Al-AlusiAl‑Isra · 17:67–70

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-Isra 17:67–70

17:67Page 289

وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فِي ٱلۡبَحۡرِ ضَلَّ مَن تَدۡعُونَ إِلَّآ إِيَّاهُۖ فَلَمَّا نَجَّىٰكُمۡ إِلَى ٱلۡبَرِّ أَعۡرَضۡتُمۡۚ وَكَانَ ٱلۡإِنسَٰنُ كَفُورًا ٦٧

And when adversity touches you at sea, lost are [all] those you invoke except for Him. But when He delivers you to the land, you turn away [from Him]. And ever is man ungrateful.

﴿وإذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ في البَحْرِ﴾ خَوْفَ الغَرَقِ بِعَصْفِ الرِّيحِ وتَقاذُفِ الأمْواجِ ﴿ضَلَّ مَن تَدْعُونَ﴾ أيْ: ذَهَبَ عَنْ خَواطِرِكم كُلُّ مَن تَدْعُونَهُ وتَرْجُونَ نَفْعَهُ فَلا تَذْكُرُونَهُ ﴿إلا إيّاهُ﴾ جَلَّ وعَلا فَإنَّكم تَذْكُرُونَهُ وحْدَهُ سُبْحانَهُ لا تَذْكُرُونَ سِواهُ ولا يَخْطُرُ بِبالِكم غَيْرُهُ تَعالى لِكَشْفِ ما حَلَّ بِكم مِنَ الضُّرِّ اسْتِقْلالًا أوِ اشْتِراكًا فالمُرادُ بِضَلالِهِمْ غَيْبَتُهم عَنِ الفِكْرِ لا عَنِ النَّظَرِ والحِسِّ لِأنَّهُ أمْرٌ مَعْلُومٌ مِن قَوْلِهِمْ: ضَلَّ عَنْهُ كَذا إذا نَسِيَهُ، وفي الكَشْفِ هو مَن ضَلَّ عَنْهُ كَذا إذا ضاعَ ولا حاجَةَ إلى تَضْمِينٍ أوْ مِن ضَلَّهُ فُلانٌ ذَهَبَ عَنْهُ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ ذَكَرَهُ الأزْهَرِيُّ وأنْشَدَ:

صفحة 115

والسّائِلُ المُبْتَغِي كَرائِمَها يَعْلَمُ أنِّي تُضِلُّنِي عِلَلِي

أيْ: تُفارِقُنِي وتَذْهَبُ عَنِّي فَلا أتَعَلَّلُ بِعِلَّةٍ وهَذا أظْهَرُ، نَعَمْ الضَّلالُ راجِعٌ إلى الذِّكْرِ لا بِمَعْنى إضْمارِهِ فَإنَّهُ رَكِيكٌ يُقالُ: ضَلَّ عَنْ خاطِرِي كَذا إذا لَمْ تَذْكُرْهُ فَإنَّهُ ضَلالٌ لَهُ لا أنَّهُ ضَلالُ ذِكْرِهِ ولا تَقُولُ: ضَلَّ عَنْ خاطِرِي ذِكْرُهُ وكَذَلِكَ ضَلَّنِي الأمْرُ اه، والدُّعاءُ في هَذا عَلى ظاهِرِهِ والِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ بِناءً عَلى أنَّ ما عِبارَةٌ عَنِ المَدْعُوِّينَ مُطْلَقًا وأنَّهم كانُوا يَدْعُونَ اللَّهَ تَعالى وغَيْرَهُ في الحَوادِثِ، وإنْ كانَتْ ما عِبارَةً عَنْ آلِهَتِهِمُ الباطِلَةِ فَقَطْ وإنَّهم كانُوا في حالَةِ السَّرّاءِ يَدْعُونَها وحْدَها كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ ظاهِرُ ما بَعْدُ، فالِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ، وفُسِّرَ الدُّعاءُ عَلى هَذا بِدُعاءِ العِبادَةِ واللُّجْأِ.

وقالَ أبُو حَيّانَ: الظّاهِرُ الِانْقِطاعُ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمْ يَنْدَرِجْ في مَن تَدْعُونَ؛ إذِ المَعْنى: ضَلَّتْ آلِهَتُهم أيْ مَعْبُوداتُهم وهم لا يَعْبُدُونَ اللَّهَ تَعالى. وتُعُقِّبَ بِأنَّ مُقْتَضى كَوْنِهِمْ مُشْرِكِينَ أنَّهم يَعْبُدُونَهُ سُبْحانَهُ أيْضًا لَكِنْ عَلى طَرِيقِ الإشْراكِ بَلْ قَوْلُهم ﴿ما نَعْبُدُهم إلا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ كَما قَصَّ سُبْحانَهُ عَنْهم يَقْتَضِي أنَّهُ جَلَّ مَجْدُهُ المَعْبُودُ الحَقِيقِيُّ عِنْدَهُمْ، وقَدْ يُقالُ: إنَّ الشّارِعَ أسْقَطَ مِثْلَ هَذِهِ العِبادَةِ عَنْ دَرَجَةِ الِاعْتِبارِ فَهم غَيْرُ عابِدِينَ اللَّهَ جَلَّ وعَلا شَرْعًا بَلْ قِيلَ إنَّهم غَيْرُ عابِدِينَ لُغَةً أيْضًا؛ لِأنَّ العِبادَةَ لُغَةً غايَةُ الخُضُوعِ والتَّذَلُّلِ ولا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ مَعَ الشَّرِكَةِ ولَوْ عَلى الوَجْهِ الَّذِي زَعَمُوهُ فَتَأمَّلْ.

وجَوَّزَ غَيْرُ واحِدٍ أنْ يَكُونَ المَعْنى: ضَلَّ مَن تَدْعُونَهُ عَنْ إغاثَتِكم إلّا إيّاهُ تَعالى، والضَّلالُ فِيهِ إمّا بِمَعْنى الغَيْبَةِ أوْ بِمَعْنى عَدَمِ الِاهْتِداءِ مِنهُ كَأنَّهُ قِيلَ: ضَلَّ عَنْ مَحَجَّةِ الصَّوابِ في إنْقاذِكم ولَمْ يَقْدِرْ عَلى ذَلِكَ، وأمْرُ الِاسْتِثْناءِ مِنَ الِاتِّصالِ والِانْقِطاعِ ومَبْنى كُلٍّ عَلى حالِهِ، والزَّمَخْشَرِيُّ جَوَّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى: ضَلَّ مَن تَدْعُونَ مِنَ الآلِهَةِ عَنْ إغاثَتِكم ولَكِنَّ اللَّهَ تَعالى هو الَّذِي تَرْجُونَهُ وجَعَلَ الِاسْتِثْناءَ عَلَيْهِ مُنْقَطِعًا فَقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ لِتَخْصِيصِهِ المَدْعُوِّينَ بِالآلِهَةِ.

وفِي الكَشْفِ: لَعَلَّ الوَجْهَ فِيهِ أنَّهُ تَعالى ما كانُوا يَدْعُونَهُ أيْ: دُعاءَ العِبادَةِ واللُّجْأِ إلّا في تِلْكَ الحالَةِ، وأمّا في حالَةِ السَّرّاءِ فَيَخُصُّونَ آلِهَتَهم بِالدُّعاءِ، والتَّحْقِيقُ أنَّ الضَّلالَ بِهَذا المَعْنى لَمْ يَتَناوَلِ الحَقَّ سُبْحانَهُ لِأنَّ مَعْناهُ: ضَلَّ المَدْعُوُّونَ وغابُوا عَنْ إغاثَتِهِمْ ولا يُرادُ غابُوا وحَضَرَ جَلَّ وعَلا بَلِ المُرادُ ولَكِنْ رَجَوْا أنْ يُغِيثَهم ولا يَخْذُلَهم فِعْلُ المَدْعُوِّينَ عَلى حُسْبانِهِمْ وهَذا هو الوَجْهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى اه. ومَبْنى التَّحْقِيقِ لا يَخْفى عَلى المُتَدَرِّبِ في عِلْمِ النَّحْوِ.

هَذا ومِنَ اللَّطائِفِ أنَّ بَعْضَ النّاسِ قالَ لِبَعْضِ الأئِمَّةِ: أثْبِتْ لِي وُجُودَ اللَّهِ تَعالى ولا تَذْكُرْ لِي الجَوْهَرَ والعَرَضَ. فَقالَ لَهُ: هَلْ رَكِبْتَ البَحْرَ؟ قالَ: نَعَمْ. قالَ: فَهَلْ عَصَفَتِ الرِّيحُ؟ قالَ: نَعَمْ. قالَ: فَهَلْ أشْرَفَتْ بِكَ السَّفِينَةُ عَلى الغَرَقِ؟ قالَ: نَعَمْ. قالَ: فَهَلْ يَئِسْتَ مِن نَفْعِ مَن في السَّفِينَةِ ونَحْوِهِمْ مِنَ المَخْلُوقِينَ لَكَ وإنْجائِهِمْ مِمّا أنْتَ فِيهِ إيّاكَ؟ قالَ نَعَمْ. قالَ: فَهَلْ بَقِيَ قَلْبُكَ مُتَعَلِّقًا بِشَيْءٍ غَيْرِ أُولَئِكَ؟ قالَ: نَعَمْ. قالَ: ذَلِكَ هو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ. فاسْتَحْسَنَ ذَلِكَ.

﴿فَلَمّا نَجّاكُمْ﴾ مِنَ الضُّرِّ وأوْصَلَكم ﴿إلى البَرِّ أعْرَضْتُمْ﴾ عَنْ ذِكْرِهِ تَعالى بَعْدَ أنْ كُنْتُمْ غَيْرَ ذاكِرِينَ إلّا إيّاهُ سُبْحانَهُ أوْ أعْرَضْتُمْ عَنْ تَوْحِيدِهِ جَلَّ وعَلا أوْ عَنْ شُكْرِهِ عَزَّ وجَلَّ بِتَوْحِيدِهِ وطاعَتِهِ سُبْحانَهُ أوْ تَوَغَّلْتُمْ في التَّوَسُّعِ في كُفْرانِ النِّعْمَةِ عَلى أنَّهُ مِنَ العَرْضِ مُقابِلَ الطُّولِ، وجُعِلَ كِنايَةً عَنْ ذَلِكَ كَما في قَوْلِ ذِي الرُّمَّةِ:

عَطاءَ فَتًى تَمَكَّنَ في المَعالِي ∗∗∗ فَأعْرَضَ في المَكارِمِ واسْتَطالا

وكَأنَّهُ أُرِيدَ: أعْرَضْتُمْ واسْتَطَلْتُمْ في الكُفْرانِ إلّا أنَّهُ اسْتَغْنى بِذِكْرِ العَرْضِ عَنْ ذِكْرِ الطُّولِ لِلُزُومِهِ لَهُ.

﴿وكانَ الإنْسانُ كَفُورًا﴾ كالتَّعْلِيلِ لِلْإعْراضِ وهو بَيانٌ لِحُكْمِ الجِنْسِ ويُعْلَمُ مِنهُ حُكْمُ أُولَئِكَ المُخاطَبِينَ

صفحة 116

وفِيهِ لَطافَةٌ حَيْثُ أعْرَضَ سُبْحانَهُ عَنْ خِطابِهِمْ بِخُصُوصِهِمْ وذَكَرَ أنَّ جِنْسَ الإنْسانِ مَجْبُولٌ عَلى الكُفْرانِ فَلَمّا أعْرَضُوا أعْرَضَ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَنْهم.

17:68Page 289

أَفَأَمِنتُمۡ أَن يَخۡسِفَ بِكُمۡ جَانِبَ ٱلۡبَرِّ أَوۡ يُرۡسِلَ عَلَيۡكُمۡ حَاصِبٗا ثُمَّ لَا تَجِدُواْ لَكُمۡ وَكِيلًا ٦٨

Then do you feel secure that [instead] He will not cause a part of the land to swallow you or send against you a storm of stones? Then you would not find for yourselves an advocate.

﴿أفَأمِنتُمْ﴾ الهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ عَلى مَعْنى أنَّهُ لا يَنْبَغِي الأمْنُ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مَحْذُوفٍ مُتَوَسِّطٍ بَيْنَها وبَيْنَ الهَمْزَةِ، أيْ: أنَجَوْتُمْ فَأمِنتُمْ وهو مَذْهَبُ بَعْضِ النَّحْوِيِّينَ، واخْتارَ بَعْضُهم أنَّ الهَمْزَةَ مُقَدَّمَةٌ مِن تَأْخِيرٍ لِأصالَتِها في الصَّدارَةِ والعَطْفِ عَلى ما قَبْلَهُ، وجُمْلَةُ ( كانَ الإنْسانُ ) إلَخْ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ ولا حَذْفَ في مِثْلِ ذَلِكَ وهو مَذْهَبُ الأكْثَرِينَ لَكِنْ لا يَظْهَرُ تَسَبُّبُ الإنْكارِ لِلْأمْنِ عَلى ما قَبْلُ عَلى ما يَقْتَضِيهِ هَذا المَذْهَبُ بَلِ الظّاهِرُ تَرَتُّبُهُ عَلى النَّجاةِ فَقَطْ ولا مَدْخَلَ لِلْإعْراضِ في تَسَبُّبِ الإنْكارِ، والحَقُّ عِنْدِي في أمْثالِ ذَلِكَ ما فِيهِ اسْتِقامَةُ المَعْنى مِن غَيْرِ تَكَلُّفٍ ولا يَتَعَيَّنُ التِزامُ أحَدِ المَذْهَبَيْنِ وإنْ أدّى إلى التَّكَلُّفِ فَإنَّهُ تَعَصُّبٌ مَحْضٌ، والخِطابُ لِمَن تَقَدَّمَ أفَأمِنتُمْ أيُّها المُعْرِضُونَ عِنْدَ النَّجاةِ ﴿أنْ يَخْسِفَ بِكم جانِبَ البَرِّ﴾ الَّذِي هو مَأْمَنُكُمْ؛ أيْ أنَّ يُغَيِّبَهُ اللَّهُ تَعالى ويَذْهَبَ بِهِ في أعْماقِ الأرْضِ مُصاحِبًا بِكم أيْ وأنْتُمْ عَلَيْهِ عَلى أنَّ الباءَ لِلْمُصاحَبَةِ والجارَّ والمَجْرُورَ في مَوْضِعِ الحالِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ؛ أيْ أنْ يُغَيِّبَهُ سُبْحانَهُ بِسَبَبِكُمْ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن قَلْبِهِ بِسَبَبِهِمْ أنْ يَكُونُوا مُهْلَكِينَ مَخْسُوفًا بِهِمْ. وأُجِيبَ بِأنَّهُ حَيْثُ كانَ المُرادُ مِن جانِبِ البَرِّ جانِبُهُ الَّذِي هم فِيهِ اسْتَلْزَمَ خَسْفُهُ هَلاكَهم ولَوْلا هَذا لَمْ يَكُنْ في التَّوَعُّدِ بِهِ فائِدَةٌ، ونُصِبَ ﴿جانِبَ﴾ في الوَجْهَيْنِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ لِيَخْسِفَ.

وفِي الدُّرِّ المَصُونِ أنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ وحِينَئِذٍ يَجُوزُ كَوْنُ الباءِ لِلتَّعْدِيَةِ عَلى مَعْنى أفَأمِنتُمْ أنْ يُغَيِّبَكم في ذَلِكَ.

وفِي القامُوسِ: خَسَفَ اللَّهُ تَعالى بِفُلانٍ الأرْضَ غَيَّبَهُ فِيها، والظّاهِرُ أنَّهُ بَيانٌ لِلْمَعْنى اللُّغَوِيِّ لِلَّفْظِ، وفي ذِكْرِ الجانِبِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهم عِنْدَما وصَلُوا السّاحِلَ أعْرَضُوا أوْ لِيَكُونَ المَعْنى أنَّ الجَوانِبَ والجِهاتِ مُتَساوِيَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلى قُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ وقَهْرِهِ وسُلْطانِهِ فَلَهُ في كُلِّ جانِبٍ بَرًّا كانَ أوْ بَحْرًا سَبَبُ مَرْصَدٍ مِن أسْبابِ الهَلَكَةِ فَلَيْسَ جانِبُ البَحْرِ وحْدَهُ مُخْتَصًّا بِذَلِكَ بَلْ إنْ كانَ الغَرَقُ في جانِبِ البَحْرِ فَفي جانِبِ البَرِّ ما هو مِثْلُهُ وهو الخَسْفُ لِأنَّهُ تَغْيِيبٌ تَحْتَ التُّرابِ كَما أنَّ الغَرَقَ تَغْيِيبٌ تَحْتَ الماءِ فَعَلى العاقِلِ أنْ يَخافَ مِنَ اللَّهِ تَعالى في جَمِيعِ الجَوانِبِ وحَيْثُ كانَ.

والأوَّلُ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يُرادَ بِجانِبِ البَرِّ طَرَفُهُ مِمّا يَلِي البَحْرَ وهو السّاحِلُ، وهَذا عَلى احْتِمالِ أنْ يُرادَ بِهِ ما يَشْتَمِلُ جَمِيعَ جَوانِبِهِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو «نَخْسِفَ» بِنُونِ العَظَمَةِ وكَذا في الأرْبَعَةِ الَّتِي بَعْدَهُ.

﴿أوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ﴾ مِن فَوْقِكم ﴿حاصِبًا﴾ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: هو مَطَرُ الحِجارَةِ، أيْ مَطَرًا يَحْصِبُكُمْ؛ أيْ: يَرْمِيكم بِالحَصْباءِ وهو صِغارُ الحِجارَةِ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ فَسَّرَ الحاصِبَ بِالحِجارَةِ نَفْسِها ولَعَلَّهُ حِينَئِذٍ صِيغَةُ نِسْبَةٍ؛ أيْ: ذا حَصَبٍ، ويُرادُ مِنهُ الرَّمْيُ، وقالَ الفَرّاءُ: الحاصِبُ الرِّيحُ الَّتِي تَرْمِي بِالحَصْباءِ، وقالَ الزَّجّاجُ: هو التُّرابُ الَّذِي فِيهِ الحَصْباءُ والصِّيغَةُ عَلَيْهِ صِيغَةُ نِسْبَةٍ أيْضًا، وجاءَ بِمَعْنى ما تَناثَرَ مِن دِقاقِ الثَّلْجِ والبَرَدِ، ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقَ:

مُسْتَقْبِلِينَ شَمالَ الشّامِ تَضْرِبُهم بِحاصِبٍ كَنَدِيفِ القُطْنِ مَنثُورِ

وبِمَعْنى السَّحابِ الَّذِي يَرْمِي بِهِما، واخْتارَ الزَّمَخْشَرِيُّ ومَن تَبِعَهُ تَفْسِيرَ الفَرّاءِ والظّاهِرُ أنَّ الكَلامَ عَلَيْهِ عَلى حَقِيقَتِهِ؛ فالمَعْنى: أوْ إنْ لَمْ يُصِبْكم بِالهَلاكِ مِن تَحْتِكم بِالخَسْفِ أصابَكم بِهِ مِن فَوْقِكم بِرِيحٍ يُرْسِلُها عَلَيْكم فِيها الحَصْباءُ يَرْجُمُكم بِها فَيَكُونُ أشَدَّ عَلَيْكم مِنَ الغَرَقِ في البَحْرِ، ويُقالُ نَحْوُ هَذا عَلى سائِرِ تَفاسِيرِ الحاصِبِ، وقالَ الخَفاجِيُّ

صفحة 117

فِي وصْفِ الرِّيحِ بِالرَّمْيِ بِالحَصْباءِ: إنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ شِدَّتِها، وذِكْرُها إشارَةٌ إلى أنَّهم خافُوا إهْلاكَ الرِّيحِ في البَحْرِ فَقِيلَ: إنْ شاءَ أهْلَكَكم بِالرِّيحِ في البَرِّ أيْضًا، ولا أدْرِي ما المانِعُ مِن إرادَةِ الظّاهِرِ والشَّدَّةُ تَلْزَمُ الرَّمْيَ المَذْكُورَ عادَةً والإشارَةُ هي الإشارَةُ ﴿ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكم وكِيلا﴾ تَكِلُونَ إلَيْهِ أُمُورَكم فَيَحْفَظُكم مِن ذَلِكَ أوْ يَصْرِفُهُ عَنْكم غَيْرَهُ جَلَّ وعَلا فَإنَّهُ لا رادَّ لِأمْرِهِ الغالِبِ جَلَّ جَلالُهُ.

17:69Page 289

أَمۡ أَمِنتُمۡ أَن يُعِيدَكُمۡ فِيهِ تَارَةً أُخۡرَىٰ فَيُرۡسِلَ عَلَيۡكُمۡ قَاصِفٗا مِّنَ ٱلرِّيحِ فَيُغۡرِقَكُم بِمَا كَفَرۡتُمۡ ثُمَّ لَا تَجِدُواْ لَكُمۡ عَلَيۡنَا بِهِۦ تَبِيعٗا ٦٩

Or do you feel secure that He will not send you back into it [i.e., the sea] another time and send upon you a hurricane of wind and drown you for what you denied?1 Then you would not find for yourselves against Us an avenger.2

﴿أمْ أمِنتُمْ﴾ أيْ: بَلْ أأمِنتُمْ ﴿أنْ يُعِيدَكم فِيهِ﴾ أيْ: في البَحْرِ الَّذِي نَجّاكم مِنهُ فَأعْرَضْتُمْ بِرُكُوبِ الفُلْكِ لا في الفُلْكِ لِأنَّها مُؤَنَّثَةٌ وأُوثِرَتْ كَلِمَةُ في عَلى كَلِمَةِ إلى المُنْبِئَةِ عَنْ مُجَرَّدِ الِانْتِهاءِ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِقْرارِهِمْ فِيهِ ﴿تارَةً أُخْرى﴾ أيْ: مَرَّةً غَيْرَ المَرَّةِ الأُولى، وهو مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ ويُجْمَعُ عَلى تاراتٍ وتِيَرٍ كَما في قَوْلِهِ: يَقُومُ تاراتٍ ويَمْشِي تِيَرًا ورُبَّما حَذَفُوا مِنهُ الهاءَ كَقَوْلِهِ:

بِالوَيْلِ تارًا والثُّبُورِ تارا

وإسْنادُ الإعادَةِ إلَيْهِ تَعالى مَعَ أنَّ العَوْدَ بِاخْتِيارِهِمْ ومِمّا يُنْسَبُ إلَيْهِمْ وإنْ كانَ مَخْلُوقًا لَهُ سُبْحانَهُ كَسائِرِ أفْعالِهِمْ بِاعْتِبارِ خَلْقِ الدَّواعِي فِيهِمُ المُلْجِئَةِ إلى ذَلِكَ، وفِيهِ إيماءٌ إلى كَمالِ شِدَّةِ هَوْلِ ما لا قُوَّةَ في التّارَةِ الأُولى بِحَيْثُ لَوْلا الإعادَةُ ما عادُوا ﴿فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ﴾ وأنْتُمْ في البَحْرِ ﴿قاصِفًا مِنَ الرِّيحِ﴾ وهي الرِّيحُ الشَّدِيدَةُ الَّتِي تَقْصِفُ ما تَمُرُّ بِهِ مِنَ الشَّجَرِ ونَحْوِهِ أوِ الَّتِي لَها قَصِيفٌ وهو الصَّوْتُ الشَّدِيدُ كَأنَّها تَتَقَصَّفُ أيْ تَتَكَسَّرُ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ: القاصِفُ مِنَ الرِّيحِ الرِّيحُ الَّتِي تُغْرِقُ، وقِيلَ: الرِّيحُ المُهْلِكَةُ في البَرِّ حاصِبٌ، والرِّيحُ المُهْلِكَةُ في البَحْرِ قاصِفٌ، والعاصِفُ كالقاصِفِ كَما رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وفي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ تَفْسِيرُ القاصِفِ بِالعاصِفِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: «مِنَ الرِّياحِ» بِالجَمْعِ ﴿فَيُغْرِقَكُمْ﴾ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِواسِطَةِ ما يَنالُ فُلْكَكم مِنَ القاصِفِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: «فَتُغْرِقَكُمْ» بِالتّاءِ ثالِثَةِ الحُرُوفِ عَلى أنَّ الفِعْلَ مُسْنَدٌ إلى الرِّيحِ، والحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ: (فَيُغْرِقَكُمْ) بِالياءِ آخِرِ الحُرُوفِ وفَتْحِ الغَيْنِ وشَدِّ الرّاءِ، وفي رِوايَةٍ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ بِالتّاءِ لا الياءِ، وقَرَأ حُمَيْدٌ بِالنُّونِ وإسْكانِ الغَيْنِ وإدْغامِ القافِ في الكافِ ورُوِيَتْ عَنْ أبِي عَمْرٍو وابْنِ مُحَيْصِنٍ ﴿بِما كَفَرْتُمْ﴾ أيْ: بِسَبَبِ كُفْرِكُمُ السّابِقِ وهو إعْراضُهم عِنْدَ الإنْجاءِ في المَرَّةِ الأُولى، وقِيلَ: بِسَبَبِ كُفْرِكُمُ الَّذِي هو دَأْبُكم دائِمًا.

﴿ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكم عَلَيْنا بِهِ تَبِيعًا﴾ أيْ: نَصِيرًا كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أوْ ثائِرًا يَطْلُبُنا بِما فَعَلْنا انْتِصارًا مِنّا أوْ دَرَكًا لِلثّارِ مِن جِهَتِنا، فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَوّاها﴾ ﴿ولا يَخافُ عُقْباها﴾ كَما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ، وضَمِيرُ «بِهِ» قِيلَ لِلْإرْسالِ، وقِيلَ: لِلْإغْراقِ، وقِيلَ: لَهُما بِاعْتِبارِ ما وقَعَ ونَحْوِهِ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ وكَأنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا جَعَلَ الغَرَقَ بَيْنَ الإعادَةِ إلى البَحْرِ انْتِقامًا في مُقابَلَةِ الكُفْرِ عَقَّبَهُ تَعالى بِنَفْيِ وِجْدانِ التَّبِيعِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: نَنْتَقِمُ مِن غَيْرِ أنْ يَقُومَ لِنَصْرِكم فَهو وعِيدٌ عَلى وعِيدٍ، وجَعْلُ ما قَبْلُ مِن شَقِّ العَذابِ كَمَسِّ الضُّرِّ في البَحْرِ عَقَّبَهُ بِنَفْيِ وِجْدانِ الوَكِيلِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: لا تَجِدُونَ مَن تَتَّكِلُونَ عَلَيْهِ في دَفْعِهِ غَيْرَهُ تَعالى لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إلا إيّاهُ﴾ وهَذا اخْتِيارُ صاحِبِ الكَشْفِ فَلا تَغْفُلْ.

17:70Page 289

۞ وَلَقَدۡ كَرَّمۡنَا بَنِيٓ ءَادَمَ وَحَمَلۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ وَرَزَقۡنَٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَفَضَّلۡنَٰهُمۡ عَلَىٰ كَثِيرٖ مِّمَّنۡ خَلَقۡنَا تَفۡضِيلٗا ٧٠

And We have certainly honored the children of Adam and carried them on the land and sea and provided for them of the good things and preferred them over much of what We have created, with [definite] preference.

﴿ولَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ﴾ أيْ: جَعَلْناهم قاطِبَةً بَرَّهم وفاجِرَهم ذَوِي كَرَمٍ أيْ شَرَفٍ ومَحاسِنَ جَمَّةٍ لا يُحِيطُ بِها نِطاقُ الحَصْرِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما كَرَّمَهم سُبْحانَهُ بِالعَقْلِ، وفي رِوايَةٍ بِتَناوُلِهِمُ الطَّعامَ بِأيْدِيهِمْ لا بِأفْواهِهِمْ كَسائِرِ الحَيَواناتِ.

وعَنِ الضَّحّاكِ بِالنُّطْقِ، وعَنْ عَطاءٍ بِتَعْدِيلِ القامَةِ وامْتِدادِها، وعَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ بِالمَطاعِمِ واللَّذّاتِ، وعَنْ يَمانٍ بِحُسْنِ

صفحة 118

الصُّورَةِ، وعَنِ ابْنِ جَرِيرٍ بِالتَّسَلُّطِ عَلى غَيْرِهِمْ مِنَ الخَلْقِ وتَسْخِيرِهِ لَهُمْ، وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ بِجَعْلِ مُحَمَّدٍ ﷺ مِنهم.

وقِيلَ: بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى أباهم آدَمَ بِيَدَيْهِ، وقِيلَ: بِتَدْبِيرِ المَعاشِ والمَعادِ، وقِيلَ: بِالخَطِّ، وقِيلَ: بِاللِّحْيَةِ لِلرَّجُلِ والذُّؤابَةِ لِلْمَرْأةِ، وقِيلَ وقِيلَ والكُلُّ في الحَقِيقَةِ عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ ومَنِ ادَّعى الحَصْرَ في واحِدٍ كابْنِ عَطِيَّةَ حَيْثُ قالَ:

إنَّما التَّكْرِيمُ بِالعَقْلِ لا غَيْرُ، فَقَدِ ادَّعى غَلَطًا ورامَ شَطَطًا وخالَفَ صَرِيحَ العَقْلِ وصَحِيحَ النَّقْلِ؛ ولِذا اسْتَدَلَّ الإمامُ الشّافِعِيُّ بِالآيَةِ عَلى عَدَمِ نَجاسَةِ الآدَمِيِّ بِالمَوْتِ ﴿وحَمَلْناهم في البَرِّ والبَحْرِ﴾ عَلى أكْبادٍ رَطْبَةٍ وأعْوادٍ يابِسَةٍ مِنَ الدَّوابِّ والسُّفُنِ فَهو مِن حَمَلْتُهُ عَلى كَذا إذا أعْطَيْتَهُ ما يَرْكَبُهُ ويَحْمِلُهُ فالمَحْمُولُ عَلَيْهِ مُقَدَّرٌ بِقَرِينَةِ المَقامِ.

وقِيلَ: المُرادُ مِن حَمْلِهِمْ في البَرِّ والبَحْرِ جَعْلُهم قارِّينَ فِيهِما بِأنْ لَمْ يَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ ولَمْ يُغْرِقْهم بِالماءِ، والأوَّلُ أنْسَبُ بِالتَّكْرِيمِ؛ إذْ لا يَثْبُتُ لِشَيْءٍ مِنَ الحَيَواناتِ سِواهم بِخِلافِ الثّانِي ﴿ورَزَقْناهم مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ أيْ فُنُونِ النِّعَمِ وضُرُوبِ المُسْتَلَذّاتِ مِمّا يَحْصُلُ بِصُنْعِهِمْ وبِغَيْرِ صُنْعِهِمْ مِنَ المَأْكُولاتِ والمَلْبُوساتِ والمَفْرُوشاتِ والمُقْتَنَياتِ وغَيْرِ ذَلِكَ ﴿وفَضَّلْناهُمْ﴾ قِيلَ: أيْ بِالتَّكْرِيمِ المَذْكُورِ ﴿عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلا﴾ عَظِيمًا، والمُرادُ أنَّ ذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِهِمْ بِالنِّسْبَةِ إلى الكَثِيرِ فَلَمْ يُكَرَّمِ الكَثِيرُ كَما كُرِّمُوا، وبَحَثَ الإمامُ في هَذا المَقامِ بِأنَّهُ تَعالى قالَ أوَّلًا: ﴿ولَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ﴾ وقالَ سُبْحانَهُ هُنا: ﴿وفَضَّلْناهُمْ﴾ فَلا بُدَّ مِن فَرْقٍ بَيْنَ التَّكْرِيمِ والتَّفْضِيلِ لِئَلّا يَلْزَمَ التَّكْرارُ.

والأقْرَبُ في ذَلِكَ أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى فَضَّلَ الإنْسانَ عَلى سائِرِ الحَيَواناتِ بِأُمُورٍ خِلْقِيَّةٍ طَبِيعِيَّةٍ ذاتِيَّةٍ مِثْلَ العَقْلِ والنُّطْقِ والخَطِّ والصُّورَةِ الحَسَنَةِ والقامَةِ المَدِيدَةِ ثُمَّ إنَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَرَّضَهُ بِواسِطَةِ العَقْلِ والفَهْمِ لِاكْتِسابِ العَقائِدِ الحَقَّةِ والأخْلاقِ الفاضِلَةِ فالأوَّلُ هو التَّكْرِيمُ والثّانِي هو التَّفْضِيلُ فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَضَّلْناهم بِالتَّعْرِيضِ لِاكْتِسابِ ما فِيهِ النَّجاةُ والزُّلْفى بِواسِطَةِ ما كَرَّمْناهم بِهِ مِن مَبادِئِ ذَلِكَ فَعَلَيْهِمْ أنْ يَشْكُرُوا ويَصْرِفُوا ما خُلِقَ لَهم لِما خُلِقَ لَهُ فَيُوَحِّدُوا اللَّهَ تَعالى ولا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ويَرْفُضُوا ما هم عَلَيْهِ مِن عِبادَةِ غَيْرِهِ عَزَّ وجَلَّ، ويُقالُ نَحْوُ هَذا عَلى ما سَبَقَ أيْضًا بِقَلِيلِ تَغْيِيرٍ.

وقالَ الطِّيبِيُّ: قَدْ كَرَّرَ في الآيَةِ ما يُنْبِئُ عَنْ غايَةِ المَدْحِ مِن ذِكْرِ الكَرامَةِ والتَّفْضِيلِ وتَسْخِيرِ الأشْياءِ عَلى سَبِيلِ التَّرَقِّي كَأنَّهُ قِيلَ: ولَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ بِكَرامَةِ أبِيهِمْ عَلَيْهِ السَّلامُ ثُمَّ سَخَّرْنا لَهُمُ الأشْياءَ ورَزَقْناهم مِنَ الطَّيِّباتِ ثُمَّ فَضَّلْناهم تَفْضِيلًا أيَّ تَفْضِيلٍ؛ ولِذا عَقَّبَ بِها قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا﴾ إلَخْ وهو لِبَيانِ كَرامَةِ أبِيهِمْ وما تَوَسَّطَ بَيْنَهُما مِنَ الآياتِ كالِاسْتِطْرادِ والِاعْتِراضِ إلى آخِرِ ما قالَ، ويُعْلَمُ مِنهُ دَفْعُ التَّكْرارِ وإنْ لَمْ يَسُقْهُ لِذَلِكَ الغَرَضِ، وفِيهِ تَخْصِيصُ التَّكْرِيمِ، وكَذا فِيما قِيلَ: إنَّ التَّكْرِيمَ بِالنِّعَمِ الَّتِي يَصِحُّ بِها التَّكْلِيفُ والتَّفْضِيلَ بِالتَّكْلِيفِ الَّذِي عَرَّضَهم بِهِ لِلْمُنازَلَةِ الرَّفِيعَةِ، والمُرادُ بِالكَثِيرِ مِن عَدا المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عِنْدَ الكَثِيرِ ومِنهُمُ الزَّمَخْشَرِيُّ وزَعَمَ أنَّ الآيَةَ صَرِيحَةٌ في تَفْضِيلِ المَلَكِ عَلى البَشَرِ وشَنَّعَ عَلى أهْلِ السُّنَّةِ تَشْنِيعًا أقْذَعَ فِيهِ.

والحَقُّ أنَّها لا تَصْلُحُ لِلِاحْتِجاجِ عَلى التَّفْضِيلِ المُتَنازَعِ فِيهِ، فَفي الكَشْفِ أنَّ الظّاهِرَ مِن سِياقِ الآيَةِ أنَّهُ حَثٌّ لِلْإنْسانِ عَلى الشُّكْرِ وعَلى أنْ لا يُشْرِكَ بِهِ تَعالى حَيْثُ ذَكَرَ ما في البَرِّ والبَحْرِ مِن حُسْنِ كِلاءَتِهِ سُبْحانَهُ لَهُ وضَمَّنَ فِيهِ أنَّهُ جَلَّ وعَلا هَداهم إلى الفُلْكِ وصَنْعَتِهِ وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ الفَوائِدِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الفُلْكَ﴾ الآياتِ. فَقالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ولَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ﴾ أيْ: هَذا النَّوْعَ مِن بَيْنِ سائِرِ الأنْواعِ بِاصْطِناعاتٍ خَصَصْناهم بِها فَذَكَرَ تَعالى مِنها حَمْلَهم في البَرِّ والبَحْرِ ورِزْقَهم مِنَ الطَّيِّباتِ وتَفْضِيلَهم عَلى كَثِيرٍ مِنَ المَخْلُوقاتِ وهَذا التَّفْضِيلُ لا يُرادُ مِنهُ عِظَمُ الدَّرَجَةِ وزِيادَةُ القُرْبَةِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى وهو المُتَنازَعُ فِيهِ لِأنَّ الحُكْمَ لِلنَّوْعِ مِن حَيْثُ هُوَ، وذَكَرَ

صفحة 119

اللَّهُ تَعالى لِذَلِكَ مُوجِباتٍ تَعُمُّ الصّالِحَ والطّالِحَ فَسَواءٌ دَخَلَ في هَذا الكَثِيرِ المَلائِكَةُ أوْ لَمْ يَدْخُلْ لَمْ يَدُلَّ عَلى الأفْضَلِيَّةِ بِالمَعْنى المَذْكُورِ فَلا يَصْلُحُ لِاحْتِجاجِ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ اه.

ثُمَّ إنَّهُ عَلى فَرْضِ أنَّ التَّفْضِيلَ بِالمَعْنى المُتَنازَعِ فِيهِ لا تَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّ المَلَكَ أفْضَلُ مِنَ البَشَرِ إلّا بِطَرِيقِ المَفْهُومِ وفي حُجِّيَّتِهِ خِلافٌ، وأبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لا يَقُولُ بِهِ عَلى أنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهم فُضِّلُوا عَلى الكَثِيرِ ولَمْ يُفَضَّلُوا عَلى مُقابِلِهِ وهو يَحْتَمِلُ المُساواةَ وتَفْضِيلَ المُقابِلِ فَلَيْسَ نَصًّا في مَذْهَبِ الزَّمَخْشَرِيِّ.

وجَعَلَ الطِّيبِيُّ «مِن» بَيانِيَّةً كَما في قَوْلِكَ: بَذَلْتُ لَهُ العَرِيضَ مِن جاهِي، أيْ: فَضَّلْناهم عَلى الكَثِيرِينَ الَّذِينَ خَلَقْناهم مِن ذَوِي العُقُولِ كَما هو الظّاهِرُ مِن (مِن) وهم مُنْحَصِرُونَ في المَلَكِ والجِنِّ والبَشَرِ فَحَيْثُ خَرَجَ البَشَرُ لِأنَّ الشَّيْءَ لا يُفَضَّلُ عَلى نَفْسِهِ بَقِيَ المَلَكُ والجِنُّ فَيَكُونُ المُرادُ بَيانَ تَفْضِيلِ البَشَرِ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ مَقامُ المَدْحِ؛ فَإنَّ الآيَةَ مَسُوقَةٌ لَهُ، وإذا جُعِلَتْ لِلتَّبْعِيضِ كانَ ﴿مِمَّنْ خَلَقْنا﴾ بَدَلًا؛ أيْ: فَضَّلْناهم عَلى بَعْضِ المَخْلُوقِينَ.

وذِكْرُ البَعْضِ في هَذا المَقامِ يَدُلُّ عَلى تَعْظِيمِ المُفَضَّلِ عَلَيْهِ كَما قُرِّرَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ورَفَعَ بَعْضَهم دَرَجاتٍ﴾ وأيُّ مَدْحٍ لِبَنِي آدَمَ وإثْباتٍ لِلْفَضْلِ والكَرامَةِ بِالجُمْلَةِ القَسَمِيَّةِ إذا جُعِلُوا مُفَضَّلِينَ عَلى الجِنِّ والشَّياطِينِ عَلى أنَّ صِفَةَ الكَثْرَةِ إذا جُعِلَتْ مُخَصِّصَةً لِإخْراجِ البَعْضِ كانَتِ المَلائِكَةُ أوْلى مِنَ الجِنِّ والشَّياطِينِ لِأنَّهم هُمُ المَوْصُوفُونَ بِالكَثْرَةِ كَما تَدُلُّ عَلَيْهِ الأخْبارُ الكَثِيرَةُ كَخَبَرِ أطِيطِ السَّماءِ وخَبَرِ نُزُولِ قَطَراتِ المَطَرِ وخَبَرِ ما يَدْخُلُ البَيْتَ المَعْمُورَ في كُلِّ يَوْمٍ مِنَ المَلائِكَةِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وإلَيْهِ يُنْظَرُ قَوْلُ صاحِبِ التَّقْرِيبِ إنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِكَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا المَلائِكَةُ إذْ هم كَثِيرٌ مِنَ العُقَلاءِ المَخْلُوقِينَ اه.

وتُعُقِّبَ بِأنَّ ما ذَكَرَهُ مِن حَمْلِ ﴿مَن خَلَقْنا﴾ عَلى تَعْمِيمِ ذَوِي العُقُولِ مَقْبُولٌ؛ فَإنَّ تَفْضِيلَهم عَلى غَيْرِ ذَوِي العُقُولِ حِينَئِذٍ آتٍ مِن طَرِيقِ مَفْهُومِ المُوافَقَةِ فَلا حاجَةَ إلى ارْتِكابِ خِلافِ الظّاهِرِ واعْتِبارِ تَغْلِيبِهِمْ لِيَعُمَّهم وغَيْرَهَمْ لَكِنَّ حَمْلَ مِن عَلى البَيانِ غَيْرُ مَقْبُولٍ؛ فَإنَّهُ بَعِيدٌ جِدًّا لِأنَّ قَيْدَ الكَثْرَةِ يَضِيعُ عَلَيْهِ حَمْلُ مِن عَلى التَّعْمِيمِ التَّغْلِيبِيِّ أوِ الوَضْعِيِّ ولِأنَّ اسْتِعْمالَهُ في التَّبْعِيضِ شائِعٌ أيْنَما وقَعَ في التَّنْزِيلِ واسْتِعْمالاتِ الفُصَحاءِ وهو أكْثَرُ تَعَسُّفًا مِن حَمْلِهِ عَلى الغايَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: فامْسَحُوا بِرُءُوسِكم وأرْجُلِكم مِنهُ، عَلى ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ فِيهِ وأنَّهُ إذا قُوبِلَ بِشَيْءٍ آخَرَ دَلَّ عَلى القِلَّةِ في المُقابِلِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمِنهم مُهْتَدٍ وكَثِيرٌ مِنهم فاسِقُونَ﴾ فَإنَّهُ صَرَّحَ بِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ الغَلَبَةَ لِلْفُسّاقِ لِلْمُقابَلَةِ أمّا ورَدَ ابْتِداءً فَرُبَّما كانَ الأكْثَرُ خِلافَ ذَلِكَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِن عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ﴾ فَقَوْلُهُ إنَّ صِفَةَ الكَثْرَةِ إذا جُعِلَتْ مُخَصِّصَةً إلَخْ كَلامٌ لَمْ يَصْدُرْ عَنْ ثَبْتٍ، ولِهَذِهِ النُّكْتَةِ قالَ صاحِبُ التَّقْرِيبِ: يُحْتَمَلُ دَلالَةً عَلى أنَّهُ مَرْجُوحٌ.

هَذا ثُمَّ إنَّ مَسْألَةَ التَّفْضِيلِ مُخْتَلَفٌ فِيها بَيْنَ أهْلِ السُّنَّةِ، فَمِنهم مَن ذَهَبَ إلى تَفْضِيلِ المَلائِكَةِ وهو مَذْهَبُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما واخْتِيارُ الزَّجّاجِ عَلى ما رَواهُ الواحِدِيُّ في البَسِيطِ، ومِنهم مَن فَصَّلَ فَقالَ: إنَّ الرُّسُلَ مِنَ البَشَرِ أفْضَلُ مُطْلَقًا ثُمَّ الرُّسُلُ مِنَ المَلائِكَةِ عَلى مَن سِواهم مِنَ البَشَرِ والمَلائِكَةِ ثُمَّ عُمُومُ المَلائِكَةِ عَلى عُمُومِ البَشَرِ وهَذا ما عَلَيْهِ أصْحابُ الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ وكَثِيرٌ مِنَ الشّافِعِيَّةِ والأشْعَرِيَّةِ، ومِنهم مَن عَمَّمَ

صفحة 120

تَفْضِيلَ الكُمَّلِ مِن نَوْعِ الإنْسانِ نَبِيًّا كانَ أوْ ولِيًّا، ومِنهم مَن فَضَّلَ الكُرُوبِيِّينَ مِنَ المَلائِكَةِ مُطْلَقًا ثُمَّ الرُّسُلَ مِنَ البَشَرِ ثُمَّ الكُمَّلَ مِنهم ثُمَّ عُمُومَ المَلائِكَةِ عَلى عُمُومِ البَشَرِ.

وهَذا ما عَلَيْهِ الإمامُ الرّازِيُّ وبِهِ يُشْعِرُ كَلامُ الغَزالِيِّ في مَواضِعَ عَدِيدَةٍ في كُتُبِهِ، ومِن هَذا يُعْلَمُ أنَّ إطْلاقَ القَوْلِ بِأنَّ أهْلَ السُّنَّةِ يُفَضِّلُونَ البَشَرَ عَلى المَلَكِ لَيْسَ عَلى ما يَنْبَغِي، وهَذِهِ المَسْألَةُ ومَسْألَةُ تَفْضِيلِ الأئِمَّةِ لَيْسَتا مِمّا يُبَدَّعُ الذّاهِبُ إلى أحَدِ طَرَفَيْهِما عَلى ما في الكَشْفِ؛ إذْ لا يَرْجِعُ إلى أصْلٍ في الِاعْتِقادِ ولا يَسْتَنِدُ إلى قَطْعِيٍّ بَعْدَ أنْ يَسْلَمَ مِنَ الطَّعْنِ وما يُخِلُّ بِتَعْظِيمٍ في المَسْألَتَيْنِ لَكِنَّ المَشْهُورَ في مَسْألَةِ تَفْضِيلِ الأئِمَّةِ أنَّ القَوْلَ بِخِلافِ ما اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ رَأْيُ أهْلِ السُّنَّةِ ابْتِداعٌ، ومَن أنْصَفَ قالَ بِما في الكَشْفِ فَهَذْرُ الزَّمَخْشَرِيِّ عَلى مَن خالَفَهُ مَحْضُ جَهالَةٍ إذا لَمْ يَكُنْ بِتِلْكَ الغايَةِ فَكَيْفَ وهو قَدْ بَلَغَ فِيهِ مِنَ السَّفاهَةِ غايَتَها ومِنَ البَذاذَةِ نِهايَتَها وسَيَرى جَزاءَ ذَلِكَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском