Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-Isra 17:46–51
17:46Page 286
وَجَعَلۡنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ أَكِنَّةً أَن يَفۡقَهُوهُ وَفِيٓ ءَاذَانِهِمۡ وَقۡرٗاۚ وَإِذَا ذَكَرۡتَ رَبَّكَ فِي ٱلۡقُرۡءَانِ وَحۡدَهُۥ وَلَّوۡاْ عَلَىٰٓ أَدۡبَٰرِهِمۡ نُفُورٗا ٤٦
And We have placed over their hearts coverings, lest they understand it, and in their ears deafness. And when you mention your Lord alone in the Qur’ān, they turn back in aversion.
﴿وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً﴾ أغْطِيَةً جَمْعُ كِنانٍ، والمُرادُ بِمَعُونَةِ المَقامِ التَّكْثِيرُ أيْ: أكِنَّةً كَثِيرَةً.
﴿أنْ يَفْقَهُوهُ﴾ مَفْعُولٌ لَهُ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ كَراهَةَ يَقِفُوا عَلى كُنْهِهِ ويَعْرِفُوا أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى أوْ مَفْعُولٌ بِهِ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ مَفْهُومٍ مِنَ الجُمْلَةِ أوْ مِن ﴿أكِنَّةً﴾ لا أنَّ ﴿جَعَلْنا﴾ أوْ شَيْئًا مِمّا ذُكِرَ قَدْ ضُمِّنَهُ كَما يُتَوَهَّمُ، أيْ: مَنَعْناهم فِقْهَهُ والوُقُوفَ عَلى كُنْهِهِ ﴿وفِي آذانِهِمْ وقْرًا﴾ صَمَمًا وثِقَلًا عَظِيمًا مانِعًا مِن سَماعِهِ اللّائِقِ بِهِ فَإنَّهم كانُوا يَسْمَعُونَهُ مِن غَيْرِ تَدَبُّرٍ، وهَذِهِ كَما قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ تَمْثِيلاتٌ مُعْرِبَةٌ عَنْ كَمالِ جَهْلِهِمْ بِشُؤُونِ النَّبِيِّ ﷺ وفَرْطِ نُبُوِّ قُلُوبِهِمْ عَنْ فَهْمِ القُرْآنِ الكَرِيمِ ومَجِّ أسْماعِهِمْ لَهُ جِيءَ بِها بَيانًا لِعَدَمِ فِقْهِهِمْ فَصِيحَ المَقالِ إثْرَ بَيانِ عَدَمِ فِقْهِهِمْ دَلالَةَ الحالِ وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّ ما تَضَمَّنَهُ القُرْآنُ مِنَ التَّسْبِيحِ في غايَةِ الظُّهُورِ بِحَيْثُ لا يُتَصَوَّرُ عَدَمُ فَهْمِهِ إلّا لِمانِعٍ قَوِيٍّ يَعْتَرِي المَشاعِرَ فَيُبْطِلُها، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ حالَهم هَذِهِ أقْبَحُ مِن حالِهِمُ السّابِقَةِ، وحَمَلَ الآيَةَ عَلى ما ذُكِرَ مَن لَمْ يَجْعَلِ التَّسْبِيحَ فِيما سَبَقَ لَفْظِيًّا وعَلى جَعْلِهِ لَفْظِيًّا لا يَحْسُنُ حَمْلُها عَلى ذَلِكَ كَما لا يَخْفى، هَذا وقالَ بَعْضُهُمْ: المُرادُ بِالحِجابِ ما يَحْجُبُهم عَنْ فَهْمِ ما يَقْرَؤُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: الحِجابُ المَسْتُورُ أكِنَّةٌ عَلى قُلُوبِهِمْ أنْ يَفْقَهُوهُ وأنْ يَنْتَفِعُوا بِهِ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ الزَّجّاجُ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا يُلائِمُ: ﴿بَيْنَكَ وبَيْنَ الَّذِينَ﴾ إلَخْ. إلّا بِتَقْدِيرِ مُضافَيْنِ، أيْ: جَعَلْنا بَيْنَ فَهْمِ قِراءَتِكَ، وأيْضًا يَلْزَمُ عَلَيْهِ التَّكْرارُ مِن غَيْرِ فائِدَةٍ جَدِيدَةٍ، وأُجِيبَ بِأنَّ الظّاهِرَ أنَّهُ لا يُقَدَّرُ فِيهِ وإنَّما يَلْزَمُ لَوْ كانَ حَقِيقَةً وهَذا تَمْثِيلٌ لَهم في عَدَمِ إسْماعِ الحَقِّ بِمَن كانَ وراءَ جِدارٍ وحِجابٍ كَما أنَّ الأكِنَّةَ كَذَلِكَ، وأمّا حَدِيثُ التَّكْرارِ مِن غَيْرِ فائِدَةٍ فَمَدْفُوعٌ بِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ( وجَعَلْنا ) إلَخْ تَصْرِيحٌ بِما اقْتَضاهُ نَفْيُ فَصِيحِ المَقالِ بَعْدَ نَفْيِ فَهْمِ دَلالَةِ الحالِ مِن كَوْنِهِمْ مَطْبُوعِينَ عَلى الضَّلالِ ولا يَخْفى عَلى المُنْصِفِ أوْلَوِيَّةُ ما تَقَدَّمَ.
وعَنِ الجُبّائِيِّ أنَّ المُرادَ بِالحِجابِ ما يَحْجُبُهم عَنْ إيذاءِ الرَّسُولِ ﷺ وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَقْصِدُونَهُ إذا قَرَأ لِيُؤْذُوهُ فَأمَّنَهُ اللَّهُ تَعالى وذَكَرَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ جَعَلَ بَيْنَهُ وبَيْنَهم حِجابًا عِنْدَ القِراءَةِ فَلا يُمْكِنُهُمُ الوُصُولُ إلَيْهِ، وهو عِنْدِي مِمّا لا بَأْسَ بِهِ وأنَّ ذِكْرَهُ في مَعْرِضِ التَّفَصِّي عَنِ اسْتِدْلالِ أصْحابِنا بِالآيَةِ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى يَمْنَعُ عَنِ الإيمانِ مَن شاءَ كَما يَهْدِي إلَيْهِ مَن شاءَ، نَعَمْ هو دُونَ الأوَّلِ عِنْدَ مَن يَتَأمَّلُ.
صفحة 88
وقِيلَ: المُرادُ حِجابُ مَنعِهِمْ رُؤْيَةَ شَخْصِ النَّبِيِّ ﷺ وذاتِهِ الكَرِيمَةِ.
فَقَدْ أخْرَجَ أبُو يَعْلى وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ مَعًا في الدَّلائِلِ «عَنْ أسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَتْ: لَمّا نَزَلَتْ: ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ﴾ أقْبَلَتِ العَوْراءُ أُمُّ جَمِيلٍ ولَها ولْوَلَةٌ وفي يَدِها فِهْرٌ وهي تَقُولُ:
مُذَمَّمًا أبَيْنا، ودِينَهُ قَلَيْنا، وأمْرَهُ عَصَيْنا، ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ جالِسٌ، وأبُو بَكْرٍ إلى جَنْبِهِ فَقالَ أبُو بَكْرٍ: لَقَدْ أقْبَلَتْ هَذِهِ وأنا أخافُ أنْ تَراكَ فَقالَ: «إنَّها لَنْ تَرانِي» وقَرَأ قُرْآنًا اعْتَصَمَ بِهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿وإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجابًا مَسْتُورًا﴾ فَجاءَتْ حَتّى قامَتْ عَلى أبِي بَكْرٍ فَلَمْ تَرَ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقالَتْ: يا أبا بَكْرٍ، بَلَغَنِي أنَّ صاحِبَكَ هَجانِي. فَقالَ أبُو بَكْرٍ: لا ورَبِّ هَذا البَيْتِ ما هَجاكِ. فانْصَرَفَتْ وهي تَقُولُ: قَدْ عَلِمَتْ قُرَيْشٌ أنِّي بِنْتُ سَيِّدِها. وجاءَ في رِوايَةٍ أنَّها حِينَ ولَّتْ ذاهِبَةً قالَ أبُو بَكْرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّها لَمْ تَرَكَ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «حالَ بَيْنِي وبَيْنَها جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ»».
وذَكَرَ الإمامُ أنَّهُ كانَ ﷺ إذا أرادَ تِلاوَةَ القُرْآنِ تَلا قَبْلَها ثَلاثَ آياتٍ؛ قَوْلَهُ تَعالى في سُورَةِ الكَهْفِ: ﴿إنّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا﴾ .
وقَوْلَهُ سُبْحانَهُ في النَّحْلِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ وقَوْلَهُ جَلَّ وعَلا في سُورَةِ حم الجاثِيَةِ: ﴿أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ الآيَةَ. فَكانَ اللَّهُ تَعالى يَحْجُبُهُ بِبَرَكاتِ هَذِهِ الآياتِ عَنْ عُيُونِ المُشْرِكِينَ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ جَعَلْنا﴾ إلَخْ. واحْتَجَّ أصْحابُنا بِذَلِكَ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الحاسَّةُ سَلِيمَةً ويَكُونَ المَرْئِيُّ حاضِرًا مَعَ أنَّهُ لا يَرى بِسَبَبِ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَخْلُقُ في العَيْنِ مانِعًا يَمْنَعُ مِنَ الرُّؤْيَةِ قالُوا: إنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ حاضِرًا أوْ حَواسُّ الكُفّارِ سَلِيمَةٌ وكانُوا لا يَرَوْنَهُ وقَدْ أخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّ ذَلِكَ لِأجْلِ أنَّهُ جَعَلَ بَيْنَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وبَيْنَهم حِجابًا مَسْتُورًا ولا مَعْنى لِلْحِجابِ المَسْتُورِ إلّا المَعْنى الَّذِي يَخْلُقُهُ في عُيُونِهِمْ ويَكُونُ مانِعًا لَهم مِنَ الرُّؤْيَةِ انْتَهى.
وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّ حَمْلَ الحِجابِ عَلى ما رُوِيَ مِن حَدِيثِ أسْماءَ مِمّا لا يَقْبَلُهُ الذَّوْقُ السَّلِيمُ ولا يُساعِدُهُ النَّظْمُ الكَرِيمُ، وكَأنَّهُ أرادَ أنَّ حَمْلَهُ في الآيَةِ عَلى الحِجابِ المانِعِ مِنَ الرُّؤْيَةِ كَذَلِكَ فَهو وارِدٌ عَلى ما نُقِلَ عَنِ الإمامِ أيْضًا، ويُعْلَمُ مِنهُ حالُ احْتِجاجِ الأصْحابِ مَعَ ما يَرِدُ عَلى قَوْلِهِمْ فِيهِ ولا مَعْنى لِلْحِجابِ إلَخْ. مِن أنَّهُ مُخالِفٌ لِما في الرِّوايَةِ السّابِقَةِ الَّتِي ذَكَرَ فِيها حَيْلُولَةَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
والخَبَرُ الَّذِي أخْرَجَهُ اَلدّارَقُطْنِيُّ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: «كانَ بَيْنِي وبَيْنَها مَلَكٌ يَسْتُرُنِي بِجَناحَيْهِ مَتى ذَهَبَتْ»».
فَإنَّ كِلا الخَبَرَيْنِ ظاهِرٌ في أنَّ المانِعَ لَمْ يَكُنْ في عُيُونِهِمْ بَلْ هو إمّا جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ أوْ مَلَكٌ آخَرُ حالَ بَيْنَهُ ﷺ وبَيْنَهم فَلَمْ يَرَوْهُ لَكِنْ يَبْقى الكَلامُ في أنَّ مَنعَ اللَّطِيفِ الرُّؤْيَةَ خِلافُ العادَةِ أيْضًا وهو بَحْثٌ آخَرُ فَلْيُتَدَبَّرْ. ثُمَّ إنَّ ما رُوِيَ عَنْ أسْماءَ لَيْسَ نَصًّا في أنَّ الحِجابَ في الآيَةِ هو الحِجابُ المانِعُ عَنِ الرُّؤْيَةِ كَما لا يَخْفى عَلى مَن أمْعَنَ النَّظَرَ وهَذا القَوْلُ إنَّما يُحْتاجُ إلَيْهِ أنِ اعْتُبِرَ تَصْحِيحُ الحاكِمِ أوْ نَصَّ عَلى صِحَّتِهِ مَنِ اعْتَبَرَ تَصْحِيحَهُ مِنَ المُحَدِّثِينَ أما إذا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فَأمْرُهُ سَهْلٌ، وجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ ما تَقَدَّمَ حِكايَةً لِما قالُوا: ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ عَلى مَعْنى: جَعَلْنا عَلى زَعْمِهِمْ ولَمْ يَرْتَضِهِ شَيْخُ الإسْلامِ لِأنَّ قَصْدَهم بِذَلِكَ إنَّما هو الإخْبارُ بِما اعْتَقَدُوهُ في حَقِّ القُرْآنِ والنَّبِيِّ ﷺ جَهْلًا وكُفْرًا مِنَ اتِّصافِهِمْ بِأوْصافٍ مانِعَةٍ مِنَ التَّصْدِيقِ والإيمانِ كَكَوْنِ القُرْآنِ سِحْرًا وشِعْرًا وأساطِيرَ وقِسْ عَلَيْهِ حالَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لا الإخْبارَ بِأنَّ هُناكَ أمْرًا وراءَ ما أدْرَكُوهُ
صفحة 89
قَدْ حالَ بَيْنَهم وبَيْنَ إدْراكِهِ حائِلٌ مِن قِبَلِهِمْ، ولا رَيْبَ في أنَّ ذَلِكَ المَعْنى مِمّا لا يَكادُ يُلائِمُ المَقامَ انْتَهى، وقَدْ يُقالُ: حَيْثُ كانَ الكَلامُ مَسُوقًا لِتَعْدادِ قَبائِحِهِمْ والإنْكارِ عَلَيْهِمْ فالمُلاءَمَةُ مِمّا لا رَيْبَ فِيها، نَعَمْ اخْتِيارُ الزَّمَخْشَرِيِّ هَذا الوَجْهَ مِمّا لا يَخْلُو عَنْ دَسِيسَةٍ اعْتِزالِيَّةٍ ولا أظُنُّها تَخْفى عَلَيْكَ.
﴿وإذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ في القُرْآنِ وحْدَهُ﴾ أيْ: غَيْرَ مَقْرُونٍ بِذِكْرِهِ ذِكْرُ شَيْءٍ مِن آلِهَتِهِمُ الَّتِي يَزْعُمُونَها كَما كانُوا يَقُولُونَ: بِاللَّهِ تَعالى واللّاتِ مَثَلًا، ويَصْدُقُ هَذا بِذِكْرِهِ سُبْحانَهُ مَعَ نَفْيِ الآلِهَةِ، و﴿وحْدَهُ﴾ عِنْدَ الزَّمَخْشَرِيِّ مَصْدَرُ الثُّلاثِيِّ يُقالُ: وحَدَهُ يَحِدُهُ وحْدًا وحِدَةً كَوَعَدَهُ يَعِدُهُ وعْدًا وعِدَةً، وهو سادٌّ مَسَدًّا لِحالٍ بِمَعْنى واحِدًا، وقِيلَ: هو مَصْدَرُ أوْحَدَ عَلى حَذْفِ الزَّوائِدِ وأصْلُهُ إيحادٌ، ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ لَيْسَ بِمَصْدَرٍ بَلْ هو اسْمٌ مَوْضُوعٌ مَوْضِعَ المَصْدَرِ وهو إيحادُ المَوْضُوعِ مَوْضِعَ الحالِ وهو مَوْحَدٌ.
ومَذْهَبُ يُونُسَ أنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، وتَحْقِيقُ الأقْوالِ فِيهِ في الرِّفْدَةِ كَما قَدَّمْنا، وذَكَرَ أنَّهُ عَلى الحالِيَّةِ إذا وقَعَ بَعْدَ فاعِلٍ ومَفْعُولٍ كَما هُنا جازَ كَوْنُهُ حالًا مِن كُلِّ مِنهُما أيْ: وإذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ مُوَحِّدًا لَهُ أوْ مُوَحِّدًا بِالذِّكْرِ.
﴿ولَّوْا عَلى أدْبارِهِمْ﴾ هَرَبُوا أوْ نَفَرُوا ﴿نُفُورًا﴾ فَهو مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ مَنصُوبٌ بِوَلَّوْا لِتَقارُبِ مَعْناهُما. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لِأجْلِهِ أيْ: ولَّوْا لِأجْلِ النُّفُورِ والِانْزِعاجِ، وأنْ يَكُونَ حالًا عَلى أنَّهُ جَمْعُ نافِرٍ أيْ: ولَّوْا نافِرِينَ مِن ذَلِكَ، والضَّمِيرُ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ما ظاهِرُهُ أنَّهُ لِلشَّياطِينِ ولا يَكادُ يَصِحُّ عَنِ الحِبْرِ إلّا بِتَأْوِيلٍ.
17:47Page 286
نَّحۡنُ أَعۡلَمُ بِمَا يَسۡتَمِعُونَ بِهِۦٓ إِذۡ يَسۡتَمِعُونَ إِلَيۡكَ وَإِذۡ هُمۡ نَجۡوَىٰٓ إِذۡ يَقُولُ ٱلظَّٰلِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلٗا مَّسۡحُورًا ٤٧
We are most knowing of how they listen to it when they listen to you and [of] when they are in private conversation, when the wrongdoers say, "You follow not but a man affected by magic."
﴿نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ﴾ أيْ: مُلْتَبِسِينَ بِهِ مِنَ اللَّغْوِ والِاسْتِخْفافِ والهُزْءِ بِكَ وبِالقُرْآنِ.
يُرْوى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يَقُومُ عَنْ يَمِينِهِ رَجُلانِ مِن عَبْدِ الدّارِ وعَنْ يَسارِهِ رَجُلانِ مِنهم فَيُصَفِّقُونَ ويُصَفِّرُونَ ويَخْلِطُونَ عَلَيْهِ بِالأشْعارِ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ أوْ بِمَعْنى اللّامِ أيْ: نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِسَبَبِهِ أوْ لِأجْلِهِ مِنَ الهُزْءِ وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِيَسْتَمِعُونَ، وجَعْلُها عَلى ظاهِرِها عَلى مَعْنى: أيَسْتَمِعُونَ بِقُلُوبِهِمْ أمْ بِظاهِرِ أسْماعِهِمْ غَيْرُ ظاهِرٍ، والباءُ الأُولى مُتَعَلِّقَةٌ بِأعْلَمُ، وأفْعَلُ التَّفْضِيلِ في العِلْمِ والجَهْلِ يَتَعَدّى بِالباءِ وفي سِوى ذَلِكَ يَتَعَدّى بِاللّامِ فَيُقالُ: هو أكْسى لِلْفُقَراءِ مَثَلًا، والمُرادُ مِن كَوْنِهِ تَعالى أعْلَمَ بِذَلِكَ الوَعِيدِ لَهم.
﴿إذْ يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ﴾ ظَرْفٌ لِأعْلَمُ لا مَفْعُولٌ بِهِ، وفائِدَتُهُ كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ تَأْكِيدُ الوَعِيدِ بِالأخْبارِ بِأنَّهُ كَما يَقَعُ الِاسْتِماعُ المَزْبُورُ مِنهم يَتَعَلَّقُ بِهِ العِلْمُ لا أنَّ العِلْمَ المُسْتَفادَ هُناكَ مِن أحَدٍ، ولَيْسَ المُرادُ تَقْيِيدَ عِلْمِهِ تَعالى بِذَلِكَ الوَقْتِ وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ هم نَجْوى﴾ لَكِنْ مِن حَيْثُ تَعَلُّقُهُ بِما بِهِ التَّناجِي المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِسِياقِ النَّظْمِ.
والمَعْنى: نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ مِمّا لا خَيْرَ فِيهِ مِمّا سَمِعْتَ وبِما يَتَناجَوْنَ بِهِ فِيما بَيْنَهُمْ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الأوَّلُ ظَرْفًا لَيَسْتَمِعُونَ والثّانِي ظَرْفًا لِيَتَناجَوْنَ، والمَعْنى: نَحْنُ أعْلَمُ بِما بِهِ الِاسْتِماعُ وقْتَ اسْتِماعِهِمْ مِن غَيْرِ تَأْخِيرٍ وبِما بِهِ التَّناجِي وقْتَ تَناجِيهِمْ، والأوَّلُ أظْهَرُ، و( نَجْوى ) مَصْدَرٌ مَرْفُوعٌ عَلى الخَبَرِيَّةِ وفي ذَلِكَ ما فِي: زَيْدٌ عَدْلٌ، ويَجُوزُ أنْ يُعْتَبَرَ جَمْعَ نَجِّيٍّ كَقَتْلى وقَتِيلٍ أيْ: إذْ هم مُتَناجُونَ ﴿إذْ يَقُولُ الظّالِمُونَ﴾ بَدَلٌ مِن إذِ الثّانِيَةِ وبَيانٌ لِما يَتَناجَوْنَ بِهِ فَهو غَيْرُ ما يَسْتَمِعُونَ بِهِ لا مَعْمُولَ لِ «اذْكُرْ» مَحْذُوفًا كَما قِيلَ.
و( الظّالِمُونَ ) مِنَ المُظْهَرِ الَّذِي أُقِيمَ مَقامَ المُضْمَرِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ تَناجِيَهم بابٌ مِنَ الظُّلْمِ أيْ: يَقُولُ كُلٌّ مِنهم لِلْآخَرِينَ عِنْدَ تَناجِيهِمْ: ﴿إنْ تَتَّبِعُونَ﴾ أيْ: ما تَتَّبِعُونَ إنْ وُجِدَ مِنكُمُ الاتِّباعُ فَرْضًا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى ما تَتَّبِعُونَ بِاللَّغْوِ والهُزْءِ ﴿إلا رَجُلا مَسْحُورًا﴾ أيْ: سُحِرَ فَجُنَّ فَهو كَقَوْلِهِمْ: إنْ هو إلّا رَجُلٌ مَجْنُونٌ، وقِيلَ: جُعِلَ لَهُ سِحْرٌ يَتَوَصَّلُ بِلُطْفِهِ ودِقَّتِهِ إلى ما يَأْتِي بِهِ ويَدَّعِيهِ فَهو في مَعْنى
صفحة 90
قَوْلِهِمْ: ساحِرٌ، وجَعَلَ بَعْضُهُمْ: ﴿مَسْحُورًا﴾ بِمَعْنى ساحِرًا كَمَسْتُورٍ بِمَعْنى ساتِرٍ، وعَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أنَّ مَسْحُورًا بِمَعْنى: جُعِلَ لَهُ سِحْرٌ أوْ ذا سِحْرٍ أيْ رِئَةٍ، ومِن هَذا قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
أرانا مُوضَعِينَ لِأمْرِ غَيْبٍ ونُسْحَرُ بِالطَّعامِ وبِالشَّرابِ
وأرادَ نُغْذى، وقَوْلُ لَبِيَدٍ أوْ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ:
فَإنْ تَسْألِينا فِيمَ نَحْنُ فَإنَّنا ∗∗∗ عَصافِيرُ مِن هَذا الأنامِ المُسَحَّرِ
وكَنَّوْا بِذَلِكَ عَنْ كَوْنِهِ بَشَرًا يَتَنَفَّسُ ويَأْكُلُ ويَشْرَبُ لا يَمْتازُ عَنْهم بِشَيْءٍ يَقْتَضِي اتِّباعَهُ عَلى زَعْمِهِمُ الفاسِدِ، ولا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ البُعْدِ حَتّى قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لا أدْرِي ما الَّذِي حَمَلَ أبا عُبَيْدَةَ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ المُسْتَكْرَهِ مَعَ أنَّ السَّلَفَ فَسَّرُوهُ بِالوُجُوهِ الواضِحَةِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنَّهُ لا يُناسِبُ قَوْلَهُ تَعالى:
17:48Page 286
ٱنظُرۡ كَيۡفَ ضَرَبُواْ لَكَ ٱلۡأَمۡثَالَ فَضَلُّواْ فَلَا يَسۡتَطِيعُونَ سَبِيلٗا ٤٨
Look how they strike for you comparisons;1 but they have strayed, so they cannot [find] a way.
﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ﴾ أيْ: مَثَّلُوكَ فَقالُوا تارَةً شاعِرٌ وتارَةً ساحِرٌ وتارَةً مَجْنُونٌ مَعَ عِلْمِهِمْ بِخِلافِهِ ﴿فَضَلُّوا﴾ في جَمِيعِ ذَلِكَ عَنْ مِنهاجِ الحاجَةِ ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا﴾ طَرِيقًا ما إلى طَعْنٍ يُمْكِنُ أنْ يَقْبَلَهُ أحَدٌ فَيَتَهافَتُونَ ويَخْبِطُونَ ويَأْتُونَ بِما لا يَرْتابُ في بُطْلانِهِ مَن سَمِعَهُ أوْ إلى سَبِيلِ الحَقِّ والرَّشادِ، وفِيهِ مِنَ الوَعِيدِ وتَسْلِيَةِ الرَّسُولِ ﷺ ما لا يَخْفى.
17:49Page 286
وَقَالُوٓاْ أَءِذَا كُنَّا عِظَٰمٗا وَرُفَٰتًا أَءِنَّا لَمَبۡعُوثُونَ خَلۡقٗا جَدِيدٗا ٤٩
And they say, "When we are bones and crumbled particles, will we [truly] be resurrected as a new creation?"
﴿وقالُوا أإذا كُنّا عِظامًا ورُفاتًا﴾ عُطِفَ عَلى ﴿ضَرَبُوا﴾ ولَمّا عَجِبَ مِن ضَرْبِهِمُ الأمْثالَ عَطَفَ عَلَيْهِ أمْرًا آخَرَ يَعْجَبُ مِنهُ أيْضًا. وفي الكَشْفِ: الأظْهَرُ أنْ يَكُونَ هَذا إلى تَمامِ المَقالاتِ الثَّلاثِ تَفْسِيرًا لِضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلا﴾ وتَفْسِيرُهُ بِمَثَّلُوكَ غَيْرُ ظاهِرٍ بَلِ الظّاهِرُ مَثَّلُوا لَكَ، ولا خَفاءَ أنَّ تُجاوِبَ الكَلامِ عَلى ما ذَكَرْنا أتَمُّ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ اسْتِهْزاءَهم بِهِ ﷺ وبِالقُرْآنِ عَجَّبَهُ مِنَ اسْتِهْزائِهِمْ بِمَضْمُونِهِ مِنَ البَعْثِ دَلالَةً عَلى أنَّهُ أدْخَلُ في التَّعَجُّبِ لِأنَّ العَقْلَ أيْضًا يَدُلُّ عَلَيْهِ ولَكِنْ عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ، وأمّا عَلى تَفْسِيرِ ﴿ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ﴾ بِمَثَّلُوكَ فَوَجْهُهُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَضَلُّوا﴾ لِأنَّهُ بابٌ مِن أبْوابِ الضَّلالِ أوْ عَلى مُقَدَّرٍ دَلَّ عَلَيْهِ: كَيْفَ ضَرَبُوا لِأنَّ مَعْناهُ مَثَّلُوكَ وقالُوا شاعِرٌ ساحِرٌ مَجْنُونٌ وقالُوا: ﴿أإذا كُنّا﴾ إلَخِ اه.
ولا يَخْفى أنَّهُ عَلى التَّفْسِيرِ الَّذِي اخْتارَهُ يَكُونُ «قالُوا» مَعْطُوفًا عَلى «ضَرَبُوا» أيْضًا عَطْفًا تَفْسِيرِيًّا لَكِنَّ الظّاهِرَ فِيهِ حِينَئِذٍ الفاءُ وأنَّهُ لا يَحْتاجُ عَلى ما ذَكَرْنا إلى تَكَلُّفِ العَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ والِارْتِباطُ عَلَيْهِ لا يَقْصُرُ عَنِ الِارْتِباطِ الَّذِي ذَكَرَهُ، وعَطْفُهُ عَلى ﴿فَضَلُّوا﴾ مِمّا لا يَحْسُنُ لِعَدَمِ ظُهُورِ دُخُولِهِ مَعَهُ في حَيِّزِ الفاءِ، والِاعْتِراضُ عَلى التَّفْسِيرِ بِمَثَّلُوكَ بِأنَّهم ما مَثَّلُوهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالشّاعِرِ والسّاحِرِ مَثَلًا بَلْ قالُوا تارَةً كَذا وأُخْرى كَذا، وأيْضًا كانَ الظّاهِرُ أنْ يُقالَ فِيكَ بَدَلَ لَكَ لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ ما ذَكَرُوهُ عَلى طَرِيقِ التَّشْبِيهِ لِتَقْرِيعِهِ ﷺ وعَجْزِهِمْ عَنْ مُعارَضَتِهِ، «ولَكَ» أظْهَرُ مِن فِيكَ؛ لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ المُمَثَّلُ لَهُ، هَذا وأقُولُ: انْظُرْ هَلْ ثَمَّ مانِعٌ مِن عَطْفِ ( قالُوا ) عَلى ﴿يَقُولُ الظّالِمُونَ﴾ وجَعْلِ هَذا القَوْلِ مِمّا يَتَناجَوْنَ بِهِ أيْضًا وإعْلانِهِمْ بِهِ أحْيانًا لا يَمْنَعُ مِن هَذا الجَعْلِ وكَذا اخْتِلافُ المُتَعاطِفَيْنِ ماضَوِيَّةً ومُضارِعِيَّةً لا يَمْنَعُ مِنَ العَطْفِ، نَعَمْ يَحْتاجُ إلى نُكْتَةٍ ولا أظُنُّها تَخْفى فَتَدَبَّرْ.
والرُّفاتُ ما تَكَسَّرَ وبَلِيَ مِن كُلِّ شَيْءٍ، وكَثُرَ بِناءُ فُعالٍ في كُلِّ ما تَحَطَّمَ وتَفَرَّقَ كَدُقاقٍ وفُتاتٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ التُّرابُ وهو قَوْلُ الفَرّاءِ، وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ
صفحة 91
أنَّهُ الغُبارُ، وقالَ المُبَرِّدُ: هو كُلُّ شَيْءٍ مَدْقُوقٍ مُبالَغٍ في دَقِّهِ وهي أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ، والهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ مُفِيدَةٌ لِكَمالِ الِاسْتِبْعادِ والِاسْتِنْكارِ لِلْبَعْثِ بَعْدَ ما آلَ الحالُ إلى هَذا المَآلِ كَأنَّهم قالُوا: إنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ أصْلًا.
ومَنشَؤُهُ أنَّ بَيْنَ غَضاضَةِ الحَيِّ وطَراوَتِهِ المُقْتَضِيَةِ لِلِاتِّصالِ المُقْتَضِي لِلْحَياةِ وبَيْنَ يُبُوسَةِ الرَّمِيمِ المُقْتَضِيَةِ لِلتَّفَرُّقِ المُقْتَضِي لِعَدَمِ الحَياةِ تَنافِيًا، «وإذا» هُنا كَما في الدُّرِّ المَصُونِ مُتَمَحِّضَةٌ لِلظَّرْفِيَّةِ والعامِلُ فِيها ما دَلَّ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أإنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ لا نَفَّسَهُ؛ لِأنَّ «إنَّ» لَها الصَّدْرُ؛ فَلا يَعْمَلُ ما بَعْدَها فِيما قَبْلَها، وكَذا الِاسْتِفْهامُ وإنْ كانَ تَأْكِيدًا مَعَ كَوْنِ الِاسْتِفْهامِ بِالفِعْلِ أوْلى وهو نُبْعَثْ أوْ نُعادُ وهو مَصَبُّ الإنْكارِ، وتَقْيِيدُهُ بِالوَقْتِ المَذْكُورِ لِتَقْوِيَةِ إنْكارِ البَعْثِ بِتَوْجِيهِهِ إلَيْهِ في حالَةٍ مُنافِيَةٍ لَهُ وإلّا فالظّاهِرُ مِن حالِهِمْ أنَّهم مُنْكِرُونَ لِلْإحْياءِ بَعْدَ المَوْتِ وإنْ كانَ البَدَنُ عَلى حالِهِ.
وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً وجَوابُها مُقَدَّرٌ، أيْ: نُبْعَثُ أوْ نَحْوَهُ وهو العامِلُ فِيها. وقِيلَ: الشَّرْطُ والمَعْنى أنُبْعَثُ وقَدْ كُنّا رُفاتًا في وقْتٍ وهو مَذْهَبٌ لِبَعْضِ النَّحْوِيِّينَ غَيْرُ مَشْهُورٍ ولا مُعَوَّلٍ عَلَيْهِ، وتَحْلِيَةُ الجُمْلَةِ بِأنَّ واللّامَ لِتَأْكِيدِ الإنْكارِ لا لِإنْكارِ التَّأْكِيدِ كَما عَسى يُتَوَهَّمُ مِن ظاهِرِ النَّظْمِ، ولَيْسَ مَدارُ إنْكارِهِمْ كَوْنَهم ثابِتِينَ في المَبْعُوثِيَّةِ بِالفِعْلِ في حالِ كَوْنِهِمْ عِظامًا ورُفاتًا كَما يَتَراءى مِن ظاهِرِ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ بَلْ كَوْنُهم بِعَرْضِيَّةِ ذَلِكَ واسْتِعْدادِهِمْ لَهُ، ومَرْجِعُهُ إلى إنْكارِ البَعْثِ بَعْدَ تِلْكَ الحالَةِ، وفِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى غُلُوِّهِمْ في الكُفْرِ وتَمادِيهِمْ في الضَّلالِ ما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ قالَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ.
﴿خَلْقًا جَدِيدًا﴾ نُصِبَ بِمَبْعُوثِينَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لَهُ مِن غَيْرِ لَفْظِ فِعْلِهِ أوْ حالٌ عَلى أنَّ الخَلْقَ بِمَعْنى المَخْلُوقِ، ووُحِّدَ لِاسْتِواءِ الواحِدِ في المَصْدَرِ وإنْ أُرِيدَ مِنهُ اسْمُ المَفْعُولِ أيْ مَخْلُوقِينَ
﴿قُلْ﴾ جَوابًا لَهم وتَقْرِيبًا لِما اسْتَبْعَدُوهُ.
﴿كُونُوا حِجارَةً أوْ حَدِيدًا﴾ رَدَّ سُبْحانَهُ قَوْلَهُ ﴿كُونُوا﴾ عَلى قَوْلِهِمْ «كُنّا» فَهو مِن بابِ المُشاكَلَةِ والمُقابَلَةِ بِالجِنْسِ، ومَعْنى الأمْرِ كَما قِيلَ الِاسْتِهانَةُ كَما في قَوْلِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ألْقُوا ما أنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ وجَعَلَهُ صاحِبُ الإيضاحِ أمْرَ إهانَةٍ والفاضِلُ الطِّيبِيُّ أمْرَ تَسْخِيرٍ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ لَكِنَّهُ قالَ: إنَّهُ عَلى الفَرْضِ، وفي الكَشْفِ أنَّهُ غَيْرُ ظاهِرٍ ولَوْ جُعِلَ مِن بابِ كُنْ فُلانًا عَلى مَعْنى أنْتَ فُلانٌ مِنَ اسْتِعْمالِ الطَّلَبِ في مَعْنى الخَبَرِ أيْ: أنْتُمْ حِجارَةٌ ولَسْتُمْ عِظامًا ومَعَ ذَلِكَ تُبْعَثُونَ لا مَحالَةَ. لَكانَ وجْهًا قَوِيمًا، وبَحَثَ فِيهِ الشِّهابُ بِأنَّهُ كَيْفَ يُقالُ: أنْتُمْ حِجارَةٌ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ وهو غَيْرُ مُطابِقٍ لِلْواقِعِ فَلا بُدَّ مِن قَصْدِ الإهانَةِ وعَدَمِ المُبالاةِ وجَعْلِ الأمْرِ مَجازًا عَنِ الخَبَرِ، والخَبَرُ خَبَرٌ فَرْضِيٌّ ولَيْسَ فِيهِ ما يَدُلُّ عَلى الفَرْضِ كانَ ولَوِ الشَّرْطِيَّتَيْنِ فَهو مِمّا لا يَخْفى بُعْدُهُ ولَيْسَ بِأقْرَبَ مِمّا اسْتَبْعَدَهُ فالصَّوابُ أنَّهُ لِلْإهانَةِ كَما جَنَحَ إلَيْهِ صاحِبُ الإيضاحِ فَتَدَبَّرْ، والحِجارَةُ جَمْعُ حَجَرٍ كَأحْجارٍ وهو مَعْرُوفٌ، وكَذا الحَدِيدُ وهو مُفْرَدٌ وجَمْعُهُ حَدائِدُ وحَدِيداتٌ.
والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ: كُونُوا مِن هَذَيْنِ الجِنْسَيْنِ
17:51Page 287
أَوۡ خَلۡقٗا مِّمَّا يَكۡبُرُ فِي صُدُورِكُمۡۚ فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَاۖ قُلِ ٱلَّذِي فَطَرَكُمۡ أَوَّلَ مَرَّةٖۚ فَسَيُنۡغِضُونَ إِلَيۡكَ رُءُوسَهُمۡ وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَۖ قُلۡ عَسَىٰٓ أَن يَكُونَ قَرِيبٗا ٥١
Or [any] creation of that which is great1 within your breasts." And they will say, "Who will restore us?" Say, "He who brought you forth the first time." Then they will nod their heads toward you2 and say, "When is that?" Say, "Perhaps it will be soon -
﴿أوْ خَلْقًا﴾ أيْ مَخْلُوقًا آخَرَ ﴿مِمّا يَكْبُرُ في صُدُورِكُمْ﴾ أيْ: مِمّا يُسْتَبْعَدُ عِنْدَكم قَبُولُهُ الحَياةَ لِكَوْنِهِ أبْعَدَ شَيْءٍ مِنها، وتَعْيِينُهُ مُفَوَّضٌ إلَيْكُمْ؛ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُعْجِزُهُ إحْياؤُكم لِتَساوِي الأجْسامِ في قَبُولِ الأعْراضِ فَكَيْفَ إذا كُنْتُمْ عِظامًا بالِيَةً وقَدْ كانَتْ مَوْصُوفَةً بِالحَياةِ قَبْلُ والشَّيْءُ أقْبَلُ لِما عُهِدَ فِيهِ مِمّا لَمْ يُعْهَدْ، وقالَ مُجاهِدٌ: الَّذِي يَكْبُرُ السَّمَواتُ والأرْضُ والجِبالُ.
صفحة 92
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وجَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ عُمَرَ والحَسَنِ، وابْنُ جُبَيْرٍ أنَّهم قالُوا: ما يَكْبُرُ في صُدُورِهِمُ المَوْتُ؛ فَإنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ أكْبَرُ في نَفْسِ ابْنِ آدَمَ مِنَ المَوْتِ، والمَعْنى: لَوْ كُنْتُمْ مُجَسَّمَيْنِ مِن نَفْسِ المَوْتِ لَأعادَكم فَضْلًا عَنْ أصْلٍ لا يُضادُّ الحَياةَ إنْ لَمْ يَقْتَضِها، وفِيهِ مُبالِغَةٌ حَسَنَةٌ وإنْ كانَ اللَّفْظُ غَيْرَ ظاهِرٍ فِيهِ ﴿فَسَيَقُولُونَ﴾ لَكَ: ﴿مَن يُعِيدُنا﴾ مَعَ ما بَيْنَنا وبَيْنَ الإعادَةِ مِن مِثْلِ هَذِهِ المُباعَدَةِ والمُبايَنَةِ ﴿قُلِ﴾ لَهم تَحْقِيقًا لِلْحَقِّ وإزاحَةً لِلِاسْتِبْعادِ وإرْشادًا إلى طَرِيقَةِ الِاسْتِدْلالِ ﴿الَّذِي فَطَرَكُمْ﴾ أيِ القادِرُ العَظِيمِ الَّذِي اخْتَرَعَكم ﴿أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ مِن غَيْرِ مِثالٍ يَحْتَذِيهِ ولا أُسْلُوبٍ يَنْتَحِيهِ وكُنْتُمْ تُرابًا ما شَمَّ رائِحَةَ الحَياةِ، ألَيْسَ الَّذِي يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يَفِيضَ الحَياةَ عَلى العِظامِ البالِيَةِ ويُعِيدَها إلى حالِها المَعْهُودَةِ بَلى إنَّهُ سُبْحانَهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ يُعِيدُكُمُ المَحْذُوفُ لِدَلالَةِ السُّؤالِ عَلَيْهِ أوْ فاعِلٌ بِهِ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ عَلى اخْتِلافٍ في الأُولى كَما فُصِّلَ في مَحَلِّهِ.
و﴿أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ ظَرْفُ فَطَرَكم ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إلَيْكَ رُءُوسَهُمْ﴾ أيْ: سَيُحَرِّكُونَها نَحْوَكَ اسْتِهْزاءً كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأنْشَدَ عَلَيْهِ قَوْلَ الشّاعِرِ:
أتُنْغِضُ لِي يَوْمَ الفَخارِ وقَدْ تَرى خُيُولًا عَلَيْها كالأُسُودِ ضَوارِيا
ومِثْلُهُ قَوْلُ الآخَرِ:
أنَغْضَ نَحْوِي رَأْسَهُ وأقْنَعا ∗∗∗ كَأنَّهُ يَطْلُبُ شَيْئًا أطْمَعا
وفِي القامُوسِ: نَغَضَ كَنَصَرَ وضَرَبَ نَغْضًا ونُغُوضًا ونَغَضانًا ونَغْضًا مُحَرَّكَتَيْنِ: تَحَرَّكَ واضْطَرَبَ كَأنْغَضَ وحَرَّكَ كَأنْغَضَ، وفَسَّرَ الفَرّاءُ الإنْغاضَ بِتَحْرِيكِ الرَّأْسِ بِارْتِفاعٍ وانْخِفاضٍ، وقالَ أبُو الهَيْثَمِ: مَن أُخْبِرَ بِشَيْءٍ فَحَرَّكَ رَأْسَهُ إنْكارًا لَهُ فَقَدْ أنْغَضَ رَأْسَهُ، فَكَأنَّهم سَيُحَرِّكُونَ رُؤُوسَهم إنْكارًا ﴿ويَقُولُونَ﴾ اسْتِهْزاءً ﴿مَتى هُوَ﴾ أيْ: ما ذَكَرْتَهُ مِنَ الإعادَةِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلْعَوْدِ أوِ البَعْثِ المَفْهُومِ مِنَ الكَلامِ ﴿قُلِ﴾ لَهُمْ: ﴿عَسى أنْ يَكُونَ﴾ ذَلِكَ ﴿قَرِيبًا﴾ فَإنَّ ما هو مُحَقَّقٌ إتْيانُهُ قَرِيبٌ، ولَمْ يُعَيِّنْ زَمانَهُ لِأنَّهُ مِنَ المُغَيَّباتِ الَّتِي لا يَطَّلِعُ عَلَيْها غَيْرُهُ تَعالى ولا يُطْلِعُ عَلَيْها سُبْحانَهُ أحَدًا، وقِيلَ: قُرْبُهُ لِأنَّ ما بَقِيَ مِن زَمانِ الدُّنْيا أقَلُّ مِمّا مَضى مِنهُ، وانْتِصابُ ﴿قَرِيبًا﴾ عَلى أنَّهُ خَبَرُ كانَ النّاقِصَةِ واسْمُها ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى ما أُشِيرَ إلَيْهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى الظَّرْفِيَّةِ والأصْلُ زَمانًا قَرِيبًا فَحُذِفَ المَوْصُوفُ وأُقِيمَتْ صِفَتُهُ مَقامَهُ فانْتُصِبَ انْتِصابَهُ وكانَ عَلى هَذا تامَّةٌ وفاعِلُها ذَلِكَ الضَّمِيرُ؛ أيْ: عَسى أنْ يَقَعَ ذَلِكَ في زَمانٍ قَرِيبٍ وأنْ يَكُونَ في تَأْوِيلِ مَصْدَرٍ مَنصُوبٍ وقَعَ خَبَرًا لِعَسى واسْمُها ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى ما عادَ عَلَيْهِ اسْمُ يَكُونُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا بِعَسى وهي تامَّةٌ لا خَبَرَ لَها؛ أيْ: عَسى كَوْنُهُ قَرِيبًا أوْ في وقْتٍ قَرِيبٍ.
واعْتُرِضَ بِأنْ عَسى لِلْمُقارَبَةِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: قَرُبَ أنْ يَكُونَ قَرِيبًا ولا فائِدَةَ فِيهِ، وأُجِيبَ بِأنَّ نَجْمَ الأئِمَّةِ لَمْ يُثْبِتْ مَعْنى المُقارَبَةِ في عَسى لا وضْعًا ولا اسْتِعْمالًا، ويَدُلُّ لَهُ ذِكْرُ ﴿قَرِيبًا﴾ بَعْدَها في الآيَةِ فَلا حاجَةَ إلى القَوْلِ بِأنَّها جُرِّدَتْ عَنْهُ فالمَعْنى: يُرْجى ويُتَوَقَّعُ كَوْنُهُ قَرِيبًا
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences