Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-Isra 17:42–45
17:42–43Page 286
قُل لَّوۡ كَانَ مَعَهُۥٓ ءَالِهَةٞ كَمَا يَقُولُونَ إِذٗا لَّٱبۡتَغَوۡاْ إِلَىٰ ذِي ٱلۡعَرۡشِ سَبِيلٗا ٤٢
Say, [O Muḥammad], "If there had been with Him [other] gods, as they say, then they [each] would have sought to the Owner of the Throne a way."1
سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوّٗا كَبِيرٗا ٤٣
Exalted is He and high above what they say by great sublimity.
﴿قُلْ﴾ في إظْهارِ بُطْلانِ ذَلِكَ مِن جِهَةٍ أُخْرى ﴿لَوْ كانَ مَعَهُ﴾ سُبْحانَهُ وتَعالى في الوُجُودِ ﴿آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ﴾ أيِ المُشْرِكُونَ قاطِبَةً. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ بِالتّاءِ ثالِثِ الحُرُوفِ خِطابًا لَهُمْ، والأمْرانِ في مِثْلِ هَذا المَقامِ شائِعانِ، وذَلِكَ أنَّهُ إذا أُمِرَ أحَدٌ بِتَبْلِيغِ كَلامٍ لِأحَدٍ فالمُبَلِّغُ لَهُ في حالِ تَكَلُّمِ الآمِرِ غائِبٌ ويَصِيرُ مُخاطَبًا عِنْدَ التَّبْلِيغِ فَإذا لُوحِظَ الأوَّلُ حَقُّهُ الغَيْبَةُ، وإذا لُوحِظَ الثّانِي حَقُّهُ الخِطابُ، وكَذا قَرَءُوا فِيما بَعْدُ. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ هُنا بِالتّاءِ وهُناكَ بِالياءِ آخِرِ الحُرُوفِ عَلى أنَّهُ تَنْزِيهٌ مِنهُ سُبْحانَهُ لِنَفْسِهِ ابْتِداءً مِن غَيْرِ أمْرِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِقَوْلِهِ لَهُمْ، والكافُ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى أنَّها نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: كَوْنًا مُشابِهًا لِما يَقُولُونَ، والمُرادُ بِالمُشابَهَةِ عَلى ما قِيلَ المُوافَقَةُ والمُطابَقَةُ.
﴿إذًا لابْتَغَوْا﴾ جَوابٌ عَنْ قَوْلِهِمْ: إنَّ مَعَ اللَّهِ سُبْحانَهُ آلِهَةً، وجَزاءٌ لِلَوْ؛ أيْ: لَطَلَبَ الآلِهَةُ ﴿إلى ذِي العَرْشِ﴾ أيْ: إلى مَن لَهُ المُلْكُ والرُّبُوبِيَّةُ عَلى الإطْلاقِ ﴿سَبِيلا﴾ بِالمُغالَبَةِ والمُمانَعَةِ كَما اطَّرَدَتِ العادَةُ بَيْنَ المُلُوكِ، وهي إشارَةٌ إلى بُرْهانِ التَّمانُعِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ وذَلِكَ بِتَصْوِيرٍ قِياسٍ اسْتِثْنائِيٍّ اسْتَثْنى فِيهِ نَقِيضَ التّالِي لِيَنْتِجَ نَقِيضُ المُقَدَّمِ المَطْلُوبِ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَقْرِيرُهُ في مَحَلِّهِ، وإلى هَذا ذَهَبَ سَعِيدُ ابْنُ جُبَيْرٍ كَما أخْرَجَهُ عَنْهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وعَنْ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ أنَّ المَعْنى إذًا لَطَلَبُوا الزُّلْفى إلَيْهِ تَعالى والتَّقَرُّبَ بِالطّاعَةِ لِعِلْمِهِمْ بِعُلُوِّهِ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ وعَظْمَتِهِ وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ﴾ وهو إشارَةٌ إلى قِياسٍ اقْتِرانِيٍّ هَكَذا لَوْ كانَ كَما زَعَمْتُمْ آلِهَةً لَتَقَرَّبُوا إلَيْهِ تَعالى وكُلُّ مَن كانَ كَذَلِكَ لَيْسَ إلَهًا فَهم لَيْسُوا بِآلِهَةٍ. قِيلَ «ولَوْ» عَلى الأوَّلِ امْتِناعِيَّةٌ وعَلى هَذا شَرْطِيَّةٌ، والقِياسُ مُرَكَّبٌ مِن مُقَدَّمَتَيْنِ شَرْطِيَّةٍ اتِّفاقِيَّةٍ وحَمْلِيَّةٍ.
واخْتارَ المُحَقِّقُونَ الوَجْهَ الأوَّلَ لِأنَّهُ الأظْهَرُ الأنْسَبُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿سُبْحانَهُ﴾ فَإنَّهُ ظاهِرٌ في أنَّ المُرادَ بَيانُ أنَّهُ يَلْزَمُ ما يَقُولُونَهُ مَحْذُورٌ عَظِيمٌ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُونَ.
وأمّا ابْتِغاءُ السَّبِيلِ إلَيْهِ تَعالى بِالتَّقَرُّبِ فَلَيْسَ مِمّا يَخْتَصُّ بِهَذا التَّقْدِيرِ ولا مِمّا يَلْزَمُهم مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ بَلْ هو أمْرٌ يَعْتَقِدُونَهُ رَأْسًا، أيْ يُنَزَّهُ بِذاتِهِ تَنْزِيهًا حَقِيقًا بِهِ سُبْحانَهُ ﴿وتَعالى﴾ مُتَباعِدًا ﴿عَمّا يَقُولُونَ﴾ مِنَ العَظِيمَةِ الَّتِي هي أنْ يَكُونَ مَعَهُ تَعالى آلِهَةٌ وأنْ يَكُونَ لَهُ بَناتٌ ﴿عُلُوًّا﴾ أيْ: تَعالِيًا فَهو مَصْدَرٌ مِن غَيْرِ فِعْلِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا﴾ ﴿كَبِيرًا﴾ بِعِيدَ الغايَةِ بَلْ لا غايَةَ وراءَهُ كَيْفَ لا وأنَّهُ تَعالى في أقْصى غاياتِ الوُجُودِ وهو الوُجُوبُ الذّاتِيُّ وما يَقُولُونَهُ مِن أنَّ مَعَهُ آلِهَةً وأنَّ لَهُ أوْلادًا في أدْنى مَراتِبِ العَدَمِ وهو الِامْتِناعُ الذّاتِيُّ. وقِيلَ: لِأنَّهُ تَعالى في أعْلى مَراتِبِ الوُجُودِ وهو كَوْنُهُ واجِبَ الوُجُودِ والبَقاءِ لِذاتِهِ، واتِّخاذُ الوَلَدِ مِن أدْنى مَراتِبِهِ فَإنَّهُ مِن خَواصِّ ما يَمْتَنِعُ بَقاؤُهُ.
وتُعُقِّبَ بِأنَّ ما يَقُولُونَهُ لَيْسَ مُجَرَّدَ اتِّخاذِ الوَلَدِ بَلْ مَعَ ما سَمِعْتَ ولا رَيْبَ في أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِداخِلٍ في حَدِّ الإمْكانِ فَضْلًا عَنْ دُخُولِهِ تَحْتَ الوُجُودِ، وكَوْنُهُ مِن أدْنى مَراتِبِ الوُجُودِ إنَّما هو بِالنِّسْبَةِ إلى مَن مِن شَأْنِهِ
صفحة 83
ذَلِكَ، واعْتُذِرَ بِأنَّهُ مِن بابِ التَّنْبِيهِ بِحالِ الأدْنى عَلى حالِ الأعْلى ولا يَخْفى أنَّ ذِكْرَ العُلُوِّ بَعْدَ عُنْوانِهِ بِذِي العَرْشِ في أعْلى مَراتِبِ البَلاغَةِ
17:44Page 286
تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ ٱلسَّبۡعُ وَٱلۡأَرۡضُ وَمَن فِيهِنَّۚ وَإِن مِّن شَيۡءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمۡدِهِۦ وَلَٰكِن لَّا تَفۡقَهُونَ تَسۡبِيحَهُمۡۚ إِنَّهُۥ كَانَ حَلِيمًا غَفُورٗا ٤٤
The seven heavens and the earth and whatever is in them exalt Him. And there is not a thing except that it exalts [Allāh] by His praise, but you do not understand their [way of] exalting. Indeed, He is ever Forbearing1 and Forgiving.
﴿تُسَبِّحُ﴾ بِالفَوْقانِيَّةِ وهي قِراءَةُ أبِي عَمْرٍو والأخَوَيْنِ وحَفْصٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّحْتانِيَّةِ لِأنَّ تَأْنِيثَ الفاعِلِ مَجازِيٌّ مَعَ الفَصْلِ، وقُرِئَ: «سَبَّحَتْ» ﴿لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ﴾ أيْ: مِنَ المَلائِكَةِ والثَّقَلَيْنِ ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ﴾ مِنَ الأشْياءِ حَيَوانًا كانَ أوْ نَباتًا أوْ جَمادًا ﴿إلا يُسَبِّحُ﴾ مُلْتَبِسًا ﴿بِحَمْدِهِ﴾ تَعالى، والمُرادُ مِنَ التَّسْبِيحِ الدَّلالَةُ بِلِسانِ الحالِ أيْ: تَدَلُّ بِإمْكانِها وحُدُوثِها دَلالَةً واضِحَةً عَلى وُجُوبِ وجُودِهِ تَعالى ووَحْدَتِهِ وقُدْرَتِهِ وتَنَزُّهِهِ مِن لَوازِمِ الإمْكانِ وتَوابِعِ الحُدُوثِ كَما يَدُلُّ الأثَرُ عَلى مُؤَثِّرِهِ فَفي الكَلامِ اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ كَما فِي: نَطَقَتِ الحالُ.
وجُوِّزَ أنْ يُعْتَبَرَ فِيهِ اسْتِعارَةً تَمْثِيلِيَّةً ولا يَأْبى حَمْلَ التَّسْبِيحِ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ بِناءً عَلى أنَّ كَثِيرًا مِنَ العُقَلاءِ فَهِمَ تِلْكَ الدَّلالَةَ؛ لِما أنَّ الخِطابَ لِلْمُشْرِكِينَ والكَفَرَةِ لا لِلنّاسِ عَلى العُمُومِ؛ لِأنَّهُ تَقَدَّمَ ذِكْرُ قَبائِحِهِمْ مِن نِسْبَتِهِمْ إلَيْهِ تَعالى شَأْنُهُ ما لا يَلِيقُ بِجَلالِهِ؛ فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وصَفَ ذاتَهُ بِالنَّزاهَةِ عَنْهُ وبالَغَ فِيهِ ما بالَغَ ثُمَّ عَقَّبَهُ بِما ذَكَرَ دَلالَةً عَلى أنَّ كُلَّ الأكْوانِ شاهِدَةٌ بِتِلْكَ النَّزاهَةِ مُبالَغَةً عَلى مُبالَغَةٍ فَلَوْ كانَ الخِطابُ مَعَ غَيْرِ هَؤُلاءِ المُنْكِرِينَ وأضْرابِهِمْ لَمْ يَتَلاءَمِ الكَلامُ ويَخْرُجْ عَنِ النِّظامِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ تَذْيِيلٌ مِن تَتِمَّةِ الإنْكارِ عَلى الوَجْهِ الأبْلَغِ؛ أيْ إنَّهُ سُبْحانَهُ حَلِيمٌ ولِذَلِكَ لَمْ يُعاجِلْكم بِالعُقُوبَةِ لِإخْلالِكم بِالنَّظَرِ الصَّحِيحِ المُوصِلِ إلى التَّوْحِيدِ ولَوْ تُبْتُمْ ونَظَرْتُمْ لَغَفَرَ لَكم ما صَدَرَ مِنكم مِنَ التَّقْصِيرِ؛ فَإنَّهُ غَفُورٌ لِمَن يَتُوبُ، وظَنَّ ابْنُ المُنَيِّرِ أنَّ هَذا التَّذْيِيلَ يَأْبى كَوْنَ الخِطابِ لِلْمُشْرِكِينَ قالَ: لِأنَّهُ سُبْحانَهُ لا يَغْفِرُ لَهم ولا يَتَجاوَزُ عَنْ جَهْلِهِمْ وإشْراكِهِمْ، والظّاهِرُ أنَّ المُخاطَبَ المُؤْمِنُونَ وعَدَمَ فِقْهِهِمْ لِلتَّسْبِيحِ الصّادِرِ مِنَ الجَماداتِ كِنايَةٌ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ عَنْ عَدَمِ العَمَلِ بِمُقْتَضى ذَلِكَ؛ فَإنَّ الإنْسانَ لَوْ تَيَقَّظَ حَقَّ التَّيَقُّظِ إلى أنَّ النَّمْلَةَ والبَعُوضَةَ وكُلَّ ذَرَّةٍ مِن ذَرّاتِ الكَوْنِ يُقَدِّسُ اللَّهَ تَعالى ويُنَزِّهُهُ ويَشْهَدُ بِجَلالِهِ وكِبْرِيائِهِ وقَهْرِهِ وعَمَّرَ خاطِرَهُ بِهَذا الفَهْمِ لَشَغَلَهُ ذَلِكَ عَنِ الطَّعامِ فَضْلًا عَنْ فُضُولِ الأفْعالِ والكَلامِ، والعاكِفِ عَلى الغَيْبَةِ الَّتِي هي فاكِهَتُنا في زَمانِنا لَوِ اسْتَشْعَرَ حالَ إفاضَتِهِ فِيها أنَّ كُلَّ ذَرَّةٍ مِن ذَرّاتِ لِسانِهِ الَّذِي يُلَقْلِقُهُ في سَخَطِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ مَشْغُولَةٌ مَمْلُوءَةٌ بِتَقْدِيسِ اللَّهِ تَعالى وتَسْبِيحِهِ وتَخْوِيفِ عِقابِهِ وإنْذارِ جَبَرُوتِهِ وتَيَقَّظَ لِذَلِكَ حَقَّ التَّيَقُّظِ لَكادَ يُبْكَمُ بَقِيَّةَ عُمْرِهِ، فالظّاهِرُ أنَّ الآيَةَ إنَّما ورَدَتْ خِطابًا عَلى الغالِبِ مِن أحْوالِ الغافِلِينَ وإنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ اه، ولَيْسَ بِسَدِيدٍ لِخُرُوجِ الكَلامِ عَلى ذَلِكَ مِنَ النِّظامِ، ووَجْهُ التَّذْيِيلِ ما سَمِعْتَ فَلا إباءَ كَما لا يَخْفى عَلى ذَوِي الأفْهامِ.
وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالتَّسْبِيحِ الدَّلالَةُ عَلى تَنْزِيهِ البارِي سُبْحانَهُ عَنْ لَوازِمِ الإمْكانِ وتَوابِعِ الحُدُوثِ مُطْلَقًا سَواءً كانَتْ حالِيَّةً أوْ مَقالِيَّةً عَلى أنَّهُ مِن عُمُومِ المَجازِ أوْ بِالجَمْعِ بَيْنَ المَعْنى الحَقِيقِيِّ والمَجازِيِّ عَلى رَأْيِ مَن يُجَوِّزُهُ فَتَسْبِيحُ بَعْضٍ قالِيٌّ وتَسْبِيحُ بَعْضٍ آخَرَ حالِيٌّ، وتَعَقَّبَهُ بِأنَّهُ لا يُلائِمُهُ.
﴿لا تَفْقَهُونَ﴾ لِأنَّ مِن ذَلِكَ التَّسْبِيحِ ما يَفْقَهُهُ المُشْرِكُونَ وغَيْرُهم وهو التَّسْبِيحُ القالِيُّ. وأُجِيبَ بِأنَّ المُشْرِكِينَ لِعَدَمِ تَدَبُّرِهِمْ لَهُ وانْتِفاعِهِمْ بِهِ كانَ فَهْمُهم بِمَنزِلَةِ العَدَمِ أوْ أنَّهم لِعَدَمِ فَهْمِهِمْ بَعْضَ المُرادِ مِنَ التَّسْبِيحِ جُعِلُوا مِمَّنْ لا يَفْهَمُ الجَمِيعَ تَغْلِيبًا. وذَهَبَ بَعْضُ الظّاهِرِيَّةِ وارْتَضاهُ الرّاغِبُ وقالَ في تَفْسِيرِ الخازِنِ: إنَّهُ الأصَحُّ عَلى أنَّ التَّسْبِيحَ عَلى مَعْناهُ الحَقِيقِيِّ، فالكُلُّ يُسَبِّحُ بِلِسانِ القالِ حَتّى الجَماداتُ
صفحة 84
ولَمْ يَرْتَضِ ذَلِكَ الإمامُ؛ لِأنَّ هَذا التَّسْبِيحَ لا يَحْصُلُ إلّا مَعَ العِلْمِ وهو مِمّا لا يُتَصَوَّرُ في الجَمادِ لِفَقْدِ شَرْطِهِ العَقْلِيِّ وهو الحَياةُ ولَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ شَرْطًا عَقْلِيًّا لانْسَدَّ بابُ العِلْمِ بِكَوْنِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى حَيًّا، وأيْضًا التَّذْيِيلُ السّابِقُ يَأْبى ذَلِكَ لِدَلالَتِهِ عَلى أنَّ عَدَمَ فِقْهِ التَّسْبِيحِ المَذْكُورِ جُرْمٌ ولا شَكَّ أنَّ عَدَمَ فِقْهِ تَسْبِيحِ الجَماداتِ بِألْفاظِها لَيْسَ بِجُرْمٍ وإنَّما الجُرْمُ عَدَمُ فِقْهِ دَلالَتِها لِلْغَفْلَةِ وقُصُورِ النَّظَرِ، ومَن تَتَبَّعَ الأحادِيثَ والآثارَ رَأى فِيها ما يَشْهَدُ بِما ذَهَبَ إلَيْهِ هَذا البَعْضُ شَهادَةً لا تَكادُ تَقْبَلُ التَّأْوِيلَ؛ فَقَدْ صَحَّ سَماعُ تَسْبِيحِ الحَصا في كَفِّهِ ﷺ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ أنَسٍ قالَ: «أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِطَعامِ ثَرِيدٍ فَقالَ: «إنَّ هَذا الطَّعامَ يُسَبِّحُ» فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، وتَفْقَهُ تَسْبِيحَهُ؟ قالَ: «نَعَمْ» ثُمَّ قالَ لِرَجُلٍ: «أدْنِ هَذِهِ القَصْعَةَ مِن هَذا الرَّجُلِ» فَأدْناها فَقالَ: نَعَمْ يا رَسُولَ اللَّهِ هَذا الطَّعامُ يُسَبِّحُ. فَقالَ: «أدْنِها مِن آخَرَ» فَأدْناها مِنهُ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، هَذا الطَّعامُ يُسَبِّحُ. ثُمَّ قالَ: «رُدَّها فَقالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ «أمَرْتَ» عَلى القَوْمِ جَمِيعًا فَقالَ: «لا إنَّها لَوْ سَكَتَتْ عِنْدَ رَجُلٍ لَقالُوا: مِن ذَنْبٍ رُدَّها» فَرَدَّها».
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «كُنّا أصْحابَ مُحَمَّدٍ ﷺ نَعُدُّ الآياتِ بَرَكَةً وأنْتُمْ تَعُدُّونَها تَخْوِيفًا بَيْنَما نَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيْسَ مَعَنا ماءً فَقالَ لَنا: «اطْلُبُوا مَن مَعَهُ فَضْلُ ماءٍ» فَأتى بِماءٍ فَوَضَعَهُ في إناءٍ ثُمَّ وضَعَ يَدَهُ فِيهِ فَجَعَلَ الماءُ يَخْرُجُ مِن بَيْنِ أصابِعِهِ ثُمَّ قالَ: «حَيَّ عَلى الطَّهُورِ المُبارَكِ، والبِرْكَةُ مِنَ اللَّهِ تَعالى» فَشَرِبْنا مِنهُ قالَ عَبْدُ اللَّهِ: كُنّا نَسْمَعُ صَوْتَ الماءِ وتَسْبِيحَهُ وهو يُشْرَبُ».
وأخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ««إنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا حَضَرَتْهُ الوَفاةُ قالَ لِابْنَيْهِ: آمُرُكُما بِسُبْحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ؛ فَإنَّها صَلاةُ كُلِّ شَيْءٍ، وبِها يُرْزَقُ كُلُّ شَيْءٍ».
وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ مُعاذِ بْنِ أنَسٍ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أنَّهُ مَرَّ عَلى قَوْمٍ وهم وُقُوفٌ عَلى دَوابَّ لَهم ورَواحِلَ فَقالَ لَهُمْ: «ارْكَبُوها سالِمَةً ودَعُوها سالِمَةً ولا تَتَّخِذُوها كَراسِيَّ لِأحادِيثِكم في الطُّرُقِ والأسْواقِ فَرُبَّ مَرْكُوبَةٍ خَيْرٌ مِن راكِبِها، وأكْثَرُ ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى مِنهُ»».
وأخْرَجَ النَّسائِيُّ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «نَهى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ قَتْلِ الضِّفْدَعِ وقالَ: «نَقِيقُها تَسْبِيحٌ»».
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: ظَنَّ داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ في نَفْسِهِ أنَّ أحَدًا لَمْ يَمْدَحْ خالِقَهُ بِما مَدَحَهُ، وإنَّ مَلَكًا نَزَلَ وهو قاعِدٌ في المِحْرابِ والبِرْكَةُ إلى جانِبِهِ فَقالَ: يا داوُدُ، افْهَمْ إلى ما تُصَوِّتُ بِهِ الضِّفْدَعُ. فَأنْصَتَ داوُدُ فَإذا الضِّفْدَعُ تَمْدَحُهُ بِمِدْحَةٍ لَمْ يَمْدَحْهُ بِها. فَقالَ لَهُ المَلَكُ: كَيْفَ تَرى يا داوُدُ؟ أفَهِمْتَ ما قالَتْ؟ قالَ: نَعَمْ. قالَ: ماذا قالَتْ؟ قالَ: قالَتْ: سُبْحانَكَ وبِحَمْدِكَ مُنْتَهى عِلْمِكَ يا رَبِّ، قالَ داوُدُ: لا والَّذِي جَعَلَنِي نَبِيَّهُ إنْ لَمْ أمْدَحْهُ بِهَذا.
وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ مِن حَدِيثٍ طَوِيلٍ «أنَّ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ أتى البَحْرَ في ساعَةٍ فَصَلّى فَنادَتْهُ ضِفْدَعَةٌ: يا داوُدُ، إنَّكَ حَدَّثْتَ نَفْسَكَ أنَّكَ قَدْ سَبَّحْتَ في ساعَةٍ لَيْسَ يَذْكُرُ اللَّهَ تَعالى فِيها غَيْرُكَ، وإنِّي في سَبْعِينَ ألْفَ ضِفْدَعٍ كُلُّها قائِمَةٌ عَلى رِجْلٍ نُسَبِّحُ اللَّهَ تَعالى ونُقَدِّسُهُ».
وأخْرَجَ الخَطِيبُ عَنْ أبِي ضَمْرَةَ قالَ: كُنّا عِنْدَ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما فَمَرَّ بِنا عَصافِيرُ يَصِحْنَ فَقالَ: أتُدْرُونَ ما تَقُولُ هَذِهِ العَصافِيرُ؟ قُلْنا: لا. قالَ: أما إنِّي ما أقُولُ إنّا نَعْلَمُ الغَيْبَ، ولَكِنْ سَمِعْتُ أبِي يَقُولُ: سَمِعْتُ أمِيرَ المُؤْمِنِينَ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ««إنَّ الطَّيْرَ إذا أصْبَحَتْ سَبَّحَتْ رَبَّها وسَألَتْهُ قُوتَ يَوْمِها، وإنَّ هَذِهِ تُسَبِّحُ رَبَّها وتَسْألُهُ قُوتَ يَوْمِها»».
صفحة 85
وأخْرَجَ ابْنُ راهَوَيْهِ في مُسْنَدِهِ مِن طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ قالَ: «أتى أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِغُرابٍ وافِرِ الجَناحَيْنِ فَقالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «ما صِيدَ صَيْدٌ ولا عُضِّدَتْ عِضاةٌ ولا قُطِعَتْ وشِيجَةٌ إلّا بِقِلَّةِ التَّسْبِيحِ»». وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««ما صِيدَ مِن صَيْدٍ ولا وُشِّجَ مِن وشَجٍ إلّا بِتَضْيِيعِهِ التَّسْبِيحَ»».
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِثْلَ ذَلِكَ مَرْفُوعًا أيْضًا.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ الحَسَنِ: «لَوْلا ما غُمَّ عَلَيْكم مِن تَسْبِيحِ ما مَعَكم مِنَ البُيُوتِ ما تَقارَرْتُمْ». وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ لُوطِ بْنِ أبِي لُوطٍ قالَ: «بَلَغَنِي أنَّ تَسْبِيحَ سَماءِ الدُّنْيا: سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى، والثّانِيَةِ: سُبْحانَهُ وتَعالى، والثّالِثَةِ: سُبْحانَهُ وبِحَمْدِهِ، والرّابِعَةِ: سُبْحانَهُ لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِهِ، والخامِسَةِ: سُبْحانَ مُحْيِي المَوْتى وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، والسّادِسَةِ: سُبْحانَ المَلِكِ القُدُّوسِ، والسّابِعَةِ: سُبْحانَ الَّذِي مَلَأ السَّمَواتِ السَّبْعَ والأرْضِينَ السَّبْعَ عَزَّةً ووَقارًا» إلى ما لا يَكادُ يُحْصى مِنَ الأخْبارِ والآثارِ وهي بِمَجْمُوعِها مُتَعاضِدَةٌ في الدَّلالَةِ عَلى أنَّ التَّسْبِيحَ قالِيٌّ كَما لا يَخْفى وهو مَذْهَبُ الصُّوفِيَّةِ، وذَكَرُوا أنَّ السّالِكَ عِنْدَ وُصُولِهِ إلى بَعْضِ المَقاماتِ يَسْمَعُ تَسْبِيحَ الأشْياءِ بِلُغاتٍ شَتّى.
وقَدْ رُوِيَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ سَماعَهُ لِتَسْبِيحِ بَعْضِ الجَماداتِ، واخْتُلِفَ القائِلُونَ بِهَذا التَّسْبِيحِ فَقالَ بَعْضُهُمْ: بِثُبُوتِهِ لِلشِّياءِ مُطْلَقًا، وقِيلَ: إنَّ التُّرابَ يُسَبِّحُ ما لَمْ يَبْتَلَّ فَإذا ابْتَلَّ تَرَكَ التَّسْبِيحَ، وإنَّ الخَرَزَةَ تُسَبِّحُ ما لَمْ تُرْفَعْ مِن مَوْضِعِها فَإذا رُفِعَتْ تَرَكَتْ، وإنَّ الوَرَقَةَ تُسَبِّحُ ما دامَتْ عَلى الشَّجَرَةِ فَإذا سَقَطَتْ تَرَكَتْ، وإنَّ الثَّوْبَ يُسَبِّحُ ما لَمْ يَتَّسِخْ فَإذا اتَّسَخَ تَرَكَ، وإنَّ الوَحْشَ والطَّيْرَ تُسَبِّحُ إذا صاحَتْ وإذا سَكَتَتْ تَرَكَتْ، وعَلى هَذا ما أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ شَوْذَبٍ قالَ: جَلَسَ الحَسَنُ مَعَ أصْحابِهِ عَلى مائِدَةٍ فَقالَ بَعْضُهُمْ: هَذِهِ المائِدَةُ تُسَبِّحُ الآنَ فَقالَ الحَسَنُ: كَلّا إنَّما ذاكَ كُلُّ شَيْءٍ عَلى أصْلِهِ.
وأُخْرِجَ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّهُ قالَ: ما مِن شَيْءٍ عَلى أصْلِهِ الأوَّلِ لَمْ يَمُتْ إلّا وهو يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ تَعالى، ولَعَلَّهُ أرادَ بِالمَوْتِ خُرُوجَهُ عَنْ أصْلِهِ الأوَّلِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهم عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: كُلُّ شَيْءٍ فِيهِ الرُّوحُ يُسَبِّحُ مِن شَجَرَةٍ وحَيَوانٍ، وكَوْنُ الشَّجَرَةِ ذاتَ رُوحٍ مَبْنِيٌّ عَلى قَوْلِ النّاسِ فِيها إذا يَبِسَتْ ماتَتْ، واسْتَثْنى بَعْضُهم بَعْضَ الحَيَواناتِ مِن عُمُومِ كُلِّ شَيْءٍ؛ لِما أخْرَجَهُ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: كُلُّ شَيْءٍ يُسَبِّحُ إلّا الحِمارَ والكَلْبَ.
ولا أرى لِاسْتِثْناءِ ما ذُكِرَ وجْهًا وفي القَلْبِ مِن صِحَّةِ الرِّوايَةِ عَنِ الحِبْرِ شَيْءٌ، وكَذا لِلتَّقْيِيدِ بَعْدَ أنْ لَمْ تَكُنِ الجَمادِيَّةُ مانِعَةً عَنِ التَّسْبِيحِ، والأخْبارُ الظّاهِرَةُ في عَدَمِ التَّقْيِيدِ أكْثَرُ، ولا أظُنُّ أنَّ لِما يُخالِفُها امْتِيازًا عَلَيْها في الصِّحَّةِ.
ويُشْكِلُ عَلى هَذا القَوْلِ ما تَقَدَّمَ عَنِ الإمامِ مِن إباءِ التَّذْيِيلِ عَنْهُ وعَدَمِ وُجُودِ العِلْمِ الَّذِي يَسْتَدْعِيهِ التَّسْبِيحُ القالِيُّ في الجَماداتِ، وتَفَصّى بَعْضُهم عَنْ هَذا بِالتِزامِ أنَّ لِكُلِّ شَيْءِ حَياةً وعِلْمًا لائِقَيْنِ بِهِ ولا يَطَّلِعُ عَلى حَقِيقَةِ ذَلِكَ إلّا اللَّهُ تَعالى اللَّطِيفُ الخَبِيرُ، فَكُلُّ ما في العالَمِ عِنْدَ هَذا المُلْتَزَمِ حَيٌّ عالِمٌ لَكِنَّهُ مُتَفاوِتُ المَراتِبِ في العِلْمِ والحَياةِ.
ونَقَلَ الشَّعَرانِيُّ عَنِ الخَواصِّ أنَّهُ قالَ: كُلُّ جَمادٍ يَفْهَمُ الخِطابَ ويَتَألَّمُ كَما يَتَألَّمُ الحَيَوانُ، وقالَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ قُدِّسَ سِرُّهُ: إنَّ المُسَمّى بِالجَمادِ والنَّباتِ لَهُ عِنْدَنا أرْواحٌ بَطَنَتْ عَنْ إدْراكِ غَيْرِ الكَشْفِ إيّاها في العادَةِ فالكُلُّ عِنْدَنا حَيٌّ ناطِقٌ غَيْرَ أنَّ هَذا المِزاجَ الخاصَّ يُسَمّى إنْسانًا لا غَيْرَ بِالصُّورَةِ ووَقَعَ التَّفاضُلُ بَيْنَ الخَلائِقِ في المِزاجِ، والكُلُّ
صفحة 86
يُسَبِّحُ اللَّهَ تَعالى كَما نَطَقَتِ الآيَةُ بِهِ ولا يُسَبِّحُ إلّا حَيٌّ عاقِلٌ عالِمٌ عارِفٌ بِمُسَبِّحِهِ.
وقَدْ ورَدَ أنَّ المُؤَذِّنَ يَشْهَدُ لَهُ مَدى صَوْتِهِ مِن رَطْبٍ ويابِسٍ.
والشَّرائِعُ والنُّبُوّاتُ مَشْحُونَةٌ بِما هو مِن هَذا القَبِيلِ ونَحْنُ زِدْنا مَعَ الإيمانِ بِالأخْبارِ الكَشْفَ إلى آخِرِ ما قالَ.
واسْتَدَلَّ بَعْضُهم في هَذا المَقامِ بِما رُوِيَ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ في دُعائِهِ لِلْحُمّى: «يا أُمَّ مِلْدَمٍ إنْ كُنْتِ آمَنتِ بِاللَّهِ تَعالى فَلا تَأْكُلِي اللَّحْمَ ولا تَشْرَبِي الدَّمَ ولا تَفُورِي مِنَ الفَمِ وانْتَقِلِي إلى مَن يَزْعُمُ أنَّ مَعَ اللَّهِ تَعالى آلِهَةً أُخْرى، فَإنِّي أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُولُهُ ﷺ»».
وجاءَ عَنِ السَّجّادِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في الصَّحِيفَةِ في مُخاطَبَةِ القَمَرِ ما هو ظاهِرٌ في أنَّ لَهُ شُعُورًا واسْتَفاضَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ كَتَبَ لِلنِّيلِ كِتابًا يُخاطِبُهُ فِيهِ بِما يُخاطِبُهُ وضَرَبَ الأرْضِ بِالدِّرَّةِ حِينَ تَزَلْزَلَتْ وقالَ لَها: إنِّي أعْدِلُ عَلَيْكِ، وكَمْ وكَمْ في الأخْبارِ نَحْوُ ذَلِكَ، قِيلَ: ولا داعِيَ لِتَأْوِيلِها؛ إذْ لا أحَدَ يَقُولُ: إنَّ شُعُورَ الجَماداتِ كَشُعُورِ الحَيَواناتِ الظّاهِرَةِ بِحَيْثُ يُدْرِكُهُ كُلُّ أحَدٍ حَتّى يَكُونَ العَمَلُ بِظاهِرِ اللَّفْظِ خِلافَ حِسِّ العُقَلاءِ فَيَجِبُ ارْتِكابُ التَّأْوِيلِ والتَّجَوُّزُ، ومَن عَلِمَ عِظَمَ قُدْرَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وأنَّهُ سُبْحانَهُ لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ وأنَّ المَخْلُوقِينَ عَلى اخْتِلافِ مَراتِبِهِمْ لا سِيَّما المُنْغَمِسِينَ في أوْحالِ العَلائِقِ والعَوائِقِ الدُّنْيَوِيَّةِ والمَسْجُونِينَ في سَجْنِ الطَّبِيعَةِ الدَّنِيَّةِ لَمْ يَقِفُوا عَلى عُشْرِ العُشْرِ مِمّا أُوْدِعَ في عالَمِ الإمْكانِ ونُقِشَ بِيَدِ الحِكْمَةِ عَلى بُرُودِ الأعْيانِ سَلَّمَ ما جاءَ بِهِ الصّادِقُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وإنْ خالَفَ ما عِنْدَهُ نَسَبَ القُصُورَ إلى نَفْسِهِ، قُرْبُ فِكْرٍ يَظُنُّهُ المَرْءُ حَقًّا وهو مِنَ الأوْهامِ كَما لا يَخْفى عَلى مَن أنْصَفَ ولَمْ يَتَعَسَّفْ.
وعَلى هَذا الَّذِي ذَكَرُوهُ لا تَحْتاجُ إعادَةُ ضَمِيرِ ذَوِي العِلْمِ في ﴿تَسْبِيحَهُمْ﴾ عَلى ما تَقَدَّمَ إلى تَوْجِيهٍ وتَفَصٍّ آخَرَ عَنِ الأوَّلِ بِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يَقُولُونَ﴾ ولا يَخْفى ما في التَّفَصِّي، ولَعَلَّ الأوْلى فِيهِ أنْ يُلْتَزَمَ حَمْلُ التَّسْبِيحِ عَلى ما هو الأعَمُّ مِنَ الحالِيِّ والقالِيِّ ويُثْبَتُ كِلا النَّوْعَيْنِ لِكُلِّ شَيْءٍ، والتَّذْيِيلُ بِاعْتِبارِ القُصُورِ في فِقْهِ الآخَرِ، ويُشْكِلُ أيْضًا أنَّ مِن أفْرادِ مَن نُسِبَ إلَيْهِ التَّسْبِيحُ الجَحْدَ فَضْلًا عَنِ السّاكِتِ فالحَمْلُ عَلى المَجازِ واجِبٌ. وأُجِيبَ بِأنَّ اسْتِثْناءَ أُولَئِكَ مَعْلُومٌ بِقَرِينَةِ السِّباقِ واللَّحاقِ، وزَعَمَ مَن زَعَمَ أنَّ الجاحِدَ مُقَدِّسٌ أيْضًا وأنْشَدُوا لِلْحَلّاجِ:
جُحُودِي لَكَ تَقْدِيسٌ وعَقْلِي فِيكَ مَنهُوسُ
فَما آدَمٌ إلّاكَ ∗∗∗ وما في الكَوْنِ إبْلِيسُ
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ مِثْلَ هَذا الحَلْجِ والنَّدْفِ صارَ سَبَبًا لِما لاقى مِنَ الحَتْفِ، فَماذا عَسى أقُولُ سِوى حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ. وقُرِئَ: «لا يَفْقَهُونَ» عَلى صِيغَةِ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ مِن بابِ التَّفْعِيلِ.
17:45Page 286
وَإِذَا قَرَأۡتَ ٱلۡقُرۡءَانَ جَعَلۡنَا بَيۡنَكَ وَبَيۡنَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ حِجَابٗا مَّسۡتُورٗا ٤٥
And when you recite the Qur’ān, We put between you and those who do not believe in the Hereafter a concealed partition.1
﴿وإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ﴾ النّاطِقَ بِالتَّسْبِيحِ والتَّنْزِيهِ ودَعَوْتَهم إلى العَمَلِ بِما فِيهِ ﴿جَعَلْنا﴾ بِقُدْرَتِنا ومَشِيئَتِنا المَبْنِيَّةِ عَلى الحِكَمِ الخَفِيَّةِ.
﴿بَيْنَكَ وبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ وهُمُ المُشْرِكُونَ المُتَقَدِّمُ ذِكْرُهُمْ، وأُوثِرَ المَوْصُولُ عَلى الضَّمِيرِ ذَمًّا لَهم بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ ويَتِمُّ بِهِ مَعَ ما سَبَقَ الإشارَةُ إلى كُفْرِهِمْ بِالمَبْدَأِ والمَعادِ.
وفِي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ: إنَّما خَصَّ بِالذِّكْرِ كُفْرَهم بِالآخِرَةِ مِن بَيْنِ سائِرِ ما كَفَرُوا بِهِ مِنَ التَّوْحِيدِ ونَحْوِهِ دَلالَةً عَلى أنَّها مُعْظَمُ ما أُمِرُوا بِالإيمانِ بِهِ في القُرْآنِ وتَمْهِيدًا لِما سَيُنْقَلُ عَنْهم مِن إنْكارِ البَعْثِ واسْتِعْجالِهِ ونَحْوِ ذَلِكَ اه.
وفِي كَوْنِ الآخِرَةِ مُعْظَمَ ما أُمِرُوا بِالإيمانِ بِهِ في القُرْآنِ تَرَدُّدٌ ورُبَّما يُدَّعى أنَّ ذَلِكَ هو التَّوْحِيدُ فالأوْلى
صفحة 87
الِاقْتِصارُ عَلى أنَّهُ لِلتَّمْهِيدِ.
﴿حِجابًا﴾ يَحْجُبُهم مِن أنْ يُدْرِكُوكَ عَلى ما أنْتَ عَلَيْهِ مِنَ النُّبُوَّةِ وجَلالَةِ القَدْرِ ولِذَلِكَ اجْتَرَءُوا عَلى التَّفَوُّهِ بِالعَظِيمَةِ وهي قَوْلُهُمْ: ﴿إنْ تَتَّبِعُونَ إلا رَجُلا مَسْحُورًا﴾ وأصْلُ الحِجابِ كالحَجْبِ المَنعُ مِنَ الوُصُولِ فَهو مَصْدَرٌ وقَدْ أُرِيدَ بِهِ الوَصْفُ أيْ حاجِبًا ﴿مَسْتُورًا﴾ أيْ: ذا سَتْرٍ فَهو لِلنَّسَبِ كَرَجُلٍ مَرْطُوبٍ ومَكانٍ مَهُولٍ وجارِيَةٍ مَغْنُوجَةٍ، ومِنهُ: ﴿وعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾ وكَذا سَيْلٌ مُفْعَمٌ بِفَتْحِ العَيْنِ والأكْثَرُ مَجِيءُ فاعِلٍ لِذَلِكَ كَلابِنٍ وتامِرٍ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الإسْنادُ مَجازِيًّا كَما اشْتُهِرَ في المِثالِ الأخِيرِ، وعَنِ الأخْفَشِ أنَّ مَفْعُولَ يَرِدُ بِمَعْنى فاعِلٍ كَمَيْمُونٍ ومَشْؤُومٍ بِمَعْنى يامِنٍ وشائِمٍ، كَما أنَّ فاعِلَ يَرِدُ بِمَعْنى مَفْعُولٍ كَماءٍ دافِقٍ، فَمَسْتُورٍ بِمَعْنى ساتِرٍ، أوْ مَسْتُورًا عَنِ الحِسِّ فَهو عَلى ظاهِرِهِ ويَكُونُ بَيانًا لِأنَّهُ حِجابٌ مَعْنَوِيٌّ لا حِسِّيٌّ أوْ مَسْتُورًا في نَفْسِهِ بِحِجابٍ آخَرَ فَيَكُونُ إيذانًا بِتَعَدُّدِ الحُجُبِ أوْ مَسْتُورًا كَوْنُهُ حِجابًا حَيْثُ لا يَدْرُونَ أنَّهم لا يَدْرُونَ، وقِيلَ: إنَّهُ عَلى الحَذْفِ والإيصالِ؛ أيْ: مَسْتُورًا بِهِ الرَّسُولُ ﷺ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences