Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
الكهف
Al-Kahf
The Cave · Meccan · 110 ayahs
18:1Page 293
ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ عَلَىٰ عَبۡدِهِ ٱلۡكِتَٰبَ وَلَمۡ يَجۡعَل لَّهُۥ عِوَجَاۜ ١
[All] praise is [due] to Allāh, who has sent down upon His Servant [Muḥammad (ﷺ)] the Book and has not made therein any deviance.1
سُورَةُ الكَهْفِ 18
ويُقالُ: سُورَةُ أصْحابِ الكَهْفِ كَما في حَدِيثٍ أخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، ورَوى البَيْهَقِيُّ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا أنَّها تُدْعى في التَّوْراةِ الحائِلَةَ تَحُولُ بَيْنَ قارِئِها وبَيْنَ النّارِ إلّا أنَّهُ قالَ: إنَّهُ مُنْكَرٌ وهي مَكِّيَّةٌ كُلُّها في المَشْهُورِ واخْتارَهُ الدّابِّيُّ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وعَدَّها بَعْضُهم مِنَ السُّوَرِ الَّتِي نَزَلَتْ جُمْلَةً لِما أخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ في مُسْنَدِ الفِرْدَوْسِ عَنْ أنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «نَزَلَتْ سُورَةُ الكَهْفِ جُمْلَةً مَعَها سَبْعُونَ ألْفًا مِنَ المَلائِكَةِ».
وفِي رِوايَةٍ أُخْرى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها مَكِّيَّةٌ إلّا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿واصْبِرْ نَفْسَكَ﴾ الآيَةَ فَمَدَنِيٌّ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ قَتادَةَ، وقالَ مُقاتِلٌ: هي مَكِّيَّةٌ إلّا أوَّلَها إلى ﴿جُرُزًا﴾ وقَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلى آخِرِها فَمَدَنِيٌّ، وهي مِائَةٌ وإحْدى عَشْرَةَ آيَةً عِنْدَ البَصْرِيِّينَ ومِائَةٌ وعَشَرَةٌ عِنْدَ الكُوفِيِّينَ، ومِائَةٌ وسِتٌّ عِنْدَ الشّامِيِّينَ، ومِائَةٌ وخَمْسٌ عِنْدَ الحِجازِيِّينَ، ووَجْهُ مُناسَبَةِ وضْعِها بَعْدَ الإسْراءِ عَلى ما قِيلَ افْتِتاحُ تِلْكَ بِالتَّسْبِيحِ وهَذِهِ بِالتَّحْمِيدِ، وهُما مُقْتَرِنانِ في المِيزانِ وسائِرِ الكَلامِ نَحْوَ: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ فَسُبْحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ، وأيْضًا تَشابُهُ اخْتِتامِ تِلْكَ وافْتِتاحِ هَذِهِ، فَإنَّ في كُلٍّ مِنهُما حَمْدًا، نَعَمْ فُرِّقَ بَيْنَهُما بِأنَّ الحَمْدَ الأوَّلَ ظاهِرٌ في الحَمْدِ الذّاتِيِّ والحَمْدَ المُفْتَتَحَ بِهِ في هَذِهِ يَدُلُّ عَلى الِاسْتِحْقاقِ الغَيْرِ الذّاتِيِّ، وقالَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ في ذَلِكَ: إنَّ اليَهُودَ أمَرُوا المُشْرِكِينَ أنْ يَسْألُوا النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ثَلاثَةِ أشْياءَ: عَنِ الرُّوحِ وعَنْ قِصَّةِ أصْحابِ الكَهْفِ وعَنْ قِصَّةِ ذِي القَرْنَيْنِ، وقَدْ ذُكِرَ جَوابُ السُّؤالِ الأوَّلِ في آخِرِ السُّورَةِ الأُولى وجَوابُ السُّؤالَيْنِ الآخَرَيْنِ في هَذِهِ فَناسَبَ اتِّصالُهُما، ولَمْ تُجْمَعِ الأجْوِبَةُ الثَّلاثَةُ في سُورَةٍ لِأنَّهُ لَمْ يَقَعِ الجَوابُ عَنِ الأوَّلِ بِالبَيانِ فَناسَبَ أنْ يُذْكَرَ وحْدَهُ في سُورَةٍ، واخْتِيرَتْ سُورَةُ الإسْراءِ لِما بَيْنَ الرُّوحِ وبَيْنَ الإسْراءِ مِنَ المُشارَكَةِ بِأنَّ كُلًّا مِنهُما مِمّا لا يَكادُ تَصِلُ إلى حَقِيقَتِهِ العُقُولُ، وقِيلَ: إنَّما ذُكِرَ هُناكَ لَمّا أنَّ الإسْراءَ مُتَضَمِّنٌ العُرُوجَ إلى المَحَلِّ الأرْفَعِ، والرُّوحُ مُتَّصِفَةٌ بِالهُبُوطِ مِن ذَلِكَ المَحَلِّ، ولِذا قالَ ابْنُ سِينا فِيها:
هَبَطَتْ إلَيْكَ مِنَ المَحَلِّ الأرْفَعِ ورْقاءَ ذاتَ تَعَزُّزٍ وتَمَنُّعِ
ثُمَّ قالَ: ظَهَرَ لِي وجْهٌ آخَرُ وهو أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ في تِلْكَ: ﴿وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلا قَلِيلا﴾ والخِطابُ لِلْيَهُودِ اسْتَظْهَرَ عَلى ذَلِكَ بِقِصَّةِ مُوسى نَبِيِّ بَنِي إسْرائِيلَ مَعَ الخَضِرِ عَلَيْهِما السَّلامُ الَّتِي كانَ سَبَبُها ذِكْرَ العِلْمِ والأعْلَمِ وما دَلَّتْ عَلَيْهِ مِن كَثْرَةِ مَعْلُوماتِ اللَّهِ تَعالى الَّتِي لا تُحْصى، فَكانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ كَإقامَةِ الدَّلِيلِ لِما ذُكِرَ مِنَ الحُكْمِ في تِلْكَ السُّورَةِ.
وقَدْ ورَدَ في الحَدِيثِ أنَّهُ لَمّا نَزَلَ: ﴿وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلا قَلِيلا﴾ قالَتِ اليَهُودُ: قَدْ أُوتِينا التَّوْراةَ فِيها عِلْمُ كُلِّ شَيْءٍ فَنَزَلَ: ﴿قُلْ لَوْ كانَ البَحْرُ مِدادًا لِكَلِماتِ رَبِّي﴾ الآيَةَ. فَتَكُونُ هَذِهِ السُّورَةُ مِن هَذِهِ الجِهَةِ جَوابًا عَنْ شُبْهَةِ الخُصُومِ فِيما قُرِّرَ في تِلْكَ، وأيْضًا لَمّا قالَ سُبْحانَهُ هُناكَ: ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ جِئْنا بِكم لَفِيفًا﴾ شَرَحَ ذَلِكَ هُنا وبَسَطَهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكّاءَ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ فَجَمَعْناهم جَمْعًا﴾ ﴿وعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضًا﴾ اه، ولِلْمُناسَبَةِ أوْجُهٌ أُخَرُ تَظْهَرُ بِأدْنى تَأمُّلٍ، وأمّا فَضْلُها فَمَشْهُورٌ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: «مَن قَرَأ سُورَةَ الكَهْفِ في يَوْمِ الجُمْعَةِ سَطَعَ لَهُ نُورٌ مِن تَحْتِ
صفحة 200
قَدَمِهِ إلى عَنانِ السَّماءِ يُضِيءُ لَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وغُفِرَ لَهُ ما بَيْنَ الجُمْعَتَيْنِ».
ورَوى غَيْرُ واحِدٍ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ: «مَن قَرَأ سُورَةَ الكَهْفِ في يَوْمِ الجُمْعَةِ أضاءَ لَهُ مِنَ النُّورِ ما بَيْنَهُ وبَيْنَ البَيْتِ العَتِيقِ».
وكانَ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما كَما أخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ والبَيْهَقِيُّ عَنْ أُمِّ مُوسى يَقْرَؤُها كُلَّ لَيْلَةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ مَرْفُوعًا: «البَيْتُ الَّذِي تُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ الكَهْفِ لا يَدْخُلُهُ شَيْطانٌ تِلْكَ اللَّيْلَةَ وإلى سُنِّيَّةِ قِراءَتِها يَوْمَ الجُمْعَةِ وكَذا لَيْلَتَها ذَهَبَ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ الأئِمَّةِ وقالُوا بِنَدْبِ تَكْرارِ قِراءَتِها».
وأخْرَجَ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ حِبّانَ وجَماعَةٌ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ««مَن حَفِظَ عَشْرَ آياتٍ مِن أوَّلِ سُورَةِ الكَهْفِ عُصِمَ مِن فِتْنَةِ الدَّجّالِ»».
وفِي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ رَواها أحْمَدُ ومُسْلِمٌ والنَّسائِيُّ وابْنُ حِبّانَ أيْضًا قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن قَرَأ العَشْرَ الأواخِرَ مِن سُورَةِ الكَهْفِ عُصِمَ مِن فِتْنَةِ الدَّجّالِ»».
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ عَنْهُ مَرْفُوعًا: ««أنَّ مَن قَرَأ ثَلاثَ آياتٍ مِن أوَّلِ الكَهْفِ عُصِمَ»». إلَخْ.
وجاءَ في حَدِيثٍ أخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها مَرْفُوعًا: ««أنَّ مَن قَرَأ الخَمْسَ الأواخِرَ مِنها عِنْدَ نَوْمِهِ بَعَثَهُ اللَّهُ تَعالى أيَّ اللَّيْلِ شاءَ».» وقَدْ جَرَّبْتُ ذَلِكَ مِرارًا فَلْيُحْفَظْ. واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ.
﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ﴾ مُحَمَّدٍ ﷺ ﴿الكِتابَ﴾ الكامِلَ الغَنِيَّ عَنِ الوَصْفِ بِالكَمالِ المَعْرُوفِ بِذَلِكَ مِن بَيْنِ سائِرِ الكُتُبِ، الحَقِيقَ بِاخْتِصاصِ اسْمِ الكِتابِ بِهِ، وهو إمّا عِبارَةٌ عَنْ جَمِيعِ القُرْآنِ فَفِيهِ تَغْلِيبُ المَوْجُودِ عَلى المُتَرَقَّبِ، وإمّا عِبارَةٌ عَنِ الجَمِيعِ المُنَزَّلِ حِينَئِذٍ فالأمْرُ ظاهِرٌ. وفي وصْفِهِ تَعالى بِالمَوْصُولِ إشْعارٌ بِعِلِّيَّةِ ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ لِاسْتِحْقاقِ الحَمْدِ الدّالِّ عَلَيْهِ اللّامُ عَلى ما صَرَّحَ بِهِ ابْنُ هِشامٍ وغَيْرُهُ، وإيذانٌ بِعِظَمِ شَأْنِ التَّنْزِيلِ الجَلِيلِ كَيْفَ لا وهو الهادِي إلى الكَمالِ المُمْكِنِ في جانِبَيِ العِلْمِ والعَمَلِ وفي التَّعْبِيرِ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ بِالعَبْدِ مُضافًا إلى ضَمِيرِهِ تَعالى مِنَ الإشارَةِ إلى تَعْظِيمِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وكَذا تَعْظِيمُ المُنَزَّلِ عَلَيْهِ ما فِيهِ، وفِيهِ أيْضًا إشْعارٌ بِأنَّ شَأْنَ الرَّسُولِ أنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلْمُرْسَلِ لا كَما زَعَمَتِ النَّصارى في حَقِّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وتَأْخِيرُ المَفْعُولِ الصَّرِيحِ عَنِ الجارِّ والمَجْرُورِ مَعَ أنَّ حَقَّهُ التَّقْدِيمُ عَلَيْهِ لِيَتَّصِلَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ﴾ أيْ لِلْكِتابِ ﴿عِوَجًا﴾ أيْ شَيْئًا مِنَ العِوَجِ بِاخْتِلالِ اللَّفْظِ مِن جِهَةِ الإعْرابِ ومُخالَفَةِ الفَصاحَةِ وتَناقُضِ المَعْنى وكَوْنِهِ مُشْتَمِلًا عَلى ما لَيْسَ بِحَقٍّ أوْ داعِيًا لِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى، والعِوَجُ وكَذا العَوَجُ الِانْحِرافُ والمَيْلُ عَنِ الِاسْتِقامَةِ إلّا أنَّهُ قِيلَ: هو بِكَسْرِ العَيْنِ ما يُدْرَكُ بِفَتْحِ العَيْنِ، وبِفَتْحِ العَيْنِ ما يُدْرَكُ بِفَتْحِ العَيْنِ، فالأوَّلُ الِانْحِرافُ عَنِ الِاسْتِقامَةِ المَعْنَوِيَّةِ الَّتِي تُدْرَكُ بِالبَصِيرَةِ كَعِوَجِ الدِّينِ والكَلامِ، والثّانِي الِانْحِرافُ عَنِ الِاسْتِقامَةِ الحِسِّيَّةِ الَّتِي تُدْرَكُ بِالبَصَرِ كَعِوَجِ الحائِطِ والعُودِ، أوْرَدَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ تَعالى في شَأْنِ الأرْضِ: ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾ فَإنَّ الأرْضَ مَحْسُوسَةٌ واعْوِجاجُها وكَذا اسْتِقامَتُها مِمّا يُدْرَكُ بِالبَصَرِ، فَكانَ يَنْبَغِي عَلى ما ذُكِرَ فَتْحُ العَيْنِ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ لَمّا أُرِيدَ بِهِ هُنا ما خَفِيَ مِنَ الِاعْوِجاجِ حَتّى احْتاجَ إثْباتُهُ إلى المَقايِيسِ الهَنْدَسِيَّةِ المُحْتاجَةِ إلى إعْمالِ البَصِيرَةِ الحَقِّ بِما هو عَقْلِيٌّ صِرْفٌ فَأُطْلِقَ عَلَيْهِ ذَلِكَ لِذَلِكَ وتُعُقِّبَ بِأنَّ «لا تَرى» ظاهِرٌ في أنَّ المَنفِيَّ ما يُدْرَكُ بِالبَصَرِ فَيَحْتاجُ إلى أنْ يُرادَ بِهِ الإدْراكُ، وعَنِ ابْنِ السِّكِّيتِ أنَّ المَكْسُورَ أعَمُّ مِنَ المَفْتُوحِ.
صفحة 201
واخْتارَ المَرْزُوقِيُّ في شَرْحِ الفَصِيحِ أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَهُما
18:2Page 293
قَيِّمٗا لِّيُنذِرَ بَأۡسٗا شَدِيدٗا مِّن لَّدُنۡهُ وَيُبَشِّرَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعۡمَلُونَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمۡ أَجۡرًا حَسَنٗا ٢
[He has made it] straight, to warn of severe punishment from Him and to give good tidings to the believers who do righteous deeds that they will have a good reward [i.e., Paradise]
﴿قَيِّمًا﴾ أيْ: مُسْتَقِيمًا كَما أخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الضَّحّاكِ، ورُوِيَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والمُرادُ مِمّا قِيلَ إنَّهُ لا خَلَلَ في لَفْظِهِ ولا في مَعْناهُ، والمُرادُ مِن هَذا أنَّهُ مُعْتَدِلٌ لا إفْراطَ فِيما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ التَّكالِيفِ حَتّى يَشُقَّ عَلى العِبادِ ولا تَفْرِيطَ فِيهِ بِإهْمالِ ما يُحْتاجُ إلَيْهِ حَتّى يُحْتاجَ إلى كِتابٍ آخَرَ كَما قالَ سُبْحانَهُ ﴿ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ﴾ ولِذا كانَ آخِرَ الكُتُبِ المُنَزَّلِ عَلى خاتَمِ الرُّسُلِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقِيلَ: المُرادُ مِنهُ ما أُرِيدَ مِمّا قَبْلَهُ وذَكَرَهُ لِلتَّأْكِيدِ.
وقالَ الفَرّاءُ: المُرادُ قَيِّمًا عَلى سائِرِ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ شاهِدًا بِصِحَّتِها. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: المُرادُ: قَيِّمًا بِمَصالِحِ العِبادِ مُتَكَفِّلًا بِها وبِبَيانِها لَهم لِاشْتِمالِهِ عَلى ما يَنْتَظِمُ بِهِ المَعاشُ والمَعادُ وهو عَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ تَأْسِيسٌ أيْضًا لا تَأْكِيدٌ فَكَأنَّهُ قِيلَ: كِتابًا صادِقًا في نَفْسِهِ مُصَدِّقًا لِغَيْرِهِ أوْ كِتابًا خالِيًا عَنِ النَّقائِصِ حالِيًا بِالفَضائِلِ وقِيلَ: المُرادُ عَلى الأخِيرِ أنَّهُ كامِلٌ في نَفْسِهِ ومُكَمِّلٌ لِغَيْرِهِ، ونَصْبُهُ بِمُضْمَرٍ أيْ جَعَلَهُ قَيِّمًا عَلى أنَّ الجُمْلَةَ مُسْتَأْنَفَةٌ أوْ جَعَلَهُ قَيِّمًا عَلى أنَّها مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلُ إلّا أنَّهُ قِيلَ: إنَّ حَذْفَ حَرْفِ العَطْفِ مَعَ المَعْطُوفِ تَكَلُّفٌ، وكانَ حَفْصٌ يَسْكُتُ عَلى: ﴿عِوَجًا﴾ سَكْتَةً خَفِيفَةً ثُمَّ يَقُولُ: ﴿قَيِّمًا﴾ .
واخْتارَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّهُ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في «لَهُ» أيْ: لَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا حالَ كَوْنِهِ مُسْتَقِيمًا ولا عِوَجَ فِيهِ عَلى ما سَمِعْتَ أوَّلًا مِن مَعْنى المُسْتَقِيمِ إذْ مُحَصِّلُهُ أنَّهُ تَعالى صانَهُ عَنِ الخَلَلِ في اللَّفْظِ والمَعْنى حالَ كَوْنِهِ مُسْتَقِيمًا ولا عِوَجَ فِيهِ عَلى ما سَمِعْتَ أوَّلًا مِن مَعْنى المُسْتَقِيمِ إذْ مُحَصِّلُهُ أنَّهُ تَعالى صانَهُ عَنِ الخَلَلِ في اللَّفْظِ والمَعْنى حالَ كَوْنِهِ خالِيًا عَنِ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ، وكَذا عَلى القَوْلَيْنِ الأخِيرَيْنِ، نَعَمْ قِيلَ: إنَّ جَعْلَهُ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ مَعَ تَفْسِيرِ المُسْتَقِيمِ بِالخالِي عَنِ العِوَجِ رَكِيكٌ.
وتَعَقَّبَهُ بَعْضُهم بِأنَّهُ تَنْدَفِعُ الرَّكاكَةُ بِالحَمْلِ عَلى الحالِ المُؤَكِّدَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ ولَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ وفِيهِ بَحْثٌ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الكِتابِ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ يَلْزَمُ حِينَئِذٍ العَطْفُ قَبْلَ تَمامِ الصِّلَةِ؛ لِأنَّ الحالَ بِمَنزِلَةِ جُزْءٍ مِنها، وأُجِيبَ بِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ: ﴿ولَمْ يَجْعَلْ﴾ إلَخْ مِن تَتِمَّةِ الصِّلَةِ الأُولى عَلى أنَّهُ عَطْفٌ بَيانِيٌّ حَيْثُ قالَ تَعالى: ﴿أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ﴾ الكامِلَ في بابِهِ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾ فَحِينَئِذٍ لا يَكُونُ الفَصْلُ قَبْلَ تَمامِ الصِّلَةِ، وهو نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وكُفْرٌ بِهِ والمَسْجِدِ الحَرامِ﴾ عَلى قَوْلٍ. وأيْضًا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الواوُ فِي: ﴿ولَمْ يَجْعَلْ﴾ لِلْحالِ، والجُمْلَةُ بَعْدَهُ حالٌ مِن ( الكِتابَ ) كَ «قَيِّمًا» واخْتارَهُ الأصْبِهانِيُّ.
وقالَ أبُو حَيّانَ: إنَّ ذاكَ عَلى مَذْهَبِ مَن يُجَوِّزُ وُقُوعَ حالَيْنِ مِن ذِي حالٍ واحِدٍ بِغَيْرِ عَطْفٍ، وكَثِيرٌ مِن أصْحابِنا عَلى مَنعِهِ، وقالَ آخَرُ: إنَّ قِياسَ قَوْلِ الفارِسِيِّ في الخَبَرِ أنَّهُ لا يَتَعَدَّدُ مُخْتَلِفًا بِالإفْرادِ والجُمْلِيَّةِ أنْ يَكُونَ الحالُ كَذَلِكَ.
وأُجِيبَ بِأنَّهُ غَيْرُ وارِدٍ؛ إذْ ما ذَكَرَهُ الفارِسِيُّ خِلافُ مَذْهَبِ الجُمْهُورِ مَعَ أنَّهُ قِياسٌ مَعَ الفارِقِ فَلا يُسْمَعُ، وكَذا ما ذَكَرَهُ أبُو حَيّانَ عَنِ الكَثِيرِ خِلافُ المُعَوَّلِ عَلَيْهِ عِنْدَ الأكْثَرِ، نَعَمْ فِرارًا مِنَ القِيلِ والقالِ جَعَلَ بَعْضُهُمُ الواوَ لِلِاعْتِراضِ والجُمْلَةَ اعْتِراضِيَّةً، وفي الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والأصْلُ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ قَيِّمًا ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا، ورُوِيَ القَوْلُ بِالتَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ، وذَكَرَ السَّمِينُ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ حَيْثُ وقَعَتْ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ في النَّظْمِ يَجْعَلُها مُقَدَّمَةً مِن تَأْخِيرٍ، ووَجَّهَ ذَلِكَ بِأنَّها وقَعَتْ بَيْنَ لَفْظَيْنِ مُرْتَبِطَيْنِ فَهي في قُوَّةِ الخُرُوجِ مِن بَيْنِهِما، ولَمّا كانَ: ﴿قَيِّمًا﴾ يُفِيدُ اسْتِقامَةً ذاتِيَّةً أوْ ثابِتَةً لِكَوْنِهِ صِفَةً مُشَبَّهَةً وصِيغَةَ مُبالَغَةٍ، وما مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ إلّا وقَدْ يُتَوَهَّمُ فِيهِ أدْنى عِوَجٍ، ذَكَرَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولَمْ يَجْعَلْ﴾ إلَخْ لِلِاحْتِراسِ، وقُدِّمَ لِلِاهْتِمامِ كَما في قَوْلِهِ:
صفحة 202
ألا يا اسْلَمِي يا دارَ مَيَّ عَلى البِلا ولا زالَ مُنْهَلًّا بِجَرْعائِكِ القَطْرُ
ومِن هُنا يُعْلَمُ أنَّ تَفْسِيرَ القَيِّمِ بِالمُسْتَقِيمِ بِالمَعْنى المُتَبادَرِ، وأنَّ قَوْلَ الزَّمَخْشَرِيِّ فائِدَةُ الجَمْعِ بَيْنَهُ وبَيْنَ نَفْيِ العِوَجِ التَّأْكِيدُ فَرُبَّ مُسْتَقِيمٍ مَشْهُودٌ لَهُ بِالِاسْتِقامَةِ، ولا يَخْلُو مِن أدْنى عِوَجٍ عِنْدَ السَّبْرِ والتَّصَفُّحِ غَيْرُ ذِي عِوَجٍ عِنْدَ السَّبْرِ والتَّصَفُّحِ، وأنَّهُ لا يُرَدُّ قَوْلُ الإمامِ إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ( لَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجا ) يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ مُكَمِّلًا في ذاتِهِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿قَيِّمًا﴾ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ مُكَمِّلًا لِغَيْرِهِ، فَثَبَتَ بِالبُرْهانِ العَقْلِيِّ أنَّ التَّرْتِيبَ الصَّحِيحَ كَما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى، وأنَّ ما ذَكَرُوهُ مِنَ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ فاسِدٌ يَمْتَنِعُ العَقْلُ مِنَ الذَّهابِ إلَيْهِ. انْتَهى.
ولَعَمْرِي إنَّ هَذا الكَلامَ لا يَنْبَغِي مِنَ الإمامِ إنْ صَحَّ عِنْدَهُ أنَّ القَوْلَ المَذْكُورَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ، فَإنَّ الأوَّلَ تُرْجُمانُ القُرْآنِ وناهِيكَ بِهِ جَلالَةً ومَعْرِفَةً بِدَقائِقِ اللِّسانِ، وقَدْ قِيلَ في الثّانِي: إذا جاءَكَ التَّفْسِيرُ عَنْ مُجاهِدٍ فَحَسْبُكَ، وقالَ صاحِبُ «حَلِّ العَقْدِ»: يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ قَيِّمًا بَدَلًا مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾ قالَ أبُو حَيّانَ: ويَكُونُ حِينَئِذٍ بَدَلَ مُفْرَدٍ مِن جُمْلَةٍ كَما قالُوا في عَرَفْتُ زَيْدًا أبُو مَن هُوَ؛ إنَّهُ بَدَلُ جُمْلَةٍ مِن مُفْرَدٍ، وفي جَوازِ ذَلِكَ خِلافٌ، هَذا وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ ضَمِيرَ: «لَهُ» عائِدٌ عَلى «عَبْدِهِ» وحِينَئِذٍ لا يَتَأتّى جَمِيعُ التَّخارِيجِ الإعْرابِيَّةِ السّابِقَةِ، وقَرَأ أبانُ بْنُ ثَعْلَبٍ «قِيَمًا» بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الياءِ المُخَفَّفَةِ، وفي بَعْضِ مَصاحِفِ الصَّحابَةِ: «ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا لَكِنَّهُ قَيِّمًا» وحُمِلَ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ تَفْسِيرٌ لا قِراءَةٌ ( لِيُنْذِرَ ) مُتَعَلِّقٌ بِ «أنْزَلَ» واللّامُ لِلتَّعْلِيلِ، واسْتَدَلَّ بِهِ مَن قالَ بِتَعْلِيلِ أفْعالِ اللَّهِ تَعالى بِالأغْراضِ كالسَّلَفِ والماتُرِيدِيَّةِ، ومَن يَأْبى ذَلِكَ يَجْعَلُها لامَ العاقِبَةِ، وزَعَمَ الحُوفِيُّ أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِ «قَيِّمًا» ولَيْسَ بِقَيِّمٍ، والفاعِلُ ضَمِيرُ الجَلالَةِ، وكَذا في الفِعْلَيْنِ المَعْطُوفَيْنِ عَلَيْهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ في الكُلِّ ضَمِيرَ الكِتابِ أوْ ضَمِيرَهُ ﷺ، وأنْذَرَ يَتَعَدّى لِمَفْعُولَيْنِ قالَ تَعالى: ﴿أنْذَرْناكم عَذابًا قَرِيبًا﴾ وحَذَفَ هُنا المَفْعُولُ الأوَّلُ واقْتَصَرَ عَلى الثّانِي، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَأْسًا شَدِيدًا﴾ إيذانًا بِأنَّ ما سِيقَ لَهُ الكَلامُ هو المَفْعُولُ الثّانِي، وأنَّ الأوَّلَ ظاهِرٌ لا حاجَةَ إلى ذِكْرِهِ وهو الَّذِينَ كَفَرُوا بِقَرِينَةِ ما بَعْدُ، والمُرادُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالكِتابِ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ مِنَ البَأْسِ الشَّدِيدِ عَذابُ الآخِرَةِ لا غَيْرَ، وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَنْدَرِجَ فِيهِ عَذابُ الدُّنْيا.
﴿مِن لَدُنْهُ﴾ أيْ: صادِرًا مِن عِنْدِهِ تَعالى نازِلًا مِن قِبَلِهِ بِمُقابَلَةِ كُفْرِهِمْ فالجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً ثانِيَةً لِلْبَأْسِ، ولَدُنْ هُنا بِمَعْنى عِنْدَ كَما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ، وذَكَرَ الرّاغِبُ أنَّهُ أخَصُّ مِنهُ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى ابْتِداءِ نِهايَةٍ نَحْوَ أقَمْتُ عِنْدَهُ مِن لَدُنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ إلى غُرُوبِها، وقَدْ يُوضَعُ مَوْضِعَ عِنْدَ.
وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ «لَدُنْ» أبْلَغُ مِن عِنْدَ وأخَصُّ وفِيهِ لُغاتٌ، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِإشْمامِ الدّالِ بِمَعْنى تَضْعِيفِ الصَّوْتِ بِالحَرَكَةِ الفاصِلَةِ بَيْنَ الحَرْفَيْنِ فَيَكُونُ إخْفاءً لَها وبِكَسْرِ النُّونِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ وكَسْرِ الهاءِ لِلْإتْباعِ، ويُفْهَمُ مِن كَلامِ بَعْضِهِمْ أنَّهُ قَرَأ بِالإسْكانِ مَعَ الإشْمامِ بِمَعْنى الإشارَةِ إلى الحَرَكَةِ بِضَمِّ الشَّفَتَيْنِ مَعَ انْفِراجٍ بَيْنِهِما فاسْتُشْكِلَ في الدُّرِّ المَصُونِ. وغَيْرُهُ بِأنَّ هَذا الإشْمامَ إنَّما يَتَحَقَّقُ في الوَقْفِ عَلى الآخِرِ، وكَوْنُهُ في الوَسَطِ كَما هُنا لا يُتَصَوَّرُ، ولِذا قِيلَ: إنَّهُ يُؤْتى بِهِ هُنا بَعْدَ الوَقْفِ عَلى الهاءِ. ودُفِعَ الِاعْتِراضُ بِأنَّهُ لا يَدُلُّ حِينَئِذٍ عَلى حَرَكَةِ الدّالِ وقَدْ عُلِّلَ بِهِ بِأنَّهُ مُتَعَيِّنٌ؛ إذْ لَيْسَ في الكَلِمَةِ ما يَصْلُحُ أنْ يُشارَ إلى حَرَكَتِهِ غَيْرُها، ولا يَخْفى ما فِيهِ، وما قَدَّمْناهُ حاسِمٌ لِمادَّةِ الإشْكالِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِضَمِّ الدّالِ والهاءِ وسُكُونِ النُّونِ إلّا أنَّ ابْنَ كَثِيرٍ يَصِلُ الهاءَ بِواوٍ وغَيْرُهُ
صفحة 203
لا يَصِلُ ﴿ويُبَشِّرَ﴾ بِالنَّصْبِ عُطِفَ عَلى يُنْذِرَ وقُرِئَ شاذًّا بِالرَّفْعِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: «ويَبْشُرُ» بِالتَّخْفِيفِ ﴿المُؤْمِنِينَ﴾ أيِ المُصَدِّقِينَ بِالكِتابِ كَما يُشْعِرُ بِهِ وكَذا بِما تَقَدَّمَ ذَكَرَ ذَلِكَ بَعْدَ الِامْتِنانِ بِإنْزالِ الكِتابِ ﴿الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ﴾ أيِ الأعْمالَ الصّالِحَةَ الَّتِي بُيِّنَتْ في تَضاعِيفِهِ، وإيثارُ صِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ في الصِّلَةِ لِلْإشْعارِ بِتَجَدُّدِ العَمَلِ واسْتِمْرارِهِ، وإجْراءُ المَوْصُولِ عَلى مَوْصُوفِهِ المَذْكُورِ لِما أنَّ مَدارَ قَبُولِ العَمَلِ الإيمانُ ﴿أنَّ لَهُمْ﴾ أيْ: بِأنَّ لَهم بِمُقابَلَةِ إيمانِهِمْ وعَمَلِهِمُ المَذْكُورِ ﴿أجْرًا حَسَنًا﴾ هو كَما قالَ السُّدِّيُّ وغَيْرُهُ الجَنَّةُ وفِيها مِنَ النَّعِيمِ المُقِيمِ والثَّوابِ العَظِيمِ ما فِيها، ويُؤَيِّدُ كَوْنَ المُرادِ بِهِ الجَنَّةُ ظاهِرُ
18:3–4Page 293
مَّٰكِثِينَ فِيهِ أَبَدٗا ٣
In which they will remain forever
وَيُنذِرَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدٗا ٤
And to warn those who say, "Allāh has taken a son."
قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ماكِثِينَ فِيهِ﴾ أيْ: مُقِيمِينَ في الأجْرِ ﴿أبَدًا﴾ مِن غَيْرِ انْتِهاءٍ لِزَمانِ مُكْثِهِمْ.
ونُصِبَ ﴿ماكِثِينَ﴾ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في ( لَهم ) والظَّرْفانِ مُتَعَلِّقانِ بِهِ، وتَقْدِيمُ الإنْذارِ عَلى التَّبْشِيرِ لِإظْهارِ كَمالِ العِنايَةِ بِزَجْرِ الكُفّارِ عَمّا هم عَلَيْهِ مَعَ مُراعاةِ تَقْدِيمِ التَّخْلِيَةِ عَلى التَّحْلِيَةِ، وتَكْرِيرُ الإنْذارِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا﴾ مُتَعَلِّقًا بِفِرْقَةٍ خاصَّةٍ مِمَّنْ عَمَّهُ الإنْذارُ السّابِقُ مِن مُسْتَحِقِّي البَأْسِ الشَّدِيدِ لِلْإيذانِ بِكَمالِ فَظاعَةِ حالِهِمْ لِغايَةِ شَناعَةِ كُفْرِهِمْ وضَلالِهِمْ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ ما بَعْدُ؛ أيْ: ويُنْذِرَ مِن بَيْنِ هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ المُتَفَوِّهِينَ بِمِثْلِ هاتِيكَ العَظِيمَةِ خاصَّةً وهُمُ العَرَبُ القائِلُونَ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ تَعالى، واليَهُودُ القائِلُونَ: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ سُبْحانَهُ، والنَّصارى القائِلُونَ: المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وتَرْكُ إجْراءِ المَوْصُولِ عَلى المَوْصُوفِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ﴾ إلَخْ لِلْإيذانِ بِكِفايَةِ ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ في الكُفْرِ عَلى أقْبَحِ الوُجُوهِ وإيثارِ صِيغَةِ الماضِي في الصِّلَةِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ صُدُورِ تِلْكَ الكَلِمَةِ القَبِيحَةِ عَنْهم فِيما سَبَقَ، وجَعَلَ بَعْضُهُمُ المَفْعُولَ المَحْذُوفَ فِيما سَلَفَ عِبارَةً عَنْ هَذِهِ الطّائِفَةِ، وفي الآيَةِ صَنْعَةُ الِاحْتِباكِ حَيْثُ حَذَفَ مِنَ الأوَّلِ ما ذُكِرَ فِيما بَعْدُ وهو المُنْذَرُ، وحَذَفَ مِمّا بَعْدُ ما ذُكِرَ في الأوَّلِ وهو المُنْذَرُ بِهِ. وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يُؤَدِّي إلى خُرُوجِ سائِرِ أصْنافِ الكَفَرَةِ عَنِ الإنْذارِ والوَعِيدِ.
وأُجِيبَ بِأنَّهُ يُعْلَمُ إنْذارُ سائِرِ الأصْنافِ ودُخُولُهم في الوَعِيدِ مِن بابِ الأوْلى لِأنَّ القَوْلَ بِالتَّبَنِّي وإنْ كَبُرَ كَلِمَةً دُونَ الإشْراكِ وفِيهِ نَظَرٌ، وقَدَّرَ ابْنُ عَطِيَّةَ العالَمَ، وأبُو البَقاءِ العِبادَ، فَيَعُمُّ المُؤْمِنِينَ أيْضًا، وتُعُقِّبَ بِأنَّ التَّعْمِيمَ يَقْتَضِي حَمْلَ الإنْذارِ عَلى مَعْنى مُجَرَّدِ الإخْبارِ بِالأمْرِ الضّارِّ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ حُلُولِ المُنْذَرِ بِهِ عَلى المُنْذِرِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْ أنْذِرِ النّاسَ وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وهو يُفْضِي إلى خُلُوِّ النَّظْمِ الكَرِيمِ عَنِ الدَّلالَةِ عَلى حُلُولِ البَأْسِ الشَّدِيدِ عَلى مَن عَدا هَذِهِ الفِرْقَةِ فَتَأمَّلْ.
18:5Page 294
مَّا لَهُم بِهِۦ مِنۡ عِلۡمٖ وَلَا لِأٓبَآئِهِمۡۚ كَبُرَتۡ كَلِمَةٗ تَخۡرُجُ مِنۡ أَفۡوَٰهِهِمۡۚ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبٗا ٥
They have no knowledge of it,1 nor had their fathers. Grave is the word that comes out of their mouths; they speak not except a lie.
﴿ما لَهم بِهِ﴾ أيْ: بِاتِّخاذِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ولَدًا ﴿مِن عِلْمٍ﴾ مَرْفُوعُ المَحَلِّ عَلى الِابْتِداءِ أوِ الفاعِلِيَّةِ لِاعْتِمادِ الظَّرْفِ، ومِن مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ، والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ حالِهِمْ في مَقالِهِمْ، أيْ: ما لَهم بِذَلِكَ شَيْءٌ مِنَ العِلْمِ أصْلًا لا لِإخْلالِهِمْ بِطَرِيقِ العِلْمِ مَعَ تَحَقُّقِ المَعْلُومِ أوْ إمْكانِهِ بَلْ لِاسْتِحالَتِهِ في نَفْسِهِ ومَعَها لا يَسْتَقِيمُ تَعَلُّقُ العِلْمِ، واسْتُظْهِرَ كَوْنُ ضَمِيرِ «بِهِ» عائِدًا عَلى الوَلَدِ وعَدَمِ العِلْمِ وكَذا حالُ الجُمْلَةِ عَلى ما سَمِعْتَ، وزَعَمَ المَهْدَوِيُّ أنَّ الجُمْلَةَ عَلى هَذا صِفَةٌ لِ «ولَدًا» ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وجُوِّزَ أنْ يَعُودَ عَلى القَوْلِ المَفْهُومِ مِن «قالُوا» أيْ: لَيْسَ قَوْلُهم ذَلِكَ ناشِئًا عَنْ عِلْمٍ وتَذَكُّرٍ ونَظَرٍ فِيما يَجُوزُ عَلَيْهِ تَعالى وما يَمْتَنِعُ، وقالَ الطَّبَرِيُّ: هو عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى عَلى مَعْنى: لَيْسَ لَهم عِلْمٌ بِما يَجُوزُ عَلَيْهِ تَعالى وما يَمْتَنِعُ ﴿ولا لآبائِهِمْ﴾ الَّذِينَ قالُوا مِثْلَ ذَلِكَ ناسِبِينَ التَّبَنِّيَ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ، والتَّعَرُّضُ لِنَفْيِ العِلْمِ عَنْهم لِأنَّهم
صفحة 204
قُدْوَةُ هَؤُلاءِ.
﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً﴾ أيْ: عَظُمَتْ مَقالَتُهم هَذِهِ في الكُفْرِ والِافْتِراءِ لِما فِيها مِن نِسْبَتِهِ تَعالى إلى ما لا يَكادُ يَلِيقُ بِكِبْرِيائِهِ جَلَّ وعَلا، وكَبُرَ وكَذا كُلُّ ما كانَ عَلى وزْنِ فَعُلَ مَوْضُوعًا عَلى الضَّمِّ كَظَرُفَ أوْ مُحَوَّلًا إلَيْهِ مِن فَعِلَ أوْ فَعُلَ ذَهَبَ الأخْفَشُ والمُبَرِّدُ إلى إلْحاقِهِ بِبابِ التَّعَجُّبِ فالفاعِلُ هُنا ضَمِيرٌ يَرْجِعُ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اتَّخَذَ﴾ إلَخْ بِتَأْوِيلِ المُقالَةِ، و﴿كَلِمَةً﴾ نُصِبَ عَلى التَّمْيِيزِ وكَأنَّهُ قِيلَ: ما أكْبَرَها كَلِمَةً، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَخْرُجُ مِن أفْواهِهِمْ﴾ صِفَةُ ﴿كَلِمَةً﴾ تُفِيدُ اسْتِعْظامَ اجْتِرائِهِمْ عَلى النُّطْقِ بِها وإخْراجِها مِن أفْواهِهِمْ، فَإنَّ كَثِيرًا مِمّا يُوَسْوِسُ بِهِ الشَّيْطانُ وتُحَدِّثُ بِهِ النَّفْسُ لا يُمْكِنُ أنْ يُتَفَوَّهَ بِهِ بَلْ يُصْرَفُ عَنْهُ الفِكْرُ فَكَيْفَ بِمِثْلِ هَذا المُنْكَرِ. وذَهَبَ الفارِسِيُّ وأكْثَرُ النُّحاةِ إلى إلْحاقِهِ بِبابِ نِعْمَ وبِئْسَ فَيُثْبَتُ لَهُ جَمِيعُ أحْكامِهِ كَكَوْنِ فاعِلِهِ مُعَرَّفًا بِألْ أوْ مُضافًا إلى مُعَرَّفٍ بِها أوْ ضَمِيرًا مُفَسَّرًا بِالتَّمْيِيزِ، ومِن هُنا جُوِّزَ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ هُنا ضَمِيرَ ﴿كَلِمَةً﴾ وهي أيْضًا تَمْيِيزٌ، والجُمْلَةُ صِفَتُها ولا ضَيْرَ في وصْفِ التَّمْيِيزِ في بابِ نِعْمَ وبِئْسَ، وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ وغَيْرُهُ أنْ تَكُونَ صِفَةً لِمَحْذُوفٍ هو المَخْصُوصُ بِالذَّمِّ؛ أيْ: كَبُرَتْ كَلِمَةٌ كَلِمَةً خارِجَةً مِن أفْواهِهِمْ، وظاهِرُ كَلامِ الأخْفَشِ تَغايُرُ المَذْهَبَيْنِ.
وفِي التَّسْهِيلِ أنَّهُ مِن بابِ نِعْمَ وبِئْسَ وفِيهِ مَعْنى التَّعَجُّبِ، والمُرادُ بِهِ هُنا تَعْظِيمُ الأمْرِ في قُلُوبِ السّامِعِينَ، وهَذا ظاهِرٌ في أنَّهُ لا تَغايُرَ بَيْنِهِما، وإلَيْهِ يَمِيلُ كَلامُ بَعْضِ الأئِمَّةِ. وقِيلَ: نُصِبَتْ عَلى الحالِ ولا يَخْفى حالُهُ. وتَسْمِيَةُ ذَلِكَ كَلِمَةً عَلى حَدِّ تَسْمِيَةِ القَصِيدَةِ بِها. وقُرِئَ: «كَبْرَتْ» بِسُكُونِ الباءِ وهي لُغَةُ تَمِيمٍ، وجاءَ في نَحْوِ هَذا الفِعْلِ ضَمُّ العَيْنِ وتَسْكِينُها ونَقْلُ حَرَكَتِها إلى الفاءِ. وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ يَعْمُرَ وابْنُ مُحَيْصِنٍ والقَوّاسُ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ «كَلِمَةٌ» بِالرَّفْعِ عَلى الفاعِلِيَّةِ، والنَّصْبُ أبْلَغُ وأوْكَدُ. واسْتَدَلَّ النَّظّامُ عَلى أنَّ الكَلامَ جِسْمٌ بِهَذِهِ الآيَةِ لِوَصْفِهِ فِيها بِالخُرُوجِ الَّذِي هو مِن خَواصِّ الأجْسامِ، وأُجِيبَ بِأنَّ الخارِجَ حَقِيقَةً هو الهَواءُ الحامِلُ لَهُ وإسْنادُهُ إلى الكَلامِ الَّذِي هو كَيْفِيَّةٌ مَجازٌ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ النَّظّامَ القائِلَ بِجِسْمِيَّةِ الكَلامِ يَقُولُ هو الهَواءُ المُكَيَّفَ لا الكَيْفِيَّةُ، واسْتِدْلالُهُ عَلى ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلى الأصْلِ هو الحَقِيقَةُ إلّا أنَّ الخِلافَ لَفْظِيٌّ لا ثَمَرَةَ فِيهِ ﴿إنْ يَقُولُونَ إلا كَذِبًا﴾ أيْ: ما يَقُولُونَ في ذَلِكَ الشَّأْنِ إلّا قَوْلًا كَذِبًا لا يَكادُ يَدْخُلُ تَحْتَ إمْكانِ الصِّدْقِ أصْلًا والضَّمِيرانِ لَهم ولِآبائِهِمْ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences