Al-AlusiAl‑Isra · 17:92–95

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-Isra 17:92–95

17:92Page 291

أَوۡ تُسۡقِطَ ٱلسَّمَآءَ كَمَا زَعَمۡتَ عَلَيۡنَا كِسَفًا أَوۡ تَأۡتِيَ بِٱللَّهِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ قَبِيلًا ٩٢

Or you make the heaven fall upon us in fragments as you have claimed or you bring Allāh and the angels before [us]

قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا﴾ وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهم يَعْنُونَ ما في هَذِهِ السُّورَةِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَأمِنتُمْ أنْ يَخْسِفَ بِكم جانِبَ البَرِّ أوْ يُرْسِلَ عَلَيْكم حاصِبًا﴾ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وقِيلَ: إنَّ المَعْنى كَما زَعَمْتَ أنَّ رَبَّكَ إنْ شاءَ فَعَلَ وسَيَأْتِي ذَلِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في خَبَرِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَرَأ مُجاهِدٌ: «يُسْقَطَ السَّماءُ» بِياءِ الغَيْبَةِ ورَفْعِ «السَّماءُ» وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ: «كِسْفًا» بِسُكُونِ السِّينِ في جَمِيعِ القُرْآنِ إلّا في الرُّومِ، وابْنُ عامِرٍ إلّا في هَذِهِ السُّورَةِ، ونافِعٌ وأبُو بَكْرٍ في غَيْرِهِما، وحَفْصٌ فِيما عَدا الطُّورِ في قَوْلِهِ. وفي النَّشْرِ أنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلى إسْكانِ السِّينِ في الطُّورِ وهو إمّا مُخَفَّفٌ مِنَ المَفْتُوحِ؛ لِأنَّ السُّكُونَ مِنَ الحَرَكَةِ مُطْلَقًا كَسِدْرٍ وسَدْرٍ أوْ هو فِعْلٌ صِفَةٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ كالطَّحْنِ بِمَعْنى المَطْحُونِ أيْ شَيْئًا مَكْسُوفًا أيْ مَقْطُوعًا.

﴿أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلا﴾ أيْ: مُقابِلًا كالعَشِيرِ والمُعاشِرِ،

صفحة 169

وأرادُوا كَما أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عِيانًا وهَذا كَقَوْلِهِمْ: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ أوْ نَرى رَبَّنا﴾ وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنِ الحَبْرِ والضَّحّاكِ تَفْسِيرُ القَبِيلِ بِالكَفِيلِ أيْ كَفِيلًا بِما تَدَّعِيهِ يَعْنُونَ شاهِدًا يَشْهَدُ لَكَ بِصِحَّةِ ما قُلْتَهُ وضامِنًا يَضْمَنُ ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ وهو عَلى الوَجْهَيْنِ حالٌ مِنَ الجَلالَةِ وحالُ المَلائِكَةِ مَحْذُوفَةٌ لِدَلالَةِ الحالِ المَذْكُورَةِ عَلَيْها، أيْ: قُبَلاءَ كَما حُذِفَ الخَبَرُ في قَوْلِهِ:

ومَن يَكُ أمْسى في المَدِينَةِ رَحْلُهُ فَإنِّي وقَيّارٌ بِها لَغَرِيبُ

وذَكَرَ الطَّبَرْسِيُّ عَنِ الزَّجّاجِ أنَّهُ فَسَّرَ قَبِيلًا بِ «مُقابَلَةً ومُعايَنَةً»، وقالَ: إنَّ العَرَبَ تُجْرِيهِ في هَذا المَعْنى مَجْرى المَصْدَرِ فَلا يُثَنّى ولا يُجْمَعُ ولا يُؤَنَّثُ فَلا تَغْفُلْ، وعَنْ مُجاهِدٍ: القَبِيلُ الجَماعَةُ كالقَبِيلَةِ فَيَكُونُ حالًا مِنَ المَلائِكَةِ، وفي الكَشْفِ جَعَلَهُ حالًا مِنَ المَلائِكَةِ لِقُرْبِ اللَّفْظِ وسَدادِ المَعْنى؛ لِأنَّ المَعْنى تَأْتِي بِاللَّهِ تَعالى وجَماعَةٍ مِنَ المَلائِكَةِ لا تَأْتِي بِهِما جَماعَةً لِيَكُونَ حالًا عَلى الجَمْعِ؛ إذْ لا يُرادُ مَعْنى المَعِيَّةِ مَعَهُ تَعالى، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ حِكايَةً عَنْهُمْ: «أوْ نَرى رَبَّنا» والقُرْآنُ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا انْتَهى، وقَرَأ الأعْرَجُ: «قِبَلًا» مِنَ المُقابَلَةِ وهَذا يُؤَيِّدُ التَّفْسِيرَ الأوَّلَ.

17:93Page 291

أَوۡ يَكُونَ لَكَ بَيۡتٞ مِّن زُخۡرُفٍ أَوۡ تَرۡقَىٰ فِي ٱلسَّمَآءِ وَلَن نُّؤۡمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّىٰ تُنَزِّلَ عَلَيۡنَا كِتَٰبٗا نَّقۡرَؤُهُۥۗ قُلۡ سُبۡحَانَ رَبِّي هَلۡ كُنتُ إِلَّا بَشَرٗا رَّسُولٗا ٩٣

Or you have a house of ornament [i.e., gold] or you ascend into the sky. And [even then], we will not believe in your ascension until you bring down to us a book we may read." Say, "Exalted is my Lord! Was I ever but a human messenger?"

﴿أوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِن زُخْرُفٍ﴾ مِن ذَهَبٍ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ وغَيْرِهِما، وأصْلُهُ الزِّينَةُ وإطْلاقُهُ عَلى الذَّهَبِ لِأنَّ الزِّينَةَ بِهِ أرْغَبُ وأعْجَبُ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: «مِن ذَهَبٍ» وجَعَلَ ذَلِكَ في البَحْرِ تَفْسِيرًا لا قِراءَةً؛ لِمُخالَفَتِهِ سَوادَ المُصْحَفِ ﴿أوْ تَرْقى في السَّماءِ﴾ أيْ: تَصْعَدَ في مَعارِجِها فَحَذَفَ المُضافَ، يُقالُ: رَقِيَ في السُّلَّمِ والدَّرَجَةِ، والظّاهِرُ أنَّ السَّماءَ هُنا المِظَلَّةُ، وقِيلَ: المُرادُ المَكانُ العالِي وكُلُّ ما ارْتَفَعَ وعَلا يُسَمّى سَماءً، قالَ الشّاعِرُ:

وقَدْ يُسَمّى سَماءً كُلُّ مُرْتَفِعٍ وإنَّما الفَضْلُ حَيْثُ الشَّمْسُ والقَمَرُ

﴿ولَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ﴾ أيْ: لِأجْلِ رُقِيِّكَ فِيها وحْدَهُ أوْ لَنْ نُصَدِّقَ رُقِيَّكَ فِيها ﴿حَتّى تُنَزِّلَ﴾ مِنها ﴿عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ﴾ بِلُغَتِنا عَلى أُسْلُوبِ كَلامِنا وفِيهِ تَصْدِيقُكَ ﴿قُلْ﴾ تَعَجُّبًا مِن شِدَّةِ شَكِيمَتِهِمْ وفَرْطِ حَماقَتِهِمْ ﴿سُبْحانَ رَبِّي﴾ أوْ قُلْ ذَلِكَ تَنْزِيهًا لِساحَةِ الجَلالِ عَمّا لا يَكادُ يَلِيقُ بِها مِن مِثْلِ هَذِهِ الِاقْتِراحاتِ الَّتِي تَضَمَّنَتْ ما هو مِن أعْظَمِ المُسْتَحِيلاتِ كَإتْيانِ اللَّهِ تَعالى عَلى الوَجْهِ الَّذِي اقْتَرَحُوهُ أوْ عَنْ طَلَبِ ذَلِكَ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى بُطْلانِ ما قالُوهُ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ: «قالَ سُبْحانَ رَبِّي» أيْ: قالَ النَّبِيُّ ﷺ: ﴿هَلْ كُنْتُ إلا بَشَرًا رَسُولا﴾ كَسائِرِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وكانُوا لا يَأْتُونَ قَوْمَهم إلّا بِما يُظْهِرُهُ اللَّهُ تَعالى عَلى أيْدِيهِمْ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ مِن غَيْرِ تَفْوِيضٍ إلَيْهِمْ فِيهِ ولا تَحَكُّمٍ مِنهم عَلَيْهِ سُبْحانَهُ، و«بَشَرًا» خَبَرُ كانَ و«رَسُولًا» صِفَتُهُ، وهو مُعْتَمَدُ الكَلامِ، وكَوْنُهُ بَشَرًا تَوْطِئَةٌ لِذَلِكَ رَدًّا لِما أنْكَرُوهُ مِن جَوازِ كَوْنِ الرَّسُولِ بَشَرًا ودَلالَةً عَلى أنَّ الرُّسُلَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِن قَبْلُ كانُوا كَذَلِكَ، ولِهَذا قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هَلْ كُنْتُ إلّا رَسُولًا كَسائِرِ الرُّسُلِ بَشَرًا مِثْلَهُمْ، وزَعَمَ بَعْضٌ أنَّ ذِكْرَ ﴿بَشَرًا﴾ لَيْسَ لِلتَّوْطِئَةِ؛ فَإنَّ طَلَبَ القَوْمِ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما طَلَبُوهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ طَلَبَ أنْ يَأْتِيَ بِهِ بِقُدْرَةِ نَفْسِهِ ﷺ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ طَلَبَ أنْ يَأْتِيَ بِهِ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى فَذِكْرُ ﴿بَشَرًا﴾ لِنَفْيِ أنْ يَأْتِيَ بِذَلِكَ بِقُدْرَةِ نَفْسِهِ كَأنَّهُ قالَ: هَلْ كُنْتُ إلّا بَشَرًا، والبَشَرُ لا قُدْرَةَ لَهُ عَلى الإتْيانِ بِذَلِكَ، وذَكَرَ رَسُولًا لِنَفْيِ أنْ يَأْتِيَ بِهِ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى كَأنَّهُ قِيلَ: هَلْ كُنْتُ إلّا رَسُولًا، والرَّسُولُ لا يَتَحَكَّمُ عَلى رَبِّهِ سُبْحانَهُ.

صفحة 170

وتُعُقِّبَ بِأنَّ هَذا مَعَ ما فِيهِ مِن مُخالَفَةٍ لِآثارٍ كَما سَتَعْلَمُهُ قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ظاهِرٌ في جَعْلِ الِاسْمَيْنِ خَبَرَيْنِ وهو مِمّا يَأْباهُ الذَّوْقُ السَّلِيمُ، وقالَ الخَفاجِيُّ: إنَّ كَوْنَ الِاسْمَيْنِ خَبَرَيْنِ غَيْرُ مُتَوَجِّهٍ لِأنَّهُ يَقْتَضِي اسْتِقْلالَها وأنَّهم أنْكَرُوا كُلًّا مِنهُما حَتّى رُدَّ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ، ولَمْ يُنْكِرْ أحَدٌ بَشَرِيَّتَهُ ﷺ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهم لَمّا طَلَبُوا مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما لا يَتَأتّى مِنَ البَشَرِ كالرُّقِيِّ في السَّماءِ كانُوا بِمَنزِلَةِ مَن أنْكَرَ بَشَرِيَّتَهُ وهو كَما تَرى.

وجَوَّزَ بَعْضُهم كَوْنَ «بَشَرًا» حالًا مِنَ النَّكِرَةِ وسَوَّغَ ذَلِكَ تَقَدُّمُهُ عَلَيْها وهو رَكِيكٌ؛ لِأنَّهُ يَقْتَضِي أنَّ لَهُ ﷺ حالًا آخَرَ غَيْرَ البَشَرِيَّةِ، ولا يَقُولُ بِذَلِكَ أحَدٌ اللَّهُمَّ إلّا أنْ يَكُونَ مِنَ الوُجُودِيَّةِ، هَذا والظّاهِرُ اتِّحادُ القائِلِ لِجَمِيعِ ما تَقَدَّمَ، ويَحْتَمِلُ عَدَمَ الِاتِّحادِ بِأنْ يَكُونَ بَعْضٌ اقْتَرَحَ شَيْئًا وبَعْضٌ آخَرُ اقْتَرَحَ آخَرَ لَكِنْ نُسِبَ القَوْلُ إلى الجَمِيعِ لِرِضا كُلٍّ بِما اقْتَرَحَ الآخَرُ.

وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وغَيْرُهُ، عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾ إلَخْ نَزَلَ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي أُمَيَّةَ وهو ظاهِرٌ في أنَّهُ القائِلُ، ولا يُعَكِّرُ عَلَيْهِ ضَمِيرُ الجَمْعِ لِما أشَرْنا إلَيْهِ.

وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وجَماعَةٌ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ عُتْبَةَ وشَيْبَةَ ابْنَيْ رَبِيعَةَ وأبا سُفْيانَ بْنَ حَرْبٍ، والأُسُودَ بْنَ المُطَّلِبِ وزَمَعَةَ بْنَ الأُسُودِ، والوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ وأبا جَهْلٍ وعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أبِي أُمَيَّةَ وأُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ وناسًا آخَرِينَ اجْتَمَعُوا بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ عِنْدَ الكَعْبَةِ فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ابْعَثُوا إلى مُحَمَّدٍ فَكَلِّمُوهُ حَتّى تُعْذَرُوا فِيهِ، فَبَعَثُوا إلَيْهِ فَجاءَهم ﷺ سَرِيعًا وهو يَظُنُّ أنَّهم قَدْ بَدا لَهم في أمْرِهِ بَداءٌ وكانَ عَلَيْهِمْ حَرِيصًا يُحِبُّ رُشْدَهم ويَعِزُّ عَلَيْهِ عَنَتُهم حَتّى جَلَسَ إلَيْهِمْ فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ، إنّا قَدْ بَعَثْنا إلَيْكَ لِنَعْذُرَكَ، وإنّا واللَّهِ ما نَعْلَمُ رَجُلًا مِنَ العَرَبِ أدْخَلَ عَلى قَوْمِهِ ما أدْخَلْتَ عَلى قَوْمِكَ؛ لَقَدْ شَتَمْتَ الآباءَ، وعِبْتَ الدِّينَ، وسَفَّهْتَ الأحْلامَ، وشَتَمْتَ الآلِهَةَ، وفَرَّقْتَ الجَماعَةَ، فَما بَقِيَ مِن قَبِيحٍ إلّا وقَدْ جِئْتَهُ فِيما بَيْنَنا وبَيْنَكَ، فَإنْ كُنْتَ إنَّما جِئْتَ بِهَذا الحَدِيثِ تَطْلُبُ مالًا جَمَعْنا لَكَ مِن أمْوالِنا حَتّى تَكُونَ أكْثَرَنا مالًا، وإنْ كُنْتَ إنَّما تَطْلُبُ الشَّرَفَ فِينا سَوَّدْناكَ عَلَيْنا، وإنْ كُنْتَ تُرِيدُ مُلْكًا مَلَّكْناكَ عَلَيْنا، وإنْ كانَ هَذا الَّذِي يَأْتِيكَ بِما يَأْتِيكَ رِئْيًا تَراهُ قَدْ غَلَبَ عَلَيْكَ بَذَلْنا أمْوالَنا في طَلَبِ الطِّبِّ حَتّى نُبْرِئَكَ مِنهُ أوْ نُعْذَرَ فِيكَ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ما بِي ما تَقُولُونَ، ما جِئْتُكم بِما جِئْتُكم بِهِ أطْلُبُ أمْوالَكم ولا الشَّرَفَ فِيكم ولا المُلْكَ عَلَيْكُمْ، ولَكِنَّ اللَّهَ تَعالى بَعَثَنِي إلَيْكم رَسُولًا، وأنْزَلَ عَلَيَّ كِتابًا، وأمَرَنِي أنْ أكُونَ لَكم بَشِيرًا ونَذِيرًا، فَبَلَّغْتُكم رِسالَةَ رَبِّي ونَصَحْتُ لَكُمْ، فَإنْ تَقْبَلُوا مِنِّي ما جِئْتُكم بِهِ فَهو حَظُّكم في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وإنْ تَرُدُّوهُ عَلَيَّ أصْبِرُ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ تَعالى بَيْنِي وبَيْنَكم. فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ، فَإنْ كُنْتَ غَيْرَ قابِلٍ مِنّا ما عَرَضْنا عَلَيْكَ فَقَدْ عَلِمْتَ أنَّهُ لَيْسَ أحَدٌ مِنَ النّاسِ أضْيَقَ بِلادًا ولا أقَلَّ مالًا ولا أشَدَّ عَيْشًا مِنّا، فاسْألْ رَبَّكَ الَّذِي بَعَثَكَ بِما بَعَثَكَ بِهِ فَلْيُسِّيرْ عَنّا هَذِهِ الجِبالَ الَّتِي ضَيَّقَتْ عَلَيْنا، ولْيَبْسُطْ لَنا بِلادَنا، ولْيُجُرِ فِيها أنْهارًا كَأنْهارِ الشّامِ والعِراقِ، ولْيَبْعَثْ لَنا مَن قَدْ مَضى مِن آبائِنا، ولْيَكُنْ فِيمَن يَبْعَثُ لَنا مِنهم قَصِيُّ بْنُ كِلابٍ؛ فَإنَّهُ كانَ شَيْخًا صَدُوقًا فَنَسْألُهم عَمّا تَقُولُ حَقٌّ هو أمْ باطِلٌ، فَإنْ صَنَعْتَ ما سَألْناكَ وصَدَّقُوكَ صَدَّقْناكَ وعَرَفْنا بِهِ مَنزِلَتَكَ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى وأنَّهُ بَعَثَكَ رَسُولًا. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ما بِهَذا بُعِثْتُ، إنَّما جِئْتُكم مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى بِما بَعَثَنِي بِهِ، فَقَدْ بَلَّغْتُكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ إلَيْكُمْ، فَإنْ تَقْبَلُوهُ فَهو حَظُّكم في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وإنْ تَرُدُّوهُ عَلَيَّ أصْبِرُ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ تَعالى بَيْنِي وبَيْنَكم. قالُوا: فَإنْ لَمْ تَفْعَلْ لَنا هَذا فَخُذْ لِنَفْسِكَ فاسْألْ رَبَّكَ أنْ يَبْعَثَ مَلِكًا يُصَدِّقُكَ بِما

صفحة 171

تَقُولُ، فَيُراجِعُنا عَنْكَ وتَسْألُهُ أنْ يَجْعَلَ لَكَ جِنانًا كُنُوزًا وقُصُورًا مِن ذَهَبٍ وفِضَّةٍ، ويُغْنِكَ عَمّا نَراكَ تَبْتَغِي فَإنَّكَ تَقُولُ بِالأسْواقِ وتَلْتَمِسُ المَعاشَ كَما نَلْتَمِسُهُ حَتّى نَعْرِفَ مَنزِلَتَكَ مِن رَبِّكَ إنْ كُنْتُ رَسُولًا كَما تَزْعُمُ. فَقالَ ﷺ: ما أنا بِفاعِلٍ، ما أنا بِالَّذِي يَسْألُ رَبَّهُ هَذا وما بُعِثْتُ إلَيْكم بِهَذا، ولَكِنَّ اللَّهَ تَعالى بَعَثَنِي بَشِيرًا ونَذِيرًا، فَإنْ تَقْبَلُوا ما جِئْتُكم بِهِ فَهو حَظُّكم في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وإنْ تَرُدُّوهُ عَلَيَّ أصْبِرُ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ تَعالى بَيْنِي وبَيْنَكم. قالُوا: فَتُسْقِطُ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ أنَّ رَبَّكَ إنْ شاءَ فَعَلَ، فَإنّا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ إلّا أنْ تَفْعَلَ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ذَلِكَ إلى اللَّهِ تَعالى إنْ شاءَ فَعَلَ بِكم ذَلِكَ فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ، فَأعْلِمْ رَبَّكَ أنّا سَنَجْلِسُ مَعَكَ ونَسْألُكَ عَمّا سَألْناكَ عَنْهُ ونَطْلُبُ مِنكَ ما نَطْلُبُ فَيَتَقَدَّمُ إلَيْكَ ويُعْلِمُكَ ما تَراجَعْنا بِهِ ويُخْبِرُكَ مِمّا هو صانِعٌ في ذَلِكَ بِنا إذا لَمْ نَقْبَلْ مِنكَ ما جِئْتَنا بِهِ؛ فَقَدْ بَلَغَنا أنَّهُ إنَّما يُعَلِّمُكَ هَذا رَجُلٌ بِاليَمامَةِ يُقالُ لَهُ الرَّحْمَنُ، وإنّا واللَّهِ لا نُؤْمِنُ بِالرَّحْمَنِ أبَدًا، فَقَدْ أعْذَرْنا إلَيْكَ يا مُحَمَّدُ، أما واللَّهِ لا نَتْرُكُكَ وما فَعَلْتَ بِنا حَتّى نُهْلِكَكَ أوْ تُهْلِكَنا، وقالَ قائِلُهُمْ: لَنْ نُؤْمِنَ لَكِنَّ حَتّى تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلًا، فَلَمّا قالُوا ذَلِكَ قامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْهُمْ، وقامَ مَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي أُمَيَّةَ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، عَرَضَ عَلَيْكَ قَوْمُكَ ما عَرَضُوا فَلَمْ تَقْبَلْهُ مِنهم ثُمَّ سَألُوكَ لِأنْفُسِهِمْ أُمُورًا يَتَعَرَّفُوا بِها مَنزِلَتَكَ مِنَ اللَّهِ تَعالى فَلَمْ تَفْعَلْ، ثُمَّ سَألُوكَ أنْ تَعْجَلَ ما يُخَوِّفُهم بِهِ مِنَ العَذابِ فَواللَّهِ لا نُؤْمِنُ بِكَ أبَدًا حَتّى تَتَّخِذَ إلى السَّماءِ سُلَّمًا ثُمَّ تَرْقى فِيهِ وأنا أنْظُرُ حَتّى تَأْتِيَها وتَأْتِيَ مَعَكَ بِنُسْخَةٍ مَنشُورَةٍ مَعَكَ بِأرْبَعَةٍ مِنَ المَلائِكَةِ يَشْهَدُونَ لَكَ أنَّكَ كَما تَقُولُ، وايْمُ اللَّهِ لَوْ فَعَلْتَ ذَلِكَ لَظَنَنْتُ أنِّي لَأُصَدِّقُكَ ثُمَّ انْصَرَفَ وانْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى أهْلِهِ حَزِينًا آسِفًا لِما فاتَهُ مِمّا كانَ طَمِعَ فِيهِ مِن قَوْمِهِ حِينَ دَعَوْهُ ولِما رَأى مِن مُباعِدِيهِمْ فَأنْزَلَ عَلَيْهِ هَذِهِ الآياتِ،» وقَوْلَهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ أرْسَلْناكَ في أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ﴾ الآيَةَ. وقَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ولَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ﴾ الآيَةَ اه. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

17:94Page 291

وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤۡمِنُوٓاْ إِذۡ جَآءَهُمُ ٱلۡهُدَىٰٓ إِلَّآ أَن قَالُوٓاْ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَرٗا رَّسُولٗا ٩٤

And what prevented the people from believing when guidance came to them except that they said, "Has Allāh sent a human messenger?"

﴿وما مَنَعَ النّاسَ﴾ أيِ الَّذِينَ حُكِيَتْ أباطِيلُهم ﴿أنْ يُؤْمِنُوا﴾ مَفْعُولُ مَنَعَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ جاءَهُمُ الهُدى﴾ ظَرْفُ مَنَعَ، أوْ يُؤْمِنُوا أيْ ما مَنَعَهم وقْتَ مَجِيءِ الوَحْيِ المُقْرُونِ بِالمُعْجِزاتِ المُسْتَدْعِيَةِ لِلْإيمانِ أنْ يُؤْمِنُوا بِالقُرْآنِ وبِنُبُوَّتِكَ أوْ ما مَنَعَهم أنْ يُؤْمِنُوا وقْتَ مَجِيءِ ما ذُكِرَ ﴿إلا أنْ قالُوا﴾ فاعِلُ مَنَعَ أيْ إلّا قَوْلُهُمْ: ﴿أبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولا﴾ مُنْكِرِينَ أنْ يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن جِنْسِ البَشَرِ ولَيْسَ المُرادُ أنَّ هَذا القَوْلَ صَدَرَ عَنْ بَعْضٍ فَمَنَعَ آخَرِينَ بَلِ المانِعُ هو الِاعْتِقادُ الشّامِلُ لِلْكُلِّ المُسْتَتْبِعِ لِهَذا القَوْلِ مِنهم.

وإنَّما عَبَّرَ عَنْهُ بِالقَوْلِ إيذانًا بِأنَّهُ مُجَرَّدُ قَوْلٍ يَقُولُونَهُ بِأفْواهِهِمْ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهُ مَفْهُومٌ ومِصْداقٌ، وحَصَرَ المانِعَ فِيما ذُكِرَ مَعَ أنَّ لَهم مَوانِعَ شَتّى لِما أنَّهُ مُعْظَمُها أوْ لِأنَّهُ هو المانِعُ بِحَسَبِ الحالِ، أعْنِي عِنْدَ سَماعِ الجَوابِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ كُنْتُ إلا بَشَرًا رَسُولا﴾ إذْ هو الَّذِي يَتَشَبَّثُونَ بِهِ حِينَئِذٍ مِن غَيْرِ أنْ يَخْطُرَ بِبالِهِمْ شُبْهَةٌ أُخْرى مِن شُبَهِهِمُ الواهِيَةِ، وفِيهِ عَلى هَذا إيذانٌ بِكَمالِ عِنادِهِمْ حَيْثُ يُشِيرُ إلى أنَّ الجَوابَ المَذْكُورَ مَعَ كَوْنِهِ حاسِمًا لِمَوادِّ شُبَهِهِمْ مُقْتَضِيًا لِلْإيمانِ يَعْكِسُونَ الأمْرَ ويَجْعَلُونَهُ مانِعًا، قالَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ، وظاهِرٌ ذَلِكَ أنَّ القَوْمَ لا يَقُولُونَ بِرِسالَةِ أحَدٍ مِنَ الرُّسُلِ المَشْهُورِينَ كَإبْراهِيمَ ومُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ أصْلًا، وصَرَّحَ بَعْضُهم بِأنَّهم لَمْ يُنْكِرُوا إرْسالَ غَيْرِهِ ﷺ مِنهم وبِأنَّ قَوْلَهم هَذا كانَ تَعَنُّتًا، وهَذا خِلافُ الظّاهِرِ هُنا، ولَعَلَّ القَوْمَ كانُوا في رَيْبٍ وتَرَدُّدٍ لا يَسْتَقِيمُونَ عَلى حالٍ فَتَدَبَّرْ.

والظّاهِرُ أنَّ الآيَةَ إخْبارٌ مِنهُ عَزَّ مَجْدُهُ عَنِ الأمْرِ المانِعِ إيّاهم عَنِ الإيمانِ، ويَظْهَرُ مِن كَلامِ ابْنِ عَطِيَّةَ أنَّ هَذا الكَلامَ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَهُ عَلى مَعْنى التَّوْبِيخِ والتَّلَهُّفِ وحاشا مَن لَهُ أدْنى ذَوْقٍ مِن أنْ يَذْهَبَ

صفحة 172

إلى ذَلِكَ

17:95Page 291

قُل لَّوۡ كَانَ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَلَٰٓئِكَةٞ يَمۡشُونَ مُطۡمَئِنِّينَ لَنَزَّلۡنَا عَلَيۡهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَلَكٗا رَّسُولٗا ٩٥

Say, "If there were upon the earth angels walking securely,1 We would have sent down to them from the heaven an angel [as a] messenger."

﴿قُلْ﴾ لَهم أوَّلًا مِن قِبَلِنا تَبْيِينًا لِلْحِكْمَةِ وتَحْقِيقًا لِلْحَقِّ المُزِيحِ لِلرَّيْبِ ﴿لَوْ كانَ﴾ أيْ: لَوْ وُجِدَ ﴿فِي الأرْضِ﴾ بَدَلَ البَشَرِ ﴿مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ﴾ كَما يَمْشِي البَشَرُ ولا يَطِيرُونَ إلى السَّماءِ فَيَسْمَعُوا مِن أهْلِها ويَعْلَمُوا ما يَجِبُ عِلْمُهُ ﴿مُطْمَئِنِّينَ﴾ ساكِنِينَ مُقِيمِينَ فِيها، وقالَ الجُبّائِيُّ: أيْ مُطْمَئِنِّينَ إلى الدُّنْيا ولَذّاتِها غَيْرَ خائِفِينَ ولا مُتَعَبِّدِينَ بِشَرْعٍ، لِأنَّ المُطْمَئِنَّ مَن زالَ الخَوْفُ عَنْهُ ﴿لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكًا رَسُولا﴾ يُعَلِّمُهم ما لا تَسْتَقِلُّ قُدُرُهم بِعِلْمِهِ لِيَسْهُلَ عَلَيْهِمُ الِاجْتِماعُ بِهِ والتَّلَقِّي مِنهُ، وأمّا عامَّةُ البَشَرِ فَلا يَسْهُلُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ لِبُعْدِ ما بَيْنَ المَلَكِ وبَيْنَهم فَلا يُبْعَثُ إلَيْهِمْ وإنَّما يُبْعَثُ إلى خَواصِّهِمْ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ وهَبَهم نُفُوسًا زَكِيَّةً وأيَّدَهم بِقُوًى قُدْسِيَّةٍ وجَعَلَ لَهم جِهَتَيْنِ جِهَةً مَلَكِيَّةً بِها مِنَ المَلَكِ يَسْتَفِيضُونَ وُجْهَةً بَشَرِيَّةً بِها عَلى البَشَرِ يُفِيضُونَ، وجَعْلُ كُلِّ البَشَرِ كَذَلِكَ مُخِلٌّ بِالحِكْمَةِ، وأنْزَلَ المَلَكَ عَلَيْهِمْ عَلى وجْهٍ يَسْهُلُ التَّلَقِّي مِنهُ بِأنْ يَظْهَرَ لَهم بِصُورَةِ بَشَرٍ كَما ظَهَرَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِرارًا في صُورَةِ دِحْيَةَ الكَلْبِيِّ.

وقَدْ صَحَّ أنَّ أعْرابِيًّا جاءَ وعَلَيْهِ أثَرُ السَّفَرِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَألَهُ عَنِ الإسْلامِ والإيمانِ والإحْسانِ وغَيْرِها فَأجابَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِما أجابَهُ ثُمَّ انْصَرَفَ ولَمْ يَعْرِفْهُ أحَدٌ مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، فَقالَ ﷺ: هَذا جِبْرِيلُ جاءَكم يُعَلِّمُكم أمْرَ دِينِكم مِمّا لا يُجْدِي نَفْعًا لِأُولَئِكَ الكَفَرَةِ كَما قالَ تَعالى جَدُّهُ: ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلا ولَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ﴾ .

وقِيلَ: عِلَّةُ تَنْزِيلِ المَلَكِ عَلَيْهِمْ أنِ الجِنْسَ إلى الجِنْسِ أمْيَلُ وهو بِهِ آنَسُ، ولَعَلَّ الأوَّلَ أوْلى وإنَّ زُعِمَ خِلافُهُ.

وحَكى الطَّبَرْسِيُّ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: إنَّ العَرَبَ قالُوا: كُنّا ساكِنِينَ مُطَمْئِنِينَ فَجاءَ مُحَمَّدٌ ﷺ فَأزْعَجَنا وشَوَّشَ عَلَيْنا أمْرَنا فَبَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهُ لَوْ كانَ مَلائِكَةٌ مُطْمَئِنِّينَ لَأوْجَبَتِ الحِكْمَةُ إرْسالَ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ ولَمْ يَمْنَعِ اطْمِئْنانُهُمُ الإرْسالَ فَكَذَلِكَ النّاسُ لا يَمْنَعُ كَوْنُهم مُطْمَئِنِّينَ إرْسالَ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا بِمَراحِلَ عَنِ السِّياقِ ولا يَصِحُّ فِيهِ أثَرٌ كَما لا يَخْفى عَلى المُتَتَبِّعِ.

ونَصْبُ ﴿مَلَكًا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَلى الحالِيَّةِ مِن «رَسُولًا» الواقِعِ مَفْعُولًا لِنَزَّلْنا وسَوَّغَ ذَلِكَ التَّقَدُّمُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِنَزَّلْنا ورَسُولًا صِفَةٌ لَهُ، وكَذا الكَلامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولا﴾، ورَجَّحَ غَيْرُ واحِدٍ الأوَّلَ بِأنَّهُ أكْثَرُ مُوافَقَةً لِلْمَقامِ وأنْسَبُ، ووَجَّهَ ذَلِكَ القُطْبُ وصاحِبُ التَّقْرِيبِ بِأنَّهُ عَلى الحالِيَّةِ يُفِيدُ المَقْصُودَ بِمَنطُوقِهِ وعَلى الوَصْفِيَّةِ يُفِيدُ خِلافَ المَقْصُودِ بِمَفْهُومِهِ، أمّا الأوَّلُ فَلِأنَّ مَنطُوقَهُ أبَعَثَ اللَّهُ تَعالى رَسُولًا حالَ كَوْنِهِ بَشَرًا لا مَلَكًا ولَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ رَسُولًا حالَ كَوْنِهِ مَلَكًا لا بَشَرًا وهو المَقْصُودُ، وأمّا الثّانِي فَلِأنَّ التَّقْيِيدَ بِالصِّفَةِ يُفِيدُ أبَعَثَ اللَّهُ تَعالى بَشَرًا مُرْسَلًا لا بَشَرًا غَيْرَ مُرْسَلٍ ولَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مَلَكًا مُرْسَلًا لا مَلَكًا غَيْرَ مُرْسَلٍ وهو خِلافُ المَقْصُودِ بَلْ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ، وقالَ صاحِبُ الكَشْفِ تَبَعًا لِشَيْخِهِ العَلّامَةِ الطِّيبِيِّ في ذَلِكَ: لِأنَّ التَّقْدِيمَ إزالَةٌ عَنْ مَوْضِعِهِ الأصْلِيِّ دَلالَةً عَلى أنَّهُ مَصَبُّ الإنْكارِ في الأوَّلِ أعْنِي أبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا فَيَدُلُّ عَلى أنَّ البَشَرِيَّةَ مُنافِيَةٌ لِهَذا الثّابِتِ - أعْنِي الرِّسالَةَ - كَما تَقُولُ: أضَرَبْتَ قائِمًا زَيْدًا، ولَوْ قُلْتُ: أضَرَبْتَ زِيادًا قائِمًا، أوِ القائِمَ لَمْ يُفِدْ تِلْكَ الفائِدَةَ؛ لِأنَّ الأوَّلَ يُفِيدُ أنَّ المُنْكِرَ ضَرَبَهُ قائِمًا لا الضَّرْبَ مُطْلَقًا، والثّانِي يُفِيدُ أنَّ المُنْكِرَ ضَرْبُ زَيْدٍ لِاتِّصافِهِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ المانِعَةِ ولا يُفِيدُ أنَّ أصْلَ الضَّرْبِ حَسَنٌ ومُسَلَّمٌ، والجِهَةُ مُنْكِرَةٌ هَذا إنْ جُعِلَ التَّقْدِيمُ لِلْحَصْرِ

صفحة 173

وإنْ جُعِلَ لِلِاهْتِمامِ دَلَّ عَلى كَوْنِهِ مَصَبَّ الإنْكارِ، وإنْ لَمْ يَدُلَّ عَلى ثُبُوتِ مُقابِلِهِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فائِدَةُ التَّقْدِيمِ لائِحَةٌ اه، وهو أكْثَرُ تَحْقِيقًا. واسْتَشْكَلَ بَعْضُهم هَذِهِ الآيَةَ بِأنَّها ظاهِرَةٌ في أنَّهُ إنَّما يُرْسِلُ إلى كُلِّ قَبِيلٍ ما يُناسِبُهُ ويُجانِسُهُ كالبَشَرِ لِلْبَشَرِ والمَلَكِ لِلْمَلَكِ ولا يُرْسِلُ إلى قَبِيلٍ ما لا يُناسِبُهُ ولا يُجانِسُهُ وهو يُنافِي كَوْنَهُ ﷺ مُرْسَلًا إلى الجِنِّ كالإنْسِ إجْماعًا مَعْلُومًا مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ فَيَكْفُرُ مُنْكِرُهُ، ومَن نازَعَ في ذَلِكَ وهِمَ وأُجِيبَ بِمَنعِ كَوْنِها ظاهِرَةً في ذَلِكَ بَلْ قُصارى ما تَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّ القَوْلَ أنْكَرُوا أنْ يَبْعَثَ اللَّهُ تَعالى إلى البَشَرِ بَشَرًا وزَعَمُوا أنَّهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ المَبْعُوثُ إلَيْهِمْ مَلَكا ومَرامُهم نَفْيُ أنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ مَبْعُوثًا إلَيْهِمْ فَأُجِيبُوا بِما حاصِلُهُ أنَّ الحِكْمَةَ تَقْتَضِي بَعْثَ المَلَكِ إلى المَلائِكَةِ لِوُجُودِ المُناسَبَةِ المُصَحِّحَةِ لِلتَّلَقِّي لا إلى عامَّةِ البَشَرِ لِانْتِفاءِ تِلْكَ المُناسَبَةِ فَأمْرُ الوُجُوبِ الَّذِي يَزْعُمُونَهُ بِالعَكْسِ ولَيْسَ في هَذا أكْثَرُ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى أنَّ أمْرَ البَعْثِ مَنُوطٌ بِوُجُودِ المُناسَبَةِ فَمَتى وُجِدَتْ صَحَّ البَعْثُ ومَتى لَمْ تُوجَدْ لا يَصِحُّ البَعْثُ وأنَّها مَوْجُودَةٌ بَيْنَ المَلَكِ والمَلَكِ لا بَيْنَهُ وبَيْنَ عامَّةِ البَشَرِ كالمُنْكِرِينَ المَذْكُورِينَ وهَذا لا يُنافِي بِعْثَتَهُ ﷺ إلى الجِنِّ لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَتى صَحَّ فِيهِ المُناسِبَةُ المُصَحِّحَةُ لِلِاجْتِماعِ مَعَ المَلَكِ والتَّلَقِّي مِنهُ صَحَّ فِيهِ المُناسَبَةُ المُصَحِّحَةُ لِلِاجْتِماعِ مَعَ الجِنِّ والإلْقاءِ إلَيْهِمْ كَيْفَ لا وهو عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ نُسْخَةُ اللَّهِ تَعالى الجامِعَةُ وآيَتُهُ الكُبْرى السّاطِعَةُ، وإذا قُلْنا إنَّ اجْتِماعَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالجِنِّ وإلْقاءَهُ عَلَيْهِمْ بَعْدَ تَشَكُّلِهِمْ لَهُ فَأمْرُ المُناسَبَةِ أظْهَرُ ولَيْسَ تَشَكُّلُ المَلَكِ لَوْ أُرْسِلَ إلى البَشَرِ بِمُجْدٍ لِما سَمِعْتَ آنِفًا، ويُقالُ نَحْوُ هَذا في إرْسالِهِ ﷺ إلى المَلائِكَةِ لِما فِيهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن قُوَّةِ الإلْقاءِ إلَيْهِمْ كالتَّلَقِّي مِنهُمْ، وإلى كَوْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُرْسَلًا إلَيْهِمْ ذَهَبَ مِنَ الشّافِعِيَّةِ تَقِيُّ الدِّينِ السُّبْكِيُّ والبارِزِيُّ والجَلالُ المَحَلِّيُّ في خَصائِصِهِ، ومِنَ الحَنابِلَةِ ابْنُ تَيْمِيَةَ وابْنُ مُفْلِحٍ في كِتابِ الفُرُوعِ، ومِنَ المالِكِيَّةِ عَبْدُ الحَقِّ، وقالَ ابْنُ تَيْمِيَةَ: لا نِزاعَ بَيْنَ العُلَماءِ في جِنْسِ تَكْلِيفِهِمْ بِالأمْرِ والنَّهْيِ.

وقالَ إبْراهِيمُ اللَّقّانِيُّ: لا شَكَّ في ثُبُوتِ أصْلِ التَّكْلِيفِ بِالطّاعاتِ العَمَلِيَّةِ في حَقِّهِمْ، وأمّا نَحْوَ الإيمانِ فَهو فِيهِمْ ضَرُورِيٌّ فَيَسْتَحِيلُ تَكْلِيفُهم بِهِ، وقالَ السُّبْكِيُّ في فَتاوِيهِ: الجِنُّ مُكَلَّفُونَ بِكُلِّ شَيْءٍ مِن هَذِهِ الشَّرِيعَةِ لِأنَّهُ إذا ثَبَتَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُرْسَلٌ إلَيْهِمْ كَما هو مُرْسَلٌ إلى الإنْسِ وأنَّ الدَّعْوَةَ عامَّةٌ والشَّرِيعَةُ كَذَلِكَ لَزِمَتْهم جَمِيعُ التَّكالِيفِ الَّتِي تُوجَدُ فِيهِمْ أسْبابُها لا أنْ يَقُومَ دَلِيلٌ عَلى تَخْصِيصِ بَعْضِها فَنَقُولُ: إنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والزَّكاةُ إنْ مَلَكُوا نِصابًا بِشَرْطِهِ والحَجُّ وصَوْمُ رَمَضانَ وغَيْرُها مِنَ الواجِباتِ ويَحْرُمُ عَلَيْهِمْ كُلُّ حَرامٍ في الشَّرِيعَةِ بِخِلافِ المَلائِكَةِ فَإنّا لا نَلْتَزِمُ أنَّ هَذِهِ التَّكالِيفَ كُلَّها ثابِتَةٌ في حَقِّهِمْ إذا قُلْنا بِعُمُومِ الرِّسالَةِ إلَيْهِمْ بَلْ يُحْتَمَلُ ذَلِكَ ويُحْتَمَلُ الرِّسالَةُ في شَيْءٍ خاصٍّ اه.

ولا مانِعَ مِن أنْ يُكَلِّفَهم كُلَّهم بِما جاءَهُ مِن رَبِّهِ جَلَّ جَلالُهُ بِواسِطَةِ بَعْضِهِمْ عَلى أنَّهُ لَيْسَ كُلُّ ما جاءَ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حاصِلًا بِوَساطَةِ المَلَكِ فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونَ ما كُلِّفُوا بِهِ لَمْ يَكُنْ بِوَساطَةِ أحَدٍ مِنهُمْ، وأنْكَرَ بَعْضُهم إرْسالَهُ ﷺ إلَيْهِمْ وبِعَدَمِ الإرْسالِ إلَيْهِمْ جَزَمَ الحَلِيمِيُّ والبَيْهَقِيُّ مِنَ الشّافِعِيَّةِ ومَحْمُودُ بْنُ حَمْزَةَ الكَرْمائِيُّ في كِتابِهِ: «العَجائِبُ والغَرائِبُ» مِنَ الحَنَفِيَّةِ بَلْ نَقَلَ البُرْهانُ النَّسَفِيُّ والفَخْرُ الرّازِيُّ في تَفْسِيرَيْهِما الإجْماعَ عَلَيْهِ وجَزَمَ بِهِ مِنَ المُتَأخِّرِينَ زَيْنُ الدَّيْنِ العِراقِيُّ في نُكَتِهِ عَلى ابْنِ الصَّلاحِ والجَلالُ المَحَلِّيُّ في شَرْحِ جَمْعِ الجَوامِعِ، وصَرِيحُ آيَةِ: ﴿لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا﴾ إذِ العالَمُ ما سِوى اللَّهِ تَعالى وصِفاتِهِ، وخَبَرُ مُسْلِمٍ: أُرْسِلْتُ إلى الخَلْقِ كافَّةً يُؤَيِّدُ المَذْهَبَ الأوَّلَ، نَعَمْ اسْتَدَلَّ أهْلُ هَذا المَذْهَبِ بِما اسْتَدَلُّوا بِهِ وفِيهِ ما فِيهِ، وقَدِ ادَّعى

صفحة 174

بَعْضُ النّاسِ أنَّ الآيَةَ تُؤَيِّدُ مَذْهَبَهم لِأنَّهُ تَعالى خَصَّ فِيها المَلَكَ بِالإرْسالِ إلى المَلائِكَةِ فَيَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ هو الرَّسُولَ إلَيْهِمْ لا البَشَرُ سَواءٌ كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَهم مُناسَبَةٌ أمْ لا، وقَدْ سَمِعْتَ ما نُقِلَ عَنِ العَلّامَةِ القُطْبِ وصاحِبِ التَّقْرِيبِ مِن أنَّ المُرادَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ رَسُولًا حالَ كَوْنِهِ مَلَكًا لا بَشَرًا، وأُجِيبَ بِأنَّهُ بَعْدَ إرْخاءِ العِنانِ لا تَدُلُّ الآيَةُ إلّا عَلى تَعْيِينِ إرْسالِ المَلَكِ إلى المَلائِكَةِ إذا كانُوا في الأرْضِ يَمْشُونَ مُطَمْئِنِينَ بَدَلَ البَشَرِ، ولا يَلْزَمُ مِنهُ أنْ لا يَصِحَّ إرْسالُ البَشَرِ إلَيْهِمْ إذا لَمْ يَكُونُوا كَذَلِكَ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ حِكْمَةُ التَّعْيِينِ في الصُّورَةِ الأُولى سِوى المُناسَبَةِ المُتَرَتِّبِ عَلَيْها سُهُولَةُ الِاجْتِماعِ والتَّلَقِّي شَيْءٌ آخَرُ لا يُوجَدُ في الصُّورَةِ الثّانِيَةِ وذَلِكَ أنَّهُ إذا كانَ أهْلُ الأرْضِ مَلائِكَةً وأُرْسِلَ إلَيْهِمْ بَشَرٌ لَهُ قُوَّةُ الإلْقاءِ إلَيْهِمْ والإفاضَةُ عَلَيْهِمْ، نَحْوَ إرْسالِ رُسُلِ البَشَرِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ إلَيْهِمْ صَعُبَ بِحَسْبِ الطَّبْعِ عَلى ذَلِكَ الرَّسُولِ بَقاؤُهُ مَعَهم زَمَنًا يُعْتَدُّ بِهِمْ كَما يَبْقى رُسُلُ البَشَرِ مَعَ البَشَرِ كَذَلِكَ إلّا أنْ يُجْعَلَ مُشارِكًا لَهم فِيما جُبِلُوا عَلَيْهِ ويَلْحَقَ بِهِمْ وهو أشْبَهُ شَيْءٍ بِإخْراجِهِ عَنِ الطَّبِيعَةِ البَشَرِيَّةِ بِالمَرَّةِ فَيَكُونُ العُدُولُ عَنْ إرْسالِ مَلَكٍ إلى إرْسالِهِ أشْبَهَ شَيْءٍ بِالعَبَثِ المُنافِي لِلْحِكْمَةِ اه فَتَدَبَّرْ.

فَلَعَلَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يَمُنُّ عَلَيْكَ بِما يَرْوِي الغَلِيلَ وتَأمَّلْ في جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ فَلَعَلَّكَ تُوَفَّقُ بِعَوْنِ اللَّهِ تَعالى إلى الجَرْحِ والتَّعْدِيلِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском