Al-AlusiAl‑Isra · 17:85

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-Isra 17:85, continued

وقالَ ابْنُ حَبِيبٍ: هُما شَيْئانِ؛ فالرُّوحُ هو النَّفَسُ المُتَرَدِّدُ في الإنْسانِ والنَّفَسُ أمْرٌ غَيْرُ ذَلِكَ لَها يَدانِ ورِجْلانِ ورَأْسٌ وعَيْنانِ وهي الَّتِي تَلْتَذُّ وتَتَألَّمُ وتَفْرَحُ وتَحْزَنُ وإنَّها هي الَّتِي تُتَوَفّى في المَنامِ وتَخْرُجُ وتَسْرَحُ وتَرى الرُّؤْيا ويَبْقى الجَسَدُ دُونَها بِالرُّوحِ فَقَطْ لا يَلْتَذُّ ولا يَفْرَحُ حَتّى تَعُودَ، واحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ﴾ الآيَةَ، وحَكى ابْنُ مَندَهْ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّ النَّفْسَ طِينِيَّةٌ نارِيَّةٌ، والرُّوحَ نُورِيَّةٌ رُوحانِيَّةٌ، وعَنْ آخَرَ أنَّ

صفحة 158

النَّفْسَ ناسُوتِيَّةٌ والرُّوحَ لاهُوتِيَّةٌ، وذُكِرَ أنَّ أهْلَ الأثَرِ عَلى المُغايَرَةِ وأنَّ قِوامَ النَّفْسِ بِالرُّوحِ، والنَّفْسُ صُورَةُ العَبْدِ، والهَوى والشَّهْوَةُ والبَلاءُ مَعْجُونٌ فِيها ولا عَدُوَّ أعْدى لِابْنِ آدَمَ مِن نَفْسِهِ لا تُرِيدُ إلّا الدُّنْيا ولا تُحِبُّ إلّا إيّاها، والرُّوحُ تَدْعُو إلى الآخِرَةِ وتُؤْثِرُها، وظاهِرُ كَلامِ بَعْضِ مُحَقِّقِي الصُّوفِيَّةِ القَوْلُ بِالمُغايَرَةِ فَفي مُنْتَهى المَدارِكِ لِلْمُحَقِّقِ الفَرْغانِيِّ أنَّ النَّفْسَ المُضافَةَ إلى الإنْسانِ عِبارَةٌ عَنْ بُخارٍ ضَبابِيٍّ مُنْبَعِثٍ مِن باطِنِ القَلْبِ الصَّنَوْبَرِيِّ حامِلٍ لِقُوَّةِ الحَياةِ مُتَجَنِّسٍ بِأثَرِ الرُّوحِ الرُّوحانِيَّةِ المُرادَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي﴾ الثّابِتُ تَعَيُّنُها في عالَمِ الأرْوَحِ، وأثَرُها واصِلٌ إلى هَذا البُخارِ الحامِلِ لِلْحَياةِ، فالنَّفْسُ إذَنْ أمْرٌ مُجْتَمِعٌ مِنَ البُخارِ، ووَصْفُ الحَياةِ وأثَرُ الرُّوحِ الرُّوحانِيَّةِ وهَذِهِ النَّفْسُ بِحُكْمِ تَجَنُّسِها بِأثَرِ الرُّوحِ الرُّوحانِيَّةِ مُتَعَيِّنَةٌ لِتَدْبِيرِ البَدَنِ الإنْسانِيِّ قابِلَةٌ لِمَعالِي الأُمُورِ وسَفاسِفِها كَما قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ والرُّوحُ الرُّوحانِيَّةُ أمْرٌ لا يُكْتَنَهُ، والحَقُّ أنَّهُما قَدْ يَتَّحِدانِ إطْلاقًا وقَدْ يَتَغايَرانِ، وابْنُ القَيِّمِ اعْتَمَدَ ما عَلَيْهِ الأكْثَرُونَ مِنَ الِاتِّحادِ ذاتًا، وذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّهُ هو الَّذِي عَلَيْهِ الصُّوفِيَّةُ بَيْدَ أنَّهم قالُوا: إنَّ النَّفْسَ هي الأصْلُ في الإنْسانِ فَإذا صُقِلَتْ بِالرِّياضَةِ وأنْواعِ الذِّكْرِ والفِكْرِ صارَتْ رُوحًا ثُمَّ قَدْ تَتَرَقّى إلى أنْ تَصِيرَ سِرًّا مِن أسْرارِ اللَّهِ تَعالى.

وتَفْصِيلُ الكَلامِ حِينَئِذٍ في هَذا المَقامِ أنَّ لِلنَّفْسِ مَراتِبَ تَتَرَقّى فِيها، الأُولى تَهْذِيبُ الظّاهِرِ بِاسْتِعْمالِ النَّوامِيسِ الإلَهِيَّةِ مِنَ القِيامِ والصِّيامِ وغَيْرِهِما، الثّانِيَةُ تَهْذِيبُ الباطِنِ عَنِ المَلَكاتِ الرَّدِيَّةِ والأخْلاقِ الدَّنِيَّةِ، الثّالِثَةُ: تَحَلِّي النَّفْسِ بِالصُّوَرِ القُدْسِيَّةِ، الرّابِعَةُ: فَناؤُها عَنْ ذاتِها ومُلاحَظَتُها جَلالَ رَبِّ العالَمِينَ جَلَّ جَلالُهُ، ويُقالُ في كَيْفِيَّةِ التَّرَقِّي في هَذِهِ المَراتِبِ أنَّ الإنْسانَ أوَّلَ ما يُولَدُ فَهو كَباقِي الحَيَواناتِ لا يَعْرِفُ إلّا الأكْلَ والشُّرْبَ ثُمَّ بِالتَّدْرِيجِ يَظْهَرُ لَهُ باقِي صِفاتِ النَّفْسِ مِنَ الشَّهْوَةِ والغَضَبِ والحِرْصِ والحَسَدِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الهَيْئاتِ الَّتِي هي نَتائِجُ الِاحْتِجابِ والبُعْدِ مِن مَعْدِنِ الجُودِ والصِّفاتِ الكَمالِيَّةِ، ثُمَّ إذا تَيَقَّظَ مِن سِنَةِ الغَفْلَةِ وقامَ مِن نَوْمِ الجَهْلِ وبانَ لَهُ أنَّ وراءَ هَذِهِ اللَّذّاتِ البَهِيمِيَّةِ لَذّاتٌ أُخَرُ وفَوْقَ هَذِهِ المَراتِبِ مَراتِبُ أُخَرُ كَمالِيَّةٌ يَتُوبُ عَنِ اشْتِغالِهِ بِالمَنهِيّاتِ الشَّرْعِيَّةِ ويُنِيبُ إلى اللَّهِ تَعالى بِالتَّوَجُّهِ إلَيْهِ فَيَشْرَعُ في تَرْكِ الفُضُولِ الدُّنْيَوِيَّةِ طَلَبًا لِلْكَمالاتِ الأُخْرَوِيَّةِ ويَعْزِمُ عَزْمًا تامًّا ويَتَوَجَّهُ إلى السُّلُوكِ إلى مَلِكِ المُلُوكِ مِن مَقامِ نَفْسِهِ فَيُهاجِرُ مِنهُ ويَقَعُ في الغُرْبَةِ ويا طُوبى لِلْغُرَباءِ وإنْ قِيلَ: إنَّما الغُرْبَةُ لِلْأحْرارِ ذُبِحَ ثُمَّ إذا دَخَلَ في الطَّرِيقِ يَزْهَدُ عَنْ كُلِّ ما يَعُوقُهُ عَنْ مَقْصُودِهِ ويَصُدُّهُ عَنْ مَعْبُودِهِ فَيَتَّصِفُ بِالوَرَعِ والتَّقْوى والزُّهْدِ الحَقِيقِيِّ ثُمَّ يُحاسِبُ نَفْسَهُ دائِمًا في أقْوالِهِ وأفْعالِهِ ويَتَّهِمُها في كُلِّ ما تَأْمُرُ بِهِ وإنْ كانَ عِبادَةً فَإنَّها مَجْبُولَةٌ عَلى حُبِّ الشَّهَواتِ ومَطْبُوعَةٌ عَلى الدَّسائِسِ الخَفِيّاتِ فَلا يَنْبَغِي أنْ يَأْمَنَها ويَكُونَ عَلى ثِقَةٍ مِنها.

يُحْكى عَنْ بَعْضِ الأكابِرِ أنَّ نَفْسَهُ لَمْ تَزَلْ تَأْمُرُهُ بِالجِهادِ وتَحُثُّهُ عَلَيْهِ فاسْتَغْرَبَ ذَلِكَ ثُمَّ فَطِنَ أنَّها تُرِيدُ أنْ تَسْتَرِيحَ مِن نَصَبِ القِيامِ والصِّيامِ بِالمَوْتِ فَلَمْ يُجِبْها إلى ذَلِكَ، فَإذا خَلَصَ مِنها وصَفا وقْتُهُ وطابَ عَيْشُهُ بِما يَجِدُهُ في طَرِيقِ المَحْبُوبِ يَتَنَوَّرُ باطِنُهُ ويَظْهَرُ لَهُ لَوامِعُ أنْوارِ الغَيْبِ ويَنْفَتِحُ لَهُ بابُ المَلَكُوتِ وتَلُوحُ مِنهُ لَوائِحُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى فَيُشاهِدُ أُمُورًا غَيْبِيَّةً في صُوَرٍ مِثالِيَّةٍ، فَإذا ذاقَ شَيْئًا مِنها يَرْغَبُ في العُزْلَةِ والخَلْوَةِ والذِّكْرِ والمُواظَبَةِ عَلى الطَّهارَةِ والعِبادَةِ والمُراقَبَةِ والمُحاسَبَةِ ويُعْرِضُ عَنِ المَلاذِّ الحِسِّيَّةِ كُلِّها ويَفْرَغُ القَلْبُ عَنْ مَحَبَّتِها فَيَتَوَجَّهُ باطِنُهُ إلى الحَقِّ تَعالى بِالكُلِّيَّةِ فَيَظْهَرُ لَهُ الوَجْدُ والسُّكْرُ والشَّوْقُ والعِشْقُ والهَيَمانُ ويَجْعَلُهُ فانِيًا عَنْ نَفْسِهِ غافِلًا عَنْها فَيُشاهِدُ الحَقائِقَ السِّرِّيَّةَ والأنْوارَ الغَيْبِيَّةَ فَيَتَحَقَّقُ بِالمُشاهَدَةِ والمُعايَنَةِ والمُكاشَفَةِ ويَظْهَرُ لَهُ أنْوارٌ

صفحة 159

حَقِيقِيَّةٌ تارَةً وتَخْتَفِي أُخْرى حَتّى يَتَمَكَّنَ ويَتَخَلَّصَ مِنَ التَّلْوِينِ ويَنْزِلَ عَلَيْهِ السَّكِينَةُ الرُّوحِيَّةُ والطُّمَأْنِينَةُ الإلَهِيَّةُ ويَصِيرُ وُرُودُ هَذِهِ البَوارِقِ والأحْوالِ لَهُ مَلَكَةً فَيَدْخُلُ في عَوالِمِ الجَبَرُوتِ ويُشاهِدُ العُقُولَ المُجَرَّدَةَ والأنْوارَ القاهِرَةَ مِنَ المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ والمُهَيِّمِينَ ويَتَحَقَّقُ بِأنْوارِهِمْ فَيَظْهَرُ لَهُ أنْوارُ سُلْطانِ الأحَدِيَّةِ وسَواطِعُ العَظَمَةِ والكِبْرِياءِ الإلَهِيَّةِ فَتَجْعَلُهُ هَباءً مَنثُورًا ويَنْدَكُّ حِينَئِذٍ جِبالُ إنِّيَّتِهِ فَيَخِرُّ لِلَّهِ تَعالى خُرُورًا ويَتَلاشى في التَّعَيُّنِ الذّاتِيِّ ويَضْمَحِلُّ وُجُودُهُ في الوُجُودِ الإلَهِيِّ وهَذا مَقامُ الفَناءِ والمَحْوِ وهو غايَةُ السَّفَرِ الأوَّلِ لِلسّالِكِينَ، فَإنْ بَقِيَ في الفَناءِ والمَحْوِ ولَمْ يَجِئْ إلى البَقاءِ والصَّحْوِ صارَ مُسْتَغْرِقًا في عَيْنِ الجَمْعِ مَحْجُوبًا بِالحَقِّ عَنِ الخَلْقِ لا يَزِيغُ بَصَرُهُ عَنْ مُشاهَدَةِ جَمالِهِ عَزَّ شَأْنُهُ وأنْوارِ ذاتِهِ وجَلالِهِ فاضْمَحَلَّتِ الكَثْرَةُ في شُهُودِهِ واحْتَجَبَ التَّفْصِيلُ عَنْ وُجُودِهِ وذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ، وفَوْقَ ذَلِكَ مَرْتَبَةٌ يَرْجِعُ فِيها إلى الصَّحْوِ بَعْدَ المَحْوِ، ويَنْظُرُ إلى التَّفْصِيلِ في عَيْنِ الجَمْعِ ويَسَعُ صَدْرُهُ الحَقَّ والخَلْقَ فَيُشاهِدُ الحَقَّ في كُلِّ شَيْءٍ، ويَرى كُلَّ شَيْءٍ بِالحَقِّ عَلى وجْهٍ لا يُوجِبُ التَّكَثُّرَ والتَّجَسُّمَ وهو طَوْرٌ وراءَ طَوْرِ العَقْلِ.

ووَقَعَ في عِبارَةِ بَعْضِهِمْ أنَّهُ قَدْ يَصِيرُ العارِفُ مُتَخَلِّقًا بِأخْلاقِ اللَّهِ تَعالى بِالحَقِيقَةِ لا بِمَعْنى صَيْرُورَةِ صِفاتِهِ تَعالى عَرَضًا قائِمًا بِالنَّفْسِ فَإنَّ هَذا مِمّا لا يُتَصَوَّرُ أبَدًا، والقَوْلُ بِهِ خُرُوجٌ عَنِ الشَّرِيعَةِ والطَّرِيقَةِ والحَقِيقَةِ، بَلْ بِمَعْنى عَلاقَةٍ أُخْرى أتَمَّ مِن عَلاقَتِها مَعَ الصِّفاتِ الكَوْنِيَّةِ البَدَنِيَّةِ وغَيْرِها لا تُعْلَمُ حَقِيقَتُها، ولَعَلَّ مُرادَهم بِالمَرْتَبَةِ الَّتِي تَتَرَقّى إلَيْها النَّفْسُ فَتَكُونُ سِرًّا مِن أسْرارِ اللَّهِ تَعالى هي هَذِهِ المَرْتَبَةُ والِاطِّلاعُ عَلَيْها يَحْتاجُ إلى سُلُوكِ طَرِيقَةِ الأبْرارِ، ولا يَتِمُّ بِمُجَرَّدِ الأنْظارِ والأفْكارِ، واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ لِلسُّلُوكِ والمُتَفَضِّلُ بِالغِنى عَلى الصُّعْلُوكِ.

* * *

«البَحْثُ الرّابِعُ» اخْتَلَفَ النّاسُ في الرُّوحِ هَلْ تَمُوتُ أمْ لا؟ فَذَهَبَتْ طائِفَةٌ إلى أنَّها تَمُوتُ لِأنَّها نَفْسٌ، وكُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ، وقَدْ دَلَّ الكِتابُ عَلى أنَّهُ لا يَبْقى إلّا اللَّهُ تَعالى وحْدَهُ وهو يَسْتَدْعِي هَلاكَ الأرْواحِ كَغَيْرِها مِنَ المَخْلُوقاتِ، وإذا كانَتِ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ يَمُوتُونَ فالأرْواحُ البَشَرِيَّةُ أوْلى، وأيْضًا أخْبَرَ سُبْحانَهُ عَنْ أهْلِ النّارِ أنَّهم يَقُولُونَ: ﴿أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ وأحْيَيْتَنا اثْنَتَيْنِ﴾ ولا تُحَقَّقُ الإماتَتانِ إلّا بِإماتَةِ البَدَنِ مَرَّةً وإماتَةِ الرُّوحِ أُخْرى.

وقالَتْ طائِفَةٌ: إنَّها تَمُوتُ لِلْأحادِيثِ الدّالَّةِ عَلى نَعِيمِها وعَذابِها بَعْدَ المُفارَقَةِ إلى أنْ يُرْجِعَها اللَّهُ تَعالى إلى الجَسَدِ، وإنْ قُلْنا بِمَوْتِها لَزِمَ انْقِطاعُ النَّعِيمِ والعَذابِ، والصَّوابُ أنْ يُقالَ: مَوْتُ الرُّوحِ هو مُفارَقَتُها الجَسَدَ، فَإنْ أُرِيدَ بِمَوْتِها هَذا القَدْرُ فَهي ذائِقَةُ المَوْتِ، وإنْ أُرِيدَ أنَّها تَعْدَمُ وتَضْمَحِلُّ فَهي لا تَمُوتُ بَلْ تَبْقى مُفارِقَةً ما شاءَ اللَّهُ تَعالى ثُمَّ تَعُودُ إلى الجَسَدِ وتَبْقى مَعَهُ في نَعِيمٍ أوْ عَذابٍ أبَدَ الآبِدِينَ ودَهْرَ الدّاهِرِينَ وهي مُسْتَثْناةٌ مِمَّنْ يُصْعَقُ عِنْدَ النَّفْخِ في الصُّورِ عَلى أنَّ الصَّعْقَ لا يَلْزَمُ مِنهُ المَوْتُ والهَلاكُ لَيْسَ مُخْتَصًّا بِالعَدَمِ بَلْ يَتَحَقَّقُ بِخُرُوجِ الشَّيْءِ عَنْ حَدِّ الِانْتِفاعِ بِهِ ونَحْوَ ذَلِكَ، وما ذُكِرَ في تَفْسِيرِ الإماتَتَيْنِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى الكَلامُ فِيهِ.

وإلى أنَّها لا تَمُوتُ بِمَوْتِ البَدَنِ ذَهَبَتِ الفَلاسِفَةُ أيْضًا، واحْتَجَّ الشَّيْخُ عَلَيْهِ بِأنْ قالَ: قَدْ ثَبَتَ أنَّ النَّفْسَ يَجِبُ حُدُوثُها عِنْدَ حُدُوثِ البَدَنِ فَلا يَخْلُو إمّا أنْ يَكُونا مَعًا في الوُجُودِ أوْ لِأحَدِهِما تَقَدُّمٌ عَلى الآخَرِ، فَإنْ كانا مَعًا فَلا يَخْلُو إمّا أنْ يَكُونا مَعًا في الماهِيَّةِ أوَّلًا في الماهِيَّةِ، والأوَّلُ باطِلٌ، وإلّا لَكانَتِ النَّفْسُ والبَدَنُ مُتَضايِفَيْنِ لَكِنَّهُما جَوْهَرانِ هَذا خَلْفٌ، وإنْ كانَتِ المَعِيَّةُ في الوُجُودِ فَقَطْ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لِأحَدِهِما حاجَةٌ في ذَلِكَ الوُجُودِ إلى الآخَرِ فَعَدَمُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما يُوجِبُ عَدَمَ تِلْكَ المَعِيَّةِ، إمّا لا يُوجِبُ عَدَمَ الآخَرِ، وإمّا إنْ كانَ لِأحَدِهِما حاجَةٌ في الوُجُودِ إلى الآخَرِ فَلا يَخْلُو إمّا أنْ يَكُونَ المُقَدَّمُ هو النَّفْسَ أوِ البَدَنَ، فَإنْ كانَ المُقَدَّمُ في الوُجُودِ هو النَّفْسَ فَذَلِكَ التَّقَدُّمُ إمّا أنْ يَكُونَ زَمانِيًّا أوْ ذاتِيًّا، والأوَّلُ باطِلٌ لِما ثَبَتَ أنَّ

صفحة 160

النَّفْسَ لَيْسَتْ مَوْجُودَةً قَبْلَ البَدَنِ، وأمّا الثّانِي فَباطِلٌ أيْضًا لِأنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ يَكُونُ وُجُودُهُ مَعْلُولَ شَيْءٍ كانَ عَدَمُهُ مَعْلُولَ عَدَمِ ذَلِكَ الشَّيْءِ؛ إذْ لَوِ انْعَدَمَ ذَلِكَ المَعْلُولُ مَعَ بَقاءِ العِلَّةِ لَمْ تَكُنْ تِلْكَ العِلَّةُ كافِيَةً في إيجابِها فَلا تَكُونُ العِلَّةُ عِلَّةً بَلْ جُزْءٌ مِنَ العِلَّةِ هَذا خَلْفٌ، فَإذا لَوْ كانَ البَدَنُ مَعْلُولًا لامْتَنَعَ عَدَمُ البَدَنِ إلّا لِعَدَمِ النَّفْسِ، والتّالِي بُطْلانُ البَدَنِ قَدْ يَنْعَدِمُ لِأسْبابٍ أُخَرَ مِثْلَ سُوءِ المِزاجِ أوْ سُوءِ التَّرْكِيبِ أوْ تَفَرُّقِ الِاتِّصالِ فَبَطَلَ أنْ تَكُونَ النَّفْسُ عِلَّةً لِلْبَدَنِ، وباطِلٌ أيْضًا أنْ يَكُونَ البَدَنُ عِلَّةً لِلنَّفْسِ لِأنَّ العِلَلَ كَما عُرِفَ أرْبَعٌ، ومُحالٌ أنْ يَكُونَ البَدَنُ عِلَّةً فاعِلِيَّةً لِلنَّفْسِ، فَإنَّهُ لا يَخْلُو إمّا أنْ يَكُونَ عِلَّةً فاعِلِيَّةً لِوُجُودِ النَّفْسِ بِمُجَرَّدِ جِسْمِيَّتِهِ أوْ لِأمْرٍ زائِدٍ عَلى جِسْمِيَّتِهِ، والأوَّلُ باطِلٌ وإلّا لَكانَ كُلُّ جِسْمٍ كَذَلِكَ، والثّانِي باطِلٌ، أمّا أوَّلًا فَلِما ثَبَتَ أنَّ الصُّوَرَ المادِّيَّةَ إنَّما تَفْعَلُ بِواسِطَةِ الوَضْعِ، وكُلُّ ما لا يَفْعَلُ إلّا بِواسِطَةِ الوَضْعِ اسْتَحالَ أنْ يَفْعَلَ أفْعالًا مُجَرَّدَةً عَنِ الحَيِّزِ والوَضْعِ، وأمّا ثانِيًا فَلِأنَّ الصُّوَرَ المادِّيَّةَ أضْعَفُ مِنَ المُجَرَّدِ القائِمِ بِنَفْسِهِ، والأضْعَفُ لا يَكُونُ سَبَبًا لِلْأقْوى، ومُحالٌ أنْ يَكُونَ البَدَنُ عِلَّةً قابِلِيَّةً لِما ثَبَتَ أنَّ النَّفْسَ مُجَرَّدَةٌ مُسْتَغْنِيَةٌ عَنِ المادَّةِ، ومُحالٌ أنْ يَكُونَ عِلَّةً صُورِيَّةً لِلنَّفْسِ أوْ تَمامِيَّةً؛ فَإنَّ الأمْرَ أوْلى أنْ يَكُونَ بِالعَكْسِ فَإذًا لَيْسَ بَيْنَ البَدَنِ والنَّفْسِ عَلاقَةٌ واجِبَةُ الثُّبُوتِ أصْلًا فَلا يَكُونُ عَدَمُ أحَدِهِما عِلَّةً لِعَدَمِ الآخَرِ.

فَإنْ قِيلَ: ألَسْتُمْ جَعَلْتُمُ البَدَنَ عِلَّةً لِحُدُوثِ النَّفْسِ؟ فَنَقُولُ: قَدْ بُيِّنَ أنَّ الفاعِلَ إذا كانَ مُنَزَّهًا عَنِ التَّغَيُّرِ ثُمَّ صَدَرَ عَنْهُ الفِعْلُ بَعْدَ أنْ كانَ غَيْرَ صادِرٍ فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ لِأجْلِ أنَّ شَرْطَ الحُدُوثِ قَدْ حَصَلَ في ذَلِكَ الوَقْتِ دُونَ ما قَبْلَهُ، ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ الشَّرْطَ لَمّا كانَ شَرْطًا لِلْحُدُوثِ فَقَطْ وكانَ غَنِيًّا في وُجُودِهِ عَنْ ذَلِكَ الشَّيْءِ اسْتَحالَ أنْ يَكُونَ عَدَمُ ذَلِكَ الشَّرْطِ مُؤَثِّرًا في عَدَمِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، ثُمَّ لَمّا اتَّفَقَ أنْ كانَ ذَلِكَ الشَّرْطُ مُسْتَعِدًّا لِأنْ يَكُونَ آلَةً لِلنَّفْسِ في تَحْصِيلِ الكَمالاتِ والنَّفْسُ لِذاتِها مُشْتاقَةٌ إلى الكَمالِ لا جَرَمَ حَصَلَ لِلنَّفْسِ شَوْقٌ طَبِيعِيٌّ إلى التَّصَرُّفِ في ذَلِكَ البَدَنِ والتَّدْبِيرِ فِيهِ عَلى الوَجْهِ الأصْلَحِ، ومِثْلُ ذَلِكَ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ عَدَمُهُ عِلَّةً لِعَدَمِ ذَلِكَ الحادِثِ بَلْ ذَهَبَ الفَلاسِفَةُ إلى اسْتِحالَةِ انْعِدامِ النَّفْسِ وبَرْهَنُوا عَلى ذَلِكَ بِما بَرْهَنُوا، وعِنْدَنا لا اسْتِحالَةَ في ذَلِكَ.

* * *

«البَحْثُ الخامِسُ في تَمايُزِ الأرْواحِ بَعْدَ مُفارَقَتِها الأبْدانَ» نَصَّ ابْنُ القَيِّمِ عَلى أنَّ كُلَّ رُوحٍ تَأْخُذُ مِن بَدَنِها صُورَةً تَتَمَيَّزُ بِها عَنْ غَيْرِها، وأنَّ تَمايُزَ الأرْواحِ أعْظَمُ مِن تَمايُزِ الأبْدانِ إلّا أنَّهُ زَعَمَ أنَّهُ لا يُمْكِنُ التَّمايُزُ بَيْنَها عَلى القَوْلِ بِأنَّها جَوْهَرٌ مُجَرَّدٌ عَنِ المادَّةِ وفِيهِ نَظَرٌ؛ فَإنَّ القائِلِينَ بِذَلِكَ قائِلُونَ بِالتَّمايُزِ أيْضًا بِاعْتِبارِ ما يَحْصُلُ لَها مِنَ التَّعَلُّقِ بِالبَدَنِ أوْ بِنَحْوٍ آخَرَ مِنَ التَّمايُزِ، وذَكَرَ الشَّيْخُ إبْراهِيمُ الكُورانِيُّ في بَعْضِ رَسائِلِهِ أنَّ الأرْواحَ بَعْدَ مُفارَقَتِها أبْدانَها المَخْصُوصَةَ تَتَعَلَّقُ بِأبْدانٍ أُخَرَ مِثالِيَّةً حَسْبَما يَلِيقُ بِها وإلى ذَلِكَ الإشارَةُ بِالطَّيْرِ الخُضْرِ في حَدِيثِ الشُّهَداءِ فَفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّ أرْواحَ الشُّهَداءِ في أجْوافِ طَيْرٍ خُضْرٍ، وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ عَنْ مَكْحُولٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّ ذَرّارِيَّ المُؤْمِنِينَ أرْواحُهم في عَصافِيرَ في شَجَرٍ في الجَنَّةِ».

أيْ إنَّها تَكُونُ في أبْدانٍ عَلى تِلْكَ الصُّوَرِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ رِوايَةُ ابْنِ ماجَهْ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ««أرْواحُ الشُّهَداءِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى كَطَيْرٍ خُضْرٍ»».

وفِي لَفْظٍ عَنْ كَعْبٍ: ««أرْواحُ الشُّهَداءِ طَيْرٌ خُضْرٌ»».

ولَفْظُ ابْنِ عُمَرَ: ««فِي صُورَةِ طَيْرٍ بِيضٍ»».

وفِي رِوايَةِ عَلِيِّ بْنِ عُثْمانَ اللّاحِقِيِّ عَنْ مَكْحُولٍ «أنَّ ذَرّارِيَّ المُؤْمِنِينَ أرْواحُهم عَصافِيرُ في الجَنَّةِ».

وعَلى هَذا يَكُونُ إنْكارُ قَوْمٍ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ خَبَرَ في أجْوافِ طَيْرٍ، وكَذا خَبَرُ: في عَصافِيرَ؛ لِما في ذَلِكَ مِن تَعَلُّقِ رُوحَيْنِ في بَدَنٍ واحِدٍ وقَدْ قالُوا بِاسْتِحالَتِهِ ناشِئًا مِن عَدَمِ التَّأمُّلِ والتَّثَبُّتِ؛ لِأنَّهُ عَلى ما قَرَّرْنا لا يَكُونُ لِلطّائِرِ رُوحٌ غَيْرُ رُوحِ الشَّهِيدِ عَلى أنَّهُ لَوْ بَقِيَ الخَبَرُ عَلى ظاهِرِهِ لَمْ يَلْزَمْ مُحالٌ؛ لِجَوازِ أنْ تَكُونَ الرُّوحُ في جَوْفِ الطَّيْرِ عَلى نَحْوِ كَوْنِ الجَنِينِ في بَطْنِ أُمِّهِ فَتَدَبَّرْ.

* * *

صفحة 161

«البَحْثُ السّادِسُ في مُسْتَقَرِّ الأرْواحِ بَعْدَ مُفارَقَةِ الأبْدانِ» الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ الأخْبارُ أنَّ مُسْتَقَرَّ الأرْواحِ بَعْدَ المُفارَقَةِ مُخْتَلِفٌ؛ فَمُسْتَقَرُّ أرْواحِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ في أعْلى عِلِّيِّينَ، وصَحَّ أنَّ «آخِرَ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِها ﷺ: «اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الأعْلى»» وهو يُؤَيِّدُ ما ذُكِرَ، ومُسْتَقَرُّ أرْواحِ الشُّهَداءِ في الجَنَّةِ تَرِدُ مِن أنْهارِها وتَأْكُلُ مِن ثِمارِها وتَأْوِي إلى قَنادِيلَ مُعَلَّقَةٍ بِالعَرْشِ، ورُوِيَ في أرْواحِ أطْفالِ المُؤْمِنِينَ ما هو قَرِيبٌ مِن ذَلِكَ.

ورَوى ابْنُ المُبارَكِ عَنْ كَعْبٍ قالَ: جَنَّةُ المَأْوى جَنَّةٌ فِيها طَيْرٌ خُضْرٌ تَرْعى فِيها أرْواحُ الشُّهَداءِ عَلى بارِقِ نَهْرٍ بِبابِ الجَنَّةِ في قُبَّةٍ خَضْراءَ يَخْرُجُ عَلَيْهِمْ رِزْقُهم مِنَ الجَنَّةِ بُكْرَةً وعَشِيًّا.

ولَعَلَّ هَذا كَما قالَ ابْنُ رَجَبٍ في عَوامِّ الشُّهَداءِ وما تَقَدَّمَ في خَواصِّهِمْ أوْ لَعَلَّ هَذا في شُهَداءِ الآخِرَةِ كالغَرِيقِ والمَبْطُونِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وأمّا مُسْتَقَرُّ أرْواحِ سائِرِ المُؤْمِنِينَ فَقِيلَ في الجَنَّةِ أيْضًا، وهو نَصُّ الإمامِ الشّافِعِيِّ.

وقَدْ أخْرَجَ الإمامُ مالِكٌ عَنْ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ مَرْفُوعًا: ««إنَّما نَسَمَةُ المُؤْمِنِ طائِرٌ يُعَلَّقُ في شَجَرِ الجَنَّةِ حَتّى يُرْجِعَهُ اللَّهُ تَعالى في جَسَدِهِ حِينَ يَبْعَثُهُ»». ورَواهُ الإمامُ أحْمَدُ في مُسْنَدِهِ وخَرَّجَهُ النَّسائِيُّ مِن طَرِيقِ مالِكٍ وخَرَّجَهُ ابْنُ ماجَهْ ورَواهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ.

ورَوى ابْنُ مَندَهْ مِن حَدِيثِ أُمِّ بِشْرٍ مَرْفُوعًا ما هو نَصٌّ في أنَّ مُسْتَقِرَّ أرْواحِ المُؤْمِنِينَ نَحْوَ مُسْتَقَرِّ أرْواحِ الشُّهَداءِ.

وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: إنَّ لِلَّهِ تَعالى في السَّماءِ السّابِعَةِ دارًا يُقالُ لَها البَيْضاءُ، يَجْتَمِعُ فِيها أرْواحُ المُؤْمِنِينَ ومُسْتَقَرُّ أرْواحِ الكُفّارِ في سِجِّينٍ.

وفِي حَدِيثِ أُمِّ بِشْرٍ «أنَّ أرْواحَ الكُفّارِ في حَواصِلِ طَيْرٍ سُودٍ تَأْكُلُ مِنَ النّارِ، وتَشْرَبُ مِنَ النّارِ، وتَأْوِي إلى جُحْرٍ في النّارِ، يَقُولُونَ: رَبَّنا لا تُلْحِقْ بِنا إخْوانَنا، ولا تُؤْتِنا ما وعَدَتْنا».

وقِيلَ: مُسْتَقَرُّ أرْواحِ المَوْتى أفْنِيَةُ قُبُورِهِمْ، وحَكى هَذا ابْنُ حَزْمٍ عَنْ عامَّةِ أهْلِ الحَدِيثِ، واسْتَدَلَّ لَهُ بَعْضُهم بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ««إذا ماتَ أحَدُكم عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالغَداةِ والعَشِيِّ، إنْ كانَ مِن أهْلِ الجَنَّةِ فَمِن أهْلِ الجَنَّةِ، وإنْ كانَ مِن أهْلِ النّارِ فَمِن أهْلِ النّارِ، يُقالُ: هَذا مَقْعَدُكَ حَتّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ تَعالى»».

وبِأنَّهُ ﷺ حِينَ زارَ المَوْتى قالَ: ««السَّلامُ عَلَيْكم دارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ»».

ورَجَّحَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ أنَّ مُسْتَقَرُّ أرْواحِ ما عَدا الشُّهَداءَ بِأفْنِيَةِ القُبُورِ، وفِيهِ أنَّهُ إنْ أُرِيدَ أنَّ الأرْواحَ لا تُفارِقُ الأفْنِيَةَ فَهو خَطَأٌ يَرُدُّهُ نُصُوصُ الكِتابِ والسُّنَّةِ، وإنْ أُرِيدَ أنَّها تَكُونُ هُناكَ وقْتًا مِنَ الأوْقاتِ كَما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ: الأرْواحُ عَلى القُبُورِ سَبْعَةُ أيّامٍ مِن يَوْمِ دَفْنِ المَيِّتِ؛ أوَّلُها إشْراقٌ عَلى قُبُورِها، وهي في مَقَرِّها. فَهو حَقٌّ لَكِنْ لا يُقالُ: مُسْتَقَرُّها أقْنِيَةُ القُبُورِ، وعَوَّلَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ عَلى أنَّ الأرْواحَ حَيْثُ كانَتْ لَها اتِّصالٌ لا يَعْلَمُ حَقِيقَتَهُ إلّا اللَّهُ تَعالى، وبِذَلِكَ تَرُدُّ السَّلامَ وتَعْرِفُ المُسَلِّمَ، ويُعْرَضُ عَلَيْها مَقْعَدُها مِنَ الجَنَّةِ أوِ النّارِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: لا مانِعَ مِنَ انْتِقالِها مِن مُسْتَقَرِّها وُعَوْدِها إلَيْهِ في أسْرَعِ وقْتٍ حَيْثُ يَشاءُ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ، نَعَمْ جاءَ في حَدِيثِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ أرْواحَ المُؤْمِنِينَ تَسْتَقِرُّ في الأرْضِ ولا تَعُودُ إلى السَّماءِ بَعْدَ عَرْضِها حَيْثُ قالَ فِيهِ في صِفَةِ قَبْضِ رُوحِ المُؤْمِنِ: فَإذا انْتَهى إلى العَرْشِ كُتِبَ كِتابُهُ في عِلِّيِّينَ، ويَقُولُ الرَّبُّ تَعالى شَأْنُهُ: رُدُّوا عَبْدِي إلى مَضْجَعِهِ؛ فَإنِّي وعَدْتُهم أنِّي مِنها خَلَقْتُهُمْ، وفِيها أُعِيدُهُمْ، ومِنها أُخْرِجُهم تارَةً أُخْرى.

وفِي لَفْظٍ: رُدُّوا رُوحَ عَبْدِي إلى الأرْضِ، فَإنِّي وعَدْتُهم أنْ أرُدَّهم فِيها، ثُمَّ قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿مِنها خَلَقْناكُمْ﴾ الآيَةَ.

لَكِنْ قالَ الحافِظُ ابْنُ رَجَبٍ: إنَّ حَدِيثَ البَراءِ وحْدَهُ لا يُعارِضُ الأحادِيثَ الكَثِيرَةَ المُصَرِّحَةَ بِأنَّ الأرْواحَ في الجَنَّةِ لا سِيَّما الشُّهَداءُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنها خَلَقْناكُمْ﴾ إلَخْ بِاعْتِبارِ الأبْدانِ، وقالَتْ طائِفَةٌ: مُسْتَقَرُّ الأرْواحِ مُطْلَقًا في السَّماءِ الدُّنْيا عَنْ يَمِينِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وعَنْ شِمالِهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما في الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أبِي ذَرٍّ مِن حَدِيثِ المِعْراجِ فَفِيهِ: «لَمّا فُتِحَ عَلَوْنا السَّماءَ الدُّنْيا

صفحة 162

فَإذا رَجُلٌ قاعِدٌ عَلى يَمِينِهِ أسْوِدَةٌ وعَلى يَسارِهِ أسْوِدَةٌ، فَإذا نَظَرَ قِبَلَ يَمِينِهِ ضَحِكَ، وإذا نَظَرَ قِبَلَ شَمالِهِ بَكى، فَقالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصّالِحِ والِابْنِ الصّالِحِ، قُلْتُ لِجِبْرِيلَ: مَن هَذا؟ قالَ: آدَمُ، وهَذِهِ الأسْوِدَةُ عَنْ يَمِينِهِ وشِمالِهِ نَسَمُ بَنِيهِ، وأهْلُ اليَمِينِ هم أهْلُ الجَنَّةِ، والأسْوِدَةُ الَّتِي عَنْ شِمالِهِ أهْلُ النّارِ».

ويُجابُ بِأنَّ المُرادَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَرى هَذَيْنِ الصِّنْفَيْنِ مِن جِهَةِ يَمِينِهِ وجِهَةِ شِمالِهِ وهو يُجامِعُ كَوْنَ أرْواحِ كُلِّ فَرِيقٍ في مُسْتَقَرِّها مِنَ الجَنَّةِ والنّارِ؛ فَقَدْ رَأى النَّبِيُّ ﷺ الجَنَّةَ والنّارَ في صَلاةِ الكُسُوفِ وهو في الأرْضِ، والجَنَّةُ لَيْسَتْ فِيها، ورَآهُما وهو في السَّماءِ، والنّارُ لَيْسَتْ فِيها، وفي حَدِيثٍ لِأبِي هُرَيْرَةَ في الإسْراءِ ما يُؤَيِّدُ ما قُلْنا. والنَّسَفِيُّ في بَحْرِ الكَلامِ جَعَلَ الأرْواحَ عَلى أرْبَعَةِ أقْسامٍ: أرْواحُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ تَخْرُجُ مِن جَسَدِها ويَصِيرُ مِثْلُ صُورَتِها مِثْلَ المِسْكِ والكافُورِ وتَكُونُ في الجَنَّةِ تَأْكُلُ وتَشْرَبُ وتَتَنَعَّمُ وتَأْوِي بِاللَّيْلِ إلى قَنادِيلَ مُعَلَّقَةٍ تَحْتَ العَرْشِ، وأرْواحُ الشُّهَداءِ تَخْرُجُ مِن جَسَدِها وتَكُونُ في أجْوافِ طَيْرٍ خُضْرٍ في الجَنَّةِ تَأْكُلُ وتَتَنَعَّمُ وتَأْوِي إلى قَنادِيلَ كَأرْواحِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وأرْواحُ المُطِيعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِرَبَضِ الجَنَّةِ لا تَأْكُلُ ولا تَتَمَتَّعُ ولَكِنْ تَنْظُرُ إلى الجَنَّةِ، وأرْواحُ العُصاةِ مِنهم تَكُونُ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ في الهَواءِ، وأمّا أرْواحُ الكُفّارِ فَفي سِجِّينٍ؛ في جَوْفِ طَيْرٍ سُودٍ تَحْتَ الأرْضِ السّابِعَةِ وهي مُتَّصِلَةٌ بِأجْسادِها فَتُعَذَّبُ الأرْواحُ وتَتَألَّمُ مِن ذَلِكَ الأجْسادُ اه.

وما ذَكَرَهُ في أرْواحِ المُطِيعِينَ مُخالِفٌ لِما صَحَّ مِن أنَّها تَتَمَتَّعُ في الجَنَّةِ، وفي الإفْصاحِ أنَّ المُنَعَّمَ مِنَ الأرْواحِ عَلى جِهاتٍ مُخْتَلِفَةٍ؛ مِنها ما هو طائِرٌ في شَجَرِ الجَنَّةِ ومِنها ما هو في حَواصِلِ طَيْرٍ خُضْرٍ ومِنها ما يَأْوِي إلى قَنادِيلَ تَحْتَ العَرْشِ ومِنها ما هو في حَواصِلِ طَيْرٍ بِيضٍ ومِنها ما هو في حَواصِلِ طَيْرٍ كالزَّرازِيرِ، ومِنها ما هو في أشْخاصِ صُوَرٍ مِن صُوَرِ الجَنَّةِ، ومِنها ما هو في صُورَةٍ تُخْلَقُ مِن ثَوابِ أعْمالِهِمْ، ومِنها ما تَسْرَحُ وتَتَرَدَّدُ إلى جُثَّتِها وتَزُورُها، ومِنها ما تَتَلَقّى أرْواحَ المَقْبُوضِينَ ومِمَّنْ سِوى ذَلِكَ ما هو في كَفالَةِ مِيكائِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ومِنها ما هو في كَفالَةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ومِنها ما هو في كَفالَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ اه، قالَ القُرْطُبِيُّ: وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ يَجْمَعُ الأخْبارَ حَتّى لا تَتَدافَعَ وارْتَضاهُ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا عَنْ مالِكٍ قالَ: بَلَغَنِي أنَّ الرُّوحَ مُرْسَلَةٌ تَذْهَبُ حَيْثُ شاءَتْ وهو إنْ صَحَّ لَيْسَ عَلى إطْلاقِهِ.

وقِيلَ في مُسْتَقَرِّ الأرْواحِ غَيْرُ ذَلِكَ حَتّى زَعَمَ بَعْضُهم أنَّ مُسْتَقَرَّها لِعَدَمِ المَحْضِ وهو مَبْنِيٌّ عَلى أنَّها مِنَ الإعْراضِ وهي الحَياةُ وهو قَوْلٌ باطِلٌ عاطِلٌ فاسِدٌ كاسِدٌ يَرُدُّهُ الكِتابُ والسُّنَّةُ والإجْماعُ والعَقْلُ السَّلِيمُ، ويُعْجِبُنِي في هَذا الفَصْلِ ما ذَكَرَهُ الإمامُ العارِفُ ابْنُ بُرْجانَ في شَرْحِ أسْماءِ اللَّهِ تَعالى الحُسْنى حَيْثُ قالَ: والنَّفْسُ مُبْراةٌ مِن باطِنِ ما خَلَقَ مِنهُ الجِسْمَ وهي رُوحُ الجِسْمِ، وأوْجَدَ تَبارَكَ وتَعالى الرُّوحُ مِن باطِنِ ما بَرَأ مِنهُ النَّفْسَ، وهو لِلنَّفْسِ بِمَنزِلَةِ النَّفْسِ لِلْجِسْمِ والنَّفْسُ حِجابُهُ، والرَّوْحُ يُوصَفُ بِالحَياةِ بِإحْياءِ اللَّهِ تَعالى شَأْنُهُ لَهُ، ومَوْتُهُ خُمُودٌ إلّا ما شاءَ اللَّهُ تَعالى يَوْمَ خُمُودِ الأرْواحِ، والجِسْمُ يُوصَفُ بِالمَوْتِ حَتّى يُحْيا بِالرُّوحِ، ومَوْتُهُ مُفارَقَةُ الرُّوحِ إيّاهُ، وإذا فارَقَ هَذا العَبْدُ الرُّوحانِيُّ الجِسْمَ صُعِدَ بِهِ فَإنْ كانَ مُؤْمِنًا فُتِحَتْ لَهُ أبْوابُ السَّماءِ حَتّى يَصْعَدَ إلى رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ فَيُؤْمَرُ بِالسُّجُودِ فَيَسْجُدُ ثُمَّ يَجْعَلُ حَقِيقَتَهُ النَّفْسانِيَّةَ تَعْمُرُ السُّفْلَ مِن قَبْرِهِ إلى حَيْثُ شاءَ اللَّهُ تَعالى مِنَ الجَوِّ، وحَقِيقَتُهُ الرُّوحانِيَّةُ تَعْمُرُ العُلُوَّ مِنَ السَّماءِ الدُّنْيا إلى السّابِعَةِ في سُرُورٍ ونَعِيمٍ، ولِذَلِكَ لَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قائِمًا في قَبْرِهِ يُصَلِّي وإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ تَحْتَ الشَّجَرَةِ قَبْلَ صُعُودِهِ إلى السَّماءِ الدُّنْيا ولَقِيَهُما في السَّمَواتِ العُلى، فَتِلْكَ أرْواحُهُما وهَذِهِ نُفُوسُهُما وأجْسادُهُما في قُبُورِهِما، وإنْ كانَ شَقِيًّا لَمْ يُفْتَحْ لَهُ فَرُمِيَ مِن عُلُوٍّ إلى الأرْضِ اه.

وفِيهِ القَوْلُ

صفحة 163

بِالمُغايَرَةِ بَيْنَ الرُّوحِ والنَّفْسِ، وبِهَذا التَّحْقِيقِ تَنْدَفِعُ مُعارَضاتٌ كَثِيرَةٌ واعْتِراضاتٌ وفِيرَةٌ، ويُعْلَمُ أنَّ حَدِيثَ ما مِن أحَدٍ يَمُرُّ بِقَبْرِ أخِيهِ المُؤْمِنِ كانَ يَعْرِفُهُ في الدُّنْيا فَسَلَّمَ عَلَيْهِ إلّا عَرَفَهُ ورَدَّ عَلَيْهِ السَّلامَ لَيْسَ نَصًّا في أنَّ الرُّوحَ عَلى القَبْرِ إذْ يُفْهَمُ مِنهُ أنَّ الَّذِي في القَبْرِ حَقِيقَتُهُ النَّفْسانِيَّةُ المُتَّصِلَةُ بِالرُّوحِ اتِّصالًا لا يَعْلَمُ كُنْهَهُ إلّا اللَّهُ تَعالى. ولِلرُّوحِ مَعَ ذَلِكَ أحْوالًا وأطْوارًا لا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ تَعالى؛ فَقَدْ تَكُونُ مُسْتَغْرِقَةً بِمُشاهَدَةِ جَمالِ اللَّهَ تَعالى وجَلالِهِ سُبْحانَهُ ونَحْوِ ذَلِكَ وقَدْ تَصْحُو عَنْ ذَلِكَ الِاسْتِغْراقِ وهو المُرادُ بِرَدِّ الرُّوحِ في خَبَرِ: ««ما مِن أحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إلّا رَدَّ اللَّهُ تَعالى رُوحِي فَأرُدُّ عَلَيْهِ السَّلامَ»».

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском