Al-AlusiAl‑Isra · 17:80–83

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-Isra 17:80–83

17:80Page 290

وَقُل رَّبِّ أَدۡخِلۡنِي مُدۡخَلَ صِدۡقٖ وَأَخۡرِجۡنِي مُخۡرَجَ صِدۡقٖ وَٱجۡعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلۡطَٰنٗا نَّصِيرٗا ٨٠

And say, "My Lord, cause me to enter a sound entrance1 and to exit a sound exit2 and grant me from Yourself a supporting authority."

﴿وقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ أيْ: إدْخالًا مَرْضِيًّا جَيِّدًا لا يُرى فِيهِ ما يُكْرَهُ، والإضافَةُ لِلْمُبالَغَةِ.

﴿وأخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ نَظِيرُ الأوَّلِ واخْتُلِفَ في تَعْيِينِ المُرادِ مِن ذَلِكَ، فَأخْرَجَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكّارٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ أنَّ المُرادَ إدْخالُ المَدِينَةِ والإخْراجُ مِن مَكَّةَ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما قِيلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ﴾ إلَخْ.

وأُيِّدَ بِما أخْرَجَهُ أحْمَدُ والطَّبَرانِيُّ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وجَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ بِمَكَّةَ ثُمَّ أُمِرَ بِالهِجْرَةِ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ: ﴿وقُلْ رَبِّ﴾ الآيَةَ». وبَدَأ بِالإدْخالِ لِأنَّهُ الأهَمُّ.

صفحة 144

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ الإدْخالُ في القَبْرِ والإخْراجُ مِنهُ وأُيِّدَ بِذِكْرِهِ بَعْدَ البَعْثِ، وقِيلَ: إدْخالُ مَكَّةَ ظاهِرًا عَلَيْها بِالفَتْحِ وإخْراجُهُ ﷺ مِنها آمِنًا مِنَ المُشْرِكِينَ، وقِيلَ: إخْراجُهُ مِنَ المَدِينَةِ وإدْخالُ مَكَّةَ بِالفَتْحِ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ المُنْكَدِرِ: إدْخالُهُ الغارَ وإخْراجُهُ مِنهُ، وقِيلَ: الإدْخالُ في الجَنَّةِ والإخْراجُ مِن مَكَّةَ، وقِيلَ: الإدْخالُ في الصَّلاةِ والإخْراجُ مِنها، وقِيلَ: الإدْخالُ في المَأْمُوراتِ والإخْراجُ عَنِ المَنهِيّاتِ. وقِيلَ: الإدْخالُ فِيما حُمِّلَهُ ﷺ مِن أعْباءِ النُّبُوَّةِ وأداءِ الشَّرْعِ وإخْراجُهُ مِنهُ مُؤَدِّيًا لِما كُلِّفَهُ مِن غَيْرِ تَفْرِيطٍ، وقِيلَ: الإدْخالُ في بِحارِ التَّوْحِيدِ والتَّنْزِيهِ والإخْراجُ مِنَ الِاشْتِغالِ بِالدَّلِيلِ إلى مَعْرِفَةِ المَدْلُولِ والتَّأمُّلِ في الآثارِ إلى الِاسْتِغْراقِ في مَعْرِفَةِ الواحِدِ القَهّارِ. وقِيلَ وقِيلَ، والأظْهَرُ أنَّ المُرادَ إدْخالُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في كُلِّ ما يَدْخُلُ فِيهِ ويُلابِسُهُ مِن مَكانٍ أوْ أمْرٍ، وإخْراجُهُ مِنهُ فَيَكُونُ عامًّا في جَمِيعِ المَوارِدِ والمَصادِرِ، واسْتَظْهَرَ ذَلِكَ أبُو حَيّانَ وفي الكَشْفِ أنَّهُ الوَجْهُ المُوافِقُ لِظاهِرِ اللَّفْظِ والمُطابِقُ لِمُقْتَضى النَّظْمِ فَسابِقُهُ ولا حِقُهُ لا يَخْتَصّانِ بِمَكانٍ دُونَ آخَرَ، وكَفاكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واجْعَلْ لِي﴾ إلَخْ شاهِدَ صِدْقٍ عَلى إيثارِهِ.

وقَرَأ قَتادَةُ وأبُو حَيْوَةَ وحُمَيْدٌ وإبْراهِيمُ بْنُ أبِي عَبْلَةَ «مَدْخَلَ» و«مَخْرَجَ» بِفَتْحِ المِيمِ فِيهِما، قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: وهُما مَصْدَرانِ مِن دَخَلَ وخَرَجَ لَكِنَّهُما جاءا مِن مَعْنى: أدْخِلْنِي وأخْرِجْنِي السّابِقَيْنِ دُونَ لَفْظِهِما، ومِثْلُ ذَلِكَ: ﴿أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونا اسْمَيْ مَكانٍ وانْتِصابُهُما عَلى الظَّرْفِيَّةِ، وقالَ غَيْرُهُ مِنَ المُحَقِّقِينَ: هُما مَصْدَرانِ مَنصُوبانِ عَلى تَقْدِيرِ فِعْلَيْنِ ثُلاثِيَّيْنِ إذْ مَصْدَرُ المَزِيدَيْنِ مَضْمُومُ المِيمِ كَما في القِراءَةِ المُتَواتِرَةِ أيْ: أدْخِلْنِي فادْخُلْ مَدْخَلَ صِدْقٍ وأخْرِجْنِي فاخْرُجْ مَخْرَجَ صِدْقٍ.

﴿واجْعَلْ لِي مِن لَدُنْكَ سُلْطانًا نَصِيرًا﴾ أيْ: حُجَّةً تَنْصُرُنِي عَلى مَن خالَفَنِي وهو مُرادُ مُجاهِدٍ بِقَوْلِهِ: حُجَّةً بَيِّنَةً، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ أنَّهُ كِتابٌ يَحوِي الحُدُودَ والأحْكامَ وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ أُرِيدَ التَّسَلُّطُ عَلى الكافِرِينَ بِالسَّيْفِ وعَلى المُنافِقِينَ بِإقامَةِ الحُدُودِ، وقَرِيبٌ ما قِيلَ: إنَّ المُرادَ: قَهْرًا وعِزًّا تَنْصُرُ بِهِ الإسْلامَ عَلى غَيْرِهِ.

وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ فَتْحُ مَكَّةَ، وقِيلَ: السُّلْطانُ أحَدُ السَّلاطِينِ المُلُوكِ، فَكَأنَّ المُرادَ الدُّعاءُ بِأنْ يَكُونَ في كُلِّ عَصْرٍ مَلِكٌ يَنْصُرُ دِينَ اللَّهِ تَعالى، قِيلَ: وهو ظاهِرُ ما أخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ قَتادَةَ قالَ: أخْرَجَهُ اللَّهُ تَعالى مِن مَكَّةَ مُخْرَجَ صِدْقٍ وأدْخَلَهُ المَدِينَةَ مُدْخَلَ صِدْقٍ، وعَلِمَ نَبِيُّ اللَّهِ أنَّهُ لا طاقَةَ لَهُ بِهَذا الأمْرِ إلّا بِسُلْطانٍ فَسَألَ سُلْطانًا نَصِيرًا لِكِتابِ اللَّهِ تَعالى وحُدُودِهِ وفَرائِضِهِ؛ فَإنَّ السُّلْطانَ عِزَّةٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ جَعَلَها بَيْنَ أظْهُرِ عِبادِهِ لَوْلا ذَلِكَ لَأغارَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ وأكَلَ شَدِيدُهم ضَعِيفَهم وفِيهِ نَظَرٌ، وفَعِيلٌ عَلى سائِرِ الأوْجُهِ مُبالِغٌ في فاعِلٍ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ في بَعْضِها بِمَعْنى مَفْعُولٍ، والحَقُّ أنَّ المُرادَ مِنَ السُّلْطانِ كُلُّ ما يُفِيدُهُ الغَلَبَةُ عَلى أعْداءِ اللَّهِ تَعالى وظُهُورُ دِينِهِ جَلَّ شَأْنُهُ، ووَصَفَهُ بِ «نَصِيرًا» لِلْمُبالَغَةِ.

17:81Page 290

وَقُلۡ جَآءَ ٱلۡحَقُّ وَزَهَقَ ٱلۡبَٰطِلُۚ إِنَّ ٱلۡبَٰطِلَ كَانَ زَهُوقٗا ٨١

And say, "Truth has come, and falsehood has departed. Indeed is falsehood, [by nature], ever bound to depart."

﴿وقُلْ جاءَ الحَقُّ﴾ الإسْلامُ والدِّينُ الثّابِتُ الرّاسِخُ.

والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ( قُلْ ) أوَّلًا واحْتِمالُ أنَّها مِن مَقُولِ القَوْلِ الأوَّلِ لِما فِيها مِنَ الدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِجابَةِ في غايَةِ البُعْدِ.

﴿وزَهَقَ الباطِلُ﴾ أيْ: زالَ واضْمَحَلَّ، ولَمْ يُثْبِتِ الشِّرْكَ والكُفْرَ وتَسْوِيلاتِ الشَّيْطانِ، مِن زَهَقَتْ نَفْسُهُ إذا خَرَجَتْ مِنَ الأسَفِ، وعَنْ قَتادَةَ أنَّ الحَقَّ القُرْآنُ، والباطِلَ الشَّيْطانُ، وعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّ الأوَّلَ الجِهادُ، والثّانِيَ الشِّرْكُ، وعَنْ مُقاتِلٍ: الحَقُّ عِبادَةُ اللَّهِ تَعالى، والباطِلُ عِبادَةُ الشَّيْطانِ، وهَذا قَرِيبٌ مِمّا ذَكَرْنا.

صفحة 145

﴿إنَّ الباطِلَ﴾ كائِنًا ما كانَ ﴿كانَ زَهُوقًا﴾ مُضْمَحِلًّا غَيْرَ ثابِتٍ الآنَ أوْ فِيما بَعْدُ أوْ مُطْلَقًا لِكَوْنِهِ كَأنْ لَمْ يَكُنْ، وصِيغَةُ فَعُولٍ لِلْمُبالَغَةِ.

أخْرَجَ الشَّيْخانِ وجَماعَةٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ مَكَّةَ وحَوْلَ البَيْتِ سِتُّونَ وثَلاثُمِائَةِ نُصُبٍ، فَجَعَلَ يَطْعَنُها بِعُودٍ في يَدِهِ ويَقُولُ: ﴿جاءَ الحَقُّ وزَهَقَ الباطِلُ إنَّ الباطِلُ كانَ زَهُوقًا﴾، ﴿جاءَ الحَقُّ وما يُبْدِئُ الباطِلُ وما يُعِيدُ﴾».

وفِي رِوايَةِ الطَّبَرانِيِّ في الصَّغِيرِ والبَيْهَقِيِّ في الدَّلائِلِ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ ﷺ جاءَ ومَعَهُ قَضِيبٌ فَجَعَلَ يَهْوِي بِهِ إلى كُلِّ صَنَمٍ مِنها فَيَخِرُّ لِوَجْهِهِ فَيَقُولُ: ﴿جاءَ الحَقُّ وزَهَقَ الباطِلُ إنَّ الباطِلُ كانَ زَهُوقًا﴾ حَتّى مَرَّ عَلَيْها كُلِّها».

17:82Page 290

وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلۡقُرۡءَانِ مَا هُوَ شِفَآءٞ وَرَحۡمَةٞ لِّلۡمُؤۡمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ ٱلظَّٰلِمِينَ إِلَّا خَسَارٗا ٨٢

And We send down of the Qur’ān that which is healing and mercy for the believers, but it does not increase the wrongdoers except in loss.

﴿ونُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ ما هو شِفاءٌ ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: ما هو في تَقْدِيمِ دِينِهِمْ واسْتِصْلاحِ نُفُوسِهِمْ كالدَّواءِ الشّافِي لِلْمَرْضى. و«مِن» لِلْبَيانِ، وقُدِّمَ اهْتِمامًا بِشَأْنِهِ، وأنْكَرَ أبُو حَيّانَ جَوازَ التَّقْدِيمِ واخْتارَ هُنا كَوْنَ مِن لِابْتِداءِ الغايَةِ، وهو إنْكارٌ غَيْرُ مَسْمُوعٍ فَيُفِيدُ أنَّ كُلَّ القُرْآنِ كَذَلِكَ.

وفِي الخَبَرِ: «مَن لَمْ يَسْتَشْفَ بِالقُرْآنِ فَلا شَفاهُ اللَّهُ تَعالى».

أوْ لِلتَّبْعِيضِ ومَعْناهُ عَلى ما في الكَشْفِ ونُنَزِّلُ ما هو شِفاءٌ أيْ: تَدَرَّجَ في نُزُولِهِ شِفاءً فَشِفاءً ولَيْسَ مَعْناهُ أنَّهُ مُنْقَسِمٌ إلى ما هو شِفاءٌ ولَيْسَ بِشِفاءٍ، والمُنَزَّلُ الأوَّلُ كَما وهَمَ الحُوفِيُّ فَأنْكَرَ جَوازَ إرادَةِ التَّبْعِيضِ وإنَّما المَعْنى: أنَّ ما لَمْ يَنْزِلْ بَعْدُ لَيْسَ بِشِفاءٍ لِلْمُؤْمِنِينَ لِعَدَمِ الِاطِّلاعِ، وأنَّ كُلَّ ما يَنْزِلُ فَهو شِفاءٌ لِداءٍ خاصٍّ يَتَجَدَّدُ نُزُولُ الشِّفاءِ كِفاءَ تَجَدُّدِ الدّاءِ. وفِيهِ أيْضًا أنَّ هَذا الوَجْهَ أوْفَقُ لِمُقْتَضى المَقامِ، ولا يَخْفى عَلَيْكَ بُعْدُهُ ولِذا اخْتِيرَ في تَوْجِيهِ التَّبْعِيضِ أنَّهُ بِاعْتِبارِ الشِّفاءِ الجُسْمانِيِّ وهو مِن خَواصِّ بَعْضٍ دُونِ بَعْضٍ ومِنَ البَعْضِ الأوَّلِ الفاتِحَةُ وفِيها آثارٌ مَشْهُورَةٌ، وآياتُ الشِّفاءِ وهي سِتٌّ: ﴿ويَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وشِفاءٌ لِما في الصُّدُورِ﴾، ﴿فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ﴾، ﴿ونُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ ما هو شِفاءٌ ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإذا مَرِضْتُ فَهو يَشْفِينِ﴾، ﴿قُلْ هو لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وشِفاءٌ﴾ .

قالَ السُّبْكِيُّ: وقَدْ جَرَّبْتُ كَثِيرًا، وعَنِ القُشَيْرِيِّ أنَّهُ مَرِضَ لَهُ ولَدٌ أيِسَ مِن حَياتِهِ فَرَأى اللَّهَ تَعالى في مَنامِهِ فَشَكا لَهُ سُبْحانَهُ ذَلِكَ فَقالَ لَهُ: اجْمَعْ آياتِ الشِّفاءِ واقْرَأْها عَلَيْهِ أوِ اكْتُبْها في إناءٍ واسْقِهِ فِيهِ ما مُحِيَتْ بِهِ فَفَعَلَ فَشَفاهُ اللَّهُ تَعالى، والأطِبّاءُ مُعْتَرِفُونَ بِأنَّ مِنَ الأُمُورِ والرُّقى ما يَشْفِي بِخاصِّيَّةٍ رُوحانِيَّةٍ كَما فَصَّلَهُ الأنْدَلُسِيُّ في مُفْرَداتِهِ، وكَذا داوُدُ في المُجَلَّدِ الثّانِي مِن تَذْكِرَتِهِ، ومَن يُنْكِرُ لا يُعْبَأُ بِهِ، نَعَمْ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في جَوازِ نَحْوِ ما صَنَعَهُ القُشَيْرِيُّ عَنِ الرُّؤْيا وهو نَوْعٌ مِنَ النَّشْرَةِ وعَرَّفُوها بِأنَّها أنْ يُكْتَبَ شَيْءٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى أوْ مِنَ القُرْآنِ ثُمَّ يُغْسَلُ بِالماءِ ثُمَّ يُمْسَحُ بِهِ المَرِيضُ أوْ يُسْقاهُ، فَمَنَعَ ذَلِكَ الحَسَنُ والنَّخَعِيُّ ومُجاهِدٌ.

ورَوى أبُو داوُدَ مِن حَدِيثِ جابِرٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَنِ النَّشْرَةِ فَقالَ: هي مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ».

وأجازَ ذَلِكَ ابْنُ المُسَيِّبِ، والنَّشْرَةُ الَّتِي قالَ فِيها ﷺ ما قالَ هي النَّشْرَةُ الَّتِي كانَتْ تُفْعَلُ في الجاهِلِيَّةِ وهي أنْواعٌ، مِنها ما يَفْعَلُهُ أهْلُ التَّعْزِيمِ في غالِبِ الأعْصارِ مِن قِراءَةِ أشْياءَ غَيْرِ مَعْلُومَةِ المَعْنى ولَمْ تَثْبُتْ في السُّنَّةِ أوْ كِتابَتُها وتَعْلِيقُها أوْ سَقْيُها، وقالَ مالِكٌ: لا بَأْسَ بِتَعْلِيقِ الكُتُبِ الَّتِي فِيها أسْماءُ اللَّهِ تَعالى عَلى أعْناقِ المَرْضى عَلى وجْهِ التَّبَرُّكِ بِها إذا لَمْ يُرِدُ مُعَلِّقُها بِذَلِكَ مُدافَعَةَ العَيْنِ، وعَنى بِذَلِكَ أنَّهُ لا بَأْسَ

صفحة 146

بِالتَّعْلِيقِ بَعْدَ نُزُولِ البَلاءِ رَجاءَ الفَرَجِ والبِرِّ.

كالرُّقى الَّتِي ورَدَتِ السُّنَّةُ بِها مِنَ العَيْنِ، وأمّا قَبْلَ النُّزُولِ فَفِيهِ بَأْسٌ وهو غَرِيبٌ، وعِنْدَ ابْنِ المُسَيِّبِ يَجُوزُ تَعْلِيقُ العُوذَةِ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى في قَصَبَةٍ ونَحْوِها وتُوضَعُ عِنْدَ الجِماعِ، وعِنْدَ الغائِطِ ولَمْ يُقَيَّدْ بِقَبْلُ أوْ بَعْدُ، ورَخَّصَ الباقِرُ في العُوذَةِ تُعَلَّقُ عَلى الصِّبْيانِ مُطْلَقًا، وكانَ ابْنُ سِيرِينَ لا يَرى بَأْسًا بِالشَّيْءِ مِنَ القُرْآنِ يُعَلِّقُهُ الإنْسانُ كَبِيرًا أوْ صَغِيرًا مُطْلَقًا، وهو الَّذِي عَلَيْهِ النّاسُ قَدِيمًا وحَدِيثًا في سائِرِ الأمْصارِ لَكِنَّ تَوْجِيهَ التَّبْعِيضِ بِما ذُكِرَ لا يُساعِدُهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ولا يَزِيدُ الظّالِمِينَ إلا خَسارًا﴾ أيْ: لا يَزِيدُ القُرْآنُ كُلُّهُ أوْ كُلُّ بَعْضٍ مِنهُ الكافِرِينَ المُكَذِّبِينَ بِهِ الواضِعِينَ لِلْأشْياءِ في غَيْرِ مَوْضِعِها مَعَ كَوْنِهِ في نَفْسِهِ شِفاءً لِما في الصُّدُورِ مِن أدْواءِ الرِّيَبِ وأسْقامِ الأوْهامِ.

﴿إلا خَسارًا﴾ أيْ: هَلاكًا بِكُفْرِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ وزِيادَتِهِمْ مِن حَيْثُ إنَّهم كُلَّما جَدَّدُوا الكُفْرَ والتَّكْذِيبَ بِالآيَةِ النّازِلَةِ تَدْرِيجًا ازْدادُوا بِذَلِكَ هَلاكًا، وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الخَسارَ بِالنُّقْصانِ، ورَجَّحَ أبُو السُّعُودِ الأوَّلَ بِأنَّ ما بِهِمْ مِن داءِ الكُفْرِ والضَّلالِ حَقِيقٌ بِأنْ يُعَبَّرَ عَنْهُ بِالهَلاكِ لا بِالنُّقْصانِ المُنْبِئِ عَنْ حُصُولِ بَعْضِ مَبادِئِ الإسْلامِ فِيهِمْ، وفِيهِ كَما قالَ: إيماءٌ إلّا أنَّ ما بِالمُؤْمِنِينَ مِنَ الشُّبَهِ والشُّكُوكِ المُعْتَرِيَةِ لَهم في أثْناءِ الِاهْتِداءِ والِاسْتِرْشادِ بِمَنزِلَةِ الأمْراضِ، وما بِالكَفَرَةِ مِنَ الجَهْلِ والعِنادِ بِمَنزِلَةِ المَوْتِ والهَلاكِ، وإسْنادُ الزِّيادَةِ المَذْكُورَةِ إلى القُرْآنِ مَعَ أنَّهُمُ المُزْدادُونَ في ذَلِكَ لِسُوءِ صَنِيعِهِمْ بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ سَبَبًا لِذَلِكَ، وفِيهِ تَعْجِيبٌ مِن أمْرِهِ مِن حَيْثُ كَوْنُهُ مَدارًا لِلشِّفاءِ والهَلاكِ:

كَماءٍ صارَ في الأصْدافِ دُرًّا وفي ثَغْرِ الأفاعِي صارَ سُمّا

هَذا ورُبَّما يُقالُ: إنَّ انْقِسامَ القُرْآنِ إلى ما هو شِفاءٌ مِن أدْواءِ الرِّيَبِ وأسْقامِ الوَهْمِ وإلى ما لَيْسَ كَذَلِكَ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ فِيهِ رَيْبٌ؛ لِأنَّ الشّافِيَ مِن أدْواءِ الرِّيَبِ إنَّما هو الأدِلَّةُ كالآياتِ الدّالَّةِ عَلى بُطْلانِ الشِّرْكِ وثُبُوتِ الوَحْدانِيَّةِ لَهُ تَعالى وكالآياتِ الدّالَّةِ عَلى إمْكانِ الحَشْرِ الجُسْمانِيِّ ولَيْسَ كُلُّ آياتِ القُرْآنِ كَذَلِكَ؛ فَإنَّ مِنهُ ما هو أمْرٌ بِصَلاةٍ وصَوْمٍ وزَكاةٍ ومِنهُ ما هو نَهْيٌ عَنْ قَتْلٍ وزِنًى وسَرِقَةٍ ونَحْوَ ذَلِكَ وهو لا يُشْفى بِهِ أدْواءُ الرِّيَبِ وأسْقامُ الوَهْمِ وكَذا آياتُ القَصَصِ، نَعَمْ فِيما ذُكِرَ نَفْعٌ غَيْرُ الشِّفاءِ مِن تِلْكَ الأدْواءِ فَهو رَحْمَةٌ وحِينَئِذٍ يُقالُ: في الآيَةِ حَذْفٌ؛ أيْ: نُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ ما هو شِفاءٌ وما هو رَحْمَةٌ عَلى مَعْنى نُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ آياتٌ هي شِفاءٌ وآياتٌ هي رَحْمَةٌ.

وفِيهِ أنَّ الرَّيْبَ غَيْرُ مُخْتَصٍّ فِيما يَتَعَلَّقُ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وبِإمْكانِ الحَشْرِ بَلْ يَكُونُ أيْضًا في الرِّسالَةِ وصِدْقِهِ ﷺ في دَعْواها، وما مِن آيَةٍ في القُرْآنِ إلّا وهي مُسْتَقِلَّةٌ أوْ لَها دَخْلٌ في الشِّفاءِ مِن ذَلِكَ الدّاءِ لِما فِيها مِنَ الإعْجازِ، وكَذا ما مِن آيَةٍ إلّا وفِيها نَفْعٌ مِن جِهَةٍ أُخْرى، فَكُلُّ آيَةِ رَحْمَةٍ كَما أنَّ كُلَّها شِفاءٌ لَكِنَّ كَوْنَهُ رَحْمَةً بِالنِّسْبَةِ إلى كُلِّ واحِدٍ واحِدٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ إذْ كَلُّ مُؤْمِنٍ يَنْتَفِعُ بِهِ نَوْعًا مِنَ الِانْتِفاعِ وكَوْنُهُ شِفاءً بِالفِعْلِ بِالنِّسْبَةِ إلى مَن عَرَضَ لَهُ شَيْءٌ مِن أدْواءِ الرِّيَبِ وأسْقامِ الوَهْمِ ولَيْسَ كُلُّ المُؤْمِنِينَ كَذَلِكَ، والقَوْلُ بِأنَّ كُلًّا كَذَلِكَ في أوَّلِ الإيمانِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ ولا يُحْتاجُ إلَيْهِ كَما لا يَخْفى.

والإمامُ عَمَّمَ شِفائِيَّتَهُ وقَدْ أحْسَنَ فَقالَ: هو شِفاءٌ لِلْأمْراضِ الرُّوحانِيَّةِ وهي نَوْعانِ: اعْتِقاداتٌ باطِلَةٌ وأخْلاقٌ مَذْمُومَةٌ فَلِاشْتِمالِهِ عَلى الدَّلائِلِ الحَقَّةِ الكاشِفَةِ عَنِ المَذاهِبِ الباطِلَةِ في الإلَهِيّاتِ والنُّبُوّاتِ والمَعادِ والقَضاءِ والقَدَرِ المُبَيِّنَةِ لِبُطْلانِها يَشْفِي عَنِ النَّوْعِ الأوَّلِ مِنَ الأمْراضِ ولِاشْتِمالِهِ عَلى تَفاصِيلِ الأخْلاقِ المَذْمُومَةِ وتَعْرِيفِ

صفحة 147

ما فِيها مِنَ المَفاسِدِ والإرْشادِ إلى الأخْلاقِ الفاضِلَةِ والأعْمالِ المَحْمُودَةِ يَشْفِي عَنِ النَّوْعِ الآخَرِ، والشِّفاءُ إشارَةٌ إلى التَّخْلِيَةِ، والرَّحْمَةُ إشارَةٌ إلى التَّحْلِيَةِ، ولِأنَّ الأُولى أهَمُّ مِنَ الثّانِيَةِ قُدِّمَ الشِّفاءُ عَلى الرَّحْمَةِ فَتَأمَّلْ. واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ.

وقَرَأ البَصْرِيّانِ: «نُنْزِلُ» بِالنُّونِ والتَّخْفِيفِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ بِالياءِ والتَّخْفِيفِ، ورَواها المَرْوَزِيُّ عَنْ حَفْصٍ.

وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: «شِفاءً ورَحْمَةً» بِنَصْبِهِما، قالَ أبُو حَيّانَ: ويَتَخَرَّجُ ذَلِكَ عَلى أنَّهُما حالانِ، والخَبَرُ لِلْمُؤْمِنِينَ، والعامِلُ في الحالِ ما في الجارِّ والمَجْرُورِ مِنَ الفِعْلِ، ونَظِيرُ ذَلِكَ: «والسَّماواتُ مَطْوِيّاتٍ بِيَمِينِهِ» في قِراءَةِ نَصْبِ «مَطْوِيّاتٍ» وقَوْلُ الشّاعِرِ:

رَهْطُ ابْنِ كُوزٍ مُحْقِبِي أدْراعِهِمْ ∗∗∗ فِيهِمْ ورَهْطُ رَبِيعَةَ بْنِ حَذارِ

ثُمَّ قالَ: وتَقْدِيمُ الحالِ عَلى العامِلِ فِيهِ مِنَ الظَّرْفِ لا يَجُوزُ إلّا عِنْدَ الأخْفَشِ، ومَن مَنَعَ جَعَلَهُ مَنصُوبًا عَلى إضْمارِ أعْنِي، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ مَن يُجَوِّزُ مَجِيءَ الحالِ مِنَ المُبْتَدَأِ لا يَحْتاجُ إلى ذَلِكَ.

17:83Page 290

وَإِذَآ أَنۡعَمۡنَا عَلَى ٱلۡإِنسَٰنِ أَعۡرَضَ وَنَـَٔا بِجَانِبِهِۦ وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ كَانَ يَـُٔوسٗا ٨٣

And when We bestow favor upon man [i.e., the disbeliever], he turns away and distances himself; and when evil touches him, he is ever despairing.

﴿وإذا أنْعَمْنا﴾ بِالصِّحَّةِ والسِّعَةِ ونَحْوِهِما ﴿عَلى الإنْسانِ﴾ أيْ: جِنْسِهِ فَيَكْفِي في صِحَّةِ الحُكْمِ وُجُودُهُ في بَعْضِ الأفْرادِ ولا يَضُرُّ وُجُودُ نَقِيضِهِ في البَعْضِ الآخَرِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ ﴿أعْرَضَ﴾ عَنْ ذِكْرِنا كَأنَّهُ مُسْتَغْنٍ عَنّا فَضْلًا عَنِ القِيامِ بِمَواجِبِ شُكْرِنا ﴿ونَأى بِجانِبِهِ﴾ لَوى عَطْفَهُ عَنْ طاعَتِنا ووَلّاها ظَهْرَهُ، وأصْلُ مَعْنى النَّأْيِ البُعْدُ؛ وهو تَأْكِيدٌ لِلْإعْراضِ بِتَصْوِيرِ صُورَتِهِ فَهو أوْفى بِتَأْدِيَةِ المُرادِ مِنهُ، ومِثْلُهُ يَجُوزُ عَطْفُهُ لِإيهامِ المُغايَرَةِ بَيْنَهُما وهو أبْلَغُ مِن تَرْكِ العَطْفِ عَلى ما بُيِّنَ في مَحَلِّهِ، عَلى أنَّ ما ذَكَرَهُ أهْلُ المَعانِي مِن أنَّ التَّأْكِيدَ يَتَعَيَّنُ فِيهِ تَرْكُ العَطْفِ لِكَمالِ الِاتِّصالِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ، والجانِبُ عَلى ظاهِرِهِ والمُرادُ تَرْكُ ذَلِكَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ كِنايَةً عَنِ الِاسْتِكْبارِ؛ فَإنَّ ثَنْيَ العَطْفِ مِن أفْعالِ المُسْتَكْبِرِينَ ولا يَبْعُدُ أنْ يُرادَ بِالجانِبِ النَّفْسُ كَما يُقالُ جاءَ مِن جانِبِ فُلانٍ كَذا؛ أيْ: مِنهُ وهو كِنايَةٌ أيْضًا كَما يُعَبَّرُ بِالمَقامِ والمَجْلِسِ عَنْ صاحِبِهِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِرِوايَةِ ابْنِ ذَكْوانَ «وناءَ» هُنا، وفي فُصِّلَتْ فَقِيلَ ذَلِكَ مِن بابِ القَلْبِ ووَضْعُ العَيْنِ مَحَلَّ اللّامِ كَراءٍ ووَراءٍ، وقِيلَ: لا قَلْبَ وناءَ بِمَعْنى نَهَضَ كَما في قَوْلِهِ:

حَتّى إذا ما التَأمَتْ مَفاصِلُهُ وناءَ في شِقِّ الشِّمالِ كاهِلُهُ

أيْ: نَهَضَ مُتَوَكِّئًا عَلى شِمالِهِ، وفُسِّرَ نَهَضَ هُنا بِأسْرَعَ، والكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ؛ أيْ: أسْرَعَ بِصَرْفِ جانِبِهِ، وقِيلَ: مَعْناهُ: تَثاقَلَ عَنْ أداءِ الشُّكْرِ فِعْلَ المُعْرِضِ ﴿وإذا مَسَّهُ الشَّرُّ﴾ مِن مَرَضٍ أوْ فَقْرٍ أوْ نازِلَةٍ مِنَ النَّوازِلِ ﴿كانَ يَئُوسًا﴾ شَدِيدَ اليَأْسِ مِن رَحْمَتِنا لِأنَّهُ لَمْ يُحْسِنْ مُعامَلَتَنا في الرَّخاءِ حَتّى يَرْجُوَ فَضْلَنا في الشِّدَّةِ، وفي إسْنادِ المَساسِ إلى الشَّرِّ بَعْدَ إسْنادِ الإنْعامِ إلى ضَمِيرِهِ تَعالى إيذانٌ بِأنَّ الخَيْرَ مُرادٌ بِالذّاتِ والشَّرُّ لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ هو الَّذِي يَقْتَضِيهِ الكَرَمُ المُطْلَقُ والرَّحْمَةُ الواسِعَةُ وإلى ذَلِكَ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ ﷺ: ««اللَّهُمَّ إنَّ الخَيْرَ بِيَدَيْكَ والشَّرُّ لَيْسَ إلَيْكَ»».

ولِلْفَلاسِفَةِ ومِن يَحْذُو حَذْوَهم في ذَلِكَ بَحْثٌ طَوِيلٌ لا بَأْسَ بِالِاطِّلاعِ عَلَيْهِ لِيُؤْخَذَ مِنهُ ما صَفا ويُتْرَكَ مِنهُ ما كَدَرَ؛ قالُوا: إنَّ الأوَّلَ تَعالى تامُّ القُدْرَةِ والحِكْمَةِ والعِلْمِ كامِلٌ في جَمِيعِ أفاعِيلِهِ، لا يُتَصَوَّرُ بُخْلُهُ بِإفاضَةِ الخَيْراتِ ولَيْسَ الدّاعِي لَهُ لِذَلِكَ إلّا عِلْمُهُ بِوُجُوهِ الخَيْرِ ومَصالِحِ الغَيْرِ الَّذِي هو عَيْنُ ذاتِهِ كَسائِرِ صِفاتِهِ، وأمّا النَّقائِصُ والشُّرُورُ الواقِعَةُ في ضَرْبٍ مِنَ المُمْكِناتِ وعَدَمُ وُصُولِها إلى كَمالِها المُتَصَوَّرِ في حَقِّها فَهي لِقُصُورِ قابِلِيّاتِها ونَقْصِ اسْتِعْداداتِها لا مِن بُخْلِ الحَقِّ تَعالى مَجْدُهُ عَنْ ذَلِكَ.

صفحة 148

وقُصُورُ القابِلِيَّةِ يَنْتَهِي في الآخِرَةِ إلى لَوازِمِ الماهِيّاتِ الإمْكانِيَّةِ ومَنبَعُها الإمْكانُ وتَحْقِيقُ ذَلِكَ أنَّ الشَّرَّ يُطْلَقُ عُرْفًا عَلى مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما ما هو عَدَمٌ كالفَقْرِ والجَهْلِ البَسِيطِ وهَذا عَلى ضَرْبَيْنِ: الأوَّلُ عَدَمٌ مَحْضٌ لَيْسَ بِإزاءِ الوُجُودِ الَّذِي يَطْلُبُهُ طِباعُ الشَّيْءِ ولا مِمّا يُمْكِنُ حُصُولُهُ لَهُ مِنَ الكَمالاتِ والخَيْراتِ كَقُصُورِ المُمْكِنِ عَنِ الوُجُودِ الواجِبِيِّ والوُجُوبِ الذّاتِيِّ، وقُصُورُ بَعْضِ المُمْكِناتِ عَنْ بَعْضٍ كَقُصُورِ الأجْسامِ عَنِ النُّفُوسِ فالخَيْرُ الَّذِي يُقابِلُ هَذا مُنْحَصِرٌ في الواجِبِ تَعالى؛ إذْ لَهُ الكَمالُ المُطْلَقُ والوُجُودُ الحَقُّ بِلا جِهَةِ إمْكانِيَّةٍ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ وما عَداهُ مِنَ المُهَيِّئاتِ المَعْرُوضَةِ لِلْوُجُودِ لا يَخْلُو مِن شَوْبِ شَرِّيَّةٍ ما وظُلْمَةٍ ما عَلى تَفاوُتِ إمْكاناتِهِمْ حَسْبَ تَفاوُتِ طَبَقاتِهِمْ في البُعْدِ عَنْ يَنْبُوعِ الوُجُودِ ومَطْلَعِ نُورِ الخَيْرِ والجُودِ، وهَذا الشَّرُّ مَنبَعُهُ الإمْكانُ الذّاتِيُّ، والثّانِي ما يَكُونُ عَدَمُ ما يَطْلُبُهُ الشَّيْءُ أوْ ما يُمْكِنُ حُصُولُهُ لَهُ مِنَ الكَمالاتِ ولا يُتَصَوَّرُ هَذا في غَيْرِ المادِّيّاتِ إذِ الإبْداعِيّاتُ يَكُونُ وُجُودُها عَلى أكْمَلِ ما يُتَصَوَّرُ في حَقِّها فَلا يَكُونُ لَها شَرِّيَّةٌ بِهَذا المَعْنى وما عَداها مِنَ المُتَعَلِّقَةِ بِالمادَّةِ لا تَخْلُو مِن شَرِّيَّةٍ عَلى تَفاوُتِ إمْكاناتِها الِاسْتِعْدادِيَّةِ بِحَسْبِ تَفاوُتِ مَراتِبِها في التَّعَلُّقِ بِالهَيُولى وهَذا الشَّرُّ مَنبَعُهُ الهَيُولى ومَنبَعُها الإمْكانُ؛ إذْ لَوْلاهُ ما صَدَرَتْ مِن مَصْدَرِها فَآلَ الشَّرُّ إلى الإمْكانِ كَما سَمِعْتَ أوَّلًا.

وثانِيهِما ما يَمْنَعُ الشَّيْءَ عَنِ الوُصُولِ إلى الخَيْرِ المُمْكِنِ في حَقِّهِ مِنَ الوُجُودِ أوْ كَمالِ الوُجُودِ كالبَرْدِ والحَرِّ المُفْسِدَيْنِ لِلثِّمارِ والمَطَرِ المانِعِ لِلْقِصارِ عَنْ تَبْيِيضِ الثِّيابِ والأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ المانِعَةِ لِلنَّفْسِ عَنْ وُصُولِها إلى كَمالِها العَقْلِيِّ كالبُخْلِ والإسْرافِ والجَهْلِ المُرَكَّبِ والسَّفاهَةِ والأفْعالِ الذَّمِيمَةِ كالزِّنا والسَّرِقَةِ والنَّمِيمَةِ وأشْباهِ ذَلِكَ مِنَ الآلامِ والغُمُومِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأشْياءِ الوُجُودِيَّةِ لَكِنْ يَتْبَعُها إعْدامٌ، وإطْلاقُ الشَّرِّ عِنْدَهم عَلى المَعْنى الأوَّلِ حَقِيقَةٌ، وعَلى الثّانِي مَجازٌ؛ لِأنَّ الشَّرَّ الحَقِيقِيَّ لا ذاتَ لَهُ بَلْ هو إمّا عَدَمُ ذاتٍ أوْ عَدَمُ كَمالٍ لِذاتٍ، والبُرْهانُ عَلَيْهِ أنَّهُ لَوْ كانَ أمْرًا وُجُودِيًّا فَلا يَخْلُو إمّا أنْ يَكُونَ شَرًّا لِنَفْسِهِ أوْ لِغَيْرِهِ، والأوَّلُ باطِلٌ وإلّا لَما وُجِدَ إذِ الشَّيْءُ لا يَقْتَضِي لِذاتِهِ عَدَمَهُ أوْ عَدَمَ كَمالِهِ كَيْفَ وجَمِيعُ الأشْياءِ طالِبَةٌ لِكِمالاتِها لا مُقْتَضِيَةٌ لِعَدَمِها مَعَ أنَّهُ لَوِ اقْتَضى كانَ الشَّرُّ ذَلِكَ العَدَمَ لا نَفْسَهُ، وكَذا الثّانِي لِأنَّ كَوْنَهُ لِغَيْرِهِ إمّا لِأنَّهُ لِعَدَمِ ذَلِكَ الغَيْرِ أوْ لِأنَّهُ لِعَدَمِ بَعْضِ كَمالاتِهِ فَإنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مُعْدَمًا لِشَيْءٍ أصْلًا لا لِوُجُودِهِ ولا لِكَمالِ وُجُودِهِ لَمْ يَكُنْ شَرًّا لِذَلِكَ الشَّيْءِ ضَرُورَةً، أنَّ كُلَّ ما لا يُوجِبُ عَدَمَ شَيْءٍ ولا عَدَمَ كَمالٍ لَهُ لا يَكُونُ شَرًّا لَهُ فَإذًا لَيْسَ الشَّرُّ إلّا عَدَمَ ذَلِكَ الشَّيْءِ أوْ عَدَمَ كَمالِهِ لا نَفْسَ الأمْرِ الوُجُودِيِّ المُعْدَمِ بَلْ هو في ذاتِهِ مِنَ الكَمالاتِ النَّفْسانِيَّةِ أوِ الجُسْمانِيَّةِ كالظُّلْمِ فَإنَّهُ وإنْ كانَ شَرًّا بِالقِياسِ إلى المَظْلُومِ وإلى النَّفْسِ النّاطِقَةِ الَّتِي كَمالُها في تَسْخِيرِ قُواها وكَسْرِها لَكِنَّهُ خَيْرٌ بِالقِياسِ إلى القُوَّةِ الغَضَبِيَّةِ الَّتِي كَمالُها بِالِانْتِقامِ، وكَذا الإحْراقُ كَمالٌ لِلنّارِ وشَرٌّ لِمَن يَتَضَرَّرُ بِهِ فَعُلِمَ أنَّ الشَّرَّ إمّا عَدَمُ ذاتٍ أوْ عَدَمُ كَمالٍ لَها فالوُجُودُ مِن حَيْثُ إنَّهُ وُجُودُ خَيْرٍ مَحْضٍ والعَدَمُ مِن حَيْثُ إنَّهُ عَدَمُ شَرٍّ مَحْضٍ، ثُمَّ إنَّكَ قَدْ عَلِمْتَ أنَّ الشَّرَّ الَّذِي هو بِمَعْنى العَدَمِ مِنهُ ما هو مِن لَوازِمِ الماهِيّاتِ الَّتِي لا عِلَّةَ لَها، ومِنهُ ما لا يَكُونُ مِن هَذا القَبِيلِ بَلْ قَدْ يَلْحَقُ الماهِيّاتِ لا مِن ذاتِها فَلا بُدَّ لَهُ مِن عِلَّةٍ، والكَلامُ لَيْسَ في الأوَّلِ الَّذِي لا لُمِّيَّةَ لَهُ؛ إذْ قَدْ تَقَرَّرَ أنَّهُ لَيْسَ لِلْماهِيّاتِ في كَوْنِها مُمْكِنَةً ولا في حاجَتِها إلى عِلَّةٍ لِوُجُودِها عِلَّةٌ ولا لِقُصُورِ المُمْكِنِ عَنِ الواجِبِ بِذاتِهِ ولا لِتَفاوُتِ مَراتِبِ هَذا النُّقْصانِ في الماهِيّاتِ عِلَّةٌ بَلْ إنَّما ذَلِكَ لِاخْتِلافِ الماهِيّاتِ في حُدُودِ ذاتِها لا لِأمْرٍ خارِجٍ عَنْها كَيْفَ ولَوْ كانَ النَّقْصُ في جَمِيعِها مُتَشابِهًا لَكانَتِ الماهِيّاتُ ماهِيَّةً واحِدَةً بَلِ الكَلامُ في الثّانِي وهو عَدَمُ ما هو مِنَ الأُمُورِ الزّائِدَةِ عَلى مُقْتَضى النَّوْعِ

صفحة 149

كالجَهْلِ بِالفَلْسَفَةِ لِلْإنْسانِ مَثَلًا فَإنَّ ذَلِكَ لَيْسَ شَرًّا لَهُ لِأجْلِ كَوْنِهِ إنْسانًا بَلْ لِأجْلِ أنَّهُ فَقْدٌ لِما اقْتَضاهُ شَخْصٌ مُسْتَعِدٌّ لَهُ مُشْتاقٌ إلَيْهِ مِن حَيْثُ إنَّهُ وُجِدَ فِيهِ هَذا الِاسْتِحْقاقُ والِاشْتِياقُ الَّذِي لا صَلاحَ في أنْ يَعُمَّ.

وهَذا الشَّرُّ إنَّما يُوجَدُ في الأشْياءِ عَلى سَبِيلِ النُّدْرَةِ فَكُلُّ ما وُجِدَ فَهو خَيْرٌ مَحْضٌ أوْ خَيْرُهُ أكْثَرُ مِن شَرِّهِ، وأمّا ما يَكُونُ شَرًّا مَحْضًا أوْ مُسْتَوْلِيَ الشَّرِّيَّةِ أوْ مُتَساوِيَ الطَّرَفَيْنِ فَمِمّا لا وُجُودَ لَهُ أصْلًا حَتّى يُحْتاجَ فِيهِ إلى مَنشَأٍ سِوى الواجِبِ تَعالى الَّذِي هو خَيْرٌ مَحْضٌ لا يُوجَدُ مِنهُ شَرٌّ أصْلًا كَما تَوَهَّمَهُ كَفَرَةُ المَجُوسِ، ثُمَّ كَلُّ ما كانَ خَيْرًا مَحْضًا أوْ كانَ خَيْرُهُ أكْثَرَ يَصْدُرُ مِنَ الواجِبِ بِمُقْتَضى أنَّ مِن شَأْنِهِ إفاضَةَ الخَيْرِ لِأنَّ تَرْكَ الأوَّلِ شَرٌّ مَحْضٌ وتَرْكَ الثّانِي شَرٌّ غالِبٌ، وعالَمُ العَناصِرِ مِنَ القِسْمِ الثّانِي؛ فَإنَّ إيجابَهُ لِلشُّرُورِ عَلى الوَجْهِ النّادِرِ ولا تُسَوِّغُ عِنايَةُ المُبْدِعِ ورَحْمَةُ الجَوادِ إهْمالَهُ وإلّا لَزِمَ خَيْرٌ كَثِيرٌ لِشَرٍّ قَلِيلٍ وهو شَرٌّ كَثِيرٌ عَلى أنَّها إنَّما تَكُونُ لِلنَّفْعِ في أشْياءَ لَوْ لَمْ تُخْلَقْ لَخَلِقَ سِرْبالُ الوُجُودِ وقَصُرَ رِداءُ الجُودِ وبَقِيَ في كَتْمِ العَدَمِ عَوالِمُ كَثِيرَةٌ ونَفائِسُ جَمَّةٌ غَفِيرَةٌ، فَمِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ يَكُونُ ذَلِكَ الشَّرُّ القَلِيلُ مُقْتَضِيًا بِالذّاتِ وهي مَعَ ذَلِكَ إنَّما تُوجَدُ تَحْتَ كُرَةِ القَمَرِ في بَعْضِ جَوانِبِ الأرْضِ الَّتِي هي حَقِيرَةٌ بَلْ لا شَيْءَ بِالنِّسْبَةِ إلى ما عِنْدَ رَبِّكَ سُبْحانَهُ، وتَكُونُ لِبَعْضِ الأشْخاصِ في بَعْضِ الأوْقاتِ ولَيْسَتْ أيْضًا شُرُورًا بِالنِّسْبَةِ إلى نِظامِ الكُلِّ فَإذا تَصَوَّرْتَ ذَرَّةَ الشَّرِّ في أبْحُرِ أشِعَّةِ شَمْسِ الخَيْرِ لا يَضُرُّها بَلْ يَزِيدُها بِهاءً وجَمالًا وضِياءً وكَمالًا كالشّامَةِ السَّوْداءِ عَلى الصُّورَةِ المَلِيحَةِ البَيْضاءِ يَزِيدُها حُسْنًا ومَلاحَةً وإشْراقًا وصَباحَةً.

ولا يَخْفى أنَّ هَذا إنَّما يَتِمُّ عَلى القَوْلِ بِأنَّهُ تَعالى لا يُمْكِنُ أنْ تَكُونَ إرادَتُهُ مُتَساوِيَةَ النِّسْبَةِ إلى الشَّيْءِ ومُقابِلِهِ بِلا داعٍ ومَصْلَحَةٍ كَما هو مَذْهَبُ الأشاعِرَةِ وإلّا فَقَدْ يُقالُ: إنَّ الفاعِلَ لِلْكُلِّ إذا كانَ مُخْتارًا فَلَهُ أنْ يَخْتارَ أيَّما شاءَ مِنَ الخَيْراتِ والشُّرُورِ لَكِنَّ الحُكَماءَ وأساطِينَ الإسْلامِ قالُوا: إنَّ اخْتِيارَهُ تَعالى أرْفَعُ مِن هَذا النَّمَطِ، وأُمُورُ العالَمِ مَنُوطَةٌ بِقَوانِينَ كُلِّيَّةٍ وأفْعالُهُ تَعالى مَرْبُوطَةٌ بِحِكَمٍ ومَصالِحَ جَلِيَّةٍ وخَفِيَّةٍ.

وقَوْلُ الإمامِ: إنَّ الفَلاسِفَةَ لَمّا قالُوا بِالإيجابِ والجَبْرِ في الأفْعالِ فَخَوْضُهم في هَذا المَبْحَثِ مِن جُمْلَةِ الفُضُولِ والضَّلالِ؛ لِأنَّ السُّؤالَ بِلِمَ عَنْ صُدُورِها غَيْرُ وارِدٍ كَصُدُورِ الإحْراقِ مِنَ النّارِ لِأنَّهُ يَصْدُرُ عَنْها لِذاتِها ناشِئٌ مِنَ التَّعَصُّبِ لِأنَّ مُحَقِّقِيهِمْ يُثْبِتُونَ الِاخْتِيارَ، ولَيْسَ صُدُورُ الأفْعالِ مِنَ اللَّهِ تَعالى عِنْدَهم صُدُورَ الإحْراقِ مِنَ النّارِ، وبَعْدَ فَرْضِ التَّسْلِيمِ بَحْثُهم عَنْ كَيْفِيَّةِ وُقُوعِ الشَّرِّ في هَذا العالَمِ لِأجْلِ أنَّ البارِيَ تَبارَكَ اسْمُهُ خَيْرٌ مَحْضٌ بَسِيطٌ عِنْدَهم ولا يُجَوِّزُونَ صُدُورَ الشَّرِّ عَمّا لا جِهَةَ شَرِّيَّةً فِيهِ أصْلًا فَيَلْزَمُ عَلَيْهِمْ في بادِئِ النَّظَرِ إثْباتُ ما افْتَرَتْهُ الثَّنَوِيَّةُ مِن مَبْدَأيْنِ خَيْرِيٍّ وشَرِّيٍّ فَتَخَلَّصُوا عَنْ ذَلِكَ بِذَلِكَ البَحْثِ فَهو فَضْلٌ لا فُضُولٌ، وبِالجُمْلَةِ ما يَصْدُرُ عَنْهُ تَعالى إمّا ما هو بَرِيءٌ بِالكُلِّيَّةِ عَنِ الشَّرِّ، وإمّا ما يَلْزَمُهُ شَرٌّ قَلِيلٌ وفي تَرْكِهِ شَرٌّ كَثِيرٌ ولا يَصْدُرُ عَنْهُ تَعالى ذَلِكَ أيْضًا في حَقِّ شَخْصٍ إلّا بَعْدَ طَلَبِ ماهِيَّتِهِ لَهُ في نَفْسِها كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

وفِي الإشاراتِ وشُرُوحِها كَلامٌ طَوِيلٌ يَتَعَلَّقُ بِهَذا المَقامِ ولَعَلَّ فِيما ذَكَرْنا كِفايَةً لِذَوِي الأفْهامِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском