Al-AlusiAl‑Kahf · 18:14–17

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-Kahf 18:14–17

18:14Page 294

وَرَبَطۡنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ إِذۡ قَامُواْ فَقَالُواْ رَبُّنَا رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ لَن نَّدۡعُوَاْ مِن دُونِهِۦٓ إِلَٰهٗاۖ لَّقَدۡ قُلۡنَآ إِذٗا شَطَطًا ١٤

And We bound [i.e., made firm] their hearts when they stood up and said, "Our Lord is the Lord of the heavens and the earth. Never will we invoke besides Him any deity. We would have certainly spoken, then, an excessive transgression.

﴿ورَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ قَوَّيْناها بِالصَّبْرِ فَلَمْ تُزَحْزِحْها عَواصِفُ فِراقِ الأوْطانِ وتَرْكِ الأهْلِ والنَّعِيمِ والإخْوانِ ولَمْ يُزْعِجْها الخَوْفُ مِن مَلِكِهِمُ الجَبّارِ ولَمْ يَرُعْها كَثْرَةُ الكُفّارِ، وأصْلُ الرَّبْطِ الشَّدُّ المَعْرُوفُ واسْتِعْمالُهُ فِيما ذُكِرَ مَجازٌ كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ. وفي الأساسِ: رَبَطْتُ الدّابَّةَ شَدَدْتُها بِرِباطِ، والمَرْبِطُ الحَبْلُ، ومِنَ المَجازِ: رَبَطَ اللَّهُ تَعالى عَلى قَلْبِهِ صَبَّرَهُ، ورابِطُ الجَأْشِ.

وفِي الكَشْفِ: لَمّا كانَ الخَوْفُ والتَّعَلُّقُ يُزْعِجُ القُلُوبَ عَنْ مَقارِّها ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ﴾ قِيلَ: في مُقابِلِهِ رَبَطَ قَلْبُهُ إذا تَمَكَّنَ وثَبَتَ وهو تَمْثِيلٌ.

وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ في الكَلامِ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ تَخْيِيلِيَّةٌ، وعُدِّيَ الفِعْلُ بِعَلى وهو مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ لِتَنْزِيلِهِ مَنزِلَةَ اللّازِمِ كَقَوْلِهِ: يَجْرَحْ في عَراقِيبِها نَصْلِي.

﴿إذْ قامُوا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِرَبَطْنا، والمُرادُ بِقِيامِهِمُ انْبِعاثُهم بِالعَزْمِ عَلى التَّوَجُّهِ إلى اللَّهِ تَعالى ومُنابَذَةِ النّاسِ كَما في قَوْلِهِمْ: قامَ فُلانٌ إلى كَذا إذا عَزَمَ عَلَيْهِ بِغايَةِ الجِدِّ، وقَرِيبٌ مِنهُ ما قِيلَ المُرادُ بِهِ انْتِصابُهم لِإظْهارِ الدِّينِ.

أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ أنَّهم خَرَجُوا مِنَ المَدِينَةِ فاجْتَمَعُوا وراءَها عَلى غَيْرِ مِيعادٍ فَقالَ رَجُلٌ مِنهُمْ: هو أشْبَهُهم إنِّي لَأجِدُ في نَفْسِي شَيْئًا ما أظُنُّ أحَدًا يَجِدُهُ قالُوا: ما تَجِدُ؟ قالَ: أجِدُ في نَفْسِي أنَّ رَبِّي رَبُّ السَّمَواتِ والأرْضِ. فَقالُوا أيْضًا: نَحْنُ كَذَلِكَ فَقامُوا جَمِيعًا ﴿فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ القَوْلُ بِاجْتِماعِهِمْ عَلى غَيْرِ مِيعادٍ أيْضًا إلّا أنَّهُ قالَ: إنَّ بَعْضَهم أخْفى حالَهُ عَنْ بَعْضٍ حَتّى تَعاهَدُوا فاجْتَمَعُوا عَلى كَلِمَةٍ فَقالُوا ذَلِكَ.

وقالَ صاحِبُ «الغَنِيّانِ» المُرادُ بِهِ وُقُوفُهم بَيْنَ يَدَيِ الجَبّارِ دِقْيانُوسَ، وذَلِكَ أنَّهم قامُوا بَيْنَ يَدَيْهِ حِينَ دَعاهم إلى عِبادَةِ الأوْثانِ فَهَدَّدَهم بِما هَدَّدَهم فَبَيْنَما هم بَيْنَ يَدَيْهِ تَحَرَّكَتْ هِرَّةٌ وقِيلَ فَأْرَةٌ فَفَزِعَ الجَبّارُ مِنها فَنَظَرَ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ فَلَمْ يَتَمالَكُوا أنْ قالُوا ذَلِكَ غَيْرَ مُكْتَرِثِينَ بِهِ، وقِيلَ: المُرادُ قِيامُهم لِدَعْوَةِ النّاسِ سِرًّا إلى الإيمانِ. وقالَ عَطاءٌ: المُرادُ قِيامُهم مِنَ النَّوْمِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، ومِثْلُهُ ما قِيلَ إنَّ المُرادَ قِيامُهم عَلى الإيمانِ، وما أحْسَنَ ما قالُوا؛ فَإنَّ رُبُوبِيَّتَهُ تَعالى لِلسَّمَواتِ والأرْضِ تَقْتَضِي رُبُوبِيَّتَهُ لِما فِيهِما وهم مِن جُمْلَتِهِ أيِ اقْتِضاءً، وأرْدَفُوا دَعْواهم تِلْكَ بِالبَراءَةِ مِن إلَهٍ غَيْرِهِ عَزَّ وجَلَّ فَقالُوا: ﴿لَنْ نَدْعُوَ مِن دُونِهِ إلَهًا﴾ وجاءُوا بِلَنْ لِأنَّ النَّفْيَ بِها أبْلَغُ مِنَ النَّفْيِ بِغَيْرِها حَتّى قِيلَ: إنَّهُ يُفِيدُ اسْتِغْراقَ الزَّمانِ فَيَكُونُ المَعْنى: لا نَعْبُدُ أبَدًا مِن دُونِهِ إلَهًا أيْ مَعْبُودًا آخَرَ لا اسْتِقْلالًا ولا اشْتِراكًا، قِيلَ: وعَدَلُوا عَنْ قَوْلِهِمْ رَبًّا إلى قَوْلِهِمْ «إلَهًا» لِلتَّنْصِيصِ عَلى رَدِّ المُخالِفِينَ حَيْثُ كانُوا يُسَمُّونَ أصْنامَهم آلِهَةً، ولِلْإشْعارِ بِأنَّ مَدارَ العِبادَةِ وصْفُ الأُلُوهِيَّةِ، ولِلْإيذانِ بِأنَّ رُبُوبِيَّتَهُ تَعالى بِطَرِيقِ الأُلُوهِيَّةِ

صفحة 219

لا بِطَرِيقِ المالِكِيَّةِ المَجازِيَّةِ.

وقَدْ يُقالُ: إنَّهم أشارُوا بِالجُمْلَةِ الأُولى إلى تَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ، وبِالجُمْلَةِ الثّانِيَةِ إلى تَوْحِيدِ الأُلُوهِيَّةِ وهُما أمْرانِ مُتَغايِرانِ، وعَبَدَةُ الأوْثانِ لا يَقُولُونَ بِهَذا ويَقُولُونَ بِالأوَّلِ؛ ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ وحَكى سُبْحانَهُ عَنْهم أنَّهم يَقُولُونَ: ﴿ما نَعْبُدُهم إلا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ وصَحَّ أنَّهم يَقُولُونَ أيْضًا: لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ إلّا شَرِيكًا هو لَكَ تَمْلِكُهُ وما مَلَكَ. وجاءُوا بِالجُمْلَةِ الأُولى مَعَ أنَّ ظاهِرَ القِصَّةِ كَوْنُهم بِصَدَدِ ما تُشِيرُ إلَيْهِ الجُمْلَةُ الثّانِيَةُ مِن تَوْحِيدِ الأُلُوهِيَّةِ لِأنَّ الظّاهِرَ أنَّ قَوْمَهم إنَّما أشْرَكُوا فِيها وهم إنَّما دُعُوا لِذَلِكَ الإشْراكِ دَلالَةً عَلى كَمالِ الإيمانِ، وابْتَدَءُوا بِما يُشِيرُ إلى تَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ لِأنَّهُ أوَّلُ مَراتِبِ التَّوْحِيدِ، والتَّوْحِيدُ الَّذِي أقَرَّتْ بِهِ الأرْواحُ في عالَمِ الذَّرِّ يَوْمَ قالَ لَها سُبْحانَهُ: ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ وفي ذِكْرِ ذَلِكَ أوَّلًا وذِكْرِ الآخَرِ بَعْدَهُ تَدَرُّجٌ في المُخالَفَةِ فَإنَّ تَوْحِيدَ الرُّبُوبِيَّةِ يُشِيرُ إلى تَوْحِيدِ الأُلُوهِيَّةِ بِناءً عَلى أنَّ اخْتِصاصَ الرُّبُوبِيَّةِ بِهِ عَزَّ وجَلَّ عِلَّةٌ لِاخْتِصاصِ الأُلُوهِيَّةِ واسْتِحْقاقِ المَعْبُودِيَّةِ بِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وقَدْ ألْزَمَ جَلَّ وعَلا الوَثَنِيَّةَ القائِلِينَ بِاخْتِصاصِ الرُّبُوبِيَّةِ بِذَلِكَ في غَيْرِ مَوْضِعٍ، ولِكَوْنِ الجُمْلَةِ الأُولى لِكَوْنِها مُشِيرَةً إلى تَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ مُشِيرَةً إلى تَوْحِيدِ الأُلُوهِيَّةِ قِيلَ: إنَّ في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ تَأْكِيدًا لَها فَتَأمَّلْ، ولا تَعْجَلْ بِالِاعْتِراضِ.

والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ النَّكِرَةِ بَعْدَهُ، ولَوْ أُخِّرَ لَكانَ صِفَةً أيْ: لَنْ نَدْعُوَ إلَهًا كائِنًا مِن دُونِهِ تَعالى ﴿لَقَدْ قُلْنا إذًا شَطَطًا﴾ أيْ: قَوْلًا ذا شَطَطٍ، أيْ بُعْدٍ عَنِ الحَقِّ مُفْرِطٍ أوْ قَوْلًا هو عَيْنُ الشَّطَطِ والبُعْدِ المُفْرِطِ عَنِ الحَقِّ عَلى أنَّهُ وصَفَ بِالمَصْدَرِ مُبالَغَةً ثُمَّ اقْتَصَرَ عَلى الوَصْفِ مُبالَغَةً عَلى مُبالَغَةٍ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ كَوْنَ «شَطَطًا» مَفْعُولًا بِهِ لِقُلْنا، وفَسَّرَهُ قَتادَةُ بِالكَذِبِ، وابْنُ زَيْدٍ بِالخَطَأِ، والسُّدِّيُّ بِالجَوْرِ، والكُلُّ تَفْسِيرٌ بِاللّازِمِ، وأصْلُ مَعْناهُ ما أشَرْنا إلَيْهِ لِأنَّهُ مِن شَطَّ إذا أفْرَطَ في البُعْدِ، وأنْشَدُوا:

شَطَّ المُرادُ بِحُزْوى وانْتَهى الأمَلُ

وفِي الكَلامِ قَسَمٌ مُقَدَّرٌ، واللّامُ واقِعَةٌ في جَوابِهِ، و«إذًا» حَرْفُ جَوابٍ وجَزاءٍ فَتَدُلُّ عَلى شَرْطٍ مُقَدَّرٍ، أيْ: لَوْ دَعَوْنا وعَبَدْنا مِن دُونِهِ إلَهًا واللَّهِ لَقَدْ قُلْنا إلَخْ، واسْتِلْزامُ العِبادَةِ القَوْلَ لِما أنَّها لا تَعْرى عَنِ الِاعْتِرافِ بِأُلُوهِيَّةِ المَعْبُودِ، والتَّضَرُّعِ إلَيْهِ، وفي هَذا القَوْلِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الفِتْيَةَ دُعُوا لِعِبادَةِ الأصْنامِ ولِيمُوا عَلى تَرْكِها، وهَذا أوْفَقُ بِكَوْنِ قِيامِهِمْ بَيْنَ يَدَيِ المَلِكِ

18:15Page 294

هَٰٓؤُلَآءِ قَوۡمُنَا ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةٗۖ لَّوۡلَا يَأۡتُونَ عَلَيۡهِم بِسُلۡطَٰنِۭ بَيِّنٖۖ فَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبٗا ١٥

These, our people, have taken besides Him deities. Why do they not bring for [worship of] them a clear evidence? And who is more unjust than one who invents about Allāh a lie?"

﴿هَؤُلاءِ﴾ هو مُبْتَدَأٌ وفي اسْمِ الإشارَةِ تَحْقِيرٌ لَهم ﴿قَوْمُنا﴾ عَطْفُ بَيانٍ لَهُ لا خَبَرٌ لِعَدَمِ إفادَتِهِ ولا صِفَةٌ لِعَدَمِ شَرْطِها، والخَبَرُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ﴾ تَعالى شَأْنُهُ ﴿آلِهَةً﴾ أيْ: عَمِلُوها ونَحَتُوها لَهم.

قالَ الخَفاجِيُّ: فَيُفِيدُ أنَّهم عَبَدُوها ولا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِهِ كَما قِيلَ بِناءً عَلى أنَّ مُجَرَّدَ العَمَلِ غَيْرُ كافٍ في المَقْصُودِ، وتَفْسِيرُ الِاتِّخاذِ بِالعَمَلِ أحَدُ احْتِمالَيْنِ ذَكَرَهُما أبُو حَيّانَ، والآخَرُ تَفْسِيرُهُ بِالتَّصْيِيرِ فَيَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ أحَدُهُما «آلِهَةً» والثّانِي مُقَدَّرٌ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ «آلِهَةً» هو الأوَّلُ و«مِن دُونِهِ» هو الثّانِي وهو كَما تَرى، وأيًّا ما كانَ فالكَلامُ إخْبارٌ فِيهِ مَعْنى الإنْكارِ لا إخْبارٌ مَحْضٌ بِقَرِينَةِ ما بَعْدَهُ، ولِأنَّ فائِدَةَ الخَبَرِ مَعْلُومَةٌ ﴿لَوْلا يَأْتُونَ﴾ تَحْضِيضٌ عَلى وجْهِ الإنْكارِ والتَّعْجِيزِ؛ إذْ يَسْتَحِيلُ أنْ يَأْتُوا ﴿عَلَيْهِمْ﴾ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ عَلى أُلُوهِيَّتِهِمْ أوْ عَلى صِحَّةِ اتِّخاذِهِمْ لَها آلِهَةً ﴿بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ﴾ بِحُجَّةٍ ظاهِرَةِ الدَّلالَةِ عَلى مُدَعّاهُمْ؛ فَإنَّ الدِّينَ لا يُؤْخَذُ إلّا بِهِ، واسْتُدِلَّ بِهِ عَلى

صفحة 220

أنَّ ما لا دَلِيلَ عَلَيْهِ مِن أمْثالِ ما ذُكِرَ مَرْدُودٌ.

﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ بِنِسْبَةِ الشَّرِيكِ إلَيْهِ تَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُ المُرادُ مِن هَذا التَّرْكِيبِ، وهَذِهِ المَقالَةُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونُوا قالُوها بَيْنَ يَدَيِ الجَبّارِ تَبْكِيتًا لَهُ وتَعْجِيزًا وتَأْكِيدًا «لِلتَّبَرِّي» مِن عِبادَةِ ما يَدْعُوهم إلَيْهِ بِأُسْلُوبٍ حَسَنٍ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونُوا قالُوها فِيما بَيْنَهم لِما عَزَمُوا عَلَيْهِ، وخَبَرُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما السّابِقُ نَصَّ في أنَّ هَذِهِ المَقالَةَ وما قَبْلَها وما بَعْدَها إلى ﴿مِرْفَقًا﴾ مَقُولَةٌ فِيما بَيْنَهُمْ، ودَعْوى أنَّهُ إذا كانَ المُرادُ مِنَ القِيامِ فِيما مَرَّ قِيامَهم بَيْنَ يَدَيِ الجَبّارِ يَتَعَيَّنُ كَوْنُ هَذِهِ المَقالَةِ صادِرَةً عَنْهم بَعْدَ خُرُوجِهِمْ مِن عِنْدِهِ غَيْرَ مُسَلَّمَةٍ كَما لا يَخْفى، نَعَمْ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ

18:16Page 295

وَإِذِ ٱعۡتَزَلۡتُمُوهُمۡ وَمَا يَعۡبُدُونَ إِلَّا ٱللَّهَ فَأۡوُۥٓاْ إِلَى ٱلۡكَهۡفِ يَنشُرۡ لَكُمۡ رَبُّكُم مِّن رَّحۡمَتِهِۦ وَيُهَيِّئۡ لَكُم مِّنۡ أَمۡرِكُم مِّرۡفَقٗا ١٦

[The youths said to one another], "And when you have withdrawn from them and that which they worship other than Allāh, retreat to the cave. Your Lord will spread out for you of His mercy and will prepare for you from your affair facility."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذِ اعْتَزَلْتُمُوهم وما يَعْبُدُونَ إلا اللَّهَ﴾ مَقُولًا فِيما بَيْنَهم مُطْلَقًا خاطَبَ بِهِ بَعْضُهم بَعْضًا. وفي مَجْمَعِ البَيانِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ قائِلَهُ يَمْلِيخا، والِاعْتِزالُ تَجَنُّبُ الشَّيْءِ بِالبَدَنِ أوْ بِالقَلْبِ وكِلا الأمْرَيْنِ مُحْتَمَلٌ هُنا، والتَّعَزُّلُ بِمَعْناهُ ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ:

يا بَيْتَ عاتِكَةَ الَّذِي أتَعَزَّلُ حَذَرَ العِدا وبِهِ الفُؤادُ مُوَكَّلُ

و«ما» يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً وأنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، والعَطْفُ في الِاحْتِمالَيْنِ عَلى الضَّمِيرِ المَنصُوبِ، والظّاهِرُ أنَّ الِاسْتِثْناءَ فِيهِما مُتَّصِلٌ، ويُقَدَّرُ عَلى الِاحْتِمالِ الثّانِي مُضافٌ في جانِبِ المُسْتَثْنى لِيَتَأتّى الِاتِّصالُ أيْ وإذِ اعْتَزَلْتُمُوهم واعْتَزَلْتُمُ الَّذِينَ يَعْبُدُونَهم إلّا اللَّهَ تَعالى أوْ إذا اعْتَزَلْتُمُوهم واعْتَزَلْتُمْ عِبادَتَهم إلّا عِبادَةَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وتَقْدِيرُ مُسْتَثْنًى مِنهُ عَلى ذَلِكَ الِاحْتِمالِ لِذَلِكَ نَحْوَ عِبادَتِهِمْ لِمَعْبُودِيهِمْ تَكَلُّفٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُنْقَطِعًا، وعَلى الأوَّلِ يَكُونُ القَوْمُ عابِدِينَ اللَّهَ تَعالى وعابِدِينَ غَيْرَهُ كَما جاءَ ذَلِكَ في بَعْضِ الآثارِ.

أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو نُعَيْمٍ عَنْ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ أنَّهُ قالَ: كانَ قَوْمُ الفِتْيَةِ يَعْبُدُونَ اللَّهَ تَعالى ويَعْبُدُونَ مَعَهُ آلِهَةً شَتّى، فاعْتَزَلَتِ الفِتْيَةُ عِبادَةَ تِلْكَ الآلِهَةِ ولَمْ تَعْتَزِلْ عِبادَةَ اللَّهِ تَعالى.

وعَلى الثّانِي يَكُونُونَ عابِدِينَ غَيْرَهُ تَعالى فَقَطْ، قِيلَ: وهَذا هو الأوْفَقُ بِقَوْلِهِ تَعالى أوَّلًا: ﴿هَؤُلاءِ قَوْمُنا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً﴾ فَتَأمَّلْ.

وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ ما نافِيَةً، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ والجُمْلَةُ إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَنِ الفِتْيَةِ بِالتَّوْحِيدِ مُعْتَرِضَةً بَيْنَ إذْ وجَوابِهِ أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَأْوُوا﴾ أيِ التَجِئُوا ﴿إلى الكَهْفِ﴾ ووُجِّهَ الِاعْتِراضُ عَلى ما في الكَشْفِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وإذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ﴾ فَأوَوْا مَعْناهُ وإذا اجْتَنَبْتُمْ عَنْهم وعَمّا يَعْبُدُونَ فَأخْلِصُوا لَهُ العِبادَةَ في مَوْضِعٍ تَتَمَكَّنُونَ مِنهُ فَدَلَّ الِاعْتِراضُ عَلى أنَّهم كانُوا صادِقِينَ، وأنَّهم أقامُوا بِما وصّى بِهِ بَعْضُهم بَعْضًا فَهو يُؤَكِّدُ مَضْمُونَ الجُمْلَةِ. وإلى كَوْنِ ﴿فَأْوُوا﴾ جَوابٌ؛ إذْ ذَهَبَ الفَرّاءُ وقِيلَ: إنَّهُ دَلِيلُ الجَوابِ أيْ: وإذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمُ اعْتِزالًا اعْتِقادِيًّا فاعْتَزِلُوهُمُ اعْتِزالًا جُسْمانِيًّا أوْ إذا أرَدْتُمُ الِاعْتِزالَ الجُسْمانِيَّ فافْعَلُوا ذَلِكَ. واعْتُرِضَ كِلا القَوْلَيْنِ بِأنَّ إذْ بِدُونِ ما لا تَكُونُ لِلشَّرْطِ، وفي هُمَعِ الهَوامِعِ أنَّ القَوْلَ بِأنَّها تَكُونُ لَهُ قَوْلٌ ضَعِيفٌ لِبَعْضِ النُّحاةِ أوْ تَسامَحٌ لِأنَّها بِمَعْناهُ فَهي هُنا تَعْلِيلِيَّةٌ أوْ ظَرْفِيَّةٌ، وتَعَلُّقُها قِيلَ: بِ «أُووُا» مَحْذُوفًا دَلَّ عَلَيْهِ المَذْكُورُ لا بِهِ لِمَكانِ الفاءِ أوْ بِالمَذْكُورِ والظَّرْفُ يُتَوَسَّعُ فِيهِ ما لا يُتَوَسَّعُ في غَيْرِهِ، وقالَ أبُو البَقاءِ: إذْ ظَرْفٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: وقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ، وظاهِرُهُ أنَّهُ عَنى بِالفِعْلِ المَحْذُوفِ قالَ وأقُولُ: هو مِن أعْجَبِ العَجائِبِ. وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ كَما أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ: «وما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ» وقالَ هارُونُ: في بَعْضِ المَصاحِفِ: «وما يَعْبُدُونَ مِن دُونِنا» وهَذا

صفحة 221

يُؤَيِّدُ الِاعْتِراضَ، وفي البَحْرِ أنَّ ما في المُصْحَفَيْنِ تَفْسِيرٌ لا قِراءَةٌ لِمُخالَفَتِهِ سَوادَ الإمامِ. وزَعَمَ أنَّ المُتَواتِرَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ما فِيهِ.

﴿يَنْشُرْ لَكُمْ﴾ يَبْسُطْ لَكم ويُوَسِّعْ عَلَيْكم ﴿رَبُّكُمْ﴾ مالِكُ أمْرِكُمُ الَّذِي هَداكم لِلْإيمانِ ﴿مِن رَحْمَتِهِ﴾ في الدّارَيْنِ ﴿ويُهَيِّئْ﴾ يُسَهِّلُ ﴿لَكم مِن أمْرِكُمْ﴾ الَّذِي أنْتُمْ بِصَدَدِهِ مِنَ الفِرارِ بِالدِّينِ والتَّوَجُّهِ التّامِّ إلى اللَّهِ تَعالى ﴿مِرْفَقًا﴾ ما تَرْتَفِقُونَ وتَنْتَفِعُونَ بِهِ، وهو مَفْعُولُ ( يُهَيِّئْ ) ومَفْعُولُ ﴿يَنْشُرْ﴾ مَحْذُوفٌ، أيِ الخَيْرَ ونَحْوَهُ ﴿مِن أمْرِكُمْ﴾ عَلى ما في بَعْضِ الحَواشِي مُتَعَلِّقٌ بِ «يُهَيِّئْ» ومِن لِابْتِداءِ الغايَةِ أوْ لِلتَّبْعِيضِ، وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: لِلْبَدَلِ والمَعْنى يُهَيِّئْ لَكم بَدَلًا عَنْ أمْرِكُمُ الصَّعْبِ مِرْفَقًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أرَضِيتُمْ بِالحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الآخِرَةِ﴾ وقَوْلِهِ:

فَلَيْتَ لَنا مِن ماءِ زَمْزَمَ شَرْبَةً ∗∗∗ مُبَرَّدَةً باتَتْ عَلى طَهَيانِ

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِن ﴿مِرْفَقًا﴾ فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، وتَقْدِيمُ ( لَكم ) لِما مَرَّ مِرارًا مِنَ الإيذانِ مِن أوَّلِ الأمْرِ بِكَوْنِ المُؤَخَّرِ مِن مَنافِعِهِمْ والتَّشْوِيقِ إلى وُرُودِهِ، والظّاهِرُ أنَّهم قالُوا هَذا ثِقَةً بِفَضْلِ اللَّهِ تَعالى وقُوَّةً في رَجائِهِمْ لِتَوَكُّلِهِمْ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ ونُصُوعِ يَقِينِهِمْ فَقَدْ كانُوا عُلَماءَ بِاللَّهِ تَعالى.

فَقَدْ أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ المُنْذِرِ وجَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما بَعَثَ اللَّهُ تَعالى نَبِيًّا إلّا وهو شابٌّ، ولا أُوتِيَ العِلْمَ عالِمٌ إلّا وهو شابٌّ وقَرَأ: ﴿قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهم يُقالُ لَهُ إبْراهِيمُ﴾ ﴿وإذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ﴾ و﴿إنَّهم فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ﴾ وجُوِّزَ أنْ يَكُونُوا قالُوهُ عَنْ إخْبارِ نَبِيٍّ في عَصْرِهِمْ بِهِ وأنْ يَكُونَ بَعْضُهم نَبِيًّا أُوحِيَ إلَيْهِ ذَلِكَ فَقالَهُ، ولا يَخْفى أنَّ ما ذُكِرَ مُجَرَّدُ احْتِمالٍ مِن غَيْرِ داعٍ.

وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ والأعْرَجُ وشَيْبَةُ وحُمَيْدٌ وابْنُ سَعْدانَ ونافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ في رِوايَةِ الأعْشى والبَرْجَمِيُّ والجَعْفِيُّ عَنْهُ وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ هارُونَ: «مَرْفِقًا» بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ الفاءِ ولا فَرْقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما هو بِكَسْرِ المِيمِ وفَتْحِ الفاءِ مَعْنًى عَلى ما حَكاهُ الزَّجّاجُ وثَعْلَبٌ فَإنَّ كُلًّا مِنهُما يُقالُ في الأمْرِ الَّذِي يُرْتَفَقُ بِهِ وفي الجارِحَةِ، ونَقَلَ مَكِّيٌّ عَنِ الفَرّاءِ أنَّهُ قالَ: لا أعْرِفُ في الأمْرِ وفي اليَدِ وفي كُلِّ شَيْءٍ إلّا كَسْرَ المِيمِ، وأنْكَرَ الكِسائِيُّ أنْ يَكُونَ المَرْفِقُ مِنَ الجارِحَةِ إلّا بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ الفاءِ وخالَفَهُ أبُو حاتِمٍ وقالَ: المَرْفِقُ بِفَتْحِ المِيمِ المَوْضِعُ كالمَسْجِدِ، وقالَ أبُو زَيْدٍ: هو مَصْدَرٌ جاءَ عَلى مَفْعِلٍ كالمَرْجِعِ، وقِيلَ: هُما لُغَتانِ فِيما يُرْتَفَقُ بِهِ، وأمّا مِنَ اليَدِ فَبِكَسْرِ المِيمِ وفَتْحِ الفاءِ لا غَيْرُ، وعَنِ الفَرّاءِ أنَّ أهْلَ الحِجازِ يَقُولُونَ: «مَرْفِقًا» بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ الفاءِ فِيما ارْتَفَقْتَ بِهِ ويَكْسِرُونَ مِرْفَقَ الإنْسانِ، وأمّا العَرَبُ فَقَدْ يَكْسِرُونَ المِيمَ مِنهُما جَمِيعًا اه. وأجازَ مُعاذٌ فَتْحَ المِيمِ والفاءِ، هَذا واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى حُسْنِ الهِجْرَةِ لِسَلامَةِ الدِّينِ وقُبْحِ المَقامِ في دارِ الكُفْرِ إذا لَمْ يُمْكِنِ المَقامُ فِيها إلّا بِإظْهارِ كَلِمَةِ الكُفْرِ وبِاللَّهِ تَعالى التَّوْفِيقُ.

18:17Page 295

۞ وَتَرَى ٱلشَّمۡسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَٰوَرُ عَن كَهۡفِهِمۡ ذَاتَ ٱلۡيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقۡرِضُهُمۡ ذَاتَ ٱلشِّمَالِ وَهُمۡ فِي فَجۡوَةٖ مِّنۡهُۚ ذَٰلِكَ مِنۡ ءَايَٰتِ ٱللَّهِۗ مَن يَهۡدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلۡمُهۡتَدِۖ وَمَن يُضۡلِلۡ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ وَلِيّٗا مُّرۡشِدٗا ١٧

And [had you been present], you would see the sun when it rose, inclining away from their cave on the right, and when it set, passing away from them on the left, while they were [lying] within an open space thereof. That was from the signs of Allāh. He whom Allāh guides is the [rightly] guided, but he whom He sends astray - never will you find for him a protecting guide.

﴿وتَرى الشَّمْسَ﴾ بَيانٌ لِحالِهِمْ بَعْدَ ما أوَوْا إلى الكَهْفِ ولَمْ يُصَرِّحْ سُبْحانَهُ بِهِ تَعْوِيلًا عَلى ما سَبَقَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ أوى الفِتْيَةُ إلى الكَهْفِ﴾ وما لَحِقَ مِن إضافَةِ الكَهْفِ إلَيْهِمْ وكَوْنِهِمْ في فَجْوَةٍ مِنهُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ إيذانًا بِعَدَمِ الحاجَةِ إلى التَّصْرِيحِ لِظُهُورِ جَرَيانِهِمْ عَلى مُوجِبِ الأمْرِ لِكَوْنِهِ صادِرًا عَنْ رَأْيٍ صائِبٍ وقَدْ حَذَفَ سُبْحانَهُ وتَعالى أيْضًا جُمَلًا أُخْرى لا تَخْفى، والخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أوْ لِكُلِّ أحَدٍ مِمَّنْ يَصْلُحُ لَهُ وهو لِلْمُبالَغَةِ في الظُّهُورِ ولَيْسَ المُرادُ الإخْبارَ بِوُقُوعِ الرُّؤْيَةِ بَلِ الإنْباءُ بِكَوْنِ الكَهْفِ لَوْ رَأيْتَهُ تَرى الشَّمْسَ ﴿إذا طَلَعَتْ تَزاوَرُ﴾

صفحة 222

أيْ: تَتَنَحّى وأصْلُهُ تَتَزاوَرُ بِتاءَيْنِ فَحَذَفَ أحَدَهُما تَخْفِيفًا وهي قِراءَةُ الكُوفِيِّينَ الأعْمَشِ وطَلْحَةَ وابْنِ أبِي لَيْلى وخَلَفٍ وابْنِ سَعْدانَ وأبِي عُبَيْدَةَ وأحْمَدَ بْنِ جُبَيْرٍ الأنْطاكِيِّ ومُحَمَّدِ بْنِ عِيسى الأصْبَهانِيِّ، وقَرَأ الحَرَمِيّانِ وأبُو عَمْرٍو: «تَزّاوَرُ» بِفَتْحِ التّاءِ وتَشْدِيدِ الزّايِ، وأصْلُهُ أيْضًا تَتَزاوَرُ إلّا أنَّهُ أُدْغِمَتِ التّاءُ في الزّايِ بَعْدَ قَلْبِها زايًا، وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ وابْنُ عامِرٍ وقَتادَةُ وحُمَيْدٌ ويَعْقُوبُ عَنِ العُمَرِيِّ: «تَزْوَرُّ» كَ «تَحْمَرُّ» وهو مِن بِناءِ الأفْعالِ مِن غَيْرِ العُيُوبِ والألْوانِ، وقَدْ جاءَ ذَلِكَ نادِرًا وقَرَأ جابِرٌ والجَحْدَرِيُّ وأبُو رَجاءٍ والسِّخْتِيانِيُّ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ ووَرْدانُ عَنْ أبِي أيُّوبَ: «تَزْوارُّ» كَ «تَحْمارُّ» وهو في البِناءِ كَسابِقِهِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو المُتَوَكِّلِ «تَزْوَئِرُّ» بِهَمْزَةٍ قَبْلَ الرّاءِ المُشَدَّدَةِ كَ «تَطْمَئِنُّ»، ولَعَلَّهُ إنَّما جِيءَ بِالهَمْزَةِ فِرارًا مِنَ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ وإنْ كانَ جائِزًا في مِثْلِ ذَلِكَ مِمّا كانَ الأوَّلُ حَرْفَ مَدٍّ والثّانِي مُدْغَمًا في مِثْلِهِ وكُلُّها مِنَ الزَّوَرِ بِفَتْحَتَيْنِ مَعَ التَّخْفِيفِ وهو المَيْلُ، وقَيَّدَهُ بَعْضُهم بِالخُلُقِيِّ، والأكْثَرُونَ عَلى الإطْلاقِ، ومِنهُ الأزْوَرُ المائِلُ بِعَيْنِهِ إلى ناحِيَةٍ ويَكُونُ في غَيْرِ العَيْنِ قالَ ابْنُ أبِي رَبِيعَةَ:

وجَنْبِي خِيفَةَ القَوْمِ أزْوَرُ

وقالَ عَنْتَرَةُ:

فازْوَرَّ مِن وقْعِ القَنا بِلَبانِهِ ∗∗∗ وشَكا إلَيَّ بِعَبْرَةٍ وتَحَمْحُمِ

وقالَ بِشْرُ بْنُ أبِي حازِمٍ:

تَؤُمُّ بِها الحُداةُ مِياهَ نَخْلٍ ∗∗∗ وفِيها عَنْ أبانِينَ ازْوِرارُ

ومِنهُ زارَهُ إذا مالَ إلَيْهِ، والزُّورُ أيِ الكَذِبُ لِمَيْلِهِ عَنِ الواقِعِ وعَدَمِ مُطابَقَتِهِ، وكَذا الزُّورُ بِمَعْنى الصَّنَمِ في قَوْلِهِ:

جاؤُوا بِزُورَيْهِمْ وجِئْنا بِالأصَمِّ

وقالَ الرّاغِبُ: إنَّ الزَّوَرَ بِتَحْرِيكِ الواوِ مَيْلٌ في الزَّوْرِ بِتَسْكِينِها وهو أعْلى الصَّدْرِ، والأزْوَرُ المائِلُ الزَّوْرِ أيِ الصَّدْرِ وزُرْتُ فُلانًا تَلَقَّيْتُهُ بِزَوْرِي أوْ قَصَدْتُ زَوْرَهُ نَحْوَ وجَّهْتُهُ أيْ قَصَدْتُ وجْهَهُ، والمَشْهُورُ ما قَدَّمْناهُ، وحُكِيَ عَنْ أبِي الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: لا مَعْنى لِ «تَزْوَرُّ» في الآيَةِ لِأنَّ الِازْوِرارَ الِانْقِباضُ، وهو طَعْنٌ في قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ ومَن مَعَهُ بِما يُوجِبُ تَغْيِيرَ الكُنْيَةِ، وبِالجُمْلَةِ المُرادُ: إذا طَلَعَتْ تَرُوغُ وتَمِيلُ ﴿عَنْ كَهْفِهِمْ﴾ الَّذِي آوَوْا إلَيْهِ فالإضافَةُ لِأدْنى مُلابَسَةٍ ﴿ذاتَ اليَمِينِ﴾ أيْ: جِهَةَ ذاتِ يَمِينِ الكَهْفِ عِنْدَ تَوَجُّهِ الدّاخِلِ إلى قَعْرِهِ أيْ جانِبِهِ الَّذِي يَلِي المَغْرِبَ أوْ جِهَةَ ذاتِ يَمِينِ الفِتْيَةِ ومَآلُهُ كَسابِقِهِ، وهو نَصْبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ. قالَ المُبَرِّدُ في المُقْتَضَبِ: ذاتَ اليَمِينِ وذاتَ الشِّمالِ مِنَ الظُّرُوفِ المُتَصَرِّفَةِ كَيَمِينًا وشِمالًا.

﴿وإذا غَرَبَتْ﴾ أيْ تَراها عِنْدَ غُرُوبِها ﴿تَقْرِضُهُمْ﴾ أيْ تَعْدِلُ عَنْهُمْ، قالَ الكِسائِيُّ: يُقالُ: قَرَضْتُ المَكانَ إذا عَدَلْتَ عَنْهُ ولَمْ تَقَرَّ بِهِ ﴿ذاتَ الشِّمالِ﴾ أيْ: جِهَةَ ذاتِ شَمالِ الكَهْفِ أيْ جانِبِهِ الَّذِي يَلِي المَشْرِقَ، وقالَ غَيْرُ واحِدٍ:

هُوَ مِنَ القَرْضِ بِمَعْنى القَطْعِ تَقُولُ العَرَبُ: قَرَضْتُ مَوْضِعَ كَذا أيْ قِطْعَتُهُ. قالَ ذُو الرُّمَّةِ:

إلى ظُعُنٍ يَقْرِضْنَ أقْوازَ مُشْرِفٍ ∗∗∗ شِمالًا وعَنْ أيْمانِهِنَّ الفَوارِسُ

والمُرادُ تَتَجاوَزُهم ﴿وهم في فَجْوَةٍ مِنهُ﴾ أيْ: في مُتَّسَعٍ مِنَ الكَهْفِ، وهي عَلى ما قِيلَ مِنَ الفَجا وهو تَباعُدُ ما بَيْنَ الفَخْذَيْنِ، يُقالُ: رَجُلٌ أفْجى وامْرَأةٌ فَجْواءُ، وتُجْمَعُ عَلى فِجاءٍ وفِجًا وفَجَواتٍ. وحاصِلُ الجُمْلَتَيْنِ أنَّهم كانُوا لا تُصِيبُهُمُ الشَّمْسُ أصْلًا فَتُؤْذِيهِمْ وهم في وسَطِ الكَهْفِ بِحَيْثُ يَنالُهم رُوحُ الهَواءِ، ولا يُؤْذِيهِمْ

صفحة 223

كَرْبُ الغارِ ولا حَرُّ الشَّمْسِ، وذَلِكَ لِأنَّ بابَ الكَهْفِ كَما قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمٍ وابْنُ عَطِيَّةَ كانَ في مُقابَلَةِ بَناتِ نَعْشٍ، وأقْرَبُ المَشارِقِ والمَغارِبِ إلى مُحاذاتِهِ مَشْرِقُ رَأْسِ السَّرَطانِ ومَغْرِبُهُ والشَّمْسُ إذا كانَ مَدارُها مَدارَهُ تَطْلُعُ مائِلَةً عَنْهُ مُقابِلَةً لِجانِبِهِ الأيْمَنِ، وهو الَّذِي يَلِي المَغْرِبَ، وتَغْرُبُ مُحاذِيَةً لِجانِبِهِ الأيْسَرِ فَيَقَعُ شُعاعُها عَلى جَنْبِهِ، وتُحَلِّلُ عُفُونَتَهُ وتَعْدِلُ هَواهُ ولًَا تَقَعُ عَلَيْهِمْ فَتُؤْذِيَ أجْسادَهم وتُبْلِي ثِيابَهُمْ، ولَعَلَّ مَيْلَ البابِ إلى جانِبِ المَغْرِبِ كانَ أكْثَرَ ولِذَلِكَ وقَعَ التَّزاوُرُ عَلى كَهْفِهِمْ والقَرْضُ عَلى أنْفُسِهِمْ وقالَ الزَّجّاجُ: لَيْسَ ذَلِكَ لِما ذُكِرَ بَلْ لِمَحْضِ صَرْفِ اللَّهِ تَعالى الشَّمْسَ بِيَدِ قُدْرَتِهِ عَنْ أنْ تُصِيبَهم عَلى مِنهاجِ خَرْقِ العادَةِ كَرامَةً لَهُمْ، وجِيءَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهم في فَجْوَةٍ مِنهُ﴾ حالًا مُبَيِّنَةً لِكَوْنِ ما ذُكِرَ أمْرًا بَدِيعًا كَأنَّهُ قِيلَ: تَرى الشَّمْسَ تَمِيلُ عَنْهم يَمِينًا وشِمالًا ولا تَحُومُ حَوْلَهم مَعَ كَوْنِهِمْ في مُتَّسَعٍ مِنَ الكَهْفِ مُعَرَّضٌ لِإصابَتِها لَوْلا أنْ كَفَّها عَنْهم كَفُّ التَّقْدِيرِ، واحْتُجَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ مِن آياتِ اللَّهِ﴾ حَيْثُ جُعِلَ ( ذَلِكَ ) إشارَةً إلى ما ذُكِرَ مِنَ التَّزاوُرِ والقَرْضِ في الطُّلُوعِ والغُرُوبِ يَمِينًا وشِمالًا، ولا يَظْهَرُ كَوْنُهُ آيَةً عَلى القَوْلِ السّابِقِ ظُهُورُهُ عَلى قَوْلِهِ؛ فَإنَّ كَوْنَهُ آيَةً دالَّةً عَلى كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وحَقِّيَّةِ التَّوْحِيدِ وكَرامَةِ أهْلِهِ عِنْدَهُ سُبْحانَهُ عَلى هَذا أظْهَرُ مِنَ الشَّمْسِ في رابِعَةِ النَّهارِ.

وكانَ ذَلِكَ قَبْلَ سَدِّ بابِ الكَهْفِ عَلى ما قِيلَ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ: مَعْنى تَقْرِضُهم تُعْطِيهِمْ مِن ضَوْئِها شَيْئًا ثُمَّ تَزُولُ سَرِيعًا وتَسْتَرِدُّ ضَوْءَها فَهو كالقَرْضِ يَسْتَرِدُّهُ صاحِبُهُ، وحاصِلُ الجُمْلَتَيْنِ عِنْدَهُ أنَّ الشَّمْسَ تَمِيلُ بِالغَدْوَةِ عَنْ كَهْفِهِمْ وتُصِيبُهم بِالعَشِيِّ إصابَةً خَفِيفَةً، ورُدَّ بِأنَّهُ لَمْ يُسْمَعْ لِلْقَرْضِ بِهَذا المَعْنى فِعْلٌ ثُلاثِيٌّ لِيُفْتَحَ حَرْفُ المُضارَعَةِ، واخْتارَ بَعْضُهم كَوْنَ المُرادِ ما ذُكِرَ إلّا أنَّهُ جَعَلَ تَقْرِضُهم مِنَ القَرْضِ لَهُمْ، وأنَّ المَعْنى: وإذا غَرَبَتْ تَقْطَعُ لَهم مِن ضَوْئِها شَيْئًا، والسَّبَبُ لِاخْتِيارِهِ ذَلِكَ تَوَهُّمُهُ أنَّ الشَّمْسَ لَوْ لَمْ تُصِبْ مَكانَهم أصْلًا لَفَسَدَ هَواؤُهُ وتَعَفَّنَ ما فِيهِ فَيَصِيرُ ذَلِكَ سَبَبًا لِهَلاكِهِمْ وفِيهِ ما فِيهِ، وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّهم لَمْ تُصِبْهُمُ الشَّمْسُ أصْلًا، وإنِ اخْتَلَفُوا في مَنشَأِ ذَلِكَ.

واخْتارَ جَمْعٌ أنَّهُ لِمَحْضِ حَجْبِ اللَّهِ تَعالى الشَّمْسَ عَلى خِلافِ ما جَرَتْ بِهِ العادَةُ قالُوا: والإشارَةُ تُؤَيِّدُ ذَلِكَ أتَمَّ تَأْيِيدٍ، والِاسْتِبْعادُ مِمّا لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ لا سِيَّما فِيما نَحْنُ فِيهِ؛ فَإنَّ شَأْنَ أصْحابِ الكَهْفِ كُلِّهِ عَلى خِلافِ العادَةِ.

وبَعْضُ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ المَنشَأ كَوْنُ بابِ الكَهْفِ في مُقابَلَةِ بَناتِ نَعْشٍ جَعَلَ ذَلِكَ إشارَةً إلى إيوائِهِمْ إلى كَهْفٍ هَذا شَأْنُهُ، وبَعْضٌ آخَرُ جَعَلَهُ إشارَةً إلى حِفْظِ اللَّهِ تَعالى إيّاهم في ذَلِكَ الكَهْفِ المُدَّةَ الطَّوِيلَةَ، وآخَرُ جَعْلَهُ إشارَةً إلى إطْلاعِهِ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ ﷺ عَلى أخْبارِهِمْ. واعْتُرِضَ عَلى الأخِيرَيْنِ بِأنَّهُ لا يُساعِدُهُما إيرادُ ذَلِكَ في تَضاعِيفِ القِصَّةِ، وجَعَلَهُ بَعْضُهم إشارَةً إلى هِدايَتِهِمْ إلى التَّوْحِيدِ ومُخالَفَتِهِمْ قَوْمَهم وآباءَهم وعَدَمِ الِاكْتِراثِ بِهِمْ وبِمَلِكِهِمْ مَعَ حَداثَتِهِمْ وإيوائِهِمْ إلى كَهْفٍ شَأْنُهُ ذَلِكَ، ولا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ، وإلَيْهِ أمِيلُ. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

وقُرِئَ: «يَقْرِضُهُمْ» بِالياءِ آخِرِ الحُرُوفِ ولَعَلَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ عَلى غُرُوبِ الشَّمْسِ.

وقالَ أبُو حَيّانَ: أيْ: يَقْرِضُهُمُ الكَهْفُ.

﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ﴾ مِن يَدُلُّهُ سُبْحانَهُ دَلالَةً مَوْصُولَةً إلى الحَقِّ ويُوَفِّقُهُ لِما يُحِبُّهُ ويَرْضاهُ ﴿فَهُوَ المُهْتَدِ﴾ الفائِزُ بِالحَظِّ الأوْفَرِ في الدّارَيْنِ، والمُرادُ إمّا الثَّناءُ عَلى أصْحابِ الكَهْفِ والشَّهادَةُ لَهم بِإصابَةِ المَطْلُوبِ والإخْبارُ بِتَحَقُّقِ ما أمْلَوْهُ مِن نَشْرِ الرَّحْمَةِ وتَهْيِئَةِ المِرْفَقِ أوِ التَّنْبِيهِ عَلى أنَّ

صفحة 224

أمْثالَ هَذِهِ الآياتِ كَثِيرَةٌ ولَكِنَّ المُشَفَّعَ بِها مَن وفَّقَهُ اللَّهُ تَعالى لِلتَّأمُّلِ فِيها والِاسْتِبْصارِ بِها، فالمُرادُ بِمَن إمّا الفِتْيَةُ أوْ ما يَعُمُّهم وغَيْرَهُمْ، وفِيهِ ثَناءٌ عَلَيْهِمْ أيْضًا وهو كَما تَرى.

وجَعَلَهُ بَعْضُهم ثَناءً عَلى اللَّهِ تَعالى لِمُناسَبَةِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وزِدْناهم هُدًى﴾ ورَبَطْنا ومُلاءَمَةِ قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ومَن يُضْلِلْ﴾ يَخْلُقْ فِيهِ الضَّلالَ لِصَرْفِ اخْتِيارِهِ إلَيْهِ ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ﴾ أبَدًا وإنْ بالَغْتَ في التَّتَبُّعِ والِاسْتِقْصاءِ ﴿ولِيًّا﴾ ناصِرًا ﴿مُرْشِدًا﴾ يَهْدِيهِ إلى الحَقِّ ويُخَلِّصُهُ مِنَ الضَّلالِ لِاسْتِحالَةِ وجُودِهِ في نَفْسِهِ لا أنَّكَ لا تَجِدُهُ مَعَ وُجُودِهِ أوْ إمْكانِهِ إذْ لَوْ أُرِيدَ مَدْحُهم لاكْتَفى بِقَوْلِهِ تَعالى: «فَهُوَ المُهْتَدِ» وفِيهِ أنَّهُ لا يُطابِقُ المُقامَ، والمُقابَلَةُ لا تُنافِي المَدْحَ بَلْ تُؤَكِّدُهُ فَفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّهم أهْلُ الوِلايَةِ والرَّشادِ؛ لِأنَّ لَهُمُ الوَلِيَّ المُرْشِدَ، ولَعَلَّ في الآيَةِ صَنْعَةَ الِاحْتِباكِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском