Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-Isra 17:75–77
17:75Page 289
إِذٗا لَّأَذَقۡنَٰكَ ضِعۡفَ ٱلۡحَيَوٰةِ وَضِعۡفَ ٱلۡمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيۡنَا نَصِيرٗا ٧٥
Then [if you had], We would have made you taste double [punishment in] life and double [after] death. Then you would not find for yourself against Us a helper.
﴿إذًا﴾ أيْ: لَوْ قارَبْتَ أنْ تَرْكَنَ إلَيْهِمْ أدْنى رَكْنَةٍ ﴿لأذَقْناكَ ضِعْفَ الحَياةِ﴾ أيْ: مُضاعَفَ الحَياةِ وهو صِفَةُ مَحْذُوفٍ، والإضافَةُ عَلى مَعْنى في أوْ لِلْمُلابَسَةِ، أيْ: عَذابًا مُضاعَفًا في الحَياةِ، والمُرادُ بِها الحَياةُ الدُّنْيا لِأنَّهُ المُتَبادِرُ عِنْدَ إطْلاقِ لَفْظِها وكَذا يُقالُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وضِعْفَ المَماتِ﴾ أيْ: وعَذابًا ضِعْفًا في المَماتِ، والمُرادُ بِهِ ما يَشْمَلُ العَذابَ في القَبْرِ وبَعْدَ البَعْثِ، واسْتَسْهَلَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ مِن أوَّلِ الأمْرِ لَأذَقْناكَ ضِعْفَ عَذابِ الحَياةِ وضِعْفَ عَذابِ المَماتِ وتَكُونُ الإضافَةُ لامِيَّةً والقَرِينَةُ عَلى تَقْدِيرِ العَذابِ ﴿لأذَقْناكَ﴾ والمَعْنى: لَوْ قارَبْتَ ما ذَكَرْنا لَنُضاعِفَنَّ لَكَ العَذابَ المُعَجَّلَ لِلْعُصاةِ في الحَياةِ الدُّنْيا والعَذابَ المُؤَجَّلَ لَهم بَعْدَ المَوْتِ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالحَياةِ حَياةُ الآخِرَةِ، وبِعَذابِ المَماتِ ما يَكُونُ في القَبْرِ، وأمْرُ الإضافَةِ والتَّقْدِيرُ عَلى حالِهِ، والمَعْنى: لَوْ قارَبْتَ لُنُضاعِفَنَّ لَكَ عَذابَ القَبْرِ وعَذابَ يَوْمِ القِيامَةِ المُدَّخَرَيْنِ لِلْعُصاةِ، وفي هَذِهِ الشَّرْطِيَّةِ إجْلالٌ عَظِيمٌ بِمَكانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الأقْرَبَ أشَدُّ خَطَرًا؛ وذَلِكَ أنَّهُ أُوعِدَ بِضِعْفِ العَذابِ عَلى مُقارَبَةِ أدْنى رُكُونٍ، وقَدْ وُضِعَ عَنّا الرُّكُونُ ما لَمْ يُصَدِّقْهُ العَمَلُ، ونَظِيرُ ذَلِكَ مِن وجْهٍ ما جاءَ في نِسائِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ﴾ وذُكِرَ في وجْهِ مُضاعَفَةِ جَزاءِ خَطَأِ الخَطِيرِ أنَّهُ يَكُونُ سَبَبًا لِارْتِكابِ غَيْرِهِ مِثْلَهُ، والِاحْتِجاجُ بِهِ فَكَأنَّهُ سَنَّ ذَلِكَ.
وقَدْ جاءَ: ««مَن سَنَّ سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُها ووِزْرُ مَن عَمِلَ بِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ»».
وعَلى هَذا يُضاعَفُ عَذابُ الخَطِيرِ في خَطَئِهِ أضْعافًا مُضاعَفَةً، ولا يَلْزَمُ مِن إثْباتِ الضِّعْفِ الواحِدِ نَفْيُ الضِّعْفِ المُتَعَدِّدِ، وقِيلَ: الضِّعْفُ مِن أسْماءِ العَذابِ، وأنْشَدُوا عَلى ذَلِكَ قَوْلَهُ:
لِمَقْتَلِ مالِكٍ إذْ بانَ مِنِّي أبِيتُ اللَّيْلَ في ضَعْفٍ ألِيمِ
وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ الضِّعْفَ لَيْسَ مِن أسْماءِ العَذابِ وضْعًا لَكِنَّهُ يُعَبَّرُ بِهِ عَنْهُ لِكَثْرَةِ وصْفِ العَذابِ بِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَذابًا ضِعْفًا﴾ وزُعِمَ أنَّ ذَلِكَ مُرادُ القائِلِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. واللّامُ فِي: «لَأذَقْناكَ» و«لاتَّخَذُوكَ» لامُ القَسَمِ عَلى ما نَصَّ عَلَيْهِ الحُوفِيُّ، والماضِي في المَوْضِعَيْنِ واقِعٌ مَوْقِعَ المُضارِعِ الدّالِّ عَلَيْهِ اللّامُ، والنُّونُ عَلى ما نَصَّ عَلَيْهِ أبُو حَيّانَ وأشَرْنا إلَيْهِ فِيما سَبَقَ.
﴿ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيرًا﴾ يَدْفَعُ العَذابَ أوْ يَرْفَعُهُ عَنْكَ.
رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ «لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ كادُوا﴾ إلى هُنا قالَ ﷺ: «اللَّهُمَّ لا تَكِلْنِي إلى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ»».
ويَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ إذا تَلا هَذِهِ الآيَةَ أنْ يَجْثُوَ عِنْدَها ويَتَدَبَّرَها وأنْ يَسْتَشْعِرَ الخَشْيَةَ وازْدِيادَ التَّصَلُّبِ في دِينِ اللَّهِ تَعالى ويَقُولُ كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ.
17:76Page 290
وَإِن كَادُواْ لَيَسۡتَفِزُّونَكَ مِنَ ٱلۡأَرۡضِ لِيُخۡرِجُوكَ مِنۡهَاۖ وَإِذٗا لَّا يَلۡبَثُونَ خِلَٰفَكَ إِلَّا قَلِيلٗا ٧٦
And indeed, they were about to provoke [i.e., drive] you from the land [i.e., Makkah] to evict you therefrom. And then [when they do], they will not remain [there] after you, except for a little.1
﴿وإنْ كادُوا﴾ أيْ أهْلُ مَكَّةَ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ وغَيْرِهِما ﴿لَيَسْتَفِزُّونَكَ﴾ لَيُزْعِجُونَكَ ويَسْتَخِفُّونَكَ بِعَداوَتِهِمْ ومَكْرِهِمْ ﴿مِنَ الأرْضِ﴾ أيِ الأرْضِ الَّتِي أنْتَ فِيها وهي أرْضُ مَكَّةَ ﴿لِيُخْرِجُوكَ﴾
صفحة 130
أيْ: لِيَتَسَبَّبُوا إلى خُرُوجِكَ ﴿مِنها﴾ وكانَ هَذا الِاسْتِفْزازُ بِما فَعَلُوا مِن حَصْرِهِ ﷺ في الشِّعْبِ والتَّضْيِيقِ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ووَقَعَ ذَلِكَ بَعْدَ نُزُولِ الآيَةِ كَما في البَحْرِ، وصارَ سَبَبًا لِخُرُوجِهِ ﷺ مُهاجِرًا.
﴿وإذًا لا يَلْبَثُونَ﴾ أيْ: إنِ اسْتَفَزُّوكَ فَخَرَجْتَ لا يَبْقَوْنَ ﴿خِلافَكَ﴾ أيْ: بَعْدَكَ وبِهِ قَرَأ عَطاءُ بْنُ رَباحٍ واسْتُحْسِنَ أنَّها تَفْسِيرٌ لا قِراءَةٌ لِمُخالَفَتِها سَوادَ المُصْحَفِ وأنْشَدُوا:
عَفَتِ الدِّيارُ خِلافَهم فَكَأنَّما بَسَطَ الشَّواطِبُ بَيْنَهُنَّ حَصِيرا
وقَرَأ أهْلُ الحِجازِ وأبُو بَكْرٍ وأبُو عَمْرٍو «خَلْفَكَ» بِغَيْرِ ألِفٍ والمَعْنى واحِدٌ واللَّفْظانِ في الأصْلِ مِنَ الظُّرُوفِ المَكانِيَّةِ فَتَجُوزُ فِيهِما، واسْتُعْمِلا لِلزَّمانِ وقَدِ اطَّرَدَ إضافَتُهُما كَقَبْلُ وبَعْدُ إلى أسْماءِ الأعْيانِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ، أيْ: لا يَلْبَثُونَ خَلْفَ اسْتِفْزازِكَ وخُرُوجِكَ ﴿إلا قَلِيلا﴾ أيْ: إلّا زَمانًا قَلِيلًا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: إلّا لُبْثًا قَلِيلًا والمَعْنَيانِ مُتَقارِبانِ، واخْتِيرَ التَّقْدِيرُ الأوَّلُ لِأنَّ التَّوَسُّعَ أعْنِي إقامَةَ الوَصْفِ مَقامَ المَوْصُوفِ بِالظُّرُوفِ أشْبَهُ، وهَذا وعِيدٌ لَهم بِإهْلاكِ مَجْمُوعِهِمْ مِن حَيْثُ هو مَجْمُوعٌ بَعْدَ خُرُوجِهِ ﷺ بِقَلِيلٍ وتَحَقَّقَ بِإفْناءِ البَعْضِ في بَدْرٍ لا سِيَّما وقَدْ كانُوا صَنادِيدَهم والرُّؤُوسَ، وأنْتَ تَعْرِفُ أنَّ مُعْظَمَ الشَّيْءِ يُقامُ مَقامَ كُلِّهِ، وكانَ الزَّمانُ القَلِيلُ عَلى ما رَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ ثَمانِيَةَ عَشَرَ شَهْرًا، ويَجُوزُ أنْ يُفَسَّرَ الإخْراجُ بِالإكْراهِ عَلى الخُرُوجِ والوَعِيدِ بِإهْلاكِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُمْ؛ أيْ: لَوْ أخْرَجُوكَ لاسْتُؤْصِلُوا عَلى بَكْرَةِ أبِيهِمْ، لَكِنْ لَمْ يَقَعِ المُقَدَّمُ لَأنَّ الإكْراهَ عَلى الخُرُوجِ مُباشَرَةٌ، وقَدْ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُهاجِرًا بِأمْرِ رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ فَلَمْ يَقَعِ التّالِي وهَذا هو التَّفْسِيرُ المَرْوِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: أرادَتْ قُرَيْشٌ ذَلِكَ ولَمْ تَفْعَلْ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ أرادَ اسْتِبْقاءَها وعَدَمَ اسْتِئْصالِها لِيَسْلَمَ مِنها ومِن أعْقابِها مَن يُسْلِمُ فَأذِنَ لِرَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالهِجْرَةِ فَخَرَجَ بِإذْنِهِ لا بِإخْراجِ قُرَيْشٍ وقَهْرِهِمْ، والإخْراجُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ هي أشَدُّ قُوَّةً مِن قَرْيَتِكَ الَّتِي أخْرَجَتْكَ﴾ مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى الأوَّلِ، وكَذا في قَوْلِ ورَقَةَ: يا لَيْتَنِي كُنْتُ جَذَعًا إذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ.
وقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««أوَمُخْرَجِيَّ هُمْ»».
فَلَمْ تَتَضَمَّنِ الآيَةُ وكَذا الخَبَرُ إثْباتَ إخْراجٍ قُلْنا بِنَفْيِهِ هُنا، والقَوْلُ بِأنَّهُ يَلْزَمُ عَلى هَذا التَّناقُضُ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ والآيَةِ السّابِقَةِ بِناءً عَلى تَفْسِيرِ الإخْراجِ فِيها بِالتَّسَبُّبِ إلى الخُرُوجِ لِأنَّ كادَ تَدُلُّ عَلى مُقارَبَتِهِ لا حُصُولِهِ وهَذِهِ الآيَةُ دَلَّتْ عَلى حُصُولِهِ مُجابٌ عَنْهُ بِأنَّ قُصارى ما دَلَّتْ عَلَيْهِ الآيَةُ السّابِقَةُ عَلى التَّفْسِيرِ الأوَّلِ قُرْبُ حُصُولِ الِاسْتِفْزازِ مِنهم لِيَتَسَبَّبُوا بِهِ إلى خُرُوجِهِ ﷺ وأنَّهُ لَمْ يَكُنْ حاصِلًا وقْتَ نُزُولِ الآيَةِ لا أنَّهُ لا يَكُونُ حاصِلًا أبَدًا لِيُناقِضَ حُصُولَهُ بَعْدُ. وحَكى الزَّجّاجُ أنَّ اسْتِفْزازَهم ما أجْمَعُوا عَلَيْهِ في دارِ النَّدْوَةِ مِن قَتْلِهِ ﷺ والمُرادُ مِنَ الأرْضِ وجْهُ البَسِيطَةِ مُطْلَقًا، وقالَ أبُو حَيّانَ: المُرادُ ما عَلى هَذا الدُّنْيا، وقِيلَ: ضَمِيرُ ( كادُوا ) وما بَعْدَهُ لِلْيَهُودِ.
فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ قالَ: «إنَّ اليَهُودَ أتَوُا النَّبِيَّ ﷺ فَقالُوا: إنْ كُنْتَ نَبِيًّا فالحَقْ بِالشّامِ؛ فَإنَّها أرْضُ المَحْشَرِ وأرْضُ الأنْبِياءِ فَصَدَّقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ما قالُوا فَغَزا غَزْوَةَ تَبُوكَ لا يُرِيدُ إلّا الشّامَ، فَلَمّا بَلَغَ تَبُوكَ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وإنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ﴾ - إلى - ﴿تَحْوِيلا﴾
وأمْرَهُ بِالرُّجُوعِ إلى المَدِينَةِ وقالَ فِيها مَحْياكَ وفِيها مَماتُكَ ومِنها تَبْعَثُ».
وفِي رِوايَةٍ «أنَّهم قالُوا: يا أبا القاسِمِ، إنَّ الشّامَ أرْضٌ مُقَدَّسَةٌ وهي أرْضُ الأنْبِياءِ فَلَوْ خَرَجْتَ إلَيْها لَآمَنّا بِكَ، وقَدْ عَلِمْنا أنَّكَ تَخافُ الرُّومَ، فَإنْ كُنْتَ نَبِيًّا فاخْرُجْ إلَيْها فَإنَّ اللَّهَ تَعالى سَيَحْمِيكَ كَما حَمى غَيْرَكَ مِنَ
صفحة 131
الأنْبِياءِ، فَخَرَجَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِسَبَبِ قَوْلِهِمْ وعَسْكَرَ بِذِي الحُلَيْفَةِ وأقامَ يَنْتَظِرُ أصْحابَهُ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ».
فَرَجَعَ ﷺ ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَتَلَ مِنهم بَنِي قُرَيْظَةَ وأجْلى بَنِي النَّضِيرِ بِقَلِيلٍ. وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ ضَعِيفٌ لَمْ يَقَعْ في سِيرَةٍ ولا كِتابٍ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ، وذُو الحُلَيْفَةِ لَيْسَ في طَرِيقِ الشّامِ مِنَ المَدِينَةِ وكَيْفَما كانَ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الأرْضِ عَلَيْهِ المَدِينَةَ، وقِيلَ: أرْضُ العَرَبِ، وكَأنَّ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ يَسْتَنِدُ إلى ما ذُكِرَ مِنَ الرِّواياتِ، وقَدْ صَرَّحَ الخَفاجِيُّ بِأنَّ هَذا المَذْهَبَ غَيْرُ مَرْضِيٍّ. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
وقَرَأ عَطاءٌ: «لا يُلَبَّثُونَ» بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ اللّامِ والباءِ مُشَدَّدَةً. وقَرَأ يَعْقُوبُ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ كَسَرَ الباءَ، وقَرَأ أُبَيٌّ: «وإذًا لا يَلْبَثُوا» بِحَذْفِ النُّونِ، وكَذا في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ، وتَوْجِيهُ الإثْباتِ والحَذْفِ أنَّ النَّحْوِيِّينَ عَدُّوا مِن جُمْلَةِ شُرُوطِ عَمَلِ إذَنْ كَوْنَها في أوَّلِ الجُمْلَةِ، فَعَلى قِراءَةِ الحَذْفِ تَكُونُ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ ﴿لَيَسْتَفِزُّونَكَ﴾ وهي خَبَرُ كادَ فَيَكُونُ الشَّرْطُ مُنْخَرِمًا لِتَوَسُّطِها حِينَئِذٍ في الكَلامِ لِكَوْنِ ما بَعْدَها خَبَرَ كادَ كالمَعْطُوفِ هو عَلَيْهِ، وعَلى قِراءَةِ الإثْباتِ تَكُونُ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ: ﴿وإنْ كادُوا﴾ فَيَتَحَقَّقُ الشَّرْطُ والعَطْفُ لا يَضُرُّ في ذَلِكَ، ووَجَّهَ أبُو حَيّانَ الإهْمالَ بِأنَّ ﴿لا يَلْبَثُونَ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: واللَّهِ إنِ اسْتَفَزُّوكَ فَخَرَجْتَ لا يَلْبَثُونَ وقَدْ تَوَسَّطَتْ إذًا بَيْنَ القَسَمِ المُقَدَّرِ والفِعْلِ فَأُهْمِلَتْ ثُمَّ قالَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لا يَلْبَثُونَ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَعْنى تَقْدِيرُهُ: وهم إذًا لا يَلْبَثُونَ فَتَكُونُ إذًا واقِعَةً بَيْنَ المُبْتَدَأِ وخَبَرِهِ؛ ولِذَلِكَ أُلْغِيَتْ وكِلا التَّوْجِيهَيْنِ لَيْسَ بِوَجِيهٍ كَما لا يَخْفى.
17:77Page 290
سُنَّةَ مَن قَدۡ أَرۡسَلۡنَا قَبۡلَكَ مِن رُّسُلِنَاۖ وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحۡوِيلًا ٧٧
[That is Our] established way for those We had sent before you of Our messengers; and you will not find in Our way any alteration.
﴿سُنَّةَ مَن قَدْ أرْسَلْنا قَبْلَكَ مَن رُسُلِنا﴾ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِيَّةِ؛ أيْ: «سَنَنّا» سَنَةَ مَن... إلَخْ. وهي أنْ لا نَدَعَ أُمَّةً تَسْتَفِزُّ رَسُولَها لِتُخْرِجَهُ مِن بَيْنِ ظَهْرانَيْها تَلْبَثُ بَعْدَهُ إلّا قَلِيلًا فالسُّنَّةُ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وأُضِيفَتْ لِلرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لِأنَّها سُنَّتْ لِأجْلِهِمْ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ولا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلا﴾ حَيْثُ أضافَ السُّنَّةَ إلَيْهِ تَعالى، وقالَ الفَرّاءُ: انْتَصَبَ ( سُنَّةَ ) عَلى إسْقاطِ الخافِضِ؛ أيْ: كَسُنَّةِ؛ فَلا يُوقَفُ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ( قَلِيلًا ) فالمُرادُ تَشْبِيهُ حالِهِ ﷺ بِحالِ مَن قَبْلَهُ لا تَشْبِيهَ الفَرْدِ بِفَرْدٍ مِن ذَلِكَ النَّوْعِ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيِ اتَّبِعْ سُنَّةَ... إلَخْ. كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ والأنْسَبُ بِما قَبْلُ ما قَبْلُ، وكَأنَّهُ اعْتَبَرَ الأوامِرَ بَعْدُ وهو خِلافُ ما عَلَيْهِ عامَّةُ المُفَسِّرِينَ، والتَّحْوِيلُ التَّغْيِيرُ؛ أيْ: لا تَجِدُ لِما أجْرَيْنا بِهِ العادَةَ تَغْيِيرًا؛ أيْ: لا يُغَيِّرُهُ أحَدٌ.
والمُرادُ مِن نَفْيِ الوِجْدانِ هُنا وفِيما أشْبَهَهُ نَفْيُ الوُجُودِ، ودَلِيلُ نَفْيِ وُجُودِ مَن يُغَيِّرُ عادَةَ اللَّهِ تَعالى أظْهَرُ مِنَ الشَّمْسِ في رابِعَةِ النَّهارِ، ولِلْإمامِ كَلامٌ في هَذا المَقامِ لا يَخْلُو عَنْ بَحْثٍ،
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences