Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-Isra 17:96–99
17:96Page 291
قُلۡ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدَۢا بَيۡنِي وَبَيۡنَكُمۡۚ إِنَّهُۥ كَانَ بِعِبَادِهِۦ خَبِيرَۢا بَصِيرٗا ٩٦
Say, "Sufficient is Allāh as Witness between me and you. Indeed He is ever, concerning His servants, Aware and Seeing."
﴿قُلْ﴾ لَهم ثانِيًا مِن جِهَتِكَ بَعْدَ ما قُلْتَ لَهم مِن قَبْلِنا ما قُلْتَ وبَيَّنْتَ لَهم ما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ في البِعْثَةِ ولَمْ يَرْفَعُوا إلَيْهِ رَأْسًا ﴿كَفى بِاللَّهِ﴾ عَزَّ وجَلَّ وحْدَهُ ﴿شَهِيدًا﴾ عَلى أنِّي قَدْ أدَّيْتُ ما عَلَيَّ مِن مَواجِبِ الرِّسالَةِ أكْمَلَ أداءٍ وإنَّكم فَعَلْتُمْ ما فَعَلْتُمْ مِنَ التَّكْذِيبِ والعِنادِ، وقِيلَ شَهِيدًا عَلى أنِّي رَسُولُ اللَّهِ تَعالى إلَيْكم بِإظْهارِ المُعْجِزَةِ عَلى وفْقِ دَعْوايَ، ورُجَّحَ الأوَّلُ بِأنَّهُ أوْفَقُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ وكَذا بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ تَعْلِيلًا لِلْكِفايَةِ: ﴿إنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ﴾ أيِ الرُّسُلِ والمُرْسَلِ إلَيْهِمْ ﴿خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ أيْ: مُحِيطًا بِظَواهِرِهِمْ وبَواطِنِهِمْ فَيُجازِيهِمْ عَلى ذَلِكَ، وزَعَمَ الخَفاجِيُّ أنَّ الثّانِيَ أوْفَقُ بِالسِّباقِ مِنهُ إذْ يَكُونُ الكَلامُ عَلَيْهِ كالسّابِقِ رَدًّا لِإنْكارِهِمْ أنْ يَكُونَ الرَّسُولُ بَشَرًا وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ الإمامُ وأنَّ كَوْنَ الأوَّلِ أوْفَقَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهُ كانَ﴾ إلَخْ لا وجْهَ لَهُ لِأنَّ مَعْناهُ التَّهْدِيدُ والوَعِيدُ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ يَعْلَمُ ظَواهِرَهم وبَواطِنَهم وأنَّهم إنَّما ذَكَرُوا هَذِهِ الشُّبْهَةَ لِلْحَسَدِ وحُبِّ الرِّياسَةِ والِاسْتِنْكافِ عَنِ الحَقِّ وفِيهِ مِنَ التَّسْلِيَةِ لِحَبِيبِهِ ﷺ ما فِيهِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ إنْكارَ كَوْنِ الأوَّلِ أوْفَقَ بِذَلِكَ مِمّا لا وجْهَ لَهُ لِظُهُورِ خِلافِهِ، ولا يُنافِيهِ تَضَمُّنُ الجُمْلَةِ الوَعِيدَ والتَّسْلِيَةَ، وأيْضًا يَبْقى أمْرُ أوْفَقِيَّتِهِ بَيْنِي وبَيْنَكم في البَيْنِ ومَعَ ذَلِكَ في تَصْدِيرِ الكَلامِ بِ «قُلْ» نَوْعُ تَأْيِيدٍ لِإرادَةِ الأوَّلِ كَما لا يَخْفى عَلى الذَّكِيِّ، هَذا وإنَّما لَمْ يَقُلْ سُبْحانَهُ: بَيْنَنا تَحْقِيقًا لِلْمُفارَقَةِ وإبانَةً لِلْمُبايَنَةِ، ونَصْبُ ( شَهِيدًا ) إمّا عَلى الحالِ أوْ عَلى التَّمْيِيزِ
17:97Page 292
وَمَن يَهۡدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلۡمُهۡتَدِۖ وَمَن يُضۡلِلۡ فَلَن تَجِدَ لَهُمۡ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِهِۦۖ وَنَحۡشُرُهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمۡ عُمۡيٗا وَبُكۡمٗا وَصُمّٗاۖ مَّأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ كُلَّمَا خَبَتۡ زِدۡنَٰهُمۡ سَعِيرٗا ٩٧
And whoever Allāh guides - he is the [rightly] guided; and whoever He sends astray1 - you will never find for them protectors besides Him, and We will gather them on the Day of Resurrection [fallen] on their faces - blind, dumb and deaf. Their refuge is Hell; every time it subsides, We increase [for] them blazing fire.
﴿ومَن يَهْدِ اللَّهُ﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ غَيْرُ داخِلٍ في حَيِّزِ ( قُلْ ) يَفْصِلُ ما أشارَ إلَيْهِ الكَلامُ السّابِقُ مِن مُجازاةِ العِبادِ لِما أنَّ عِلْمَهُ تَعالى في مِثْلِ هَذا المَوْضِعِ مُسْتَعْمَلٌ بِمَعْنى المُجازاةِ؛ أيْ: مَن يَهْدِ اللَّهُ تَعالى إلى الحَقِّ ﴿فَهُوَ المُهْتَدِ﴾ إلَيْهِ وإلى ما يُؤَدِّي إلَيْهِ مِنَ الثَّوابِ أوِ المُهْتَدِي إلى كُلِّ مَطْلُوبٍ، والأكْثَرُونَ حَذَفُوا ياءَ المُهْتَدِي ﴿ومَن يُضْلِلْ﴾ يَخْلُقْ فِيهِ الضَّلالَ لِسُوءِ اخْتِيارِهِ وقُبْحِ اسْتِعْدادِهِ كَهَؤُلاءِ المُعانِدِينَ ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهم أوْلِياءَ﴾ أيْ: أنْصارًا ﴿مِن دُونِهِ﴾ عَزَّ وجَلَّ يَهْدُونَهم إلى طَرِيقِ الحَقِّ أوْ إلى طَرِيقٍ يُوصِلُهم إلى مَطالِبِهِمُ الدُّنْيَوِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ أوْ إلى طَرِيقِ النَّجاةِ مِنَ العَذابِ الَّذِي يَسْتَدْعِيهِ ضَلالُهم عَلى مَعْنى: لَنْ تَجِدَ لِأحَدٍ مِنهم ولِيًّا عَلى ما يَقْتَضِيهِ قَضِيَّةُ مُقابَلَةِ الجَمْعِ بِالجَمْعِ مِنَ انْقِسامِ الآحادِ عَلى الآحادِ عَلى
صفحة 175
ما هو المَشْهُورُ وقِيلَ: قالَ سُبْحانَهُ: ﴿أوْلِياءَ﴾ مُبالَغَةً؛ لِأنَّ الأوْلِياءَ إذا لَمْ تَنْفَعْهم فَكَيْفَ الوَلِيُّ الواحِدُ، وضَمِيرُ ( لَهم ) عائِدٌ عَلى «مَن» بِاعْتِبارِ مَعْناهُ كَما أنَّ (هُوَ) عائِدٌ عَلَيْهِ بِاعْتِبارِ لَفْظِهِ فَلِذا أُفْرِدَ الضَّمِيرُ تارَةً وجُمِعَ أُخْرى.
وفِي إيثارِ الإفْرادِ والجَمْعِ فِيما أُوثِرا فِيهِ تَلْوِيحٌ بِوَحْدَةِ طَرِيقِ الحَقِّ وقِلَّةِ سالِكِيهِ وتَعَدُّدِ سُبُلِ الضَّلالِ وكَثْرَةِ الضَّلالِ، وذَكَرَ أبُو حَيّانَ وتَبِعَهُ بَعْضُهم أنَّ الجُمْلَةَ الثّانِيَةَ مِنَ المَواضِعِ الَّتِي جاءَ فِيها الحَمْلُ عَلى المَعْنى ابْتِداءً مِن غَيْرِ أنْ يَتَقَدَّمَهُ الحَمْلُ عَلى اللَّفْظِ وهي قَلِيلَةٌ في القُرْآنِ. وتَعَقَّبَ ذَلِكَ الخَفاجِيُّ بِأنَّهُ لا وجْهَ لَهُ فَإنَّهُ حُمِلَ فِيها الضَّمِيرُ عَلى اللَّفْظِ أوَّلًا إذْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُضْلِلْ﴾ ضَمِيرٌ مَحْذُوفٌ مُفْرَدٌ إذْ تَقْدِيرُهُ يُضْلِلْهُ عَلى الأصْلِ وهو راجِعٌ إلى لَفْظِ «مَن» فَلا يُقالُ إنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْهُ حَمْلٌ عَلى اللَّفْظِ ثُمَّ قالَ: وأغْرَبُ مِن ذَلِكَ ما قِيلَ إنَّهُ قَدْ يُقالُ: إنَّ الحَمْلَ عَلى اللَّفْظِ قَدْ تَقَدَّمَهُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: (مَن يَهْدِ اللَّهُ) وإنْ كانَ في جُمْلَةٍ أُخْرى اه.
وفِيهِ أنَّ وجْهَهُ جَعْلُ أبِي حَيّانَ مِن مَفْعُولِ ﴿يُضْلِلْ﴾ كَما نَصَّ عَلَيْهِ في البَحْرِ وكَذا نَصَّ عَلى أنَّها في الجُمْلَةِ الأُولى مَفْعُولُ «يَهْدِ» وحِينَئِذٍ لَيْسَ هُناكَ ضَمِيرُ مُفْرَدٍ مَحْذُوفٌ كَما لا يَخْفى فَتَفَطَّنْ، وجُوِّزَ كَوْنُ الجُمْلَتَيْنِ داخِلَتَيْنِ في حَيِّزِ ( قُلْ ) لِمَجِيءِ ومَن بِالواوِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونَحْشُرُهُمْ﴾ أوْفَقُ بِالأوَّلِ وفِيهِ التِفاتٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى التَّكَلُّمِ لِلْإيذانِ لِكَمالِ الِاعْتِناءِ بِأمْرِ الحَشْرِ، وعَلى الِاحْتِمالِ الثّانِي يُجْعَلُ حِكايَةً لِما قالَهُ اللَّهُ تَعالى لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿يَوْمَ القِيامَةِ﴾ حِينَ يَقُومُونَ مِن قُبُورِهِمْ ﴿عَلى وُجُوهِهِمْ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ؛ أيْ: كائِنِينَ عَلَيْها إمّا مَشْيًا بِأنْ يَزْحَفُونَ مُنْكَبِّينَ عَلَيْها ويَشْهَدُ لَهُ ما أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ وغَيْرُهُما عَنْ أنَسٍ قالَ: «قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ يُحْشَرُ النّاسُ عَلى وُجُوهِهِمْ؟ قالَ: الَّذِي أمْشاهم عَلى أرْجُلِهِمْ قادِرٌ عَلى أنْ يُمْشِيَهم عَلى وُجُوهِهِمْ».
والمُرادُ كَيْفَ يُحْشَرُ هَذا الجِنْسَ عَلى الوَجْهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ خاصٌّ بِالكُفّارِ وغَيْرِهِمْ يُحْشَرُ عَلى وجْهٍ آخَرَ.
فَقَدْ أخْرَجَ أبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ وابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهم عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««يُحْشَرُ النّاسُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى ثَلاثَةِ أصْنافٍ: صِنْفٍ مُشاةٍ -أيْ عَلى العادَةِ- وصِنْفٍ رُكْبانٍ، وصِنْفٍ عَلى وُجُوهِهِمْ. قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، وكَيْفَ يَمْشُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ؟ قالَ: إنَّ الَّذِي أمْشاهم عَلى أقْدامِهِمْ قادِرٌ عَلى أنْ يُمْشِيَهم عَلى وُجُوهِهِمْ، إنَّهم يَتَّقُونَ بِوُجُوهِهِمْ كُلَّ حَدَبٍ وشَوْكٍ، وإمّا سَحْبًا بِأنْ تَجُرَّهُمُ المَلائِكَةُ مُنْكَبِّينَ عَلَيْها كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ في النّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ﴾».
ويَشْهَدُ لَهُ ما أخْرَجَهُ أحْمَدُ والنَّسائِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي ذَرٍّ أنَّهُ تَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿ونَحْشُرُهم يَوْمَ القِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ﴾ إلَخْ فَقالَ: حَدَّثَنِي الصّادِقُ المَصْدُوقُ ﷺ «أنَّ النّاسَ يُحْشَرُونَ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى ثَلاثَةِ أفْواجٍ: فَوْجٍ طاعِمِينَ كاسِينَ راكِبِينَ، وفَوْجٍ يَمْشُونَ ويَسْعَوْنَ، وفَوْجٍ تَسْحَبُهُمُ المَلائِكَةُ عَلى وُجُوهِهِمْ».
وأخْرَجَ أحْمَدُ والنَّسائِيُّ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ عَنْ مُعاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إنَّكم تُحْشَرُونَ رِجالًا ورُكْبانًا وتُجَرُّونَ عَلى وُجُوهِكُمْ»».
ولْيُطْلَبْ وجْهُ الجَمْعِ فَإنْ لَمْ يُوجَدْ فالمُعَوَّلُ عَلَيْهِ ما شَهِدَ لَهُ حَدِيثُ الشَّيْخَيْنِ، ولا تُعَيِّنُ الآيَةُ أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ في النّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ﴾ .
الثّانِي لِأنَّ القُرْآنَ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا لِأنَّها في حالِهِمْ بَعْدَ دُخُولِ النّارِ وما هُنا في حالِهِمْ قَبْلُ فَتَغايَرا، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الكَلامَ عَلى المَجازِ؛ وذَلِكَ كَما يُقالُ لِلْمُنْصَرِفِ خائِبًا عَنْ أمْرٍ مَهْمُومًا: انْصَرَفَ عَلى وجْهِهِ، فالمُرادُ: ونَجُرُّهم يَوْمَ القِيامَةِ مَهْمُومِينَ خائِبِينَ، وكَأنَّ الدّاعِيَ لِهَذا الِارْتِكابِ أنَّهُ قَدْ رَوى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ حَمْلَ الأحْوالِ الآنِيَّةِ عَلى المَجازِ، وحِينَئِذٍ تَكُونُ جَمِيعُ الأحْوالِ عَلى طِرازٍ واحِدٍ ولا يَخْفى عَلَيْكَ، فَإيّاكَ أنْ تَلْتَفِتَ إلى تَأْوِيلٍ نَطَقَتِ
صفحة 176
السُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ بِخِلافِهِ ولا تَعْبَأْ بِقَوْمٍ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ ﴿عُمْيًا وبُكْمًا وصُمًّا﴾ أحْوالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في الجارِّ والمَجْرُورِ الواقِعِ حالًا أوَّلًا، وفي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ أنَّها أحْوالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في الحالِ السّابِقَةِ، والأوَّلُ أبْعَدُ عَنِ القِيلِ والقالِ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ كَوْنَ ذَلِكَ بَدَلًا مِن تِلْكَ الحالِ وهو كَما تَرى.
واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ كَوْنَ المُرادِ مِمّا ذُكِرَ حَقِيقَتُهُ ويَكُونُ ذَلِكَ في مَبْدَأِ الأمْرِ ثُمَّ يَرُدُّ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِمْ أبْصارَهم ونُطْقَهم وسَمْعَهم فَيَرَوْنَ النّارَ ويَسْمَعُونَ زَفِيرَها ويَنْطِقُونَ بِما حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهم في غَيْرِ مَوْضِعٍ.
نَعَمْ قَدْ يُخْتَمُ عَلى أفْواهِهِمْ في البَيِّنِ، وقِيلَ: هو عَلى المَجازِ عَلى مَعْنى أنَّهم لِفَرْطِ الحَيْرَةِ والذُّهُولِ يُشْبِهُونَ أصْحابَ هَذِهِ الصِّفاتِ أوْ عَلى مَعْنى أنَّهم لا يَرَوْنَ شَيْئًا يَسُرُّهم ولا يَسْمَعُونَ كَذَلِكَ ولا يَنْطِقُونَ بِحُجَّةٍ كَما أنَّهم كانُوا في الدُّنْيا لا يَسْتَبْصِرُونَ ولا يَنْطِقُونَ بِالحَقِّ ولا يَسْمَعُونَهُ، وأخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ورُوِيَ أيْضًا عَنِ الحَسَنِ فَنُزِّلَ ما يَقُولُونَهُ ويَسْمَعُونَهُ ويُبْصِرُونَهُ مَنزِلَةَ العَدَمِ لِعَدَمِ الِانْتِفاعِ بِهِ، ولا يُعَكِّرُ عَلَيْهِ أنَّ بَعْضَ الآياتِ يَدُلُّ عَلى سَلْبِ بَعْضِ القُوى عَنْهم لِاخْتِلافِ الأوْقاتِ، وقِيلَ: عُمْيًا عَنِ النَّظَرِ إلى ما جَعَلَ اللَّهُ تَعالى لِأوْلِيائِهِ، بُكْمًا عَنِ الكَلامِ مَعَهُ سُبْحانَهُ، صُمًّا عَمّا مَدَحَ اللَّهُ تَعالى بِهِ أوْلِياءَهُ، وقِيلَ: يَحْصُلُ لَهم ذَلِكَ حَقِيقَةً بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى لَهُمْ: ﴿اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾ وعَلى هَذا تَكُونُ الأحْوالُ مُقَدَّرَةً كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَأْواهُمْ﴾ أيْ: مُسْتَقَرُّهم ﴿جَهَنَّمُ﴾ عَلى تَقْدِيرِ جَعْلِهِ حالًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافًا، وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿كُلَّما خَبَتْ زِدْناهم سَعِيرًا﴾ يُحْتَمَلُ أيْضًا الِاسْتِئْنافُ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حالًا مِن جَهَنَّمَ كَما قالَ أبُو البَقاءِ، وجَعَلَ العامِلَ في الحالِ مَعْنى المَأْوى، وقالَ الطَّبَرْسِيُّ: هو حالٌ مِنها لِأنَّها تُوضَعُ مُتَلَظٍّ ومُتَسَعِّرٌ ولَوْلا ذَلِكَ ما جُعِلَ حالًا مِنها.
وجَوَّزَ جَعْلَهُ حالًا مِمّا جُعِلَتِ الجُمْلَةُ الأُولى مِنهُ، لَكِنْ بَعْدَ اعْتِبارِها في النَّظْمِ، والرّابِطُ الضَّمِيرُ المَنصُوبُ فِي: «زِدْناهُمْ» وهو كَما تَرى، والِاسْتِئْنافُ أقَلُّ مُؤْنَةً، والخَبْوُ وكَذا الخُبُوُّ بِضَمَّتَيْنِ وتَشْدِيدٍ وهُما مَصْدَرا خَبَتِ النّارُ؛ سُكُونُ اللَّهَبِ. قالَ في البَحْرِ: يُقالُ: خَبَتِ النّارُ تَخْبُو إذا سَكَنَ لَهَبُها وخَمَدَتْ إذا سَكَنَ جَمْرُها وضَعُفَ وهَمَدَتْ إذا طَفِئَتْ جُمْلَةً، وقالَ الرّاغِبُ: خَبَتِ النّارُ سَكَنَ لَهَبُها وصارَ عَلَيْها خِباءٌ مِن رَمادٍ أيْ غِشاءٍ، وفي القامُوسِ تَفْسِيرُ خَبَتْ بِسَكَنَتْ وطَفِئَتْ وتَفْسِيرُ طَفِئَتْ بِذَهَبَ لَهَبُها وفِيهِ مُخالَفَةٌ لِما في البَحْرِ والأكْثَرُونَ عَلى ما فِيهِ، ومِنَ الغَرِيبِ ما أخْرَجَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ مِن تَفْسِيرِ «خَبَتْ» في الآيَةِ بِحَمِيَتْ وهو خِلافُ المَشْهُورِ والمَأْثُورِ، والسَّعِيرُ اللَّهَبُ، والمَعْنى: كُلَّما سَكَنَ لَهَبُها بِأنْ أكَلَتْ جُلُودَهم ولُحُومَهم ولَمْ يَبْقَ ما تَتَعَلَّقُ بِهِ النّارُ وتَحْرِقُهُ زِدْناهم لَهَبًا وتَوَقُّدًا بِأنْ أعَدْناهم عَلى ما كانُوا فاسْتَعَرَتِ النّارُ بِهِمْ وتَوَقَّدَتْ، أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: إنَّ الكَفَرَةَ وقُودُ النّارِ، فَإذا أحْرَقَتْهم فَلَمْ يَبْقَ شَيْءٌ صارَتْ جَمْرًا تَتَوَهَّجُ فَذَلِكَ خَبْوُها فَإذا بُدِّلُوا خَلْقًا جَدِيدًا عاوَدَتْهُمْ، ولَعَلَّ ذَلِكَ عَلى ما قالَهُ بَعْضُ الأجِلَّةِ عُقُوبَةٌ لَهم عَلى إنْكارِهِمُ الإعادَةَ بَعْدَ الإفْناءِ بِتَكَرُّرِها مَرَّةً بَعْدَ الأُخْرى لِيَرَوْها عِيانًا حَيْثُ لَمْ يَرَوْها بُرْهانًا كَما يُفْصِحُ عَنْهُ ما بَعْدُ. واسْتُشْكِلَ ما ذُكِرَ بِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهم بَدَّلْناهم جُلُودًا غَيْرَها﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ النّارَ لا تَتَجاوَزُ عَنْ إنْضاجِهِمْ إلى إحْراقِهِمْ وإفْنائِهِمْ فَيُعارِضُ ذَلِكَ، وأجابَ بَعْضُهم بِأنَّ تَبْدِيلَهم جُلُودًا غَيْرَها بِإحْراقِها وإفْنائِها وخَلْقِ غَيْرِها
صفحة 177
فَكَأنَّهُ قِيلَ: كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهم أحْرَقْناها وأفْنَيْناها وخَلَقْنا لَهم غَيْرَها، وبَعْضٌ بِأنَّ المُرادَ كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهم كَمالُ النُّضْجِ بِأنْ يَبْلُغَ شَيُّها إلى حَدِّ لَوْ بَقِيَتْ عَلَيْهِ لا يُحِسُّ صاحِبُها بِالعَذابِ وهو مَرْتَبَةُ الِاحْتِراقِ بَدَّلْناهم إلَخْ ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَذُوقُوا العَذابَ﴾، وقالَ الخَفاجِيُّ: أُجِيبَ بِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَحْصُلَ لِجُلُودِهِمْ تارَةً النُّضْجُ وتارَةً الإفْناءُ أوْ كُلٌّ مِنهُما في حَقِّ قَوْمٍ عَلى أنَّهُ لا سَدَّ لِبابِ المَجازِ بِأنْ يُجْعَلَ النُّضْجُ عِبارَةً عَنْ مُطْلَقِ تَأْثِيرِ النّارِ؛ إذْ لا يَحْصُلُ في ابْتِداءِ الدُّخُولِ غَيْرُ الإحْراقِ دُونَ النُّضْجِ اه. ولا يَخْفى ما في قَوْلِهِ بِأنْ يُجْعَلَ النُّضْجُ: عِبارَةً عَنْ مُطْلَقِ تَأْثِيرِ النّارِ مِنَ المُساهَلَةِ، وفي قَوْلِهِ: إذْ لا يَحْصُلُ إلَخْ... مَنعٌ ظاهِرٌ، وذُكِرَ أنَّهُ أُورِدَ عَلى الجَوابِ الأوَّلِ أنَّ كَلِمَةَ كُلَّما تُنافِيهِ وفِيهِ بَحْثٌ فَتَأمَّلْ، ورُبَّما يُتَوَهَّمُ أنَّ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ﴾ تَعارُضًا لِأنَّ الخَبْوَ يَسْتَلْزِمُ التَّخْفِيفَ وهو مَدْفُوعٌ بِأنَّ الخَبْوَ سُكُونُ اللَّهَبِ كَما سَمِعْتَ، واسْتِلْزامُهُ تَخْفِيفَ عَذابِ النّارِ مَمْنُوعٌ، عَلى أنّا لَوْ سَلَّمْنا الِاسْتِلْزامَ، فالعَذابُ الَّذِي لا يُخَفَّفُ لَيْسَ مُنْحَصِرًا بِالعَذابِ بِالنّارِ والإيلامِ بِحَرّاراتِها وحِينَئِذٍ فَيُمْكِنُ أنْ يُعَوَّضَ ما فاتَ مِنهُ بِسُكُونِ اللَّهَبِ بِنَوْعٍ آخَرَ مِنَ العَذابِ مِمّا لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ تَعالى. وذَكَرَ الإمامُ أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿زِدْناهم سَعِيرًا﴾ يَقْتَضِي ظاهِرُهُ أنَّ الحالَةَ الثّانِيَةَ أزْيَدُ مِنَ الحالَةِ الأُولى فَتَكُونُ الحالَةُ الأُولى تَخْفِيفًا بِالنِّسْبَةِ إلى الحالَةِ الثّانِيَةِ، وأجابَ بِأنَّهُ حَصَلَ في الحالَةِ الأُولى خَوْفُ حُصُولِ الثّانِيَةِ، فَكانَ العَذابُ شَدِيدًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: لَمّا عَظُمَ العَذابُ صارَ التَّفاوُتُ الحاصِلُ في أثْنائِهِ غَيْرَ مَشْعُورٍ بِهِ نَعُوذُ بِاللَّهِ تَعالى مِنهُ اه.
وقَدْ يُقالُ: لَيْسَ في الآيَةِ أكْثَرُ مِنَ ازْدِيادِ تَوَقُّدِهِمْ ولَعَلَّهُ لا يَسْتَلْزِمُ ازْدِيادَ عَذابِهِمْ، والمُرادُ مِنَ الآيَةِ: كُلَّما أُحْرِقُوا أُعِيدُوا إلّا أنَّهُ عَبَّرَ بِما عَبَّرَ لِلْمُبالَغَةِ، ويُشِيرُ إلى كَوْنِ المُرادِ بِذَلِكَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿زِدْناهُمْ﴾ دُونَ زِدْناها فَتَدَبَّرْ.
17:98Page 292
ذَٰلِكَ جَزَآؤُهُم بِأَنَّهُمۡ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَقَالُوٓاْ أَءِذَا كُنَّا عِظَٰمٗا وَرُفَٰتًا أَءِنَّا لَمَبۡعُوثُونَ خَلۡقٗا جَدِيدًا ٩٨
That is their recompense because they disbelieved in Our verses and said, "When we are bones and crumbled particles, will we [truly] be resurrected [in] a new creation?"
﴿ذَلِكَ﴾ أيِ العَذابُ المَفْهُومُ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ كُلَّما خَبَتْ زِدْناهم سَعِيرًا أوْ إلى جَمِيعِ ما ذُكِرَ مِن حَشْرِهِمْ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وبُكْمًا وصُمًّا إلَخْ، والمَفْهُومُ مِمّا ذَكَرْنا مُنْدَرِجٌ فِيهِ.
﴿جَزاؤُهم بِأنَّهُمْ﴾ أيْ: بِسَبَبِ أنَّهم ﴿كَفَرُوا بِآياتِنا﴾ القُرْآنِيَّةِ والآفاقِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى صِحَّةِ الإعادَةِ دَلالَةً واضِحَةً أوْ عَلى صِحَّةِ ما أرْسَلْناكَ بِهِ مُطْلَقًا فَيَشْمَلُ ما ذُكِرَ، ( وذَلِكَ ) مُبْتَدَأٌ وجَزاؤُهم خَبَرُهُ والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، وحُوِّزَ أنْ يَكُونَ: ﴿جَزاؤُهُمْ﴾ مُبْتَدَأً ثانِيًا والظَّرْفُ خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرٌ لِذَلِكَ، وأنْ يَكُونَ: ﴿جَزاؤُهُمْ﴾ بَدَلًا مِن ذَلِكَ أوْ بَيانًا والخَبَرُ هو الظَّرْفُ، وقِيلَ: ذَلِكَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيِ الأمْرُ ذَلِكَ وما بَعْدَهُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ.
﴿وقالُوا﴾ مُنْكِرِينَ أشَدَّ الإنْكارِ ﴿أإذا كُنّا عِظامًا ورُفاتًا﴾ هو في الأصْلِ كَما قالَ الرّاغِبُ كالفُتاتِ ما تَكَسَّرَ وتَفَرَّقَ مِنَ التِّبْنِ والمُرادُ هُنا بالِينَ مُتَفَرِّقِينَ ﴿أإنّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ إمّا مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ مِن غَيْرِ لَفْظِهِ أيْ: لَمَبْعُوثُونَ بَعْثًا جَدِيدًا وإمّا حالٌ أيْ مَخْلُوقِينَ مُسْتَأْنَفِينَ.
17:99Page 292
۞ أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ قَادِرٌ عَلَىٰٓ أَن يَخۡلُقَ مِثۡلَهُمۡ وَجَعَلَ لَهُمۡ أَجَلٗا لَّا رَيۡبَ فِيهِ فَأَبَى ٱلظَّٰلِمُونَ إِلَّا كُفُورٗا ٩٩
Do they not see that Allāh, who created the heavens and earth, is [the one] Able to create the likes of them? And He has appointed for them a term, about which there is no doubt. But the wrongdoers refuse except disbelief.
﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ أيْ: ألَمْ يَتَفَكَّرُوا ولَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ تَعالى الَّذِي قَدَرَ عَلى خَلْقِ هَذِهِ الأجْرامِ والأجْسامِ الشَّدِيدَةِ العَظِيمَةِ الَّتِي بَعْضُ ما تَحْوِيهِ البَشَرُ ﴿قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ مِنَ الأُنْسِ أيْ: ومَن هو قادِرٌ عَلى ذَلِكَ كَيْفَ لا يَقْدِرُ عَلى إعادَتِهِمْ وهي أهْوَنُ عَلَيْهِ جَلَّ وعَلا، وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: مَثَّلَ هُنا مَثَلَها فِي: - مِثْلُكَ لا يَبْخَلُ - أيْ: قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَهُمْ، والمُرادُ بِالخَلْقِ الإعادَةُ كَما عَبَّرَ عَنْها أوْ لا بِذَلِكَ حَيْثُ قِيلَ: ﴿خَلْقًا جَدِيدًا﴾ ولا يَخْلُو عَنْ بُعْدٍ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ المُرادَ قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَ عَبِيدًا آخَرِينَ يُوَحِّدُونَهُ تَعالى، ويُقِرُّونَ بِكَمالِ حِكْمَتِهِ وقُدْرَتِهِ ويَتْرُكُونَ ذِكْرَ هَذِهِ الشُّبَهاتِ الفاسِدَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾
صفحة 178
وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ويَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ وفِيهِ أنَّهُ لا يُلائِمُ السِّياقَ كَما لا يَخْفى عَلى ذَوِي الأذْواقِ، ثُمَّ اعْلَمْ أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ أنَّ الكَفَرَةَ أنْكَرُوا إعادَتَهم يَوْمَ القِيامَةِ عَلى مَعْنى جَمْعِ أجْزائِهِمْ المُتَفَرِّقَةِ وعِظامِهِمُ المُتَفَتِّتَةِ وتَأْلِيفِها وإفاضَةِ الحَياةِ عَلَيْها كَما كانَتْ في الدُّنْيا فَهو الَّذِي عَنَوْهُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿أإنّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ بَعْدَ قَوْلِهِمْ ﴿أإذا كُنّا عِظامًا ورُفاتًا﴾ فَرَدَّ عَلَيْهِمْ بِإثْباتِ ذَلِكَ بِطَرِيقٍ بُرْهانِيٍّ، وعَلى هَذا تَكُونُ الآيَةُ أحَدَ أدِلَّةِ مَن يَقُولُ: إنَّ الحَشْرَ بِإعادَةِ أجْزاءِ الأبْدانِ الَّتِي تَتَفَرَّقُ كَأبْدانِ ما عَدا الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ومَن لَمْ يَعْمَلْ خَطِيئَةً قَطُّ والمُؤَذِّنِينَ احْتِسابًا ونَحْوَهم مِمَّنْ حُرِّمَتْ أجْسادُهم عَلى الأرْضِ كَما جاءَ في الأخْبارِ وجَمْعِها بَعْدَ تَفَرُّقِها وعَنَوْا بِذَلِكَ الأجْزاءَ الأصْلِيَّةَ وهي الحاصِلَةُ في أوَّلِ الفِطْرَةِ حالَ نَفْخِ الرُّوحِ وهي عِنْدُهم مَحْفُوظَةٌ مِن أنْ تَصِيرَ جُزْءًا لِبَدَنٍ آخَرَ فَضْلًا عَنْ أنْ تَصِيرَ جُزْءًا أصْلِيًّا لَهُ، والذّاهِبُونَ إلى هَذا هُمُ الأقَلُّ وحَكاهُ الآمِدِيُّ بِصِيغَةِ: قِيلَ، لَكِنْ رَجَّحَهُ الفَخْرُ الرّازِيُّ وذَكَرَ أنَّ الأكْثَرَ عَلى أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يَعْدِمُ الذَّواتِ بِالكُلِّيَّةِ ثُمَّ يُعِيدُها وقالَ: إنَّهُ الصَّحِيحُ، وكَذا قالَ البَدْرُ الزَّرْكَشِيُّ، وذَكَرُ اللَّقّانِيُّ أنَّهُ قَوْلُ أهْلِ السُّنَّةِ والمُعْتَزِلَةِ القائِلِينَ بِصِحَّةِ الفِناءِ والعَدَمِ عَلى الأجْسامِ بَلْ بِوُقُوعِهِ وإنِ اخْتَلَفُوا في أنَّ ذَلِكَ هَلْ هو بِحُدُوثِ ضِدٍّ أوْ بِانْتِفاءِ شَرْطٍ أوْ بِلا ولا، فَذَهَبَ إلى الأخِيرِ القاضِي مِن أهْلِ السُّنَّةِ وأبُو الهُذَيْلِ مِنَ المُعْتَزِلَةِ قالا: إنَّ اللَّهَ تَعالى يُعْدِمُ ما يُرِيدُ إعْدامَهُ عَلى نَحْوِ إيجادِهِ إيّاهُ فَيَقُولُ لَهُ عِنْدَ أبِي الهُذَيْلِ: افْنَ فَيَفْنى كَما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ. وذَهَبَ جُمْهُورُ المُعْتَزِلَةِ إلى الأوَّلِ فَقالُوا: إنَّ فَناءَ الجَوْهَرِ بِحُدُوثِ ضِدٍّ لَهُ وهو الفَناءُ ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَذَهَبَ ابْنُ الإخْشِيدِ إلى أنَّ اللَّهَ تَعالى يَخْلُقُ الفَناءَ في جِهَةٍ مِن جِهاتِ الجَواهِرِ فَتَعْدَمُ الجَواهِرُ بِأسْرِها، وقالَ ابْنُ شَبِيبٍ: إنَّهُ تَعالى يُحْدِثُ في كُلِّ جَوْهَرٍ بِعَيْنِهِ فَناءً يَقْتَضِي عَدَمَ الجَوْهَرِ في الزَّمانِ الثّانِي، وذَهَبَ أبُو عَلِيٍّ وأبُو هاشِمٍ وأتْباعُهُما إلى أنَّ اللَّهَ تَعالى يَعْدِمُ الجَوْهَرَ بِخَلْقِ فَناءٍ لا في مَحَلٍّ مُعَيَّنٍ مِنهُ ثُمَّ اخْتَلَفا فَقالَ أبُو عَلِيٍّ وأتْباعُهُ: إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يَخْلُقُ فَناءً واحِدًا لا في مَحَلٍّ فَيُفْنِي بِهِ الجَواهِرَ بِأسْرِها، وقالَ أبُو هاشِمٍ وأتْباعُهُ: إنَّهُ تَعالى يَخْلُقُ لِكُلِّ جَوْهَرٍ فَناءً لا في مَحَلٍّ.
وذَهَبَ إمامُ الحَرَمَيْنِ وأكْثَرُ أهْلِ السُّنَّةِ وبِشْرٌ المَرِيسِيُّ والكَعْبِيُّ مِنَ المُعْتَزِلَةِ إلى الثّانِي ثُمَّ اخْتَلَفُوا في تَعْيِينِ الشَّرْطِ فَقالَ بِشْرٌ: إنَّهُ بَقاءٌ يَخْلُقُهُ سُبْحانَهُ لا في مَحَلٍّ فَإنْ لَمْ يَخْلُقْهُ عُدِمَ الجَوْهَرُ. وقالَ الأكْثَرُ والكَعْبِيُّ: إنَّهُ بَقاءٌ قائِمٌ بِالجَوْهَرِ يَخْلُقُهُ جَلَّ وعَلا فِيهِ حالًا فَحالًا، فَإذا لَمْ يَخْلُقْهُ تَعالى فِيهِ انْتَفى الجَوْهَرُ، وقالَ إمامُ الحَرَمَيْنِ: إنَّهُ الأعْراضُ الَّتِي يَجِبُ اتِّصافُ الجِسْمِ بِها؛ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى شَأْنُهُ يَخْلُقُها في الجِسْمِ حالًا فَحالًا فَمَتى لَمْ يَخْلُقْها سُبْحانَهُ فِيهِ انْعَدَمَ. وقالَ النَّظّامُ: إنَّهُ خَلْقُ اللَّهِ تَعالى الجَوْهَرَ حالًا فَحالًا فَإنَّ الجَواهِرَ عِنْدَهُ لا بَقاءَ لَها بَلْ هي مُتَجَدِّدَةٌ بِتَجَدُّدِ الأعْراضِ فَإذا لَمْ يُوالِي عَزَّ مَجْدُهُ عَلى الجَوْهَرِ خَلْقَهُ فَنِيَ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ أكْثَرَ هَذِهِ الأقاوِيلِ مِن قَبِيلِ الأباطِيلِ سِيَّما القَوْلُ بِأنَّ الفَناءَ أمْرٌ مُحَقَّقٌ في الخارِجِ ضِدٌّ لِلْبَقاءِ قائِمٌ بِنَفْسِهِ أوْ بِالجَوْهَرِ، وكَوْنُ البَقاءِ مَوْجُودًا لا في مَحَلٍّ، ولَعَلَّ وجْهَ البُطْلانِ غَنِيٌّ عَنِ البَيانِ. واحْتَجُّوا لِهَذا المَذْهَبِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلا وجْهَهُ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ﴾ وأجابُوا عَنِ الآيَةِ بِأنَّ الكُفّارَ اكْتَفَوْا بِأقَلِّ اللّازِمِ وأرادُوا المُبالَغَةَ في الإنْكارِ لِأنَّهُ إذا لَمْ يُمْكِنْ بِزَعْمِهِمُ الحَشْرُ بَعْدَ كَوْنِهِمْ عِظامًا ورُفاتًا فَعَدَمُ إمْكانِهِ بَعْدَ فِنائِهِمْ بِالمَرَّةِ أظْهَرُ وأظْهَرُ، وفِيهِ أنَّ هَلاكَ كُلِّ شَيْءٍ خُرُوجُهُ عَنْ صِفاتِهِ المَطْلُوبَةِ مِنهُ والتَّفَرُّقُ كَذَلِكَ فَيُقالُ لَهُ: هَلاكٌ ويُسَمّى أيْضًا فَناءً عُرْفًا فالِاحْتِجاجُ بِالآيَتَيْنِ غَيْرُ تامٍّ وإنَّ ما قالُوهُ في الجَوابِ عَنِ الآيَةِ خِلافُ الظّاهِرِ. ولا يُرَدُّ عَلَيْهِمْ أنَّ إعادَةَ المَعْدُومِ مُحالٌ لِما
صفحة 179
ذَكَرَهُ الفَلاسِفَةُ مِنَ الأدِلَّةِ لِما ذَكَرَهُ المُسْلِمُونَ في إبْطالِها، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّ عَجْبَ الذَّنَبِ لا يَفْنى، وإنْ فَنِيَ ما عَداهُ مِن أجْزاءِ البَدَنِ لِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ: ««لَيْسَ مِنَ الإنْسانِ شَيْءٌ إلّا يَبْلى إلّا عَظْمًا واحِدًا، وهو عَجْبُ الذَّنَبِ مِنهُ خُلِقَ الخَلْقُ يَوْمَ القِيامَةِ»».
وفِي رِوايَةِ مُسْلِمٍ: ««كُلُّ ابْنِ آدَمَ يَأْكُلُهُ التُّرابُ إلّا عَجْبَ الذَّنَبِ مِنهُ خُلِقَ ومِنهُ يُرَكَّبُ»».
وصَحَّحَ المُزَنِيُّ أنَّهُ يَفْنى أيْضًا، وتَأوَّلَ الحَدِيثَ بِأنَّ المُرادَ مِنهُ أنَّ كُلَّ الإنْسانِ يَبْلى بِالتُّرابِ ويَكُونُ سَبَبَ فَنائِهِ إلّا عَجْبَ الذَّنَبِ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يُفْنِيهِ بِلا تُرابٍ كَما يُمِيتُ مَلَكَ المَوْتِ بِلا مَلَكِ مَوْتٍ، والخَلْقُ مِنهُ والتَّرْكِيبُ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ بَعْدَ إعادَتِهِ فَلَيْسَ ما ذُكِرَ نَصًّا في بَقائِهِ، ووافَقَهُ عَلى ذَلِكَ ابْنُ قُتَيْبَةَ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ ظَواهِرَ الأخْبارِ تَدُلُّ عَلى عَدَمِ فَنائِهِ مُطْلَقًا، وتَوَقَّفَ بَعْضُ العُلَماءِ عَنِ الجَزْمِ بِأحَدِ المَذْهَبَيْنِ السّابِقَيْنِ في كَيْفِيَّةِ الحَشْرِ.
وقالَ السَّعْدُ: إنَّهُ الحَقُّ وهو اخْتِيارُ إمامِ الحَرَمَيْنِ وفي المَواقِفِ وشَرْحِهِ لِلسَّيِّدِ السَّنَدِ: هَلْ يَعْدِمُ اللَّهُ تَعالى الأجْزاءَ البَدَنِيَّةَ ثُمَّ يُعِيدُها أوْ يُفَرِّقُها ويُعِيدُ فِيها التَّأْلِيفَ؟ الحَقُّ أنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ في ذَلِكَ شَيْءٌ، فَلا جَزْمَ فِيهِ نَفْيًا ولا إثْباتًا لِعَدَمِ الدَّلِيلِ عَلى شَيْءٍ مِنَ الطَّرَفَيْنِ.
وقالَ حُجَّةُ الإسْلامِ الغَزالِيُّ في كِتابِ الِاقْتِصادِ: فَإنْ قِيلَ: ما تَقُولُونَ: هَلْ تُعْدَمُ الجَواهِرُ والأعْراضُ ثُمَّ يُعادانِ جَمِيعًا أوْ تُعْدَمُ الأعْراضُ دُونَ الجَواهِرِ ثُمَّ تُعادُ الأعْراضُ فَقَطْ؟ قُلْنا: كُلُّ ذَلِكَ مُمْكِنٌ، والحَقُّ أنَّهُ لَيْسَ في الشَّرْعِ دَلِيلٌ قاطِعٌ عَلى تَعْيِينِ أحَدِ الأمْرَيْنِ المُمْكِنَيْنِ.
وقالَ بَعْضُهُمُ: الحَقُّ وُقُوعُ الأمْرَيْنِ جَمِيعًا إعادَةُ ما انْعَدَمَ بِعَيْنِهِ وإعادَةُ ما تَفَرَّقَ بِأعْراضِهِ وهو حَسَنٌ، والكَلامُ في هَذا المَقامِ طَوِيلٌ جِدًّا، ولَعَلَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى يَمُنُّ عَلَيْنا بِاسْتِيفائِهِ ولَوْ في مَواضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ.
﴿وجَعَلَ لَهم أجَلا﴾ وهو مِيقاتُ إعادَتِهِمْ وحَشْرِهِمْ أوْ مَوْتِهِمْ وهو عَلى هَذا اسْمُ جِنْسٍ؛ لِأنَّ لِكُلِّ أحَدٍ أجَلًا لِلْمَوْتِ يَخُصُّهُ، وقَدْ جاءَ إطْلاقُ الأجَلِ عَلى المَوْتِ ووَجْهُهُ أنَّهُ يُطْلَقُ عَلى مُدَّةِ الحَياةِ وعَلى آخِرِها والمَوْتُ مُجاوِرٌ لِذَلِكَ.
﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ أيْ: لا يَنْبَغِي الرَّيْبُ فِيهِ والإنْكارُ لِمَن تَدَبَّرَهُ أوِ النَّفْيُ عَلى ظاهِرِهِ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا﴾ وهي وإنْ كانَتْ إنْشائِيَّةً وفي عَطْفِ الإخْبارِيَّةِ عَلَيْها مَقالٌ مُؤَوَّلَةٌ بِخَبَرِيَّةٍ، والعَطْفُ عَلى الصِّلَةِ فِيما مَرَّ مُتَعَذِّرٌ لِلْفَصْلِ بِخَبَرِ أنَّ.
وكَذا عَلى ما بَعْدَ أنْ المَصْدَرِيَّةِ لَفْظًا ومَعْنًى، والمَعْنى كَما في الكَشْفِ وغَيْرِهِ قَدْ عَلِمُوا بِدَلِيلِ العَقْلِ أنَّ اللَّهَ تَعالى قادِرٌ عَلى إعادَتِهِمْ وقَدْ جَعَلَ أجَلًا لَها لا رَيْبَ فِيهِ فَلا بُدَّ مِنها أيْ: إذا كانَ ذَلِكَ مُمْكِنًا في نَفْسِهِ واجِبَ الوُقُوعِ بِخَبَرِ الصّادِقِ لا يَبْقى لِلْإنْكارِ مَعْنًى فَإنْ كانَ الأجَلُ بِمَعْنى مِيقاتِ إعادَتِهِمْ أيْ يَوْمَ القِيامَةِ لِقَوْلِهِمْ: ﴿أإذا كُنّا عِظامًا ورُفاتًا﴾ وهو الظّاهِرُ فَهو واضِحٌ، وإنْ كانَ بِمَعْنى المَوْتِ فَوَجْهُهُ أنَّهم قَدْ عَلِمُوا إمْكانَهُ وأنَّهم مَيِّتُونَ لا مَحالَةَ مُنْسَلِخُونَ مِن هَذِهِ الحَياةِ وأنَّهُ لا بُدَّ لَهم مِن جَزاءٍ فَلَمْ يُخْلَقُوا عَبَثًا ولَمْ يُتْرَكُوا سُدًى فَفِيمَ الإنْكارُ؟ وكَأنَّهُ قَدِ اكْتَفى بِالمَوْتِ عَمّا بَعْدَهُ لِأنَّهُ أوَّلُ القِيامَةِ ومَن ماتَ فَقَدْ قامَتْ قِيامَتُهُ، فالعَطْفُ في التَّقْدِيرِ عَلى قَدْ عَلِمُوا، ويُعْلَمُ مِن هَذا التَّقْرِيرِ أنَّ الجامِعَ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ لِصِحَّةِ العَطْفِ في غايَةِ القُوَّةِ.
وزَعَمَ القُطْبُ أنَّ الأِوْلى العَطْفُ عَلى ما بَعْدَ «أنْ» المَصْدَرِيَّةِ، أمّا أوَّلًا فَلِأنَّهُ أقْرَبُ، وأمّا ثانِيًا فَلِأنَّ جَعْلَ الأجَلِ يَدْخُلُ حِينَئِذٍ تَحْتَ قُدْرَتِهِ تَعالى وتَحْتَ عِلْمِهِمْ بِخِلافِ ما إذا عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: «أوَلَمْ يَرَوْا» إلَخْ
صفحة 180
ولا يَخْفى ما فِيهِ عَلى مَنِ اسْتَدارَتْ كَرَّةً فَكَرَّةً عَلى مِحْوَرِ التَّحْقِيقِ ﴿فَأبى الظّالِمُونَ﴾ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالآياتِ وقالُوا ما قالُوا، ووَضَعَ الظّاهِرَ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ تَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِالظُّلْمِ وتَجاوُزِ الحَدِّ بِالمَرَّةِ ﴿إلا كُفُورًا﴾ أيْ: جُحُودًا.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences