Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-Isra 17:57–58
17:57Page 287
أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ يَبۡتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ ٱلۡوَسِيلَةَ أَيُّهُمۡ أَقۡرَبُ وَيَرۡجُونَ رَحۡمَتَهُۥ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُۥٓۚ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحۡذُورٗا ٥٧
Those whom they invoke1 seek means of access to their Lord, [striving as to] which of them would be nearest, and they hope for His mercy and fear His punishment. Indeed, the punishment of your Lord is ever feared.
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ أيْ أُولَئِكَ الآلِهَةُ الَّذِينَ يَدْعُونَهم ويُسَمُّونَهم آلِهَةً أوْ يَدْعُونَهم ويُنادُونَهم لِكَشْفِ الضُّرِّ عَنْهم ﴿يَبْتَغُونَ﴾ يَطْلُبُونَ بِاجْتِهادٍ لِأنْفُسِهِمْ ﴿إلى رَبِّهِمُ﴾ ومالِكِ أمْرِهِمْ ﴿الوَسِيلَةَ﴾ القُرْبَةَ بِالطّاعَةِ والعِبادَةِ فَضَمِيرُ يَدْعُونَ لِلْمُشْرِكِينَ وضَمِيرُ ﴿يَبْتَغُونَ﴾ لِلْمُشارِ إلَيْهِمْ، وقالَ ابْنُ فُورَكَ: الضَّمِيرانِ لِلْمُشارِ إلَيْهِمْ والمُرادُ بِهِمُ الأنْبِياءُ الَّذِينَ عُبِدُوا مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى، ومَفْعُولُ ﴿يَدْعُونَ﴾ مَحْذُوفٌ، أيْ: يَدْعُونَ النّاسَ إلى الحَقِّ أوْ يَدْعُونَ اللَّهَ سُبْحانَهُ ويَتَضَرَّعُونَ إلَيْهِ جَلَّ وعَلا، وعَلى هَذا لا يَتَعَيَّنُ كَوْنُ المُرادِ بِهِمُ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ كَما لا يَخْفى وهو كَما تَرى.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وقَتادَةُ «تَدْعُونَ» بِالتّاءِ ثالِثَةِ الحُرُوفِ وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: «يَدْعُونَ» بِالياءِ آخِرِ الحُرُوفِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: «إلى رَبِّكَ» بِكافِ الخِطابِ، واسْمُ
صفحة 99
الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ والمَوْصُولُ نَعْتٌ أوْ بَيانٌ والخَبَرُ جُمْلَةُ: «يَبْتَغُونَ» أوِ المَوْصُولُ هو الخَبَرُ ويَبْتَغُونَ حالٌ أوْ بَدَلٌ مِنَ الصِّلَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيُّهم أقْرَبُ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ مِنَ الإعْرابِ فالزَّمَخْشَرِيُّ ذَكَرَ وجْهَيْنِ، الأوَّلُ كَوْنُ أيُّ مَوْصُولَةً بَدَلًا مِن ضَمِيرِ ﴿يَبْتَغُونَ﴾ بَدَلَ بَعْضٍ مِن كُلٍّ وهي إمّا مُعْرَبَةٌ أوْ مَبْنِيَّةٌ عَلى اخْتِلافِ الرَّأْيَيْنِ، أيْ: أُولَئِكَ المَعْبُودُونَ يَطْلُبُ مَن هو أقْرَبُ مِنهُمُ الوَسِيلَةَ إلى اللَّهِ تَعالى بِطاعَتِهِ فَكَيْفَ بِالأبْعَدِ ولَيْسَ فِيهِ إلّا حَذْفُ صَدْرِ الصِّلَةِ، والتَّقْدِيرُ: أيَهُمُّ هو أقْرَبُ وهو مِمّا لا بَأْسَ، ولا يُنافِي ذَلِكَ جَمْعَ (يَرْجُونَ ويَخافُونَ) فِيما بَعْدُ لِعَدَمِ اخْتِصاصِ ما ذُكِرَ بِالأقْرَبِ أوْ لِكَوْنِ الأقْرَبِ مُتَعَدِّدًا، والثّانِي كَوْنُ «أيُّ» اسْتِفْهامِيَّةً وهي مُبْتَدَأٌ و﴿أقْرَبُ﴾ خَبَرُها والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِيَبْتَغُونَ وضُمِّنَ مَعْنى يَحْرِصُونَ فَكَأنَّهُ قِيلَ: يَحْرِصُونَ أيُّهم يَكُونُ أقْرَبَ إلى اللَّهِ تَعالى؛ وذَلِكَ بِالطّاعَةِ وازْدِيادِ الخَيْرِ والصَّلاحِ، قِيلَ: واعْتُبِرَ التَّضْمِينُ لِيَصِحَّ التَّعْلِيقُ فَإنَّهُ مُخْتَصٌّ بِأفْعالِ القُلُوبِ خِلافًا لِيُونُسَ وقالَ الطِّيبِيُّ: لا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ حَرْفِ الجَرِّ لِأنَّ حَرِصَ تَتَعَدّى بِعَلى كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ﴾ ولا بُدَّ مِن تَأْوِيلِ الإنْشاءِ بِأنْ يُقالَ: يَحْرِصُونَ عَلى ما يُقالُ فِيهِ أيَهُمُّ أقْرَبُ إلى اللَّهِ تَعالى بِسَبَبِهِ مِنَ الطّاعَةِ، ويَتَعَلَّقُ حِينَئِذٍ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلى رَبِّهِمُ﴾ بِأقْرَبُ وهو كَما تَرى.
وقالَ صاحِبُ الكَشْفِ في تَحْقِيقِ هَذا الوَجْهِ: إنَّ المَطالِبَ إذا كانَتْ مُشْتَرَكَةً اقْتَضَتِ التَّسارُعَ إلَيْها في العادَةِ وهو نَفْسُ الحِرْصِ أوْ ما لا يَنْفَكُّ عَنْهُ فَناسَبَ أنْ يُضَمَّنَ الِابْتِغاءُ مَعْنى الحِرْصِ لا سِيَّما وبَعْدَهُ اسْتِفْهامٌ لا يَحْسُنُ مَوْقِعُهُ دُونَ تَضْمِينِهِ لِأنَّ قَوْلَكَ: أيُّهم أقْرَبُ إلى فُلانٍ بِكَذا سُؤالٌ عَنْ مُمَيِّزِ أحَدِهِمْ عَنِ الباقِينَ بِما يَتَقَرَّبُ بِهِ زِيادَةَ فَضِيلَةٍ مَعَ الِاسْتِواءِ في أصْلِ التَّقَرُّبِ، فَإذا ورَدَ اسْتِئْنافًا بَعْدَ فِعْلٍ صالِحٍ لِأنْ يَكُونَ مَعْلُولَهُ وجَبَ تَقْدِيرُهُ ذَلِكَ لِأنَّكَ إذا قُلْتَ: هَؤُلاءِ يَحْرِصُونَ عَلى الهُدى كانَ كَلامًا جارِيًا عَلى الظّاهِرِ وإذا قُلْتَ: هَؤُلاءِ يَحْرِصُونَ أيُّهم يَكُونُ أهْدى أفادَ أنَّ حِرْصَهم ذَلِكَ عَلى الهُدى مَعَ مُغالَبَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا فِيهِ فَيَكُونُ أتَمَّ في وصْفِهِمْ بِالحِرْصِ عَلَيْهِ.
ووَجْهُ الإفادَةِ أنَّهُ تَعْقِيبُهُ عَلى وجْهِ التَّعْلِيلِ وكَأنَّ كُلَّ واحِدٍ يَسْألُ نَفْسَهُ أهُوَ أهْدى أمْ غَيْرُهُ، أيْ: هو أشَدُّ حِرْصًا عَلَيْهِ أمْ غَيْرُهُ؛ إذْ لا مَعْنى لِهَذا السُّؤالِ عَنِ النَّفْسِ إلّا الحَثُّ وتَعَرُّفُ أنَّ ثَمَّتَ تَقْصِيرًا في ذَلِكَ أوْ لا، وعَلى هَذا لَوْ قُلْتَ: يَحْرِصُونَ عَلى الهُدى أيُّكم يَكُونُ أهْدى عُدَّ مُسْتَهْجَنًا لَأنَّ الِاسْتِئْنافَ سَدَّ مَسَدَّ صِلَتِهِ كَما في أمَرْتُهُ فَقامَ، ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ، ووَدَّ لَوْ أنَّهُ أحْسَنَ وكَمْ وكَمْ، فَعَلى هَذا الطَّلَبُ واقِعٌ عَلى الوَسِيلَةِ وهي الطّاعَةُ والحِرْصُ عَلى الأقْرَبِيَّةِ بِها والِازْدِيادُ مِنها ولا يُمْكِنُ أنْ يُسْتَغْنى عَنْ يَحْرِصُونَ بِإجْراءِ ﴿أيُّهم أقْرَبُ﴾ مَجْرى التَّعْلِيلِ لِيَبْتَغُونَ عَلى ما أُشِيرَ إلَيْهِ؛ لِأنَّ ﴿أيُّهم أقْرَبُ﴾ لا يَصْلُحُ جَوابًا فارِقًا بَيْنَ الطّالِبِينَ وغَيْرِهِمْ إنَّما هو فارِقٌ بَيْنَ الطّالِبِينَ أعْنِي المُتَقَرِّبِينَ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ وهو يُناسِبُ الحِرْصَ والشَّغَفَ، ولِأنَّ صِلَةَ الطَّلَبِ أعْنِي الوَسِيلَةَ مَذْكُورَةٌ، وقَدْ عَرَفْتَ أنَّ الِاسْتِئْنافَ مُغْنٍ عَنْ ذَلِكَ والجَمْعُ مُسْتَهْجَنٌ. اه.
ولَعَمْرِي لَمْ يُبْقِ في القَوْسِ مَنزَعًا في تَحْقِيقِهِ، لَكِنَّ الوَجْهَ مَعَ هَذا مُتَكَلَّفٌ، وجَوَّزَ الحُوفِيُّ والزَّجّاجُ أنْ يَكُونَ ﴿أيُّهم أقْرَبُ﴾ مُبْتَدَأً، وخَبَرُ الجُمْلَةِ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِ «يَنْظُرُونَ»، أيْ: يُفَكِّرُونَ، والمَعْنى يَنْظُرُونَ أيُّهم أقْرَبُ فَيَتَوَسَّلُونَ بِهِ، وكَأنَّ المُرادَ يَتَوَسَّلُونَ بِدُعائِهِ وإلّا فَفي التَّوَسُّلِ بِالذَّواتِ ما فِيهِ.
وتُعُقِّبَ ذَلِكَ في البَحْرِ بِأنَّ في إضْمارِ الفِعْلِ المُعَلَّقِ نَظَرًا، ومَعَ ذا هو وجْهٌ غَيْرُ ظاهِرٍ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ كَوْنَ ﴿أيُّهم أقْرَبُ﴾ جُمْلَةً اسْتِفْهامِيَّةً في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِيَدْعُونَ وكَوْنَ أيُّ مَوْصُولَةً بَدَلًا مِن ضَمِيرِ ﴿يَدْعُونَ﴾ وتُعُقِّبَ الأوَّلُ بِأنَّ فِيهِ تَعْلِيقَ ما لَيْسَ بِفِعْلٍ قَلْبِيٍّ والجُمْهُورُ
صفحة 100
عَلى مَنعِهِ، وأمّا الثّانِي فَقالَ أبُو حَيّانَ: فِيهِ الفَصْلُ بَيْنَ الصِّلَةِ ومَعْمُولِها بِالجُمْلَةِ الحالِيَّةِ لَكِنَّهُ لا يَضُرُّ لِأنَّها مَعْمُولَةٌ لِلصِّلَةِ، وأنْتَ إذا نَظَرْتَ في المَعْنى عَلى هَذا لَمْ تَرْضَ أنْ تُحْمَلَ الآيَةُ عَلَيْهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَرْجُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى يَبْتَغُونَ؛ أيْ: يَبْتَغُونَ القُرْبَةَ بِالعِبادَةِ ويَتَوَقَّعُونَ ﴿رَحْمَتَهُ﴾ تَعالى ﴿ويَخافُونَ عَذابَهُ﴾ كَدَأْبِ سائِرِ العِبادِ فَأيْنَ هم مَن مَلِكٍ كَشَفَ الضُّرَّ فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِمْ آلِهَةً ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُورًا﴾ حَقِيقًا بِأنْ يَحْذَرَهُ ويَحْتَرِزَ عَنْهُ كُلُّ أحَدٍ مِنَ المَلائِكَةِ والرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وغَيْرِهِمْ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ويَخافُونَ عَذابَهُ﴾ وفي تَخْصِيصِهِ بِالتَّعْلِيلِ زِيادَةُ تَحْذِيرٍ لِلْكَفَرَةِ مِنَ العَذابِ، وتَقْدِيمُ الرَّجاءِ عَلى الخَوْفِ لِما أنَّ مُتَعَلِّقَهُ أسْبَقُ مِن مُتَعَلِّقِهِ.
فَفِي الحَدِيثِ القُدْسِيِّ: ««سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي»».
وفِي اتِّحادِ أُسْلُوبَيِ الجُمْلَتَيْنِ إيماءٌ إلى تَساوِي رَجاءِ أُولَئِكَ الطّالِبِينَ لِلْوَسِيلَةِ إلَيْهِ تَعالى بِالطّاعَةِ والعِبادَةِ وخَوْفِهِمْ، وقَدْ ذَكَرَ العُلَماءُ أنَّهُ يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ ذَلِكَ ما لَمْ يَحْضُرْهُ المَوْتُ فَإذا حَضَرَهُ المَوْتُ يَنْبَغِي أنْ «يُغَلِّبَ» رَجاءَهُ عَلى خَوْفِهِ، وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ رَجاءَ الرَّحْمَةِ وخَوْفَ العَذابِ مِمّا لا يُخِلُّ بِكَمالِ العابِدِ، وشاعَ عَنْ بَعْضِ العابِدِينَ أنَّهُ قالَ: لَسْتُ أعْبُدُ اللَّهَ تَعالى رَجاءَ جَنَّتِهِ ولا خَوْفًا مِن نارِهِ، والنّاسُ بَيْنَ قادِحٍ لِمَن يَقُولُ ذَلِكَ ومادِحٍ، والحَقُّ التَّفْصِيلُ؛ وهو أنَّ مَن قالَهُ إظْهارًا لِلِاسْتِغْناءِ عَنْ فَضْلِ اللَّهِ تَعالى ورَحِمَتِهِ فَهو مُخْطِئٌ كافِرٌ، ومَن قالَهُ لِاعْتِقادِ أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ أهْلٌ لِلْعِبادَةِ لِذاتِهِ حَتّى لَوْ لَمْ يَكُنْ هُناكَ جَنَّةٌ ولا نارٌ لَكانَ أهْلًا لَأنْ يُعْبَدَ فَهو مُحَقِّقٌ عارِفٌ كَما لا يَخْفى.
17:58Page 287
وَإِن مِّن قَرۡيَةٍ إِلَّا نَحۡنُ مُهۡلِكُوهَا قَبۡلَ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ أَوۡ مُعَذِّبُوهَا عَذَابٗا شَدِيدٗاۚ كَانَ ذَٰلِكَ فِي ٱلۡكِتَٰبِ مَسۡطُورٗا ٥٨
And there is no city but that We will destroy it1 before the Day of Resurrection or punish it with a severe punishment. That has ever been in the Register2 inscribed.
﴿وإنْ مِن قَرْيَةٍ﴾ الظّاهِرُ العُمُومُ لِأنَّ إنْ نافِيَةٌ ومِن زائِدَةٌ لِاسْتِغْراقِ الجِنْسِ أيْ: وما مِن قَرْيَةٍ مِنَ القُرى ﴿إلا نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ﴾ بِإماتَةِ أهْلِها حَتْفَ أُنُوفِهِمْ ﴿أوْ مُعَذِّبُوها عَذابًا شَدِيدًا﴾ بِالقَتْلِ وأنْواعِ البَلاءِ، ورُوِيَ هَذا عَنْ مُقاتِلٍ وهو ظاهِرُ ما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ وإلَيْهِ ذَهَبَ الجُبّائِيُّ وجَماعَةٌ، ورُوِيَ عَنِ الأوَّلِ أنَّهُ قالَ: الهَلاكُ لِلصّالِحَةِ والعَذابُ لِلطّالِحَةِ، وقالَ أيْضًا: وجَدْتُ في كِتابِ الضَّحّاكِ بْنِ مُزاحِمٍ في تَفْسِيرِها: أما مَكَّةُ فَتُخَرِّبُها الحَبَشَةُ، وتَهْلَكُ المَدِينَةُ بِالجُوعِ، والبَصْرَةُ بِالغَرَقِ، والكُوفَةُ بِالتُّرْكِ، والجِبالُ بِالصَّواعِقِ والرَّواجِفِ، وأمّا خُراسانُ فَهَلاكُها ضُرُوبٌ، ثُمَّ ذَكَرَ بَلَدًا بَلَدًا.
ورُوِيَ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أنَّ الجَزِيرَةَ آمِنَةٌ مِنَ الخَرابِ حَتّى تَخْرَبَ أرْمِينِيَّةُ، وأرْمِينِيَّةُ آمِنَةٌ حَتّى تَخْرَبَ مِصْرُ، ومِصْرُ آمِنَةٌ حَتّى تَخْرَبَ الكُوفَةُ، ولا تَكُونُ المَلْحَمَةُ الكُبْرى حَتّى تَخْرَبَ الكُوفَةُ، فَإذا كانَتِ المَلْحَمَةُ الكُبْرى فُتِحَتْ قُسْطَنْطِينِيَّةُ عَلى يَدِ رَجُلٍ مِن بَنِي هاشِمٍ، وخَرابُ الأنْدَلُسِ مِن قِبَلِ الزِّنْجِ، وخَرابُ إفْرِيقِيَّةَ مِن قِبَلِ الأنْدَلُسِ، وخَرابُ مِصْرَ مِنَ انْقِطاعِ النَّيْلِ واخْتِلافِ الجُيُوشِ فِيها، وخَرابُ العِراقِ مِنَ الجُوعِ، وخَرابُ الكُوفَةِ مِن قِبَلِ عَدُوٍّ يَحْصُرُهم ويَمْنَعُهُمُ الشُّرْبَ مِنَ الفُراتِ، وخَرابُ البَصْرَةِ مِن قِبَلِ العِراقِ، وخَرابُ الأُبُلَّةِ مِن عَدُوٍّ يَحْصُرُهم بَرًّا وبَحْرًا، وخَرابُ الرَّيِّ مِنَ الدَّيْلَمِ، وخَرابُ خُراسانَ مِن قِبَلِ النَّبْتِ، وخَرابُ النَّبْتِ مِن قِبَلِ الصِّينِ، وخَرابُ الهِنْدِ واليَمَنِ مِن قِبَلِ الجَرادِ والسُّلْطانِ، وخَرابُ مَكَّةَ مِنَ الحَبَشَةِ، وخَرابُ المَدِينَةِ مِن قِبَلِ الجُوعِ.
وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «آخِرُ قَرْيَةٍ مِن قُرى الإسْلامِ خَرابًا المَدِينَةُ»».
كَذا نَقَلَهُ العَلّامَةُ أبُو السُّعُودِ وما في كِتابِ الضَّحّاكِ وكَذا ما رُوِيَ عَنْ وهْبٍ لا يَكادُ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وما رُوِيَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَقْبُولٌ، وقَدْ رَواهُ عَنْهُ بِهَذا اللَّفْظِ النَّسائِيُّ، ورَواهُ أيْضًا التِّرْمِذِيُّ بِنَحْوِهِ، وقالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ.
ورَواهُ أبُو حَيّانَ بِلَفْظِ: ««آخِرُ قَرْيَةٍ في الإسْلامِ خَرابًا المَدِينَةُ»».
وفِي البُحُورِ الزّاخِرَةِ أنَّ
صفحة 101
سَبَبَ خَرابِها أنَّ بَعْضَ أهْلِها يَخْرُجُونَ مَعَ المَهْدِيِّ إلى الجِهادِ ثُمَّ تَرْجُفُ بِمُنافِقِيها وتَرْمِيهِمْ إلى الدَّجّالِ ويُهاجِرُ بَعْضُ المُخْلِصِينَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ عِنْدَ إمامِهِمْ، ومَن بَقِيَ مِنهم تَقْبِضُ الرِّيحُ الطَّيِّبَةُ رُوحَهُ فَتَبْقى خاوِيَةً، ويَأْبى كَوْنَها سَبَبُ خَرابِها الجُوعُ حَسْبَما سَمِعْتَ عَنِ الضَّحّاكِ وابْنِ مُنَبِّهٍ، ظاهِرُ ما أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ: ««لَتُتْرَكَنَّ المَدِينَةُ عَلى خَيْرِ ما كانَتْ مُذَلَّلَةً ثِمارُها لا يَغْشاها إلّا العَوافِي الطَّيْرُ والسِّباعُ وآخِرُ مَن يُحْشَرُ راعِيانِ مِن مُزَيْنَةَ»». الحَدِيثَ.
وأخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ بِسَنَدٍ رِجالُهُ ثِقاتٌ: ««المَدِينَةُ يَتْرُكُها أهْلُها وهي مُرْطِبَةٌ قالُوا: فَمَن يَأْكُلُها؟ قالَ: السِّباعُ والعَوافِي»».
وما ذُكِرَ مِن أنَّ مَكَّةَ تُخَرِّبُها الحَبَشَةُ ثابِتٌ.
فِي الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما لَكِنْ بِلَفْظِ: ««يُخَرِّبُ الكَعْبَةَ ذُو السُّوَيْقَتَيْنِ مِنَ الحَبَشَةِ»».
وفِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ مَرْفُوعًا: ««كَأنِّي أنْظُرُ إلى حَبَشِيٍّ أحْمَرَ السّاقَيْنِ أزْرَقَ العَيْنَيْنِ أفْطَسَ الأنْفِ كَبِيرِ البَطْنِ وقَدْ صَفَّ قَدَمَيْهِ عَلى الكَعْبَةِ هو وأصْحابٌ لَهُ يَنْقُضُونَها حَجَرًا حَجَرًا ويَتَداوَلُونَها بَيْنَهم حَتّى يَطْرَحُوها في البَحْرِ»».
وفِي حَدِيثِ أحْمَدَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّهُ تَجِيءُ الحَبَشَةُ فَيُخَرِّبُونَهُ؛ أيِ البَيْتَ خَرابًا لا يُعَمَّرُ بَعْدَهُ أبَدًا.
نَعَمِ اخْتُلِفَ في أنَّهُ مَتى يَكُونُ ذَلِكَ؟ فَقِيلَ: زَمَنَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: حِينَ لا يَبْقى عَلى الأرْضِ مَن يَقُولُ: اللَّهُ. وهو آخِرُ الآياتِ، ومالَ إلى ذَلِكَ السَّفارِينِيُّ، وظاهِرُ ما تَقَدَّمَ في المَدِينَةِ مِنَ الأخْبارِ بِأنَّها آخِرُ قُرى الإسْلامِ خَرابًا يَقْتَضِي أنَّ خَرابَ مَكَّةَ قَبْلَها. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
وما ذُكِرَ في خَبَرِ ابْنِ مُنَبِّهٍ مِن أنَّ مِصْرَ آمِنَةٌ حَتّى تُخَرَّبَ الكُوفَةُ إنْ صَحَّ يَقْتَضِي أنَّ الكُوفَةَ تُعَمَّرُ ثُمَّ تُخَرَّبُ وإلّا فَهي قَدْ خَرِبَتْ مُنْذُ مِئاتٍ مِنَ السِّنِينَ وبَقِيَتْ إلى الآنِ خَرابًا، ومِصْرُ آمِنَةٌ عامِرَةٌ عَلى أحْسَنِ حالٍ اليَوْمَ وبِعِمارَتِها حَسْبَما يَقْتَضِيهِ الخَبَرُ جاءَتْ آثارٌ عَدِيدَةٌ كَما لا يَخْفى عَلى مَن طالَعَ الكُتُبَ المُؤَلَّفَةَ في أماراتِ السّاعَةِ وأخْبارِ المَهْدِيِّ والسُّفْيانِيِّ إلّا أنَّ في أكْثَرِها لِلْمُنَقِّرِ مَقالًا. وزَعَمَ البُونِيُّ وأضْرابُهُ أنَّها تُعَمَّرُ في أواخِرِ القَرْنِ الثّالِثَ عَشَرَ وقَدْ أخَذُوا ذَلِكَ مِن كَلامِ الشَّيْخِ مُحْيِي الدِّينِ قُدِّسَ سِرُّهُ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ أشْبَهُ شَيْءٍ بِالهِنْدِيَّةِ ولا يَكادُ يُعَدُّ مِنَ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، وما ذُكِرَ مِن أنَّ خَرابَ العِراقِ مِنَ الجُوعِ يَعُمُّ بَغْدادَ فَإنَّها قاعِدَتُهُ.
وقالَ القاضِي عِياضٌ في الشِّفاءِ: رُوِيَ أنَّهُ ﷺ قالَ: ««تُبْنى مَدِينَةٌ بَيْنَ دِجْلَةَ ودُجَيْلَ وقُطْرُبُلَّ والصَّراةِ تُنْقَلُ إلَيْها الخَزائِنُ يُخْسَفُ بِها»».
يَعْنِي بَغْدادَ، وهَذا صَرِيحٌ في أنَّ هَلاكَها بِالخَسْفِ لا بِالجُوعِ، لَكِنْ ذَكَرَ المُحَدِّثُونَ أنَّ في سَنَدِ الخَبَرِ مَجْهُولًا، ثُمَّ الظّاهِرُ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أوْ مُعَذِّبُوها﴾ إلَخْ مُقَيَّدٌ بِمِثْلِ ما قُيِّدَ بِهِ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ فَيَكُونُ كُلٌّ مِنَ الإهْلاكِ والتَّعْذِيبِ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ، أيْ في الزَّمانِ القَرِيبِ مِنهُ وقَدْ شاعَ اسْتِعْمالُ ذَلِكَ بِهَذا المَعْنى وسَتَسْمَعُهُ قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في الحَدِيثِ، وإنْكارُهُ مُكابَرَةٌ غَيْرُ مَسْمُوعَةٍ، وكَأنَّهُ سُبْحانَهُ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ مِن شَأْنِ البَعْثِ والتَّوْحِيدِ ما ذَكَرَ ذَكَرَ بَعْضَ ما يَكُونُ قَبْلَ يَوْمِ البَعْثِ مِمّا يَدُلُّ عَلى عَظَمَتِهِ سُبْحانَهُ وفِيهِ تَأْيِيدٌ لِما ذُكِرَ قَبْلَهُ، وقَدْ صَحَّ أنَّهُ بَعْدَ مَوْتِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ تَجِيءُ رِيحٌ بارِدَةٌ مِن قِبَلِ الشّامِ فَلا تُبْقِي عَلى وجْهِ الأرْضِ أحَدًا في قَلْبِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ مِن إيمانٍ إلّا قَبَضَتْهُ فَيَبْقى شِرارُ النّاسِ وعَلَيْهِمْ تَقُومُ السّاعَةُ، وجاءَ في غَيْرِ ما خَبَرٍ: ما يُصِيبُ النّاسَ قَبْلَ قِيامِها مِنَ العَذابِ، فَمِن ذَلِكَ ما أخْرَجَهُ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: «لَتَقْصِدَنَّكم نارٌ هي اليَوْمَ خامِدَةٌ في وادٍ يُقالُ لَهُ بَرَهُوتُ يَغْشى النّاسَ فِيها عَذابٌ ألِيمٌ، تَأْكُلُ الأنْفُسَ والأمْوالَ تَدُورُ الدُّنْيا كُلَّها في ثَمانِيَةِ أيّامٍ تَطِيرُ طَيَرانَ الرِّيحِ والسَّحابِ، حَرُّها بِاللَّيْلِ أشَدُّ مِن حَرِّها بِالنَّهارِ، ولَها بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ دَوِيٌّ كَدَوِيِّ الرَّعْدِ القاصِفِ قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أسَلِيمَةٌ يَوْمَئِذٍ عَلى المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ؟ قالَ: وأيْنَ المُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ؟ النّاسُ يَوْمَئِذٍ شَرٌّ مِنَ الحُمُرِ يَتَسافَدُونَ كَما يَتَسافَدُ البَهائِمُ، ولَيْسَ فِيهِمْ رَجُلٌ يَقُولُ:
صفحة 102
مَهْ مَهْ،» إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأخْبارِ، ولا يَبْعُدُ بَعْدَ أنِ اعْتُبِرَ العُمُومُ في القَرْيَةِ حَمْلُ الإهْلاكِ والتَّعْذِيبِ عَلى ما تَضَمَّنَتْهُ تِلْكَ الأخْبارُ مِن إماتَةِ المُؤْمِنِينَ بِالرِّيحِ وتَعْذِيبِ الباقِينَ مِن شَرارِ النّاسِ بِالنّارِ المَذْكُورَةِ، وصَحَّ أنَّها تَسُوقُهم إلى المَحْشَرِ ووَرَدَ أنَّهم يَتَّقُونَ بِوُجُوهِهِمْ كُلَّ حَدَبٍ وشَوْكٍ وأنَّهُ تُلْقى الآفَةُ عَلى الظَّهْرِ حَتّى لا تَبْقى ذاتُ ظَهْرٍ حَتّى إنَّ الرَّجُلَ لِيُعْطى الحَدِيقَةَ المُعْجَبَةَ بِالشّارِفِ ذاتِ القَتَبِ لِيَفِرَّ عَلَيْها، وكَوْنُ ذَلِكَ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ هو المُعَوَّلُ عَلَيْهِ وقَدِ اعْتَمَدَهُ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ وصَوَّبَهُ القاضِي عِياضٌ وذَهَبَ إلَيْهِ القُرْطُبِيُّ والخَطّابِيُّ وجاءَ مُصَرَّحًا بِهِ في بَعْضِ الأحادِيثِ.
فَقَدْ أخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وقالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما مَرْفُوعًا: «سَتَخْرُجُ نارٌ مِن حَضْرَمَوْتَ أوْ مِن بَحْرِ حَضْرَمَوْتَ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ تَحْشُرُ النّاسَ». الحَدِيثَ.
ولا يَبْعُدُ أنْ يُعَذَّبُوا بِغَيْرِ ذَلِكَ أيْضًا، بَلْ في الآثارِ ما يَقْتَضِيهِ ﴿كانَ ذَلِكَ﴾ أيْ: ما ذُكِرَ مِنَ الإهْلاكِ والتَّعْذِيبِ ﴿فِي الكِتابِ﴾ أيْ: في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ كَما رُوِيَ عَنْ إبْراهِيمَ التَّيْمِيِّ وغَيْرِهِ ﴿مَسْطُورًا﴾ مَكْتُوبًا، وذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّهُ ما مِن شَيْءٍ إلّا بُيِّنَ فِيهِ بِكَيْفِيّاتِهِ وأسْبابِهِ المُوجِبَةِ لَهُ ووَقْتِهِ المَضْرُوبِ لَهُ. واسْتُشْكِلَ العُمُومُ بِأنَّهُ يَقْتَضِي عَدَمَ تَناهِي الأبْعادِ وقَدْ قامَتِ البَراهِينُ النَّقْلِيَّةُ والعَقْلِيَّةُ عَلى خِلافِ ذَلِكَ فَلا بُدَّ أنْ يُقالَ بِالتَّخْصِيصِ بِأنْ يُحْمَلَ الشَّيْءُ عَلى ما يَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ النَّشْأةِ أوْ نَحْوَ ذَلِكَ، وقالَ بَعْضُهم بِالعُمُومِ إلّا أنَّهُ التَزَمَ كَوْنَ البَيانِ عَلى نَحْوٍ يَجْتَمِعُ مَعَ التَّناهِي فاللَّوْحُ المَحْفُوظُ في بَيانِهِ جَمِيعُ الأشْياءِ الدُّنْيَوِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ وما كانَ وما يَكُونُ نَظِيرَ الجَفْرِ الجامِعِ في بَيانِهِ لِما يُبَيِّنُهُ، وقَدْ رَأيْتُ أنا صَحِيفَةً لِلشَّيْخِ الأكْبَرِ قُدِّسَ سِرُّهُ ادَّعى أنَّهُ يَعْلَمُ مِنها ما يَقَعُ في أرْضِ المَحْشَرِ يَوْمَ القِيامَةِ وأُخْرى ادَّعى أنَّهُ يَعْلَمُ مِنها أسْماءَ أهْلِ الجَنَّةِ والنّارِ وأسْماءَ آبائِهِمْ وأُخْرى ادَّعى أنَّهُ يَعْلَمُ مِنها الحَوادِثَ الَّتِي تَكُونُ في الجَنَّةِ، وقَبُولُ هَذِهِ الدَّعاوى ورَدُّها مُفَوَّضٌ إلَيْكَ، وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الكِتابَ بِالقَضاءِ السّابِقِ فَفي الكَلامِ تَجَوُّزٌ لا يَخْفى.
هَذا وذَهَبَ أبُو مُسْلِمٍ إلى أنَّ المُرادَ ما مِن قَرْيَةٍ مِن قُرى الكُفّارِ واخْتارَهُ المَوْلى أبُو السُّعُودِ وجَعَلَ الآيَةَ بَيانًا لِتَحَتُّمِ حُلُولِ عَذابِهِ تَعالى بِمَن لا يَحْذَرُهُ إثْرَ بَيانِ أنَّهُ حَقِيقٌ بِالحَذَرِ وأنَّ أساطِينَ الخَلْقِ مِنَ المَلائِكَةِ والنَّبِيِّينَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلى حَذَرٍ مِن ذَلِكَ، وذُكِرَ أنَّ المَعْنى: ما مِن قَرْيَةٍ مِن قُرى الكُفّارِ إلّا نَحْنُ مُخَرِّبُوها البَتَّةَ بِالخَسْفِ بِها أوْ بِإهْلاكِ أهْلِها بِالمَرَّةِ لِما ارْتَكَبُوا مِن عَظائِمِ المُوبِقاتِ المُسْتَوْجِبَةِ لِذَلِكَ أوْ مُعَذِّبُو أهْلِها عَذابًا شَدِيدًا لا يُكْتَنَهُ كُنْهُهُ والمُرادُ بِهِ ما يَعُمُّ البَلايا الدُّنْيَوِيَّةَ مِنَ القَتْلِ والسَّبْيِ ونَحْوِهِما، والعُقُوباتِ الأُخْرَوِيَّةَ مِمّا لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ تَعالى حَسْبَما يُفْصِحُ عَنْهُ إطْلاقُ التَّعْذِيبِ عَمّا قُيِّدَ بِهِ الإهْلاكُ مِن قَبْلِيَّةِ يَوْمِ القِيامَةِ ولا يُخَصُّ بِالبَلايا الدُّنْيَوِيَّةِ، كَيْفَ وكَثِيرٌ مِنَ القُرى العاتِيَةِ العاصِيَةِ قَدْ أُخِّرَتْ عُقُوبَتُها إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ثُمَّ إنَّهُ يَحْتَمِلُ أنْ يُقالَ في وجْهِ الرَّبْطِ عَلى تَقْدِيرِ التَّخْصِيصِ: أنَّهُ سُبْحانَهُ بَعْدَ أنْ أشارَ إلى أنَّ الكَفَرَةَ المُخاطَبِينَ في بَلاءٍ وضُرٍّ، وأنَّ آلِهَتَهم لا يَمْلِكُونَ كَشْفَ ذَلِكَ عَنْهم ولا تَحْوِيلَهُ، أشارَ إلى أنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لا بُدَّ وأنْ يُصِيبَ الكَفَرَةَ ولا يَمْلِكُ أحَدٌ كَشْفَهُ ولا تَحْوِيلَهُ عَنْهُمْ، وهَذا ظاهِرٌ بِناءً عَلى ما تَقَدَّمَ عَنِ البَعْضِ في سَبَبِ النُّزُولِ الَّذِي بِسَبَبِهِ فُسِّرَ الضُّرُّ بِالقَحْطِ فَتَأمَّلْ.
وفِي اخْتِيارِ صِيغَةِ الفاعِلِ في المَوْضِعَيْنِ وإنْ كانَتْ بِمَعْنى المُسْتَقْبَلِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى التَّحَقُّقِ والتَّقَرُّرِ ما فِيهِ، والتَّقْيِيدُ بِيَوْمِ القِيامَةِ لِأنَّ الإهْلاكَ يَوْمَئِذٍ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِالقُرى الكافِرَةِ ولا هو بِطْرِيقِ العُقُوبَةِ وإنَّما هو لِانْقِضاءِ عُمْرِ الدُّنْيا، ثُمَّ قالَ: إنَّ تَعْمِيمَ القَرْيَةِ لا يُساعِدُهُ السِّباقُ ولا السِّياقُ. اه وفِيهِ تَأمُّلٌ.
ومِنَ النّاسِ مَن رَجَّحَهُ
صفحة 103
عَلى ما سَبَقَ بِأنَّ فِيهِ حَمْلَ الإهْلاكِ عَلى ما يَتَبادَرُ مِنهُ وهو ما يَكُونُ عَنْ عُقُوبَةٍ ولا كَذَلِكَ فِيما سَبَقَ.
وأُجِيبَ بِأنَّ ذَلِكَ سَهْلٌ فَقَدِ اسْتُعْمِلَ في مَقامِ التَّخْوِيفِ فِيما لَمْ يَكُنْ عَنْ عُقُوبَةٍ كَقَوْلِهِ تَعالى:
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences