإمامُ: إنَّ الحَقَّ أنَّ الأحْوالَ الظّاهِرَةَ الَّتِي ورَدَتْ فِيها الرِّواياتُ حَقٌّ وصِدْقٌ لا مِرْيَةَ فِيها، واحْتِمالُ الآيَةِ لِهَذِهِ المَعانِي الرُّوحانِيَّةِ ظاهِرٌ أيْضًا والمَنهَجُ القَوِيمُ والصِّراطُ المُسْتَقِيمُ هو الإقْرارُ بِالكُلِّ، ونِعْمَ ما قالَ غَيْرَ أنَّ كَوْنَ ذَلِكَ الِاحْتِمالِ ظاهِرٌ غَيْرُ ظاهِرٍ، وقالَ الخَفاجِيُّ: لَيْسَ في هَذا ما يُخالِفُ النَّقْلَ، وقَدْ حُمِلَ عَلَيْهِ ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ مِن أنَّهُ يَقْرَأُ في ذَلِكَ اليَوْمِ مَن لَمْ يَكُنْ قارِئًا ولا وجْهَ لِعَدِّهِ مُؤَيِّدًا لَهُ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ حَمْلَ كَلامِ قَتادَةَ عَلى ذَلِكَ تَأْوِيلٌ أيْضًا ولَعَلَّ قَتادَةَ وأمْثالَهُ مِن سَلَفِ الأُمَّةِ لا يَخْطُرُ لَهم أمْثالُ هَذِهِ التَّأْوِيلاتِ بِبالٍ، والكَلامُ العَرَبِيُّ كالجَمَلِ الأُنُوفِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحَقائِقِ الأُمُورِ. وفي كَيْفِيَّةِ النَّظْمِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ ذَكَرَها الإمامُ.

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿وكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلا﴾ تَضَمَّنَ أنَّ كُلَّ ما يُحْتاجُ إلَيْهِ مِن دَلائِلِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ قَدْ صارَ مَذْكُورًا، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَقَدْ أُزِيحَتِ الأعْذارُ وأُزِيلَتِ العِلَلُ فَلا جَرَمَ كُلُّ مَن ورَدَ عَرْصَةَ القِيامَةِ فَقَدْ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ، الثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ سُبْحانَهُ أوْصَلَ إلى الخَلْقِ أصْنافَ الأشْياءِ النّافِعَةِ لَهم في الدِّينِ والدُّنْيا مِثْلَ آيَتَيِ اللَّيْلِ والنَّهارِ وغَيْرِهِما فَكَأنَّهُ كانَ مُنْعِمًا عَلَيْهِمْ بِوُجُوهِ النِّعَمِ وذَلِكَ يَقْتَضِي وُجُوبَ اشْتِغالِهِمْ بِخِدْمَتِهِ تَعالى وطاعَتِهِ فَلا جَرَمَ كُلُّ مَن ورَدَ عَرْصَةَ القِيامَةِ يَكُونُ مَسْؤُولًا عَنْ أقْوالِهِ وأعْمالِهِ، الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ ما خَلَقَ الخَلْقَ إلّا لِعِبادَتِهِ كَما قالَ: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ﴾ فَلَمّا شَرَحَ أحْوالَ الشَّمْسِ والقَمَرِ والنَّهارِ واللَّيْلِ كانَ إنَّما خَلَقْتُ هَذِهِ الأشْياءَ لِتَنْتَفِعُوا بِها فَتَصِيرُوا مُتَمَكِّنِينَ مِنَ الِاشْتِغالِ بِطاعَتِي، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَكُلُّ مَن ورَدَ عَرْصَةَ القِيامَةِ سَألْتُهُ هَلْ أتى بِتِلْكَ الطّاعَةِ أوْ تَمَرَّدَ وعَصى اه، وقَدْ يُقالُ: وجْهُ الرَّبْطِ أنَّ فِيما تَقَدَّمَ شَرْحُ حالِ كِتابِ اللَّهِ تَعالى المُتَضَمِّنِ بَيانَ النّافِعِ والضّارِّ مِنَ الأعْمالِ وفي هَذا شَرْحُ حالِ كِتابِ العَبْدِ الَّذِي لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً مِن تِلْكَ الأعْمالِ إلّا أحْصاها وحُسْنُهُ وقُبْحُهُ تابِعٌ لِلْأخْذِ بِما في الكِتابِ الأوَّلِ وعَدَمِهِ، فَمَن أخَذَ بِهِ فَقَدْ هُدِيَ، ومَن أعْرَضَ عَنْهُ فَقَدْ غَوى،

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском