Al-AlusiAl‑Isra · 17:7–11

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-Isra 17:7–11

17:7Page 282

إِنۡ أَحۡسَنتُمۡ أَحۡسَنتُمۡ لِأَنفُسِكُمۡۖ وَإِنۡ أَسَأۡتُمۡ فَلَهَاۚ فَإِذَا جَآءَ وَعۡدُ ٱلۡأٓخِرَةِ لِيَسُـُٔواْ وُجُوهَكُمۡ وَلِيَدۡخُلُواْ ٱلۡمَسۡجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٖ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوۡاْ تَتۡبِيرًا ٧

[And said], "If you do good, you do good for yourselves; and if you do evil, [you do it] to them [i.e., yourselves]." Then when the final [i.e., second] promise came, [We sent your enemies] to sadden your faces and to enter the masjid [i.e., the temple in Jerusalem], as they entered it the first time, and to destroy what they had taken over with [total] destruction.

﴿إنْ أحْسَنْتُمْ﴾ أعْمالَكم سَواءٌ كانَتْ لازِمَةً لِأنْفُسِكم أوْ مُتَعَدِّيَةً لِلْغَيْرِ أيْ: عَمِلْتُمُوها عَلى الوَجْهِ المُسْتَحْسَنِ اللّائِقِ

صفحة 19

أوْ فَعَلْتُمُ الإحْسانَ ﴿أحْسَنْتُمْ لأنْفُسِكُمْ﴾ أيْ: لِنَفْعِها بِما يَتَرَتَّبُ عَلى ذَلِكَ مِنَ الثَّوابِ ﴿وإنْ أسَأْتُمْ﴾ أعْمالَكم لازِمَةً كانَتْ أوْ مُتَعَدِّيَةً بِأنْ عَمِلْتُمُوها عَلى غَيْرِ الوَجْهِ اللّائِقِ أوْ فَعَلْتُمُ الإساءَةَ ﴿فَلَها﴾ أيْ: فالإساءَةُ عَلَيْها لِما يَتَرَتَّبُ عَلى ذَلِكَ مِنَ العِقابِ، فاللّامُ بِمَعْنى (عَلى) كَما في قَوْلِهِ: فَخَرَّ صَرِيعًا لِلْيَدَيْنِ ولِلْفَمِ، وعَبَّرَ بِها لِمُشاكَلَةِ ما قَبْلَها.

وقالَ الطَّبَرِيُّ: هي بِمَعْنى (إلى) عَلى مَعْنى: فَإساءَتُها راجِعَةٌ إلَيْها، وقِيلَ: إنَّها لِلِاسْتِحْقاقِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ( لَهم عَذابٌ ألِيمٌ ) .

وفِي الكَشّافِ أنَّها لِلِاخْتِصاصِ. وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ مُخالِفٌ لِما في الآثارِ مِن تَعَدِّي ضَرَرِ الإساءَةِ إلى غَيْرِ المُذْنِبِ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُقالَ: إنَّ ضَرَرَ هَؤُلاءِ القَوْمِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ لَمْ يَتَعَدَّهُمْ، وفِيهِ أنَّهُ تَكَلُّفٌ لا يُحْتاجُ إلَيْهِ؛ لِأنَّ الثَّوابَ والعِقابَ الأُخْرَوِيَّيْنِ لا يَتَعَدَّيانِ وهُما المُرادُ هُنا، وقِيلَ: اللّامُ لِلنَّفْعِ كالأُولى لَكِنْ عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ، وتَعْمِيمُ الإحْسانِ ومُقابِلِهِ بِحَيْثُ يَشْمَلانِ المُتَعَدِّيَ واللّازِمَ هو الَّذِي اسْتَظْهَرَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ وفُسِّرَ الإحْسانُ بِفِعْلِ ما يُسْتَحْسَنُ لَهُ ولِغَيْرِهِ والإساءَةُ بِضِدِّ ذَلِكَ، وقالَ: إنَّهُ أنْسَبُ وأتَمُّ؛ ولِذا قِيلَ: إنَّ تَكْرِيرَ الإحْسانِ في النَّظْمِ الكَرِيمِ دُونَ الإساءَةِ إشارَةٌ إلى أنَّ جانِبَ الإحْسانِ أغْلَبُ، وأنَّهُ إذا فُعِلَ يَنْبَغِي تَكْرارُهُ بِخِلافِ ضِدِّهِ.

وجاءَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ قالَ: ما أحْسَنْتُ إلى أحَدٍ ولا أسَأْتُ إلَيْهِ وتَلا الآيَةَ.

ووَجْهُ مُناسَبَتِها لِما قَبْلَها عَلى ما قالَ القُطْبُ أنَّهُ لَمّا عَصَوْا سَلَّطَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ مَن قَصَدَهم بِالنَّهْبِ والأسْرِ، ثُمَّ لَمّا تابُوا وأطاعُوا حَسُنَتْ حالُهم فَظَهَرَ أنَّ إحْسانَ الأعْمالِ وإساءَتَها مُخْتَصٌّ بِهِمْ، والآيَةُ تَضَمَّنَتْ ذَلِكَ، وفِيها مِنَ التَّرْغِيبِ بِالإحْسانِ والتَّرْهِيبِ مِنَ الإساءَةِ ما لا يَخْفى فَتَأمَّلْ.

﴿فَإذا جاءَ وعْدُ﴾ المَرَّةِ ﴿الآخِرَةِ﴾ مِن (مَرَّتَيْ) إفْسادِكم ﴿لِيَسُوءُوا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلٍ حُذِفَ لِدَلالَةِ ما سَبَقَ عَلَيْهِ، وهو جَوابُ إذا؛ أيْ: بَعَثْناهم لِيَسُوءُوا ﴿وُجُوهَكُمْ﴾ أيْ: لِيَجْعَلَ العِبادُ المَبْعُوثُونَ آثارَ المَساءَةِ والكَآبَةِ بادِيَةً في وُجُوهِكُمْ، فَإنَّ الأعْراضَ النَّفْسانِيَّةَ تَظْهَرُ فِيها فَيَظْهَرُ بِالفَرَحِ النَّضارَةُ والإشْراقُ، وبِالحُزْنِ والخَوْفِ الكُلُوحُ والسَّوادُ، فالوُجُوهُ عَلى حَقِيقَتِها، قِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُعَبَّرَ بِالوَجْهِ عَنِ الجُمْلَةِ فَإنَّهم ساءُوهم بِالقَتْلِ والنَّهْبِ والسَّبْيِ فَحَصَلَتِ الإساءَةُ لِلذَّواتِ كُلِّها، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ أسَأْتُمْ فَلَها﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالوُجُوهِ ساداتُهم وكُبَراؤُهم أهُوَ هو كَما تَرى.

واخْتِيرَ هَذا عَلى لِيَسُوؤُكم مَعَ أنَّهُ أحْضَرُ وأظْهَرُ إشارَةً إلى أنَّهُ جُمِعَ عَلَيْهِ ألَمُ النَّفْسِ والبَدَنِ المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولِيُتَبِّرُوا﴾ إلَخْ، وقِيلَ: ﴿فَإذا جاءَ﴾ هُنا مَعَ كَوْنِهِ مِن تَفْصِيلِ المُجْمَلِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لَتُفْسِدُنَّ في الأرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ فالظّاهِرُ: فَإذا جاءَ، وإذا جاءَ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ مَجِيءَ وعْدِ عِقابِ المَرَّةِ الآخِرَةِ لَمْ يَتَراخَ عَنْ كَثْرَتِهِمْ واجْتِماعِهِمْ دَلالَةً عَلى شِدَّةِ شَكِيمَتِهِمْ في كُفْرانِ النِّعَمِ، وإنَّهم كُلَّما ازْدادُوا عِدَّةً وعِدَّةً زادُوا عُدْوانًا وعِزَّةً إلى أنْ تَكامَلَتْ أسْبابُ الثَّرْوَةِ والكَثْرَةِ، فاجَأهُمُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَلى الغِرَّةِ نَعُوذُ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ مِن مُباغَتَةِ عَذابِهِ.

وقَرَأ أبُو بَكْرٍ وابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ: (لِيَسُؤَ) عَلى التَّوْحِيدِ والضَّمِيرُ لِلَّهِ تَعالى، أوْ لِلْوَعْدِ أوْ لِلْبَعْثِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِالجَزاءِ المَحْذُوفِ، والإسْنادُ مَجازِيٌّ عَلى الأخِيرَيْنِ وحَقِيقِيٌّ عَلى الأوَّلِ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ. وزَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ والكِسائِيِّ (لِنَسُوءَ) بِنُونِ العَظَمَةِ؛ فَإنَّ الضَّمِيرَ لِلَّهِ تَعالى لا يَحْتَمِلُ غَيْرَ ذَلِكَ، وقَرَأ أُبَيٌّ: (لِنَسُؤْنَ) بِلامِ الأمْرِ ونُونِ العَظَمَةِ أوَّلَهُ، ونُونِ التَّوْكِيدِ الخَفِيفَةِ آخِرَهُ، ودَخَلَتْ لامُ الأمْرِ عَلى فِعْلِ المُتَكَلِّمِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ﴾ وجَوابُ إذا عَلى هَذِهِ القِراءَةِ هو الجُمْلَةُ الإنْشائِيَّةُ عَلى تَقْدِيرِ الفاءِ؛ لِأنَّها لا تَقَعُ جَوابًا بِدُونِها.

وعَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أيْضًا: (لِنَسُوءَنَّ) و(لَيَسُوءَنَّ) بِالنُّونِ والياءِ أوَّلًا ونُونِ التَّوْكِيدِ الشَّدِيدَةِ آخِرًا.

واللّامُ في ذَلِكَ

صفحة 20

لامُ القَسَمِ، والجُمْلَةُ جَوابُ القَسَمِ سادَّةٌ مَسَدَّ جَوابِ إذا، واللّامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولِيَدْخُلُوا المَسْجِدَ﴾ لامُ كَيْ، والجارُّ والمَجْرُورُ مَعْطُوفٌ عَلى الجارِّ والمَجْرُورِ قَبْلَهُ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِبَعَثْنا المَحْذُوفِ أيْضًا، وجُوِّزَ أنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ غَيْرِهِ، فَيَكُونُ العَطْفُ مِن عَطْفِ جُمْلَةٍ عَلى أُخْرى، وعَلى القِراءَةِ بِلامِ الأمْرِ أوْ لامِ القَسَمِ فِيما تَقَدَّمَ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ اللّامُ لامَ الأمْرِ، وأنْ تَكُونَ لامَ كَيْ، والمُرادُ بِالمَسْجِدِ بَيْتُ المَقْدِسِ وهو مَفْعُولُ يَدْخُلُوا، وفي الصِّحاحِ أنَّ الصَّحِيحَ في نَحْوِ دَخَلْتُ البَيْتَ إنَّكَ تُرِيدُ دَخَلْتُ إلى البَيْتِ، فَحُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ فانْتَصَبَ البَيْتُ انْتِصابَ المَفْعُولِ بِهِ، وتَحْقِيقُهُ في مَحَلِّهِ ﴿كَما دَخَلُوهُ﴾ أيْ: دُخُولًا كائِنًا كَدُخُولِهِمْ إيّاهُ ﴿أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ فَهو في مَوْضِعِ النَّعْتِ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا أيْ: كائِنَيْنِ كَما دَخَلُوهُ، و( أُولَ ) مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ الزَّمانِيَّةِ، والمُرادُ مِنَ التَّشْبِيهِ عَلى ما في البَحْرِ أنَّهم يَدْخُلُونَهُ بِالسَّيْفِ والقَهْرِ والغَلَبَةِ والإذْلالِ، وفِيهِ أيْضًا أنَّ هَذا يُبْعِدُ قَوْلَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ أُولى المَرَّتَيْنِ لَمْ يَكُنْ فِيها قِتالٌ ولا قَتْلٌ ولا نَهْبٌ ﴿ولِيُتَبِّرُوا﴾ أيْ: يُهْلِكُوا، وقالَ قُطْرُبٌ: يَهْدِمُوا، وأنْشَدَ قَوْلَ الشّاعِرِ:

وما النّاسُ إلّا عامِلانِ فَعامِلٌ يُتَبِّرُ ما يَبْنِي وآخَرُ رافِعُ

وقالَ بَعْضُهُمْ: الهَدْمُ إهْلاكٌ أيْضًا، وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّ التَّتْبِيرَ كَلِمَةٌ نِبْطِيَّةٌ.

ما ﴿عَلَوْا﴾ أيِ الَّذِي غَلَبُوهُ واسْتَوْلَوْا عَلَيْهِ، فَما اسْمُ مَوْصُولٍ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ وهو إمّا مَفْعُولٌ أوْ مَجْرُورٌ عَلى ما قِيلَ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً ظَرْفِيَّةً، أيْ: لِيُتَبِّرُوا مُدَّةَ دَوامِهِمْ غالِبِينَ قاهِرِينَ ﴿تَتْبِيرًا﴾ فَظِيعًا لا يُوصَفُ.

واخْتُلِفَ في تَعْيِينِ هَؤُلاءِ العِبادِ المَبْعُوثِينَ بَعْدَ أنْ ذَكَرُوا قَتْلَ يَحْيى عَلَيْهِ السَّلامُ في الإفْسادِ الأخِيرِ، فَقالَ غَيْرُ واحِدٍ: إنَّهم بُخْتَنَصَّرُ وجُنُودُهُ، وتَعَقَّبَهُ السُّهَيْلِيُّ بِأنَّهُ لا يَصِحُّ؛ لِأنَّ قَتْلَ يَحْيى بَعْدَ رَفْعِ عِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ وبُخْتَنَصَّرُ كانَ قَبْلَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِزَمَنٍ طَوِيلٍ، وقِيلَ: الإسْكَنْدَرُ وجُنُودُهُ، وتَعَقَّبَهُ أيْضًا بِأنَّ بَيْنَ الإسْكَنْدَرِ وعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ نَحْوًا مِن ثَلاثِمِائَةِ سَنَةٍ ثُمَّ قالَ: لَكِنَّهُ إذا قِيلَ: إنَّ إفْسادَهم في المَرَّةِ الأخِيرَةِ بِقَتْلِ شَعْيا جازَ أنْ يَكُونَ المَبْعُوثُ عَلَيْهِمْ بُخْتَنَصَّرَ ومَن مَعَهُ؛ لِأنَّهُ كانَ حِينَئِذٍ حَيًّا، ورُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ الَّذِي غَزاهم مَلِكُ خَرْدُوشَ وتَوَلّى قَتْلَهم عَلى دَمِ يَحْيى عَلَيْهِ السَّلامُ قائِدٌ لَهُ فَسَكَنَ. وفي بَعْضِ الآثارِ أنَّ صاحِبَ الجَيْشِ دَخَلَ مَذْبَحَ قَرابِينِهِمْ فَوَجَدَ فِيهِ دَمًا يَغْلِي فَسَألَهم عَنْهُ فَقالُوا: دَمُ قُرْبانٍ لَمْ يُقْبَلْ مِنّا. فَقالَ: ما صَدَقْتُمُونِي فَقَتَلَ عَلَيْهِ أُلُوفًا مِنهم فَلَمْ يَهْدَأِ الدَّمُ. ثُمَّ قالَ: إنْ لَمْ تَصْدُقُونِي ما تَرَكْتُ مِنكم أحَدًا. فَقالُوا: إنَّهُ دَمُ يَحْيى عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: بِمِثْلِ هَذا يَنْتَقِمُ رَبُّكم مِنكم. ثُمَّ قالَ: يا يَحْيى، قَدْ عَلِمَ رَبِّي ورَبُّكَ ما أصابَ قَوْمَكَ مِن أجْلِكَ فاهْدَأْ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى قَبْلَ أنْ لا أُبْقِيَ أحَدًا مِنهم فَهَدَأ، واخْتارَ في الكَشْفِ - وقالَ: هو الحَقُّ - إنَّ المَبْعُوثَ عَلَيْهِمْ في المَرَّةِ الثّانِيَةِ بِيرْدُوسُ مِن مُلُوكِ الطَّوائِفِ، وكَأنَّهُ هو خِرْدُوشُ الَّذِي مَرَّ آنِفًا، فَقَدْ ذُكِرَ أنَّهُ مَلِكُ بابِلَ مِن مُلُوكِ الطَّوائِفِ.

وقِيلَ: اسْمُهُ جُوزُورُ وهَؤُلاءِ المُلُوكُ ظَهَرُوا بَعْدَ قَتْلِ الإسْكَنْدَرِ دارا واسْتِيلائِهِ عَلى مُلْكِ الفُرْسِ، وكانَ ذَلِكَ بِصُنْعِ الإسْكَنْدَرِ مُتَّبِعًا فِيهِ رَأيَ مُعَلِّمِهِ أرِسْطُو، وعُدَّتُهم تَزِيدُ عَلى سَبْعِينَ مَلِكًا، ومُدَّةُ مُلْكِهِمْ عَلى ما في بَعْضِ التَّوارِيخِ خَمْسُمِائَةٍ واثْنَتا عَشْرَةَ سَنَةً، وحَصَلَ اجْتِماعُ الفُرْسِ بَعْدَ هَذِهِ المُدَّةِ عَلى أرْدِشِيرَ بْنِ بابِكَ طَوْعًا وكَرْهًا، وكانَ أحَدُ مُلُوكِ الطَّوائِفِ عَلى إصْطَخْرَ، وعَلى هَذا يَكُونُ المَلِكُ المَبْعُوثُ لِفَسادِ بَنِي إسْرائِيلَ بِقَتْلِ يَحْيى عَلَيْهِ

صفحة 21

السَّلامُ مِن أواخِرِ مُلُوكِ الطَّوائِفِ كَما لا يَخْفى، ويَكُونُ بَيْنَ هَذا البَعْثِ والبَعْثِ الأوَّلِ عَلى القَوْلِ بِأنَّ المَبْعُوثَ بُخْتَنَصَّرُ وأتْباعُهُ مُدَّةً مُتَطاوِلَةً، فَفي بَعْضِ التَّوارِيخِ أنَّ قَتْلَ الإسْكَنْدَرِ دارا بَعْدَ بُخْتَنَصَّرَ بِأرْبَعِمِائَةٍ وخَمْسٍ وثَلاثِينَ سَنَةً وبَعْدَ مُضِيِّ نَحْوِ ثَلاثِمِائَةِ سَنَةٍ مِن غَلَبَةِ الإسْكَنْدَرِ وُلِدَ المَسِيحُ عَلَيْهِ السَّلامُ، ولا شَكَّ أنَّ قَتْلَ يَحْيى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَعْدَ الوِلادَةِ بِزَمانٍ، والبَعْثَ بَعْدَ القَتْلِ كَذَلِكَ، فَيَكُونُ بَيْنَ البَعْثَيْنِ ما يَزِيدُ عَلى سَبْعِمِائَةٍ وخَمْسٍ وثَلاثِينَ سَنَةً، والَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ اليَهُودُ أنَّ المَبْعُوثَ أوَّلًا بُخْتَنَصَّرُ، وكانَ في زَمَنِ أرْمِيا عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَدْ أنْذَرَهم مَجِيئَهُ صَرِيحًا بَعْدَ أنْ نَهاهم عَنِ الفَسادِ وعِبادَةِ الأصْنامِ كَما نَطَقَ بِهِ كِتابُهُ فَحَبَسُوهُ في بِئْرٍ وجَرَحُوهُ، وكانَ تَخْرِيبُهُ لِبَيْتِ المَقْدِسِ في السَّنَةِ التّاسِعَةَ عَشَرَ مِن حُكْمِهِ وبَيْنَ ذَلِكَ وهُبُوطِ آدَمَ ثَلاثَةُ آلافٍ وثَلاثُمِائَةٍ وثَمانٍ وثَلاثِينَ سَنَةً، وبَقِيَ خَرابًا سَبْعِينَ سَنَةً، ثُمَّ إنَّ أسْبِيانُوسَ قَيْصَرَ الرُّومِ وجَّهَ وزِيرَهُ طُوطُوزَ إلى خَرابِهِ فَخَرَّبَهُ سَنَةَ ثَلاثَةِ آلافٍ وثَمانِمِائَةٍ وثَمانِيَةٍ وعِشْرِينَ فَيَكُونُ بَيْنَ البَعْثَيْنِ عِنْدَهم أرْبَعُمِائَةٍ وتِسْعُونَ سَنَةً، وتَفْصِيلُ الكَلامِ في ذَلِكَ في كُتُبِهِمْ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الحالِ. ونِعْمَ ما قِيلَ: إنَّ مَعْرِفَةَ الأقْوامِ المَبْعُوثِينَ بِأعْيانِهِمْ وتارِيخِ البَعْثِ ونَحْوِهِ مِمّا لا يَتَعَلَّقُ بِهِ كَبِيرُ غَرَضٍ؛ إذِ المَقْصُودُ أنَّهُ لَمّا كَثُرَتْ مَعاصِيهِمْ سَلَّطَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ مَن يَنْتَقِمُ مِنهم مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى.

وظاهِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي اتِّحادَ المَبْعُوثِينَ أوَّلًا وثانِيًا، ومَن لا يَقُولُ بِذَلِكَ يَجْعَلُ رُجُوعَ الضَّمائِرِ لِلْعِبادِ عَلى حَدِّ رُجُوعِ الضَّمِيرِ لِلدِّرْهَمِ في قَوْلِكَ: عِنْدِي دِرْهَمٌ ونِصْفُهُ. فافْهَمْ.

17:8Page 283

عَسَىٰ رَبُّكُمۡ أَن يَرۡحَمَكُمۡۚ وَإِنۡ عُدتُّمۡ عُدۡنَاۚ وَجَعَلۡنَا جَهَنَّمَ لِلۡكَٰفِرِينَ حَصِيرًا ٨

[Then Allāh said], "It is expected, [if you repent], that your Lord will have mercy upon you. But if you return [to sin], We will return [to punishment]. And We have made Hell, for the disbelievers, a prison-bed."

﴿عَسى رَبُّكم أنْ يَرْحَمَكُمْ﴾ بَعْدَ البَعْثِ الثّانِي إنْ تُبْتُمْ وانْزَجَرْتُمْ عَنِ المَعاصِي ﴿وإنْ عُدْتُمْ﴾ لِلْإفْسادِ بَعْدَ الَّذِي تَقَدَّمَ مِنكم ﴿عُدْنا﴾ لِلْعُقُوبَةِ فَعاقَبْناكم في الدُّنْيا بِمِثْلِ ما عاقَبْناكم بِهِ في المَرَّتَيْنِ الأُولَيَيْنِ، وهَذا مِنَ المَقْضِيِّ لَهم في الكِتابِ أيْضًا وكَذا الجُمْلَةُ الآتِيَةُ، وقَدْ عادُوا بِتَكْذِيبِ النَّبِيِّ ﷺ وقَصَدِهِمْ قَتْلَهُ فَعادَ اللَّهُ تَعالى بِتَسْلِيطِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلَيْهِمْ فَقَتَلَ قُرَيْظَةَ، وأجْلى بَنِي النَّضِيرِ، وضَرَبَ الجِزْيَةَ عَلى الباقِينَ، وقِيلَ: عادُوا فَعادَ اللَّهُ تَعالى بِأنْ سَلَّطَ عَلَيْهِمُ الأكاسِرَةَ، فَفَعَلُوا بِهِمْ ما فَعَلُوا مِن ضَرْبِ الإتاوَةِ ونَحْوِ ذَلِكَ، والأوَّلُ مَرْوِيٌّ عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ، والتَّعْبِيرُ بِ (أنْ) لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يَعُودُوا ﴿وجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيرًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: أيْ: سِجْنًا، وأنْشَدَ في البَحْرِ قَوْلَةَ لَبِيَدٍ:

ومَقامَةٍ غُلْبِ الرِّقابِ كَأنَّهم جِنٌّ عَلى بابِ الحَصِيرِ قِيامُ

فَإنْ كانَ اسْمًا لِلْمَكانِ المَعْرُوفِ فَهو جامِدٌ لا يَلْزَمُ تَأْنِيثُهُ وتَذْكِيرُهُ، وإنْ كانَ بِمَعْنى حاصِرٍ أيْ مُحِيطٍ بِهِمْ وفَعِيلٍ بِمَعْنى فاعِلٍ يَلْزَمُ مُطابَقَتُهُ، فَعَدَمُ المُطابَقَةِ هُنا إمّا لِأنَّهُ عَلى النَّسَبِ كَلابِنٍ وتامِرٍ، أيْ: ذاتِ حَصْرٍ، وعَلى ذَلِكَ خَرَجَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ أيْ ذاتُ انْفِطارٍ أوْ لِحَمْلِهِ عَلى فَعِيلٍ بِمَعْنى مَفْعُولٍ وقِيلَ: التَّذْكِيرُ عَلى تَأْوِيلِ جَهَنَّمَ بِمُذَكَّرٍ، وقِيلَ: لِأنَّ تَأْنِيثَها لَيْسَ بِحَقِيقِيٍّ، نَقَلَ ذَلِكَ أبُو البَقاءِ وهو كَما تَرى.

وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ فَسَّرَ ذَلِكَ بِالفِراشِ والمِهادِ، قالَ الرّاغِبُ: كَأنَّهُ جَعَلَ الحَصِيرَ المَرْمُولَ، وأطْلَقَ عَلَيْهِ ذَلِكَ لِحَصْرِ بَعْضِ طاقاتِهِ عَلى بَعْضٍ، فَحَصِيرٌ عَلى هَذا بِمَعْنى مَحْصُورٍ، وفي الكَلامِ التَّشْبِيهُ البَلِيغُ، وجاءَ الحَصِيرُ بِمَعْنى السُّلْطانِ، وأنْشَدَ الرّاغِبُ في ذَلِكَ البَيْتِ السّابِقِ ثُمَّ قالَ: وتَسْمِيَتُهُ بِذَلِكَ إمّا لِكَوْنِهِ مَحْصُورًا نَحْوَ مُحَجَّبٍ، وإمّا لِكَوْنِهِ حاصِرًا أيْ: مانِعًا لِمَن أرادَ أنْ يَمْنَعَهُ مِنَ الوُصُولِ إلَيْهِ اه.

وحَمْلُ ما في الآيَةِ

صفحة 22

عَلى ذَلِكَ مِمّا لَمْ أرَ مَن تَعَرَّضَ لَهُ، والحَمْلُ عَلَيْهِ في غايَةِ البُعْدِ؛ فَلا يَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ، وإنْ تَضَمَّنَ مَعْنًى لَطِيفًا يُدْرَكُ بِالتَّأمُّلِ، وكانَ الظّاهِرُ أنْ يُقالَ: (لَكُمْ) بَدَلَ (لِلْكافِرِينَ) إلّا أنَّهُ عُدِلَ عَنْهُ تَسْجِيلًا عَلى كُفْرِهِمْ بِالعَوْدِ، وذَمًّا لَهم بِذَلِكَ وإشْعارًا بِعِلَّةِ الحُكْمِ

17:9Page 283

إِنَّ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ يَهۡدِي لِلَّتِي هِيَ أَقۡوَمُ وَيُبَشِّرُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعۡمَلُونَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمۡ أَجۡرٗا كَبِيرٗا ٩

Indeed, this Qur’ān guides to that which is most suitable and gives good tidings to the believers who do righteous deeds that they will have a great reward

﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ﴾ الَّذِي آتَيْناكَهُ، وهَذا مُتَعَلِّقٌ بِصَدْرِ السُّورَةِ كَما مَرَّتِ الإشارَةُ إلَيْهِ، وفي الإشارَةِ بِهَذا تَعْظِيمٌ لِما جاءَ بِهِ النَّبِيُّ المُجْتَبى ﷺ ﴿يَهْدِي﴾ أيِ النّاسَ كافَّةً لا فِرْقَةً مَخْصُوصَةً مِنهم كَدَأْبِ الكِتابِ الَّذِي آتَيْناهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿لِلَّتِي﴾ أيْ: لِلطَّرِيقَةِ الَّتِي ﴿هِيَ أقْوَمُ﴾ أيْ أقْوَمُ الطُّرُقِ وأسَدُّها، أعْنِي مِلَّةَ الإسْلامِ والتَّوْحِيدِ، فَلِلَّتِي صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ حُذِفَ اخْتِصارًا، وقَدَّرَهُ بَعْضُهُمُ الحالَةَ أوِ المِلَّةَ، وأيَّما قَدَّرْتَ لَمْ تَجِدْ مَعَ الإثْباتِ ذَوْقُ البَلاغَةِ الَّذِي تَجِدُهُ مَعَ الحَذْفِ لِما في الإبْهامِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ جَرى الوادِي وطَمَّ عَلى القُرى، ( وأقْوَمُ ) أفْعَلُ تَفْضِيلٍ عَلى ما أشارَ إلَيْهِ غَيْرُ واحِدٍ.

وقالَ أبُو حَيّانَ: الَّذِي يَظْهَرُ مِن حَيْثُ المَعْنى أنَّهُ لا يُرادُ بِهِ التَّفْضِيلُ؛ إذْ لا مُشارَكَةَ بَيْنَ الطَّرِيقَةِ الَّتِي يَهْدِي لَها القُرْآنُ وغَيْرِها مِنَ الطُّرُقِ في مَبْدَأِ الِاشْتِقاقِ لِتَفْضُلَ عَلَيْهِ، فالمَعْنى: لِلَّتِي هي قَيِّمَةٌ، أيْ: مُسْتَقِيمَةٌ، كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ ﴿وذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ﴾ اه.

وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ الإمامُ الرّازِيُّ ﴿ويُبَشِّرُ المُؤْمِنِينَ﴾ بِما في تَضاعِيفِهِ مِنَ الأحْكامِ والشَّرائِعِ.

وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ وطَلْحَةُ وابْنُ وثّابٍ والأخَوانِ: ﴿ويُبَشِّرُ﴾ بِالتَّخْفِيفِ مُضارِعِ بَشَرَ المُخَفَّفِ، وجاءَ بَشَرْتُهُ وبَشَّرْتُهُ وأبْشَرْتُهُ ﴿الَّذِينَ يَعْمَلُونَ﴾ الأعْمالَ ﴿الصّالِحاتِ﴾ الَّتِي شُرِحَتْ فِيهِ ﴿أنَّ لَهُمْ﴾ أيْ بِأنَّ لَهم بِمُقابَلَةِ أعْمالِهِمْ ﴿أجْرًا كَبِيرًا﴾ بِحَسَبِ الذّاتِ وبِحَسَبِ التَّضْعِيفِ عَشْرًا فَصاعِدًا، وفَسَّرَ ابْنُ جُرَيْجٍ الأجْرَ الكَبِيرَ وكَذا الرِّزْقَ الكَرِيمَ في كُلِّ القُرْآنِ بِالجَنَّةِ

17:10Page 283

وَأَنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ أَعۡتَدۡنَا لَهُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا ١٠

And that those who do not believe in the Hereafter - We have prepared for them a painful punishment.

﴿وأنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ وأحْكامِها المَشْرُوحَةِ فِيهِ مِنَ البَعْثِ والحِسابِ والجَزاءِ مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ الرُّوحانِيَّيْنِ والجِسْمانِيَّيْنِ، وتَخْصِيصُ الآخِرَةِ بِالذِّكْرِ مِن بَيْنِ سائِرِ ما لَمْ يُؤْمِن بِهِ الكَفَرَةُ لِكَوْنِها مُعْظَمَ ما أُمِرُوا الإيمانَ بِهِ، ولِمُراعاةِ التَّناسُبِ بَيْنَ أعْمالِهِمْ وجَزائِها الَّذِي أنْبَأ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أعْتَدْنا لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ وهو عَذابُ جَهَنَّمَ، أيْ: أعْدَدْنا وهَيَّأْنا لَهم فِيما كَفَرُوا بِهِ وأنْكَرُوا وُجُودَهُ مِنَ الآخِرَةِ عَذابًا مُؤْلِمًا، وهو أبْلَغُ في الزَّجْرِ لِما أنَّ إتْيانَ العَذابِ مِن حَيْثُ لا يُحْتَسَبُ أفْظَعُ وأفْجَعُ، ولَعَلَّ أهْلَ الكِتابِ داخِلُونَ في هَذا الحُكْمِ؛ لِأنَّهم لا يَقُولُونَ بِالجَزاءِ الجِسْمانِيِّ ويَعْتَقِدُونَ في الآخِرَةِ أشْياءَ لا أصْلَ لَها فَلَمْ يُؤْمِنُوا بِالآخِرَةِ وأحْكامِها المَشْرُوحَةِ في هَذا القُرْآنِ حَقِيقَةَ الإيمانِ فافْهَمْ.

والعَطْفُ عَلى ﴿أنَّ لَهم أجْرًا كَبِيرًا﴾ فَيَكُونُ إعْدادُ العَذابِ الألِيمِ لِلَّذِينِ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مُبَشَّرًا بِهِ كَثُبُوتِ الأجْرِ الكَبِيرِ لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ، ومُصِيبَةُ العَدُوِّ سُرُورٌ يُبَشَّرُ بِهِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: يُبَشِّرُ المُؤْمِنِينَ بِثَوابِهِمْ وعِقابِ أعْدائِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ البِشارَةُ مَجازًا مُرْسَلًا بِمَعْنى مُطْلِقِ الإخْبارِ الشّامِلِ لِلْإخْبارِ بِما فِيهِ سُرُورٌ، ولِلْإخْبارِ بِما لَيْسَ كَذَلِكَ، ولَيْسَ فِيهِ الجَمْعُ بَيْنَ مَعْنى المُشْتَرَكِ أوِ الحَقِيقَةِ والمَجازِ حَتّى يُقالَ: إنَّهُ مِن عُمُومِ المَجازِ وإنْ كانَ راجِعًا لِهَذا أوِ العَطْفِ عَلى ﴿يُبَشِّرُ﴾ أوْ ﴿يَهْدِي﴾ بِإضْمارِ يُخْبِرُ فَيَكُونُ مِن عَطْفِ الجُمْلَةِ عَلى الجُمْلَةِ، ولا يَخْفى ما في الآيَةِ مِن تَرْجِيحِ الوَعْدِ عَلى الوَعِيدِ.

صفحة 23

ونَبَّهَ سُبْحانَهُ عَلى ما في البَحْرِ بِوَصْفِ المُؤْمِنِينَ بِالَّذِينِ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ عَلى الحالَةِ الكامِلَةِ لَهم لِيَتَحَلّى المُؤْمِنُ بِذَلِكَ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ إنْ فُسِّرَ الأجْرُ الكَبِيرُ بِالجَنَّةِ فَهو ثابِتٌ لِلْمُؤْمِنِ العامِلِ ولِلْمُؤْمِنِ المُفَرِّطِ؛ إذْ أصْلُ الإيمانِ مُتَكَفِّلٌ بِدُخُولِ الجَنَّةِ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ تَعالى ورَحْمَةً، نَعَمْ ما أُعِدَّ لِلْعامِلِ في الجَنَّةِ أعْظَمُ مِمّا أُعِدَّ لِلْمُفَرِّطِ، وإنْ فُسِّرَ بِما أعَدَّهُ اللَّهُ تَعالى في الآخِرَةِ مِنَ الجَنَّةِ والدَّرَجاتِ العُلى وأنْواعِ الكَراماتِ فِيها الَّتِي لا يَتَكَفَّلُ بِها مُجَرَّدُ الإيمانِ فَظاهِرٌ أنَّ ذَلِكَ غَيْرُ ثابِتٍ لِلْمُؤْمِنِ المُفَرِّطِ فَلا بُدَّ مِنَ التَّوْصِيفِ ولا يَلْزَمُ مِنهُ عَدَمُ دُخُولِ المُفَرِّطِ الجَنَّةَ، نَعَمْ يَلْزَمُ مِنهُ أنْ لا يُثْبَتَ لَهُ الأجْرُ الكَبِيرُ بِالمَعْنى السّابِقِ، والآياتُ الَّتِي يُفْهَمُ مِنها دُخُولُهُ الجَنَّةَ كَثِيرَةٌ، ولَعَلَّ هَذِهِ الآيَةَ يُفْهَمُ مِنها ذَلِكَ، واقْتَضى المَقامُ عَدَمَ التَّصْرِيحِ بِحُكْمِهِ، وفي الكَشّافِ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ المُؤْمِنِينَ الأبْرارَ والكُفّارَ ولَمْ يَذْكُرِ الفَسَقَةَ؛ لِأنَّ النّاسَ حِينَئِذٍ إمّا مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ، وإمّا مُشْرِكٌ، وأصْحابُ المَنزِلَةِ بَيْنَ المَنزِلَتَيْنِ إنَّما حَدَثُوا بَعْدَ ذَلِكَ.

وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ مُكابَرَةٌ؛ فَقَدْ وقَعَ في زَمانِ الرَّسُولِ ﷺ مِن بَعْضِ المُؤْمِنِينَ هَفَواتٌ وسَقَطاتٌ، بَعْضُها مَذْكُورٌ في القُرْآنِ وبَعْضُها مَذْكُورٌ في الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ اه. والمُقَرَّرُ في الأُصُولِ أنَّ الأكْثَرَ عَلى عَدالَةِ الصَّحابَةِ، ومَن طَرَأ لَهُ مِنهم قادِحٌ كَسَرِقَةٍ وزِنًا عُمِلَ بِمُقْتَضاهُ، ثُمَّ ما ذَكَرَهُ مِنَ المَنزِلَةِ بَيْنَ المَنزِلَتَيْنِ الظّاهِرُ أنَّهُ أرادَ بِهِ ما ذَهَبَ إلَيْهِ إخْوانُهُ المُعْتَزِلَةُ مِن أنَّ مُرْتَكِبَ الكَبِيرَةِ لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ ولا كافِرٍ، وإذا ماتَ مِن غَيْرِ تَوْبَةٍ خُلِّدَ في النّارِ، وقَدْ رُدَّ ذَلِكَ في عِلْمِ الكَلامِ فَتَدَبَّرْ.

17:11Page 283

وَيَدۡعُ ٱلۡإِنسَٰنُ بِٱلشَّرِّ دُعَآءَهُۥ بِٱلۡخَيۡرِۖ وَكَانَ ٱلۡإِنسَٰنُ عَجُولٗا ١١

And man supplicates for evil [when angry] as he supplicates for good, and man is ever hasty.1

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَدْعُ الإنْسانُ بِالشَّرِّ﴾ قالَ شَيْخُ الإسْلامِ: بَيانٌ لِحالِ المَهْدِيِّ إثْرَ بَيانِ حالِ الهادِي، وإظْهارٌ لِما بَيْنَهُما مِنَ التَّبايُنِ، والمُرادُ بِالإنْسانِ الجِنْسُ، أُسْنِدَ إلَيْهِ حالُ بَعْضِ أفْرادِهِ وهو الكافِرُ، وإلَيْهِ يُشِيرُ كَلامُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أوْ حَكى عَنْهُ حالَهُ في بَعْضِ أحْيانِهِ كَما يَقْتَضِيهِ ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ فالمَعْنى عَلى الأوَّلِ: أنَّ القُرْآنَ يَدْعُو الإنْسانَ إلى الخَيْرِ الَّذِي لا خَيْرَ فَوْقَهُ مِنَ الأجْرِ الكَبِيرِ ويُحَذِّرُهُ مِنَ الشَّرِّ الَّذِي لا شَرَّ وراءَهُ مِنَ العَذابِ الألِيمِ، وهو أيْ بَعْضُ أفْرادِهِ أعْنِي الكافِرَ يَدْعُو لِنَفْسِهِ بِما هو الشَّرُّ مِنَ العَذابِ المَذْكُورِ إمّا بِلِسانِهِ حَقِيقَةً كَدَأْبِ مَن قالَ مِنهُمْ: ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِن السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ ومَن قالَ: ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا حُكِيَ عَنْهُمْ، وإمّا بِأعْمالِهِمُ السَّيِّئَةِ المُفْضِيَةِ إلَيْهِ المُوجِبَةِ لَهُ مَجازًا كَما هو دَيْدَنُ كُلِّهِمْ، وبَعْضُهم جَعَلَ الدُّعاءَ بِاللِّسانِ مَجازًا أيْضًا عَنِ الِاسْتِعْجالِ اسْتِهْزاءً.

﴿دُعاءَهُ﴾ أيْ دُعاءً كَدُعائِهِ فَحُذِفَ المَوْصُوفُ وحَرْفُ التَّشْبِيهِ وانْتَصَبَ المَجْرُورُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ، وهو مُرادُ مَن قالَ: مِثْلَ دُعائِهِ ﴿بِالخَيْرِ﴾ المَذْكُورِ فَرْضًا لا تَحْقِيقًا؛ فَإنَّهُ بِمَعْزِلٍ عَنِ الدُّعاءِ بِهِ، وفِيهِ رَمْزٌ إلى أنَّهُ اللّائِقُ بِحالِهِ.

﴿وكانَ الإنْسانُ﴾ أيْ: مَن أُسْنِدَ إلَيْهِ الدُّعاءُ المَذْكُورُ مِن أفْرادِهِ ﴿عَجُولا﴾ يُسارِعُ إلى طَلَبِ كُلِّ ما يَخْطُرُ بِبالِهِ مُتَعامِيًا عَنْ ضَرَرِهِ أوْ مُبالِغًا في العَجَلَةِ يَسْتَعْجِلُ الشَّرَّ والعَذابَ، وهو آتِيهِ لا مَحالَةَ، فَفِيهِ نَوْعُ تَهَكُّمٍ بِهِ، وعَلى تَقْدِيرِ حَمْلِ الدُّعاءِ عَلى أعْمالِهِمْ تُجْعَلُ العُجُولِيَّةُ عَلى اللَّجِّ والتَّمادِي في اسْتِيجابِ العَذابِ بِتِلْكَ الأعْمالِ، والمَعْنى عَلى الثّانِي أنَّ القُرْآنَ يَدْعُو الإنْسانَ إلى ما هو خَيْرٌ وهو في بَعْضِ أحْيانِهِ كَما عِنْدَ الغَضَبِ يَدَعُهُ ويَدْعُو اللَّهَ تَعالى لِنَفْسِهِ وأهْلِهِ ومالِهِ بِما هو شَرٌّ، وكانَ الإنْسانُ بِحَسَبِ جِبِلَّتِهِ عَجُولًا ضَجِرًا لا يَتَأنّى إلى أنْ يَزُولَ عَنْهُ ما يَعْتَرِيهِ.

أخْرَجَ الواقِدِيُّ في المَغازِي «عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَيْها بِأسِيرٍ وقالَ لَها: احْتَفِظِي بِهِ

صفحة 24

قالَتْ: فَلَهَوْتُ مَعَ امْرَأةٍ فَخَرَجَ ولَمْ أشْعُرْ فَدَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ فَسَألَ عَنْهُ فَقُلْتُ: واللَّهِ لا أدْرِي وغَفَلْتُ عَنْهُ فَخَرَجَ فَقالَ:

قَطَعَ اللَّهُ يَدَكَ، ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَصاحَ بِهِ فَخَرَجُوا في طَلَبِهِ حَتّى وجَدُوهُ ثُمَّ دَخَلَ عَلَيَّ فَرَآنِي وأنا أُقَلِّبُ يَدِي فَقالَ: ما لَكِ؟ قُلْتُ: أنْتَظِرُ دَعْوَتَكَ. فَرَفَعَ يَدَيْهِ وقالَ: اللَّهُمَّ إنَّما أنا بَشَرٌ آسَفُ وأغْضَبُ كَما يَغْضَبُ البَشَرُ، فَأيُّما مُؤْمِنٍ أوْ مُؤْمِنَةٍ دَعَوْتُكَ عَلَيْهِ بِدَعْوَةٍ فاجْعَلْها لَهُ زَكاةً وطُهْرًا»».

أوْ يَدْعُو بِما هو شَرٌّ ويَحْسَبُهُ خَيْرًا، وكانَ الإنْسانُ عَجُولًا، غَيْرَ مُسْتَبْصِرٍ لا يَتَدَبَّرُ في أُمُورِهِ حَقَّ التَّدَبُّرِ، لِيَتَحَقَّقَ ما هو خَيْرٌ حَقِيقٌ بِالدُّعاءِ بِهِ وهو شَرٌّ جَدِيرٌ بِالِاسْتِعاذَةِ مِنهُ اه. مَعَ بَعْضِ زِيادَةٍ وتَغْيِيرٍ.

واخْتارَ إرادَةَ الكافِرِ مِنَ الإنْسانِ الأوَّلِ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ، وذَكَرَ في وجْهِ رَبْطِ الآياتِ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ ما خَصَّ بِهِ نَبِيَّهُ ﷺ مِنَ الإسْراءِ وإيتاءِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ التَّوْراةَ وما فَعَلَهُ بِالعُصاةِ المُتَمَرِّدِينَ مِن تَسْلِيطِ البَلاءِ عَلَيْهِمْ كانَ ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ طاعَةَ اللَّهِ تَعالى تُوجِبُ كُلَّ خَيْرٍ وكَرامَةً ومَعْصِيَتَهُ سُبْحانَهُ تُوجِبُ كُلَّ بَلِيَّةٍ وغَرامَةٍ، لا جَرَمَ قالَ: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَهْدِي﴾ إلَخْ ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ:

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском