Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-Isra 17:26–31
17:26Page 284
وَءَاتِ ذَا ٱلۡقُرۡبَىٰ حَقَّهُۥ وَٱلۡمِسۡكِينَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرۡ تَبۡذِيرًا ٢٦
And give the relative his right, and [also] the poor and the traveler, and do not spend wastefully.1
﴿وآتِ ذا القُرْبى﴾ أيْ ذا القَرابَةِ مِنكَ ﴿حَقَّهُ﴾ الثّابِتَ لَهُ، قِيلَ: ولَعَلَّ المُرادَ بِذِي القُرْبى المَحارِمُ وبِحَقِّهِمُ النَّفَقَةَ عَلَيْهِمْ إذا كانُوا فُقَراءَ عاجِزِينَ عَنِ الكَسْبِ عَمّا يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والمِسْكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ﴾ فَإنَّ المَأْمُورَ بِهِ في حَقِّهِما المُساواةُ المالِيَّةُ أيْ وآتِهِما حَقَّهُما مِمّا كانَ مُفْتَرَضًا بِمَكَّةَ بِمَنزِلَةِ الزَّكاةِ وكَذا النَّهْيُ عَنِ التَّبْذِيرِ وعَنِ الإفْراطِ في القَبْضِ والبَسْطِ؛ فَإنَّ الكُلَّ مِنَ التَّصَرُّفاتِ المالِيَّةِ، واسْتَدَلَّ بَعْضُهم بِالآيَةِ عَلى إيجابِ نَفَقَةِ المَحارِمِ المُحْتاجِينَ وإنْ لَمْ يَكُونُوا أصْلًا كالوالِدَيْنِ ولا فَرْعًا كالوَلَدِ، والكَلامُ مِن بابِ التَّعْمِيمِ بَعْدَ التَّخْصِيصِ؛ فَإنَّ ذا القُرْبى يَتَناوَلُ الوالِدَيْنِ لُغَةً وإنْ لَمْ يَتَناوَلْهُ عُرْفًا؛ فَلِذا قالُوا في بابِ الوَصِيَّةِ المَبْنِيَّةِ عَلى العُرْفِ: لَوْ أوْصى لِذَوِي قَرابَتِهِ لا يَدْخُلانِ.
وفِي المِعْراجِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ««مَن قالَ لِأبِيهِ: قَرِيبِي فَقَدْ عَقَّهُ»».
والغَرَضُ مِن ذَلِكَ تَناوُلُ غَيْرِهِما مِنَ الأقارِبِ والتَّوْصِيَةُ بِشَأْنِهِ.
وفِي الكَشْفِ أنَّ الحَقَّ أنَّ إيتاءَ الحَقِّ عامٌّ، والمَقامُ يَقْتَضِي الشُّمُولَ فَيَتَناوَلُ الحَقَّ المالِيَّ وغَيْرَهُ، مِنَ الصِّلَةِ وحُسْنِ المُعاشَرَةِ فَلا تَنْتَهِضُ الآيَةُ دَلِيلًا عَلى إيجابِ نَفَقَةِ المَحارِمِ، وتُعُقِّبَ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿حَقَّهُ﴾ يُشْعِرُ بِاسْتِحْقاقِ ذَلِكَ لِاحْتِياجِهِ مَعَ أنَّهُ إذا عَمَّ دَخَلَ فِيهِ المالِيُّ وغَيْرُهُ فَكَيْفَ لا تَنْتَهِضُ الآيَةُ دَلِيلًا وأنا مِمَّنْ يَقُولُ بِالعُمُومِ وعَدَمِ اخْتِصاصِ ذِي القُرْبى بِذِي القَرابَةِ الوِلادِيَّةِ، والعَطْفُ وكَذا ما بَعْدَهُ لا يَدُلُّ عَلى تَخْصِيصٍ قَطْعًا فَتَدَبَّرْ، وقِيلَ: المُرادُ بِذِي القُرْبى أُقارِبُ الرَّسُولِ ﷺ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ السُّدِّيِّ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ لِرَجُلٍ مِن أهْلِ الشّامِ: أقَرَأْتَ القُرْآنَ؟ قالَ: نَعَمْ. قالَ: أفَما قَرَأْتَ في بَنِي إسْرائِيلَ: ﴿فَآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ﴾ ؟ قالَ: وإنَّكُمُ القُرابَةُ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ تَعالى أنْ يُؤْتى حَقَّهُ؟ قالَ: نَعَمْ.
ورَواهُ الشِّيعَةُ عَنِ الصّادِقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وحَقُّهم تَوْقِيرُهم وإعْطاؤُهُمُ الخُمْسَ.
وضُعِّفَ بِأنَّهُ لا قَرِينَةَ عَلى التَّخْصِيصِ، وأُجِيبَ بِأنَّ الخِطابَ قَرِينَةٌ وفِيهِ نَظَرٌ.
وما أخْرَجَهُ البَزّارُ وأبُو يَعْلى وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ مِن أنَّهُ «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ دَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فاطِمَةَ فَأعْطاها فَدَكًا».
لا يَدُلُّ عَلى تَخْصِيصِ الخِطابِ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى أنَّ القَلْبَ مِن صِحَّةِ الخَبَرِ شَيْءٌ بِناءً عَلى أنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ ولَيْسَتْ هَذِهِ الآيَةُ مِنَ المُسْتَثْنَياتِ وفَدَكٌ لَمْ تَكُنْ إذْ ذاكَ تَحْتَ تَصَرُّفِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، بَلْ طَلَبُها رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها ذَلِكَ إرْثًا بَعْدَ وفاتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَما هو المَشْهُورُ يَأْبى القَوْلَ
صفحة 63
بِالصِّحَّةِ كَما لا يَخْفى.
﴿ولا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ نَهى عَنْ صَرْفِ المالِ إلى مَن لا يَسْتَحِقُّهُ فَإنَّ التَّبْذِيرَ إنْفاقٌ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ مَأْخُوذٌ مِن تَفْرِيقِ البَذْرِ وإلْقائِهِ في الأرْضِ كَيْفَما كانَ مِن غَيْرِ تَعَهُّدٍ لِمَواقِعِهِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: التَّبْذِيرُ إنْفاقُ المالِ في غَيْرِ حَقِّهِ، وفي مُفْرَداتِ الرّاغِبِ وغَيْرِهِ أنَّ أصْلَهُ إلْقاءُ البَذْرِ وطَرْحُهُ ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِتَضْيِيعِ المالِ، وعَدَّ مِن ذَلِكَ بَعْضُهم تَشْيِيدَ الدّارِ ونَحْوَهُ، وفَرَّقَ اَلْماوَرْدِيُّ بَيْنَهُ وبَيْنَ الإسْرافِ بِأنَّ الإسْرافَ تَجاوُزٌ في الكَمِّيَّةِ وهو جَهْلٌ بِمَقادِيرِ الحُقُوقِ، والتَّبْذِيرُ تَجاوُزٌ في مَوْقِعِ الحَقِّ وهو جَهْلٌ بِالكَيْفِيَّةِ وبِمَواقِعِها، وكِلاهُما مَذْمُومٌ، والثّانِي أدْخَلُ في الذَّمِّ.
وفَسَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ التَّبْذِيرَ هُنا بِتَفْرِيقِ المالِ فِيما لا يَنْبَغِي وإنْفاقُهُ عَلى وجْهِ الإسْرافِ، وذَكَرَ أنَّ فِيهِ إشارَةً إلى أنَّ التَّبْذِيرَ شامِلٌ لِلْإسْرافِ في عُرْفِ اللُّغَةِ ويُرادُ مِنهُ حَقِيقَةً وإنَّ فَرَّقَ بَيْنَهُما بِما فَرَّقَ، وفي الكَشْفِ بَعْدَ نَقْلِ الفَرْقِ والنَّصِّ عَلى أنَّ الثّانِيَ أدْخَلُ في الذَّمِّ أنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ لَمْ يَغِبْ ذَلِكَ عَلَيْهِ لِأنَّ الِاشْتِقاقَ يُرْشِدُ إلَيْهِ، وإنَّما أرادَ أنَّهُ في الآيَةِ يَتَناوَلُ الإسْرافَ أيْضًا بِطَرِيقِ الدَّلالَةِ إذْ لا يَفْتَرِقانِ في الأحْكامِ لا سِيَّما وقَدْ عَقَّبَهُ سُبْحانَهُ بِالحَثِّ عَلى الِاقْتِصادِ المُناسِبِ لِاعْتِبارِ الكَمِّيَّةِ المُرْشِدِ إلى إرادَتِهِ مِنَ النَّصِّ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ إذا كانَ التَّبْذِيرُ أدْخَلَ في الذَّمِّ مِنَ الإسْرافِ كَيْفَ يَتَناوَلُهُ بِطَرِيقِ الدَّلالَةِ، والنَّهْيُ عَنِ الإسْرافِ فِيما بَعْدُ يَبْعُدُ إرادَتُهُ هاهُنا فَتَأمَّلْ.
17:27Page 284
إِنَّ ٱلۡمُبَذِّرِينَ كَانُوٓاْ إِخۡوَٰنَ ٱلشَّيَٰطِينِۖ وَكَانَ ٱلشَّيۡطَٰنُ لِرَبِّهِۦ كَفُورٗا ٢٧
Indeed, the wasteful are brothers of the devils, and ever has Satan been to his Lord ungrateful.
﴿إنَّ المُبَذِّرِينَ كانُوا إخْوانَ الشَّياطِينِ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَنِ التَّبْذِيرِ بِبَيانِ أنَّهُ يَجْعَلُ صاحِبَهُ مَلْزُوزًا في قَرْنِ الشَّياطِينِ، والإخْوانُ جَمْعُ أخٍ والمُرادُ بِهِ المُمائِلُ مَجازًا، أيْ: إنَّهم مُماثِلُونَ لَهم في صِفاتِ السُّوءِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها التَّبْذِيرُ، أوِ الصَّدِيقُ والتّابِعُ مَجازًا أيْضًا أيْ: إنَّهم أصْدِقاؤُهم وأتْباعُهم فِيما ذُكِرَ مِنَ التَّبْذِيرِ والصَّرْفِ في المَعاصِي فَإنَّهم كانُوا يَنْحَرُونَ الإبِلَ ويَتَياسَرُونَ عَلَيْها ويُبَذِّرُونَ أمْوالَهم في السُّمْعَةِ وسائِرِ ما لا خَيْرَ فِيهِ مِنَ المَناهِي والمَلاهِي، أوِ القَرِينُ كَما سَبَقَ أيْضًا أيْ أنَّهم قُرَناؤُهم في النّارِ عَلى سَبِيلِ الوَعِيدِ.
﴿وكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ مِن تَتِمَّةِ التَّعْلِيلِ أيْ مُبالِغًا في كُفْرانِ نِعَمِهِ تَعالى لِأنَّ شَأْنَهُ صَرْفُ جَمِيعِ ما أعْطاهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ القُوى والقَدَرِ إلى غَيْرِ ما خُلِقَتْ لَهُ مِن أنْواعِ المَعاصِي والإفْسادِ في الأرْضِ وإضْلالِ النّاسِ وحَمْلِهِمْ عَلى الكُفْرِ بِاللَّهِ تَعالى وكُفْرانِ نِعَمَهِ الفائِضَةِ عَلَيْهِمْ وصَرْفِها إلى غَيْرِ ما أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ.
وفِي تَخْصِيصِ هَذا الوَصْفِ بِالذِّكْرِ مِن بَيْنِ صِفاتِهِ القَبِيحَةِ إيذانٌ بِأنَّ التَّبْذِيرَ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنْ صَرْفِ نِعَمِ اللَّهِ تَعالى إلى غَيْرِ مَصْرِفِها مِن بابِ الكُفْرانِ المُقابِلِ لِلشُّكْرِ الَّذِي هو صَرْفُها إلى ما خُلِقَتْ لَهُ، وفي التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ إشْعارٌ بِكَمالِ عُتُوِّهُ كَما لا يَخْفى. ويُشْعِرُ كَلامُ بَعْضِهِمْ بِجَوازِ حَمْلِ الكُفْرِ هُنا عَلى ما يُقابِلُ الإيمانَ ولَيْسَ بِذاكَ.
17:28Page 285
وَإِمَّا تُعۡرِضَنَّ عَنۡهُمُ ٱبۡتِغَآءَ رَحۡمَةٖ مِّن رَّبِّكَ تَرۡجُوهَا فَقُل لَّهُمۡ قَوۡلٗا مَّيۡسُورٗا ٢٨
And if you [must] turn away from them [i.e., the needy] awaiting mercy from your Lord which you expect,1 then speak to them a gentle word.
﴿وإمّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ﴾ أيْ: عَنْ ذِي القُرْبى والمِسْكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ عَلى ما هو الظّاهِرُ، وقِيلَ: عَنِ السّائِلِينَ مُطْلَقًا، والإعْراضُ في الأصْلِ إظْهارُ العَرْضِ أيِ النّاحِيَةِ، فَمَعْنى أعْرَضَ عَنْهُ: ولّى مُبْدِيًا عَرْضَهُ، والمُرادُ بِهِ هُنا حَقِيقَتُهُ عَلى ما قِيلَ بِناءً عَلى ما رُوِيَ مِن «أنَّهُ ﷺ كانَ إذا سُئِلَ شَيْئًا لَيْسَ عِنْدَهُ صَرَفَ وجْهَهُ الشَّرِيفَ وسَكَتَ فَنَزَلَتْ: ﴿وإمّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِن رَبِّكَ تَرْجُوها﴾»
والخِطابُ عامٌّ لَهُ ﷺ ولِغَيْرِهِ، والمُرادُ بِالرَّحْمَةِ عَلى ما أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ والضَّحّاكِ الرِّزْقُ، ونُصِبَ ﴿ابْتِغاءَ﴾ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ.
قالَ في الكَشْفِ: قَدْ أُقِيمَ ابْتِغاءُ الرِّزْقِ مَقامَ فِقْدانِهِ وفِيهِ لُطْفٌ، فَكانَ ذَلِكَ الإعْراضُ لِأجْلِ السَّعْيِ لَهُمْ، وهو
صفحة 64
مِن وضْعِ المُسَبَّبِ مَوْضِعَ السَّبَبِ كَما أوْضَحَهُ في الكَشّافِ، وقَدْ يُفَسَّرُ الِابْتِغاءُ بِالِانْتِظارِ ويَجُوزُ جَعْلُهُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ﴿تُعْرِضَنَّ﴾ أيْ: مُبْتَغِيًا، وجَعْلُهُ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ بِعِيدٌ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الإعْراضُ كِنايَةً عَنْ عَدَمِ النَّفْعِ وتَرْكِ الإعْطاءِ لِأنَّهُ لازَمَهُ عُرْفًا والِابْتِغاءُ مَجازًا عَنْ عَدَمِ الِاسْتِطاعَةِ والتَّعَلُّقِ أيْضًا بِالشَّرْطِ وأُيِّدَ ذَلِكَ بِما أخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ قالَ: «جاءَ ناسٌ مِن مُزَيْنَةَ يَسْتَحْمِلُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: ﴿لا أجِدُ ما أحْمِلُكم عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وأُعِينُهم تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا﴾ ظَنُّوا ذَلِكَ مِن غَضَبِ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلَيْهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ: ﴿وإمّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ﴾ الآيَةَ».
وفَسَّرَ الرَّحْمَةَ بِالفَيْءِ لَكِنْ أنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا غَيْرُ ظاهِرٍ بِناءً عَلى ما سَمِعْتَ مِن أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ، والآيَةَ المَذْكُورَةَ لَيْسَتْ مِنَ المُسْتَثْنَياتِ، وكَأنَّهُ لِهَذا قِيلَ: إنَّ المَعْنى: إنْ ثَبَتَ وتَحَقَّقَ في المُسْتَقْبَلِ أنَّكَ أعْرَضْتَ عَنْهم في الماضِي ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِن رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ إلَخْ. والمُرادُ سَبَبِيَّةُ الثُّبُوتِ لِلْأمْرِ بِالقَوْلِ فَتَأمَّلْ.
وجُوِّزَ أنْ يَتَعَلَّقَ ﴿ابْتِغاءَ﴾ بِجَوابِ الشَّرْطِ؛ أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَقُلْ لَهم قَوْلا مَيْسُورًا﴾ أيْ: إمّا تُعْرِضَنَّ عَنْهم فَقُلْ لَهم ذَلِكَ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِن رَبِّكَ، وقَدَّمَ هَذا الوَجْهُ عَلى سائِرِ الأوْجُهِ الزَّمَخْشَرِيُّ واعْتُرِضَ بِأنَّ ما بَعْدَ الفاءِ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها في غَيْرِ بابِ أمّا وما يَلْحَقُ بِها. وأُجِيبَ بِأنَّهُ ذَكَرَهُ عَلى المَذْهَبِ الكُوفِيِّ المُجَوِّزِ لِلْعَمَلِ مُطْلَقًا أوْ أرادَ التَّعَلُّقَ المَعْنَوِيَّ فَيُضْمَرُ ما يَنْصِبُهُ ويُجْعَلُ المَذْكُورُ جارِيًا مَجْرى التَّفْسِيرِ، والإعْراضُ عَلى هَذا عَلى حَقِيقَتِهِ، واحْتِمالُ كَوْنِهِ كِنايَةً مُخْتَصٌّ بِتَعَلُّقِهِ بِالشَّرْطِ عَلى ما زَعَمَهُ الطِّيبِيُّ والحَقُّ عَدَمُ الِاخْتِصاصِ كَما لا يَخْفى.
وجُمْلَةُ: ﴿تَرْجُوها﴾ عَلى سائِرِ الأوْجُهِ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ وصْفًا لِرَحْمَةٍ وأنْ تَكُونَ حالًا مِنَ الفاعِلِ و﴿مِن رَبِّكَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِتَرْجُوها.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِرَحْمَةٍ، والمَيْسُورُ اسْمُ مَفْعُولٍ مِن يُسِّرَ الأمْرُ بِالبِناءِ لِلْمَجْهُولِ مِثْلَ سَعِدَ الرَّجُلُ ومَعْناهُ السَّهْلُ؛ أيْ: فَقُلْ لَهم قَوْلًا سَهْلًا لَيِّنًا وعِدْهم وعْدًا جَمِيلًا، قالَ الحَسَنُ: أُمِرَ أنْ يَقُولَ لَهم نَعَمْ وكَرامَةٌ، ولَيْسَ عِنْدَنا اليَوْمَ فَإنْ يَأْتِنا شَيْءٌ نَعْرِفْ حَقَّكُمْ، وقِيلَ: المَيْسُورُ مَصْدَرٌ وجُعِلَ صِفَةَ مُبالَغَةٍ أوْ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ؛ أيْ: قَوْلًا ذا مَيْسُورٍ، أيْ: يُسْرٍ، والمُرادُ بِهِ القَوْلُ المُشْتَمِلُ عَلى الدُّعاءِ بِاليُسْرِ مِثْلَ: أغْناكُمُ اللَّهُ تَعالى ويَسَّرَ لَكُمْ، وفَسَّرَهُ ابْنُ زَيْدٍ بِرَزَقَنا اللَّهُ تَعالى وإيّاكُمْ، بارَكَ اللَّهُ تَعالى فِيكم.
وتُعُقِّبَ ذَلِكَ بِأنَّ المَيْسُورَ مَعْناهُ ذا يُسْرٍ؛ ولِهَذا وقَعَ صِفَةً لِقَوْلٍ، فَأيُّ ضَرُورَةٍ في أنْ يُجْعَلَ مَصْدَرًا ثُمَّ يُؤَوَّلُ بِذا مَيْسُورٍ، ودُفِعَ بِأنَّهُ إذا أُرِيدَ القَوْلُ المُشْتَمِلُ عَلى الدُّعاءِ لا يَكُونُ القَوْلُ حِينَئِذٍ مَيْسُورًا بَلْ مُيَسِّرٌ لِما أرادُوهُ.
ومَيْسُورٌ مَصْدَرًا مِمّا ثَبَتَ في اللُّغَةِ مِن غَيْرِ تَكَلُّفٍ فَجَعْلُهُ صِفَةَ مُبالَغَةٍ أوْ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ لَهُ وجْهٌ وجِيهٌ وفِيهِ تَأمُّلٌ.
والحُقُّ أنَّ اعْتِبارَهُ مَصْدَرًا خِلافُ الظّاهِرِ، وفي الآيَةِ عَلى القَوْلِ الأخِيرِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الدُّعاءَ لِلسّائِلِ مِمّا لا بَأْسَ بِهِ، وعَنِ الإمامِ مالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ كانَ لا يَرى أنْ يُقالَ لِلسّائِلِ إذا لَمْ يُعْطَ شَيْئًا: رَزَقَكَ اللَّهُ تَعالى ونَحْوَهُ؛ قائِلًا: إنَّ ذَلِكَ مِمّا يَثْقُلُ عَلَيْهِ ويَكْرَهُ سَماعَهُ، ولا يَنْبَغِي أنْ يُذْكَرَ اسْمُ اللَّهِ تَعالى لِمَن لا يَهَشُّ لَهُ، ولَعَمْرِي إنَّهُ مَغْزًى بَعِيدٌ، وأفادَ بَعْضُهم أنَّ في الآيَةِ دَلِيلًا عَلى النَّهْيِ عَنِ الإعْراضِ بِالمَعْنى الأوَّلِ؛ فَإنَّ المَعْنى: إنْ أرَدْتَ الإعْراضَ عَنْهم فَقُلْ لَهم قَوْلًا مَيْسُورًا ولا تُعْرِضْ، ولَهُ وجْهٌ وجِيهٌ لا يَخْفى عَلى مَن لَهُ بَصَرٌ حَدِيدٌ.
واسْتَشْكَلَ العِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلامِ جَعْلَ: ﴿ابْتِغاءَ﴾ مِن مُتَعَلِّقاتِ الشَّرْطِ بِأنّا مَأْمُورُونَ بِالرَّدِّ الجَمِيلِ إنِ انْتَظَرْنا شَيْئًا يَحْصُلُ لَنا أوْ لَمْ نَنْتَظِرْ. وأجابَ بِأنَّ
صفحة 65
المُرادَ بِالقَوْلِ المَيْسُورِ الوَعْدُ بِالعَطاءِ فَيَكُونُ مُفادُ الآيَةِ: لا تَعِدُوا إلّا إذا كُنْتُمْ عَلى رَجاءٍ مِن حُصُولِ ما تَعِدُونَ بِهِ فالتَّقْيِيدُ بِالِابْتِغاءِ في غايَةِ المُناسَبَةِ لِلشَّرْطِ لِأنَّهُ لا يَحْسُنُ الوَعْدُ عِنْدَ عَدَمِ الرَّجاءِ لِما أنَّهُ يُؤَدِّي إلى الإخْلافِ وهو كَما تَرى.
17:29Page 285
وَلَا تَجۡعَلۡ يَدَكَ مَغۡلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبۡسُطۡهَا كُلَّ ٱلۡبَسۡطِ فَتَقۡعُدَ مَلُومٗا مَّحۡسُورًا ٢٩
And do not make your hand [as] chained to your neck1 or extend it completely2 and [thereby] become blamed and insolvent.
﴿ولا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ ولا تَبْسُطْها كُلَّ البَسْطِ﴾ تَمْثِيلانِ لِمَنعِ الشَّحِيحِ وإسْرافِ المُبَذِّرِ زَجْرًا لَهُما عَنْهُما وحَمْلًا عَلى ما بَيْنَهُما مِنَ الِاقْتِصادِ والتَّوَسُّطِ بَيْنَ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ؛ وذَلِكَ هو الجُودُ المَمْدُوحُ فَخَيْرُ الأُمُورِ أوْساطُها.
وأخْرَجَ أحْمَدُ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««ما عالَ مَنِ اقْتَصَدَ»»
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««الِاقْتِصادُ في النَّفَقَةِ نِصْفُ المَعِيشَةِ»»
وفِي رِوايَةٍ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا: ««التَّدْبِيرُ نِصْفُ المَعِيشَةِ، والتَّوَدُّدُ نِصْفُ العَقْلِ، والهَمُّ نِصْفُ الهَرَمِ، وقِلَّةُ العِيالِ أحَدُ اليَسارَيْنِ»».
وكانَ يُقالُ: حُسْنُ التَّدْبِيرِ مَعَ العَفافِ خَيْرٌ مِنَ الغِنى مَعَ الإسْرافِ.
﴿فَتَقْعُدَ مَلُومًا﴾ أيْ: فَتَصِيرَ مَلُومًا عِنْدَ اللَّهِ تَعالى وعِنْدَ النّاسِ ﴿مَحْسُورًا﴾ نادِمًا مَغْمُومًا أوْ مُنْقَطِعًا بِكَ لا شَيْءَ عِنْدَكَ؛ مِن حَسَرَهُ السَّفَرُ أعْياهُ وأوْقَفَهُ حَتّى انْقَطَعَ عَنْ رُفْقَتِهِ، قالَ الرّاغِبُ: يُقالُ لِلْمُعْيِي حاسِرٌ ومَحْسُورٌ، أمّا الحاسِرُ فَتُصُوِّرَ أنَّهُ قَدْ حَسِرَ بِنَفْسِهِ قُواهُ، وأمّا المَحْسُورُ فَتُصُوِّرَ أنَّ التَّعَبَ قَدْ حَسَرَهُ، وهَذا بَيانُ قُبْحِ الإسْرافِ المَفْهُومِ مِنَ النَّهْيِ الأخِيرِ، وبُيِّنَ في أثَرِهِ لِأنَّ غائِلَةَ الإسْرافِ في آخِرِهِ، وحَيْثُ كانَ قُبْحُ الشُّحِّ المَفْهُومُ مِنَ النَّهْيِ الأوَّلِ مُقارِنًا لَهُ مَعْلُومًا مِن أوَّلِ الأمْرِ رُوعِي ذَلِكَ في التَّصْوِيرِ بِأقْبَحِ الصُّوَرِ، ولَمْ يَسَلْكْ فِيهِ مَسْلَكَ ما بَعْدَهُ كَذا قِيلَ، وفي أثَرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أخْرَجَهُ عَنْهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ ما يَقْتَضِيهِ، وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: الأوْلى أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بَيانًا لِقُبْحِ الأمْرَيْنِ ويُعْتَبَرُ التَّوْزِيعُ «فَتَقْعُدَ» مَنصُوبٌ في جَوابِ النَّهْيَيْنِ والمَلُومُ راجِعٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ﴾ كَما قِيلَ: إنَّ البَخِيلَ مَلُومٌ حَيْثُما كانا، والمَحْسُورُ راجِعٌ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولا تَبْسُطْها﴾ ولَيْسَ بِبَعِيدٍ.
وفِي الكَشّافِ عَنْ جابِرٍ: ««بَيْنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جالِسٌ إذْ أتاهُ صَبِيٌّ فَقالَ: إنَّ أُمِّي تَسْتَكْسِيكَ دِرْعًا فَقالَ: «مِن ساعَةٍ إلى ساعَةٍ يَظْهَرُ فَعُدْ إلَيْنا». فَذَهَبَ إلى أُمِّهِ فَقالَتْ: قُلْ لَهُ: إنَّ أُمِّي تَسْتَكْسِيكَ الدِّرْعَ الَّذِي عَلَيْكَ. فَدَخَلَ ﷺ دارَهُ ونَزَعَ قَمِيصَهُ وأعْطاهُ وقَعَدَ عُرْيانًا، وأذَّنَ بِلالٌ وانْتَظَرَ فَلَمْ يَخْرُجْ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى الصَّلاةِ فَنَزَلَتْ»».
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ يَأْبى هَذا كَوْنُ السُّورَةِ مَكِّيَّةً، والآيَةُ لَيْسَتْ مِنَ المُسْتَثْنَياتِ، ولَعَلَّ الخَبَرَ لَمْ يَثْبُتْ؛ فَعَنْ ولِيِّ الدِّينِ العِراقِيِّ أنَّهُ لَمْ يَجِدْهُ في شَيْءٍ مِن كُتُبِ الحَدِيثِ؛ أيْ: بِهَذا اللَّفْظِ، وإلّا فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «جاءَ غُلامٌ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: إنَّ أُمِّي تَسْألُكَ كَذا وكَذا فَقالَ: ما عِنْدَنا اليَوْمَ شَيْءٌ قالَ: فَتَقُولُ لَكَ: اكْسُنِي قَمِيصَكَ. فَخَلَعَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَمِيصَهُ فَدَفَعَهُ إلَيْهِ وجَلَسَ في البَيْتِ حاسِرًا فَنَزَلَتْ،» وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ المُنْهالِ بْنِ عَمْرٍو نَحْوَهُ.
ولَيْسَ في شَيْءٍ مِنهُما حَدِيثُ أذانِ بِلالٍ وما بَعْدَهُ.
وقِيلَ: إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أعْطى الأقْرَعَ بْنَ حابِسٍ مِائَةً مِنَ الإبِلِ وعُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ الفَزارِيَّ فَجاءَ عَبّاسُ بْنُ مِرْداسٍ فَأنْشَأ يَقُولُ:
أتَجْعَلُ نَهْبِي ونَهْبَ العَبِي دِ بَيْنَ عُيَيْنَةَ والأقْرَعِ
وما كانَ حِصْنٌ ولا حابِسٌ ∗∗∗ يَفُوقانِ مِرْداسَ في مَجْمَعِ
وما كُنْتُ دُونَ امْرِئٍ مِنهُما ∗∗∗ ومَن يُخَفَضِ اليَوْمَ لَمْ يُرْفَعِ
صفحة 66
فَقالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««يا أبا بَكْرٍ، اقْطَعْ لِسانَهُ عَنِّي، أعْطِهِ مِائَةً مِنَ الإبِلِ»». وكانُوا جَمِيعًا مِنَ المُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهم فَنَزَلَتْ.
وفِيهِ الإباءُ السّابِقُ كَما لا يَخْفى. وكَذا ما أخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ سَيّارٍ أبِي الحَكَمِ قالَ: «أتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِزَمَنِ العِراقِ وكانَ مِعْطاءً كَرِيمًا فَقَسَّمَهُ بَيْنَ النّاسِ فَبَلَغَ ذَلِكَ قَوْمًا مِنَ العَرَبِ فَقالُوا: نَأْتِي النَّبِيَّ ﷺ نَسْألُهُ فَوَجَدُوهُ قَدْ فَرَغَ مِنهُ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الآيَةَ».
17:30Page 285
إِنَّ رَبَّكَ يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقۡدِرُۚ إِنَّهُۥ كَانَ بِعِبَادِهِۦ خَبِيرَۢا بَصِيرٗا ٣٠
Indeed, your Lord extends provision for whom He wills and restricts [it]. Indeed He is ever, concerning His servants, Aware and Seeing.
﴿إنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ﴾ تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وإمّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ﴾ إلَخْ. كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ أعْرَضْتَ عَنْهم لِفَقْدِ الرِّزْقِ فَقُلْ لَهم قَوْلًا مَيْسُورًا ولا تَهْتَمَّ لِذَلِكَ؛ فَإنَّ ذَلِكَ لَيْسَ لِهَوانٍ مِنكَ عَلَيْهِ تَعالى بَلْ لِأنَّ بِيَدِهِ جَلَّ وعَلا مَقالِيدَ الرِّزْقِ وهو سُبْحانُهُ يُوَسِّعُهُ عَلىً بَعْضٍ ويُضَيِّقُهُ عَلى بَعْضٍ حَسْبَما تَتَعَلَّقُ بِهِ مَشِيئَتُهُ التّابِعَةُ لِلْحِكْمَةِ فَما يَعْرِضُ لَكَ في بَعْضِ الأحْيانِ مِن ضِيقِ الحالِ الَّذِي يُحْوِجُكَ إلى الإعْراضِ لَيْسَ إلّا لِمَصْلَحَتِكَ فَيَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَجْعَلْ يَدَكَ﴾ إلَخْ. مُعْتَرِضًا تَأْكِيدًا لِمَعْنى ما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ عَزَّ وجَلَّ مِنَ القَبْضِ والبَسْطِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ﴾ سُبْحانَهُ: ﴿كانَ﴾ لَمْ يَزَلْ ولا يَزالُ ﴿بِعِبادِهِ﴾ جَمِيعِهِمْ ﴿خَبِيرًا﴾ عالِمًا بِسِرِّهِمْ ﴿بَصِيرًا﴾ عالِمًا بِعَلَنِهِمْ فَيَعْلَمُ مِن مَصالِحِهِمْ ما يَخْفى عَلَيْهِمْ تَعْلِيلٌ لِسابِقِهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَعْلِيلًا لِلْأمْرِ بِالِاقْتِصادِ المُسْتَفادِ مِنَ النَّهْيَيْنِ؛ إمّا عَلى مَعْنى أنَّ البَسْطَ والقَبْضَ أمْرانِ مُخْتَصّانِ بِاللَّهِ تَعالى، وأمّا أنْتَ فاقْتَصِدْ واتْرُكْ ما هو مُخْتَصٌّ بِهِ جَلَّ وعَلا، أوْ عَلى مَعْنى أنَّكم إذا تَحَقَّقْتُمْ شَأْنَهُ تَعالى شَأْنُهُ وأنَّهُ سُبْحانَهُ يَبْسُطُ ويَقْبِضُ وأمْعَنْتُمُ النَّظَرَ في ذَلِكَ وجَدْتُمُوهُ تَعالى مُقْتَصِدًا فاقْتَصِدُوا أنْتُمْ واسْتَنُّوا بِسُنَّتِهِ، وجَعَلَهُ بَعْضُهم تَعْلِيلًا لِجَمِيعِ ما مَرَّ وفِيهِ خَفاءٌ كَما لا يَخْفى، وجُوِّزَ كَوْنُهُ تَعْلِيلًا لِلنَّهْيِ الأخِيرِ عَلى مَعْنى أنَّهُ تَعالى يَبْسُطُ ويَقْبِضُ حَسَبَ مَشِيئَتِهِ فَلا تَبْسُطُوا عَلى مَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ ولَيْسَ بِشَيْءٍ.
17:31Page 285
وَلَا تَقۡتُلُوٓاْ أَوۡلَٰدَكُمۡ خَشۡيَةَ إِمۡلَٰقٖۖ نَّحۡنُ نَرۡزُقُهُمۡ وَإِيَّاكُمۡۚ إِنَّ قَتۡلَهُمۡ كَانَ خِطۡـٔٗا كَبِيرٗا ٣١
And do not kill your children for fear of poverty. We provide for them and for you. Indeed, their killing is ever a great sin.
وجُوِّزَ أيْضًا كَوْنُهُ تَمْهِيدًا لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولا تَقْتُلُوا أوْلادَكم خَشْيَةَ إمْلاقٍ﴾ واسْتُبْعِدَ بِأنَّ الظّاهِرَ حِينَئِذٍ فَلا.
الإمْلاقُ الفَقْرُ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأنْشَدَ لَهُ قَوْلَ الشّاعِرِ:
وإنِّي عَلى الإمْلاقِ يا قَوْمُ ماجِدُ أُعِدُّ لِأضْيافِي الشِّواءَ المُصَهَّبا
وظاهِرُ اللَّفْظِ النَّهْيُ عَنْ جَمِيعِ أنْواعِ قَتْلِ الأوْلادِ ذُكُورًا كانُوا أوْ إناثًا مَخافَةَ الفَقْرِ والفاقَةِ، لَكِنْ رُوِيَ أنَّ مِن أهْلِ الجاهِلِيَّةِ مَن كانَ يَئِدُ البَناتِ مَخافَةَ العَجْزِ عَنِ النَّفَقَةِ عَلَيْهِنَّ فَنَهى في الآيَةِ عَنْ ذَلِكَ فَيَكُونُ المُرادُ بِالأوْلادِ البَناتُ وبِالقَتْلِ الوَأْدُ، والخَشْيَةُ في الأصْلِ خَوْفٌ يَشُوبُهُ تَعْظِيمٌ، قالَ الرّاغِبُ: وأكْثَرُ ما يَكُونُ ذَلِكَ عَنْ عِلْمٍ بِما يُخْشى مِنهُ.
وقُرِئَ بِكَسْرِ الخاءِ، والظّاهِرُ أنَّ هَذا النَّهْيَ مَعْطُوفٌ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن نَظِيرِهِ، وجَوَّزَ الطَّبَرْسِيُّ أنْ يَكُونَ عَطَفَهُ عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ألا تَعْبُدُوا إلا إيّاهُ﴾ وحِينَئِذٍ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الفِعْلُ مَنصُوبًا بِأنَّ كَما في الفِعْلِ السّابِقِ.
﴿نَحْنُ نَرْزُقُهم وإيّاكُمْ﴾ ضَمانٌ لِرِزْقِهِمْ وتَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ المَذْكُورِ بِإبْطالِ مُوجِبِهِ في زَعْمِهِمْ؛ أيْ: نَحْنُ نَرْزَقُهم لا أنْتُمْ فَلا تَخافُوا الفَقْرَ بِناءً عَلى عِلْمِكم بِعَجْزِهِمْ عَنْ تَحْصِيلِ رِزْقِهِمْ، وتَقْدِيمُ ضَمِيرِ الأوْلادِ عَلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ عَلى عَكْسِ ما وقَعَ في سُورَةِ الأنْعامِ لِلْإشْعارِ بِأصالَتِهِمْ في إفاضَةِ الرِّزْقِ، وعارِضُ هَذِهِ النُّكْتَةِ هُناكَ تَقَدَّمَ ما يَسْتَدْعِي الِاعْتِناءَ بِشَأْنِ المُخاطَبِينَ مِنَ الآياتِ كَذا قِيلَ. وجَوَّزَ المَوْلى شَيْخُ الإسْلامِ كَوْنَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ الباعِثَ عَلى القَتْلِ هُناكَ الإمْلاقُ النّاجِزُ؛ ولِذَلِكَ قِيلَ: مِن إمْلاقٍ، وهاهُنا الإمْلاقُ المُتَوَقَّعُ، ولِذَلِكَ قِيلَ: خَشْيَةَ إمْلاقٍ فَكَأنَّهُ قِيلَ: نُرْزَقُهم مِن غَيْرِ أنْ يَنْقُصَ مِن رِزْقِكم شَيْءٌ فَيَعْتَرِيكم ما تَخْشَوْنَهُ وإيّاكم أيْضًا رِزْقًا إلى رِزْقِكم.
صفحة 67
﴿إنَّ قَتْلَهم كانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ تَعْلِيلٌ آخَرُ بِبَيانِ أنَّ المَنهِيَّ عَنْهُ في نَفْسِهِ مُنْكَرٌ عَظِيمٌ لِما فِيهِ مِن قَطْعِ التَّناسُلِ وقَطْعِ النَّوْعِ، والخَطَأُ كالإثْمِ لَفْظًا ومَعْنًى، وفِعْلُهُما مِن بابِ عَلِمَ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وابْنُ ذَكْوانَ عَنْ عامِرٍ (خَطَأً) بِفَتْحِ الخاءِ والطّاءِ مِن غَيْرِ مَدٍّ، وخَرَّجَ ذَلِكَ الزَّجّاجُ عَلى وجْهَيْنِ، الأوَّلُ أنْ يَكُونَ اسْمَ مَصْدَرٍ مِن أخْطَأ يُخْطِئُ إذا لَمْ يُصِبْ، أيْ: إنَّ قَتْلَهم كانَ غَيْرَ صَوابٍ، والثّانِي أنْ يَكُونَ لُغَةً في الخَطَأِ بِمَعْنى الإثْمِ مِثْلَ مَثَلٍ ومِثْلٍ وحَذِرٍ وحَذُرٍ فَمَنِ اسْتَشْكَلَ هَذِهِ القِراءَةَ بِأنَّ الخَطَأ ما لَمْ يُتَعَمَّدْ ولَيْسَ هَذا مَحَلَّهُ فَقَدْ نادى عَلى نَفْسِهِ بِقِلَّةِ الِاطِّلاعِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ «خِطاءً» بِكَسْرِ الخاءِ وفَتْحِ الطّاءِ والمَدِّ، وخُرِّجَ عَلى وجْهَيْنِ أيْضًا؛ الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ لُغَةً في الخِطْءِ بِمَعْنى الإثْمِ مِثْلَ دَبْغٍ ودِباغٍ ولِبْسٍ ولِباسٍ، والثّانِي أنْ يَكُونَ مَصْدَرَ خاطَأ يُخاطِئُ خِطاءً مِثْلَ قاتَلَ يُقاتِلُ قِتالًا. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: وإنْ كُنّا لَمْ نَجِدْ خاطَأ لَكِنْ وُجِدَ تَخَطَّأ مُطاوِعُهُ فَدَلَّنا عَلَيْهِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِمْ: تَخَطَّأتِ النُّبْلُ أحْشاءَهُ، وأنْشَدَ مُحَمَّدُ بْنُ السَّوِيِّ في وصْفِ كَماءَةٍ كَما في مَجْمَعِ البَيانِ:
وأشْعَثَ قَدْ ناوَلْتُهُ أحْرَشَ الفِرى ∗∗∗ أدَرْتُ عَلَيْهِ المُدْجِناتِ الهَواضِبِ
تَخَطَّأهُ القَنّاصُ حَتّى وجَدْتُهُ ∗∗∗ وخُرْطُومُهُ في مَنقَعِ الماءِ راسِبِ
والمَعْنى عَلى هَذا: إنَّ قَتْلَهم كانَ عُدُولًا عَنِ الحَقِّ والصَّوابِ، فَقَوْلُ أبِي حاتِمٍ إنَّ هَذِهِ القِراءَةَ غَلَطٌ غَلَطٌ. وقَرَأ الحَسَنُ: «خَطاءً» بِفَتْحِ الخاءِ والطّاءِ مَعَ المَدِّ وهو اسْمُ مَصْدَرِ أخْطى كالعَطاءِ اسْمُ مَصْدَرِ أعْطى، وقَرَأ الزُّهْرِيُّ وأبُو رَجاءٍ: «خِطَأً» بِكَسْرِ الخاءِ وفَتْحِ الطّاءِ وألِفٍ في آخِرِهِ مُبْدَلَةً مِنَ الهَمْزَةِ ولَيْسَ مِن قَصْرِ المَمْدُودِ؛ لِأنَّهُ ضَرُورَةٌ لا داعِيَ إلَيْهِ، وفي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عامِرٍ أنَّهُ قَرَأ: «خَطًا» كَعَصًا.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences