Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-Kahf 18:31–35
18:31Page 297
أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ جَنَّٰتُ عَدۡنٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهِمُ ٱلۡأَنۡهَٰرُ يُحَلَّوۡنَ فِيهَا مِنۡ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٖ وَيَلۡبَسُونَ ثِيَابًا خُضۡرٗا مِّن سُندُسٖ وَإِسۡتَبۡرَقٖ مُّتَّكِـِٔينَ فِيهَا عَلَى ٱلۡأَرَآئِكِۚ نِعۡمَ ٱلثَّوَابُ وَحَسُنَتۡ مُرۡتَفَقٗا ٣١
Those will have gardens of perpetual residence; beneath them rivers will flow. They will be adorned therein with bracelets of gold and will wear green garments of fine silk and brocade, reclining therein on adorned couches. Excellent is the reward, and good is the resting place.
﴿أُولَئِكَ لَهم جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ وجُمْلَةُ: ( إنّا ) إلَخْ مُعْتَرِضَةٌ، ونَحْوَ هَذا مِنَ الِاعْتِراضِ كَما قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ وغَيْرُهُ قَوْلُهُ:
إنَّ الخَلِيفَةَ إنَّ اللَّهَ ألْبَسَهُ سِرْبالَ مُلْكٍ بِهِ تُرْجى الخَواتِيمُ
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الِاعْتِراضَ فِيهِ غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ أيْضًا، وعَلى الِاحْتِمالِ السّابِقِ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةً لِبَيانِ الأجْرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ عَلى مَذْهَبِ مَن لا يَشْتَرِطُ في تَعَدُّدِ الأخْبارِ كَوْنَها في مَعْنى خَبَرٍ واحِدٍ
صفحة 270
وهُوَ الحَقُّ؛ أيْ: أُولَئِكَ المَنعُوتُونَ بِالنُّعُوتِ الجَلِيلَةِ لَهم جَنّاتُ إقامَةٍ عَلى أنَّ العَدَنَ بِمَعْنى الإقامَةِ والِاسْتِقْرارِ، يُقالُ عَدَنَ بِالمَكانِ إذا قامَ فِيهِ واسْتَقَرَّ، ومِنهُ المَعْدِنُ؛ لِاسْتِقْرارِ الجَواهِرِ فِيهِ.
وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: عَدَنٌ جَنَّةٌ مِنَ الجِنانِ وهي بُطْنانُها، ووَجْهُ إضافَةِ الجِنانِ إلَيْها بِأنَّها لِسِعَتِها كَأنَّ كُلَّ ناحِيَةٍ مِنها جَنَّةٌ ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ﴾ وهم في الغُرُفاتِ آمِنُونَ ﴿يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ﴾ مِن الأُولى لِلِابْتِداءِ، والثّانِيَةُ لِلْبَيانِ، والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ صِفَةٍ لِأساوِرَ، وهَذا ما اخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُ.
وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ في الأُولى أنْ تَكُونَ زائِدَةً في المَفْعُولِ عَلى قَوْلِ الأخْفَشِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وحُلُّوا أساوِرَ﴾ وأنْ تَكُونَ بَيانِيَّةً؛ أيْ: شَيْئًا أوْ حُلِيًّا مِن أساوِرَ.
وجَوَّزَ غَيْرُهُ فِيها أنْ تَكُونَ تَبْعِيضِيَّةً واقِعَةً مَوْقِعَ المَفْعُولِ كَما جَوَّزَ هو وغَيْرُهُ ذَلِكَ في الثّانِيَةِ، وجُوِّزَ فِيها أيْضًا أنْ تَتَعَلَّقَ بِ «يُحَلَّوْنَ» وهو كَما تَرى، والأساوِرُ جَمْعُ أسْوِرَةٍ جَمْعُ سِوارٍ بِالكَسْرِ والضَّمِّ، وهو ما في الذِّراعِ مِنَ الحُلِيِّ وهو عَرَبِيٌّ، وقالَ الرّاغِبُ: مُعَرَّبُ دستواره، وقِيلَ: جَمْعُ أسْوارٍ جَمْعُ سِوارٍ وأصْلُهُ أساوِيرَ، فَخُفِّفَ بِحَذْفِ يائِهِ فَهو عَلى القَوْلَيْنِ جَمْعُ الجَمْعِ، ولَمْ يَجْعَلُوهُ مِن أوَّلِ الأمْرِ جَمْعَ سِوارٍ لِما رَأوْا أنَّ فِعالًا لا يُجْمَعُ عَلى أفاعِلَ في القِياسِ، وعَنْ عَمْرِو بْنِ العَلاءِ أنَّ الواحِدَ أسْوارٌ، وأنْشَدَ ابْنُ الأنْبارِيِّ:
واللَّهِ لَوْلا صِبْيَةٌ صِغارٌ ∗∗∗ كَأنَّما وُجُوهُهم أقْمارُ
تَضُمُّهم مِنَ العَتِيكِ دارُ ∗∗∗ أخافُ أنْ يُصِيبَهم إقْتارُ
أوْ لاطِمٌ لَيْسَ لَهُ أسْوارُ ∗∗∗ لَما رَآنِي مَلِكٌ جَبّارُ
بِبابِهِ ما وضَحَ النَّهارُ
وفِي القامُوسِ: السِّوارُ كَكِتابٍ وغُرابٍ: القَلْبُ كالأسْوارِ والجَمْعُ أسْوِرَةٌ وأساوِرُ وأساوِرَةٌ وسُورٌ وسُؤُورٌ وهو مُوافِقٌ لِما نُقِلَ عَنْ أبِي العَلاءِ.
ونُقِلَ ذَلِكَ أيْضًا عَنْ قُطْرُبٍ وأبِي عُبَيْدَةَ، ونُكِّرَتْ لِتَعْظِيمِ حُسْنِها مِنَ الإحاطَةِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ سَعْدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««لَوْ أنَّ رَجُلًا مِن أهْلِ الجَنَّةِ اطَّلَعَ فَبَدَتْ أساوِرُهُ لَطَمَسَ ضَوْؤُهُ ضَوْءَ الشَّمْسِ كَما تَطْمِسُ ضَوْءَ النُّجُومِ»».
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ««لَوْ أنَّ أدْنى أهْلِ الجَنَّةِ حِلْيَةً عَدَلَتْ حِلْيَتُهُ بِحِلْيَةِ أهْلِ الدُّنْيا جَمِيعًا لَكانَ ما يُحَلِّيهِ اللَّهُ تَعالى بِهِ في الآخِرَةِ أفْضَلَ مِن حِلْيَةِ أهْلِ الدُّنْيا جَمِيعًا»».
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: ««إنَّ أهْلَ الجَنَّةِ يُحَلَّوْنَ أسْوِرَةً مِن ذَهَبٍ ولُؤْلُؤٍ وفِضَّةٍ هي أخَفُّ عَلَيْهِمْ مَن كُلِّ شَيْءٍ إنَّما هي نُورٌ»».
وأخْرَجَ الشَّيْخانِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ««تَبْلُغُ الحِلْيَةُ مِنَ المُؤْمِنِ حَيْثُ يَبْلُغُ الضَّوْءُ»».
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ وغَيْرُهُ عَنْ كَعْبِ الأحْبارِ قالَ: ««إنَّ لِلَّهِ تَعالى مَلَكًا - وفي رِوايَةٍ - في الجَنَّةِ مَلَكٌ لَوْ شِئْتُ أنْ أُسَمِّيَهُ أسْمَيْتُهُ، يَصُوغُ حُلِيَّ أهْلِ الجَنَّةِ مِن يَوْمِ خُلِقَ إلى أنْ تَقُومَ السّاعَةُ، ولَوْ أنَّ حُلِيًّا مِنها أُخْرِجَ لَرَدَّ شُعاعَ الشَّمْسِ»».
والسُّؤالُ بِأنَّ لُبْسَ الرِّجالِ الأساوِرَ عَيْبٌ في الدُّنْيا فَكَيْفَ يُحَلَّوْنَها في الآخِرَةِ؟ مُنْدَفِعٌ بِأنَّ كَوْنَهُ عَيْبًا إنَّما هو بَيْنَ قَوْمٍ لَمْ يَعْتادُوهُ لا مُطْلَقًا ولا أظُنُّكَ في مِرْيَةٍ مِن أنَّ الشَّيْءَ قَدْ يَكُونُ عَيْبًا بَيْنَ قَوْمٍ ولا يَكُونُ عَيْبًا بَيْنَ آخَرِينَ، ولَيْسَ فِيما نَحْنُ فِيهِ أمْرٌ عَقْلِيٌّ يُحْكَمُ بِكَوْنِهِ عَيْبًا في كُلِّ وقْتٍ وفي كُلِّ مَكانٍ وبَيْنَ كُلِّ قَوْمٍ، وإنِ التَزَمْتَ أنَّ فِيهِ ذَلِكَ فَقَدْ حَلَّيْتَ
صفحة 271
نَفْسَكَ بِحِلْيَةِ الجَهْلِ، وخَرَجْتَ مِن رِبْقَةِ العَقْلِ، هَذا وقَرَأ أبانُ عَنْ عاصِمٍ: «مِن أسْوِرَةٍ» بِحَذْفِ ألِفٍ وزِيادَةِ هاءٍ وهو أحَدُ الجُمُوعِ لِسِوارٍ كَما سَمِعْتَ.
﴿ويَلْبَسُونَ ثِيابًا خُضْرًا﴾ لِأنَّ الخُضْرَةَ أحْسَنُ الألْوانِ، والنَّفْسُ تَنْبَسِطُ بِها أكْثَرَ مِن غَيْرِها، ورُوِيَ في أثَرٍ أنَّها تَزِيدُ في ضَوْءِ البَصَرِ، وقِيلَ:
ثَلاثَةٌ مُذْهِبَةٌ لِلْحُزْنِ: الماءُ والخُضْرَةُ والوَجْهُ الحَسَنُ، والظّاهِرُ أنَّ لِباسَهم غَيْرُ مُنْحَصِرٍ فِيما ذُكِرَ؛ إذْ لَهم فِيها ما تَشْتَهِي الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سُلَيْمِ بْنِ عامِرٍ أنَّ الرَّجُلَ يُكْسى في السّاعَةِ الواحِدَةِ سَبْعِينَ ثَوْبًا، وأنَّ أدْناها مِثْلُ شَقِيقِ النُّعْمانِ، وقِيلَ: يُحْتَمَلُ الِانْحِصارُ، ولَهم فِيها ما تَشْتَهِي الأنْفُسُ، لا يَأْباهُ لِجَوازِ أنَّهم لا يَشْتَهُونَ ولا تَلَذُّ أعْيُنُهم سِوى ذَلِكَ مِنَ الألْوانِ، والتَّنْكِيرُ لِتَعْرِيفِ أنَّها لا يَكادُ يُوصَفُ حُسْنُها.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ كَعْبٍ قالَ: لَوْ أنَّ ثَوْبًا مِن ثِيابِ أهْلِ الجَنَّةِ نُشِرَ اليَوْمَ في الدُّنْيا لَصَعِقَ مَن يَنْظُرُ إلَيْهِ وما حَمَلَتْهُ أبْصارُهم.
وقَرَأ أبانُ عَنْ عاصِمٍ وابْنِ أبِي حَمّادٍ عَنْ أبِي بَكْرٍ «ويَلْبِسُونَ» بِكَسْرِ الباءِ ﴿مِن سُنْدُسٍ﴾ قالَ الجَوالِيقِيُّ: هو رَقِيقُ الدِّيباجِ بِالفارِسِيَّةِ فَهو مُعَرَّبٌ، وفي القامُوسِ هو ضَرْبٌ مِنَ البِزْيُونِ أوْ ضَرْبٌ مِن رَقِيقِ الدِّيباجِ مُعَرَّبٌ بِلا خِلافٍ، وقالَ اللَّيْثُ: لَمْ يَخْتَلِفْ أهْلُ اللُّغَةِ والمُفَسِّرُونَ في أنَّهُ مُعَرَّبٌ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ فِيهِ خِلافَ الشّافِعِيِّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ، والقَوْلُ بِأنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِ اللُّغَةِ والمُفَسِّرِينَ في النَّفْسِ مِنهُ شَيْءٌ، وقالَ شَيْدَلَةُ: هو رَقِيقُ الدِّيباجِ بِالهِنْدِيَّةِ، وواحِدُهُ عَلى ما نُقِلَ عَنْ ثَعْلَبٍ سُنْدُسَةٌ.
وزَعَمَ بَعْضُهُمْ: أنَّ أصْلَهُ سِنْدِيٌّ، وكانَ هَذا النَّوْعُ مِنَ الدِّيباجِ يُجْلَبُ مِنَ السِّنْدِ فَأُبْدِلَتِ الياءُ سِينًا كَما فُعِلَ في سادِيٍّ فَقِيلَ: سادِسٌ، وهو كَلامٌ لا يَرُوجُ إلّا عَلى سِنْدِيٍّ أوْ هِنْدِيٍّ. ويُحْكى أنَّ جَماعَةً مِن أهْلِ الهِنْدِ مِن بَلَدٍ يُقالُ لَهُ بُرُوجْ بِالجِيمِ الفارِسِيَّةِ، وكانُوا يَتَكَلَّمُونَ بِلُغَةٍ تُسَمّى سِنْسِكْرِيتَ جاءُوا إلى الإسْكَنْدَرِ الثّانِي بِهَدِيَّةٍ مِن جُمْلَتِها هَذا الدِّيباجُ ولَمْ يَكُنْ رَآهُ فَقالَ: ما هَذا؟ فَقالُوا: سُنْدُونُ بِالنُّونِ في آخِرِهِ فَغَيَّرَتْهُ الرُّومُ إلى سُنْدُوسَ، ثُمَّ العَرَبُ إلى سُنْدُسٍ فَهو مُعَرَّبٌ قَطْعًا مِن ذَلِكَ اللَّفْظِ الَّذِي أطْلَقَتْهُ أُولَئِكَ الجَماعَةُ عَلَيْهِ، لَكِنْ لا جَرَمَ في أنَّهُ اسْمٌ لَهُ في الأصْلِ بِلُغَتِهِمْ أوِ اسْمٌ لِلْبَلْدَةِ المَجْلُوبِ هو مِنها، أُطْلِقَ عَلَيْهِ كَما في أسْماءِ كَثِيرٍ مِنَ الأمْتِعَةِ اليَوْمَ. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الحالِ.
﴿وإسْتَبْرَقٍ﴾ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنْ قَتادَةَ وعِكْرِمَةَ أنَّهُ غَلِيظُ الدِّيباجِ، وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: هو دِيباجٌ مَنسُوجٌ بِذَهَبٍ، وفي القامُوسِ: هو الدِّيباجُ الغَلِيظُ أوْ دِيباجٌ يُعْمَلُ بِالذَّهَبِ أوْ ثِيابُ حَرِيرٍ صِفاقٌ نَحْوَ الدِّيباجِ أوْ قِدَّةٌ حَمْراءُ كَأنَّها قِطَعُ الأوْتارِ اه، والَّذِي عَلَيْهِ الأكْثَرُونَ مِنَ المُفَسِّرِينَ واللُّغَوِيِّينَ الأوَّلُ، وهو كَما أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ مُعَرَّبُ اسْتَبْرَهْ وهي كَلِمَةٌ عَجَمِيَّةٌ ومَعْناها الغَلِيظُ، والمَشْهُورُ أنَّهُ يُقالُ لِلْغَلِيظِ بِالفارِسِيَّةِ اسْتَبَرْ بِلا هاءٍ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو رُومِيٌّ عُرِّبَ وأصْلُهُ اسْتَبْرَهْ فَأبْدَلُوا الهاءَ قافًا، ووَقَعَ في شِعْرِ المُرَقَّشِ قالَ:
تَراهُنَّ يَلْبَسْنَ المَشاعِرَ مَرَّةً ∗∗∗ وإسْتَبْرَقَ الدِّيباجِ طَوْرًا لِباسُها
وقالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: هو سُرْيانِيٌّ عُرِّبَ وذَكَرَ مِن أصْلِهِ ما ذَكَرُوا، وقِيلَ: أصْلُهُ اسْتَفْرَهْ بِحَرْفٍ بَعْدَ التّاءِ بَيْنَ الفاءِ والباءِ المُوَحَّدَةِ، وادَّعى بَعْضُهم أنَّ الإسْتَبْرَقَ الدِّيباجُ الغَلِيظُ الحَسَنُ في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ والفارِسِيَّةِ فَفِيهِ تَوافُقُ اللُّغَتَيْنِ، ونُقِلَ عَنِ الأزْهَرِيِّ أنَّهُ اسْتَصْوَبَ هَذا، ويُجْمَعُ عَلى أبارِيقَ ويُصَغَّرُ كَما في القامُوسِ وغَيْرِهِ عَلى أُبَيْرِقٍ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ «واسْتَبْرَقَ» بِوَصْلِ الهَمْزَةِ وفَتْحِ القافِ حَيْثُ وقَعَ؛ جَعَلَهُ كَما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ كَلامِ
صفحة 272
ابْنِ خالَوَيْهِ فِعْلًا ماضِيًا عَلى وزْنِ اسْتَفْعَلَ مِنَ البَرِيقِ إلّا أنَّ اسْتَفْعَلَ فِيهِ مُوافِقٌ لِلْمُجَرَّدِ الَّذِي هو بَرِقَ، وظاهِرُ كَلامِ الأهْوازِيِّ في الإقْناعِ أنَّهُ وحْدَهُ قَرَأ كَذَلِكَ وجَعَلَهُ اسْمًا مَمْنُوعًا مِنَ الصَّرْفِ ولَمْ يَجْعَلْهُ فِعْلًا ماضِيًا.
وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: قَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: «واسْتَبْرَقٍ» بِوَصْلِ الهَمْزَةِ في جَمِيعِ القُرْآنِ مَعَ التَّنْوِينِ فَيَجُوزُ أنَّهُ حَذَفَ الهَمْزَةَ تَخْفِيفًا عَلى غَيْرِ قِياسٍ، ويَجُوزُ أنَّهُ جَعَلَهُ كَلِمَةً عَرَبِيَّةً مِن بَرِقَ الثَّوْبُ يَبْرُقُ بَرِيقًا إذا تَلَأْلَأ بِجِدَّتِهِ ونَضارَتِهِ فَيَكُونُ وزْنُهُ اسْتَفْعَلَ مِن ذَلِكَ، فَلَمّا سُمِّيَ بِهِ عامَلَهُ مُعامَلَةَ الفِعْلِ في وصْلِ الهَمْزَةِ ومُعامَلَةَ المُتَمَكِّنِ مِنَ الأسْماءِ في الصَّرْفِ والتَّنْوِينِ، وأكْثَرُ التَّفاسِيرِ عَلى أنَّهُ عَرَبِيٌّ ولَيْسَ بِمُسْتَعْرَبٍ انْتَهى، ولا يَخْفى أنَّهُ مُخالِفٌ لِلنَّقْلَيْنِ السّابِقَيْنِ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ:
إنَّ لِابْنِ مُحَيْصِنٍ قِراءَتَيْنِ فِيهِ الصَّرْفُ والمَنعُ مِنهُ فَنَقَلَ بَعْضٌ قِراءَةً وبَعْضٌ آخَرُ أُخْرى، لَكِنْ ذَكَرَ ابْنُ جِنِّيٍّ أنَّ قِراءَةَ فَتْحِ القافِ سَهْوٌ أوْ كالسَّهْوِ، قالَ أبُو حَيّانَ: وإنَّما قالَ ذَلِكَ لِأنَّ جَعْلَهُ اسْمًا ومَنعَهُ مِنَ الصَّرْفِ لا يَجُوزُ أنَّهُ غَيْرُ عَلَمٍ فَتَكُونُ سَهْوًا، وقَدْ أمْكَنَ جَعْلُهُ فِعْلًا ماضِيًا فَلا تَكُونُ سَهْوًا. انْتَهى.
وفِي الجَمْعِ بَيْنَ السُّنْدُسِ والإسْتَبْرَقِ إشْعارٌ ما بِأنَّ لِأُولَئِكَ القَوْمِ في الجَنَّةِ ما يَشْتَهُونَ، ونُكِّرا لِتَعْظِيمِ شَأْنِهِما وكَيْفَ لا وهُما وراءَ ما يُشاهَدُ مِن سُنْدُسِ الدُّنْيا وإسْتَبْرَقِها بَلْ وما يُتَخَيَّلُ مِن ذَلِكَ.
وقَدْ أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي الخَيْرِ مَرْثَدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: في الجَنَّةِ شَجَرَةٌ تُنْبِتُ السُّنْدُسَ، مِنهُ تَكُونُ ثِيابُ أهْلِ الجَنَّةِ.
وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ والبُخارِيُّ في التّارِيخِ والنَّسائِيُّ وغَيْرُهم عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أخْبِرْنا عَنْ ثِيابِ أهْلِ الجَنَّةِ، أخَلْقًا تُخْلَقُ أمْ نَسْجًا تُنْسَجُ؟ فَقالَ ﷺ: بَلْ يَتَشَقَّقُ عَنْها ثَمَرُ الجَنَّةِ.
وظاهِرُهُ أنَّها مِن سُنْدُسٍ كانَتْ أوْ مِن إسْتَبْرَقٍ كَذَلِكَ، وقُدِّمَتِ التَّحْلِيَةُ عَلى اللِّباسِ لِأنَّ الحُلِيَّ في النَّفْسِ أعْظَمُ، وإلى القَلْبِ أحَبُّ، وفي القِيمَةِ أغْلى، وفي العَيْنِ أحْلى، وبَنى فِعْلَهُ لِلْمَفْعُولِ إشْعارًا بِأنَّهم لا يَتَعاطَوْنَ ذَلِكَ بِأنْفُسِهِمْ، وإنَّما يَفْعَلُهُ الخَدَمُ كَما قالَ الشّاعِرُ:
غَرائِرُ في كِنٍّ وصَوْنٍ ونِعْمَةٍ ∗∗∗ يُحَلَّيْنَ ياقُوتًا وشَذْرًا مُفَقَّرا
وكَذَلِكَ سائِرُ المُلُوكِ في الدُّنْيا يُلْبِسُهُمُ التِّيجانَ ونَحْوَها مِنَ العَلاماتِ المُرَصَّعَةِ بِالجَواهِرِ خَدَمُهُمْ، وأسْنَدَ اللُّبْسَ إلَيْهِمْ لِأنَّ الإنْسانَ يَتَعاطى ذَلِكَ بِنَفْسِهِ خُصُوصًا إذا كانَ فِيهِ سَتْرُ العَوْرَةِ، وقِيلَ: بَنى الأوَّلَ لِلْمَفْعُولِ والثّانِيَ لِلْفاعِلِ إشارَةً إلى أنَّ التَّحْلِيَةَ تَفَضُّلٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى واللُّبْسُ اسْتِحْقاقُهُمْ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ فِيهِ نَزْغَةً اعْتِزالِيَّةً ويُدْفَعُ بِالعِنايَةِ ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها عَلى الأرائِكِ﴾ جَمْعُ أرِيكَةٍ كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ وهو السَّرِيرُ في الحَجْلَةِ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ فِيها فَلا يُسَمّى أرِيكَةً.
وأخْرَجَ ذَلِكَ البَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقالَ الرّاغِبُ: الأرِيكَةُ حَجْلَةٌ عَلى سَرِيرٍ وتَسْمِيَتُها بِذَلِكَ إمّا لِكَوْنِها في الأرْضِ مُتَّخَذَةً مِن أراكٍ وهو شَجَرٌ مَعْرُوفٌ أوْ لِكَوْنِها مَكانًا لِلْإقامَةِ مِن قَوْلِهِمْ أرَكَ بِالمَكانِ أُرُوكًا، وأصْلُ الأُرُوكِ الإقامَةُ عَلى رَعْيِ الأراكِ ثُمَّ تُجُوِّزَ بِهِ في غَيْرِهِ مِنَ الإقاماتِ، ورُوِيَ تَفْسِيرُها بِذَلِكَ عَنْ عِكْرِمَةَ.
وقالَ الزَّجّاجُ: الأرائِكُ الفُرُشُ في الحِجالِ، والظّاهِرُ أنَّها عَلى سائِرِ الأقْوالِ عَرَبِيَّةٌ، وحَكى ابْنُ الجَوْزِيِّ في فُنُونِ الأفْنانِ أنَّها السُّرُرُ بِالحَبَشِيَّةِ، وأيًّا ما كانَ فالكَلامُ عَلى ما قالَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ كِنايَةٌ عَنْ تَنَعُّمِهِمْ وتَرَفُّهِهِمْ؛ فَإنَّ الِاتِّكاءَ عَلى الأرائِكِ شَأْنُ المُتَنَعِّمِينَ المُتَرَفِّهِينَ، والآثارُ ناطِقَةٌ بِأنَّهم يَتَّكِئُونَ ويَتَنَعَّمُونَ.
فَقَدْ أخْرَجَ
صفحة 273
ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الهَيْثَمِ بْنِ مالِكٍ الطّائِيِّ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««إنَّ الرَّجُلَ لِيَتَّكِئَ المُتَّكَأ مِقْدارَ أرْبَعِينَ سَنَةً ما يَتَحَوَّلُ مِنهُ ولا يَمَلُّهُ يَأْتِيهِ ما اشْتَهَتْ نَفْسُهُ ولَذَّتْ عَيْنُهُ»».
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وجَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسِ أنْ عَلى الأرائِكِ فُرُشًا مَنضُودَةً في السَّماءِ مِقْدارَ فَرْسَخٍ.
وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: «عَلَّرائِكِ» بِنَقْلِ حَرَكَةِ الهَمْزَةِ إلى لامِ التَّعْرِيفِ وإدْغامِ لامِ عَلى فِيها فَيُحْذَفُ ألِفُ عَلى لِتَوَهُّمِ سُكُونِ لامِ التَّعْرِيفِ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
فَما أصْبَحَتْ عارِضَ نَفْسِي بَرِّيَّةً،
يُرِيدُ عَلى الأرْضِ
﴿نِعْمَ الثَّوابُ﴾ ذَلِكَ الَّذِي وُعِدُوا بِهِ مِنَ الجَنَّةِ ونَعِيمِها ﴿وحَسُنَتْ﴾ أيِ الأرائِكُ أوِ الجَنّاتُ ﴿مُرْتَفَقًا﴾ مُتَّكَأً، وقَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا الكَلامُ فِيهِ
18:32Page 297
۞ وَٱضۡرِبۡ لَهُم مَّثَلٗا رَّجُلَيۡنِ جَعَلۡنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيۡنِ مِنۡ أَعۡنَٰبٖ وَحَفَفۡنَٰهُمَا بِنَخۡلٖ وَجَعَلۡنَا بَيۡنَهُمَا زَرۡعٗا ٣٢
And present to them an example of two men: We granted to one of them two gardens of grapevines, and We bordered them with palm trees and placed between them [fields of] crops.
﴿واضْرِبْ لَهُمْ﴾ لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ والكَفَرَةِ الَّذِينَ طَلَبُوا طَرْدَهم ﴿مَثَلا رَجُلَيْنِ﴾ مَفْعُولانِ لِ «اضْرِبْ» ثانِيهُما أوَّلُهُما لِأنَّهُ المُحْتاجُ إلى التَّفْصِيلِ والبَيانِ قالَهُ بَعْضُهُمْ، وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُ هَذا المَقامِ فَتَذَكَّرْ، والمُرادُ بِالرَّجُلَيْنِ إمّا رَجُلانِ مُقَدَّرانِ عَلى ما قِيلَ وضَرْبُ المَثَلِ لا يَقْتَضِي وُجُودَهُما وإمّا رَجُلانِ مَوْجُودانِ وهو المُعَوَّلُ عَلَيْهِ، فَقِيلَ: هُما أخَوانِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ أحَدُهُما كافِرٌ اسْمُهُ فَرْطُوسُ، وقِيلَ اسْمُهُ قِطْفِيرُ والآخَرُ مُؤْمِنٌ اسْمُهُ يَهُوذا في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقالَ مُقاتِلٌ: اسْمُهُ يَمْلِيخا، وعَنِ ابْنِ عَبّاسِ أنَّهُما ابْنا مَلِكٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ أنْفَقَ أحَدُهُما مالَهُ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى، وكَفَرَ الآخَرُ واشْتَغَلَ بِزِينَةِ الدُّنْيا وتَنْمِيَةِ مالِهِ، ورُوِيَ أنَّهُما كانا حَدّادَيْنِ كَسَبا مالًا، ورُوِيَ أنَّهُما ورِثا مِن أبِيهِما ثَمانِيَةَ آلافِ دِينارٍ فَتَشاطَراها فاشْتَرى الكافِرُ أرْضًا بِألْفٍ فَقالَ المُؤْمِنُ: اللَّهُمَّ أنا أشْتَرِي مِنكَ أرْضًا في الجَنَّةِ بِألْفٍ، فَتَصَدَّقَ بِهِ، ثُمَّ بَنى أخُوهُ دارًا بِألْفٍ فَقالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أشْتَرِي مِنكَ دارًا في الجَنَّةِ بِألْفٍ، فَتَصَدَّقَ بِهِ، ثُمَّ تَزَوَّجَ أخُوهُ امْرَأةً بِألْفٍ فَقالَ: اللَّهُمَّ إنِّي جَعَلْتُ ألْفًا صَداقًا لِلْحُورِ، فَتَصَدَّقُ بِهِ، ثُمَّ اشْتَرى أخُوهُ خَدَمًا ومَتاعًا بِألْفٍ، فَقالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أشْتَرِي مِنكَ الوِلْدانَ المُخَلَّدِينَ بِألْفٍ فَتَصَدَّقُ بِهِ، ثُمَّ أصابَتْهُ حاجَةٌ فَجَلَسَ لِأخِيهِ عَلى طَرِيقِهِ فَمَرَّ بِهِ في حَشَمِهِ فَتَعَرَّضَ لَهُ فَطَرَدَهُ ووَبَّخَهُ عَلى التَّصَدُّقِ بِمالِهِ، وقِيلَ: هُما أخَوانِ مِن بَنِي مَخْزُومٍ كافِرٌ هو الأسْوَدُ بْنُ الأسَدِ ومُؤْمِنٌ هو أبُو سَلَمَةَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الأسَدِ، والمُرادُ ضَرْبُهُما مَثَلًا لِلْفَرِيقَيْنِ المُؤْمِنَيْنِ والكافِرَيْنِ لا مِن حَيْثُ أحْوالُهُما المُسْتَفادَةُ مِمّا ذُكِرَ آنِفًا مِن أنَّ لِلْمُؤْمِنِينَ في الآخِرَةِ كَذا ولِلْكافِرِينَ فِيها كَذا، بَلْ مِن حَيْثُ عِصْيانُ الكَفَرَةِ مَعَ تَقَلُّبِهِمْ في نِعَمِ اللَّهِ تَعالى وطاعَةُ المُؤْمِنِينَ مَعَ مُكابَدَتِهِمْ مَشاقَّ الفَقْرِ، أيِ اضْرِبْ لَهم مَثَلًا مِن حَيْثِيَّةِ العِصْيانِ مَعَ النِّعْمَةِ والطّاعَةِ مَعَ الفَقْرِ حالَ رَجُلَيْنِ ﴿جَعَلْنا لأحَدِهِما﴾ وهو الكافِرُ ﴿جَنَّتَيْنِ﴾ بُسْتانَيْنِ لَمْ يُعَيِّنْ سُبْحانَهُ مَكانَهُما؛ إذْ لا يَتَعَلَّقُ بِتَعْيِينِهِ كَبِيرُ فائِدَةٍ.
وذَكَرَ إبْراهِيمُ بْنُ القاسِمِ الكاتِبُ في كِتابِهِ: «عَجائِبُ البِلادِ» أنَّ بُحَيْرَةَ تِنِيسَ كانَتْ هاتَيْنِ الجَنَّتَيْنِ فَجَرى ما جَرى فَفَرَّقَهُما اللَّهُ تَعالى في لَيْلَةٍ واحِدَةٍ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ما يُعْلَمُ مِنهُ قَوْلٌ آخَرُ، والجُمْلَةُ بِتَمامِها تَفْسِيرٌ لِلْمَثَلِ فَلا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِرَجُلَيْنِ فَمَوْضِعُها النَّصْبُ.
﴿مِن أعْنابٍ﴾ مِن كُرُومٍ مُتَنَوِّعَةٍ فالكَلامُ عَلى ما قِيلَ إمّا عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ وإمّا الأعْنابُ فِيهِ مَجازٌ عَنِ الكُرُومِ وهي أشْجارُ العِنَبِ، والمَفْهُومُ مِن ظاهِرِ كَلامِ الرّاغِبِ أنَّ العِنَبَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الثَّمَرَةِ والكَرْمِ وعَلَيْهِ فَيُرادُ الكُرُومُ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى
صفحة 274
التَّقْدِيرِ أوِ ارْتِكابِ المَجازِ، والدّاعِي إلى إرادَةِ ذَلِكَ أنَّ الجَنَّةَ لا تَكُونُ مِن ثَمَرٍ بَلْ مِن شَجَرٍ ﴿وحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ﴾ أيْ: جَعَلْنا النَّخْلَ مُحِيطَةً بِهِما مُطِيفَةً بِحِفافَيْهِما؛ أيْ: جانِبَيْهِما مُؤَزَّرًا بِها كُرُومُهُما، يُقالُ: حَفَّهُ القَوْمُ إذا طافُوا بِهِ وحَفَفْتُهُ بِهِمْ إذا جَعَلَتَهم حافِّينَ حَوْلَهُ فَتُزِيدُهُ الباءُ مَفْعُولًا آخَرَ كَقَوْلِكَ: غَشِيتُهُ بِهِ ﴿وجَعَلْنا بَيْنَهُما﴾ وسَطَهُما ﴿زَرْعًا﴾ لِتَكُونا جامِعَتَيْنِ لِلْأقْواتِ والفَواكِهِ مُتَواصِلَتَيِ العِمارَةِ عَلى الهَيْئَةِ الرّائِقَةِ والوَضْعِ الأنِيقِ.
18:33Page 297
كِلۡتَا ٱلۡجَنَّتَيۡنِ ءَاتَتۡ أُكُلَهَا وَلَمۡ تَظۡلِم مِّنۡهُ شَيۡـٔٗاۚ وَفَجَّرۡنَا خِلَٰلَهُمَا نَهَرٗا ٣٣
Each of the two gardens produced its fruit and did not fall short thereof in anything. And We caused to gush forth within them a river.
﴿كِلْتا الجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها﴾ ثَمَرَها وبَلَغَ مَبْلَغًا صالِحًا لِلْأكْلِ، و﴿كِلْتا﴾ اسْمٌ مُفْرَدُ اللَّفْظِ مَثْنى المَعْنى عِنْدَ البَصْرِيِّينَ وهو المَذْهَبُ المَشْهُورُ ومُثَنًّى لَفْظًا ومَعْنًى عِنْدَ البَغْدادِيِّينَ وتاؤُهُ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ واوٍ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ فَأصْلُهُ كَلَوى فالألِفُ فِيهِ لِلتَّأْنِيثِ. ويُشْكِلُ عَلى هَذا إعْرابُهُ بِالحُرُوفِ بِشَرْطِهِ، ويُجابُ بِما أُجِيبَ بِهِ عَنِ الإشْكالِ في الأسْماءِ الخَمْسَةِ. وعِنْدَ الجِرْمِيِّ الألِفُ لامٌ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ أصْلِها، والتّاءُ زائِدَةٌ لِلتَّأْنِيثِ. ويَرِدُ عَلَيْهِ أنَّهُ لا يُعْرَفُ فَعْتَلٌ، وأنَّ التّاءَ لا تَقَعُ حَشْوًا ولا بَعْدَ ساكِنٍ صَحِيحٍ، وعَلى المَشْهُورِ يَجُوزُ في ضَمِيرِهِ مُراعاةُ لَفْظِهِ ومُراعاةُ مَعْناهُ، وقَدْ رُوعِيَ الأوَّلُ هُنا والثّانِي فِيما بَعْدُ. وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ: «كِلا الجَنَّتَيْنِ آتى» بِصِيغَةِ التَّذْكِيرِ لِأنَّ تَأْنِيثَ الجَنَّتَيْنِ مَجازِيٌّ ثُمَّ قَرَأ: «آتَتْ» فَأنَّثَ لِأنَّهُ ضَمِيرٌ مُؤَنَّثٌ، ولا فَرْقَ بَيْنَ حَقِيقِيِّهِ ومَجازِيِّهِ، فالتَّرْكِيبُ نَظِيرُ قَوْلِكَ: طَلَعَ الشَّمْسُ وأشْرَقَتْ، وقالَ: إنَّ عَبْدَ اللَّهِ قَرَأ: «كُلُّ الجَنَّتَيْنِ آتى أُكُلَهُ» فَذَكَّرَ وأعادَ الضَّمِيرَ عَلى «كُلُّ».
﴿ولَمْ تَظْلِمْ مِنهُ﴾ أيْ: لَمْ تُنْقِصْ مِن أكْلِها ﴿شَيْئًا﴾ مِنَ النَّقْصِ عَلى خِلافِ ما يُعْهَدُ في سائِرِ البَساتِينِ؛ فَإنَّ الثِّمارَ غالِبًا تَكْثُرُ في عامٍ وتَقِلُّ في عامٍ، وكَذا بَعْضُ الأشْجارِ تَأْتِي بِالثِّمارِ في بَعْضِ الأعْوامِ دُونَ بَعْضٍ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ﴿تَظْلِمْ﴾ مُتَعَدِّيًا و﴿شَيْئًا﴾ مَفْعُولَهُ، والمَآلُ واحِدٌ ﴿وفَجَّرْنا خِلالَهُما﴾ أيْ: فِيما بَيْنَ كِلْتا الجَنَّتَيْنِ ﴿نَهَرًا﴾ لِيَدُومَ شُرْبُهُما ويَزِيدَ بَهاؤُهُما، قالَ يَحْيى بْنُ أبِي عَمْرٍو الشَّيْبانِيُّ: وهَذا النَّهْرُ هو النَّهْرُ هو المُسَمّى بِنَهْرِ أبِي فَرْطَسَ وهو عَلى ما قالَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ نَهْرٌ مَشْهُورٌ في الرَّمْلَةِ، وقِيلَ: المَعْنى: فَجَّرْنا فِيما بَيْنَ كُلٍّ مِنَ الجَنَّتَيْنِ نَهْرًا عَلى حِدَةٍ فَيَكُونُ هُناكَ نَهْرانِ عَلى هَذا، ولا يَخْفى أنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ، وتَشْدِيدُ فَجَّرَ قِيلَ: لِلْمُبالَغَةِ في سِعَةِ التَّفْجِيرِ، وقالَ الفَرّاءُ: لِأنَّ النَّهْرَ مُمْتَدٌّ فَكَأنَّهُ أنْهارٌ.
وقَرَأ الأعْمَشُ وسَلّامُ ويَعْقُوبُ وعِيسى بْنُ عُمَرَ: «فَجَرْنا» بِالتَّخْفِيفِ عَلى الأصْلِ، وقَرَأ أبُو السَّمّالِ والعِياضُ بْنُ غَزْوانَ وطَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ: «نَهْرًا» بِسُكُونِ الهاءِ وهو لُغَةٌ جارِيَةٌ فِيهِ وفي نَظائِرِهِ، ولَعَلَّ تَأْخِيرَ ذِكْرِ التَّفْجِيرِ عَنْ ذِكْرِ الإيتاءِ مَعَ أنَّ التَّرْتِيبَ الخارِجِيَّ عَلى العَكْسِ لِلْإيذانِ بِاسْتِقْلالِ كُلٍّ مِن إيتاءِ الأكْلِ وتَفْجِيرِ النَّهْرِ في تَكْمِيلِ مَحاسِنِ الجَنَّتَيْنِ كَما في قِصَّةِ البَقَرَةِ ونَحْوِها ولَوْ عُكِسَ لا نَفْهَمُ أنَّ المَجْمُوعَ خَصْلَةٌ واحِدَةٌ بَعْضُها مُتَرَتِّبٌ عَلى بَعْضٍ؛ فَإنَّ إيتاءَ الأكْلِ مُتَفَرِّعٌ عَلى السَّقْيِ عادَةً، وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّ إيتاءَ الأكْلِ لا يَتَوَقَّفُ عَلى السَّقْيِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ﴾ قالَهُ شَيْخُ الإسْلامِ
18:34Page 297
وَكَانَ لَهُۥ ثَمَرٞ فَقَالَ لِصَٰحِبِهِۦ وَهُوَ يُحَاوِرُهُۥٓ أَنَا۠ أَكۡثَرُ مِنكَ مَالٗا وَأَعَزُّ نَفَرٗا ٣٤
And he had fruit, so he said to his companion while he was conversing with him, "I am greater than you in wealth and mightier in [numbers of] men."
﴿وكانَ لَهُ﴾ أيْ: لِلْأحَدِ المَذْكُورِ وهو صاحِبُ الجَنَّتَيْنِ ﴿ثَمَرٌ﴾ أنْواعُ المالِ كَما في القامُوسِ وغَيْرِهِ. ويُقالُ: ثَمَرَ إذا تَمَوَّلَ، وحَمْلُهُ عَلى حَمْلِ الشَّجَرِ كَما فَعَلَ أبُو حَيّانَ وغَيْرُهُ غَيْرُ مُناسِبٍ لِلنُّظُمِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وقُرّاءُ المَدِينَةِ: «ثُمُرٌ» بِضَمِّ الثّاءِ والمِيمِ، وكَذا في «بِثُمُرِهِ» الآتِي وهو جَمْعُ ثِمارٍ بِكَسْرِ الثّاءِ جَمْعَ ثَمَرٍ بِفَتْحَتَيْنِ فَهو جَمْعُ الجَمْعِ ومَعْناهُ
صفحة 275
عَلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ: أيْ أمْوالٌ كَثِيرَةٌ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ والحَيَوانِ وغَيْرِها، وبِذَلِكَ فَسَّرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ وغَيْرُهُما، وقالَ مُجاهِدٌ: يُرادُ بِهِ الذَّهَبُ والفِضَّةُ خاصَّةً، وقَرَأ الأعْمَشُ وأبُو رَجاءٍ وأبُو عَمْرٍو بِضَمِّ الثّاءِ وإسْكانِ المِيمِ تَخْفِيفًا هُنا وفِيما بَعْدُ والمَعْنى عَلى ما سَمِعْتَ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ في رِوايَةٍ: «ثَمْرٌ» بِالفَتْحِ والسُّكُونِ.
وفِي مُصْحَفِ أُبَيٍّ وحُمِلَ عَلى التَّفْسِيرِ: «وآتَيْناهُ ثَمَرًا كَثِيرًا» ﴿فَقالَ لِصاحِبِهِ﴾ المُؤْمِنِ، والمُرادُ بِالصّاحِبِ المَعْنى اللُّغَوِيُّ فَلا يُنافِي هَذا العُنْوانُ القَوْلَ بِأنَّهُما كانا أخَوَيْنِ خِلافًا لِمَن وهِمَ ﴿وهُوَ﴾ أيِ القائِلُ ﴿يُحاوِرُهُ﴾ أيْ: يُحاوِرُ صاحِبَهُ، فالجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ القائِلِ، والمُحاوَرَةُ مُراجَعَةُ الكَلامِ مِن حارَ إذا رَجَعَ؛ أيْ: يُراجِعُهُ الكَلامَ في إنْكارِهِ البَعْثَ وإشْراكِهِ بِاللَّهِ تَعالى، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ حالًا مِن صاحِبِهِ، فَضَمِيرُ: ( هو ) عائِدٌ عَلَيْهِ، وضَمِيرُ صاحِبِهِ عائِدٌ عَلى القائِلِ؛ أيْ: والصّاحِبُ المُؤْمِنُ يُراجِعُ بِالوَعْظِ والدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ذَلِكَ الكافِرَ القائِلَ لَهُ: ﴿أنا أكْثَرُ مِنكَ مالا﴾ ﴿وأعَزُّ نَفَرًا﴾ حَشَمًا وأعْوانًا، وقِيلَ: أوْلادًا ذُكُورًا، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ قَتادَةَ ومُقاتِلٍ، وأُيِّدَ بِمُقابَلَتِهِ - بِأقَلَّ مِنكَ مالًا ووَلَدًا - وتَخْصِيصُ الذُّكُورِ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يَنْفِرُونَ مَعَهُ لِمَصالِحِهِ ومُعاوَنَتِهِ، وقِيلَ: عَشِيرَةً؛ ومِن شَأْنِهِمْ أنَّهم يَنْفِرُونَ مَعَ مَن هو مِنهُمْ، واسْتُدِلَّ بِذَلِكَ عَلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ أخاهُ؛ لِأنَّ العَشِيرَةَ مُشْتَرِكَةٌ بَيْنَهُما، ومُلْتَزَمُ الأُخُوَّةِ لا يُفَسَّرُ بِذَلِكَ، ونَصَبَ مالًا و﴿نَفَرًا﴾ عَلى التَّمْيِيزِ وهو عَلى ما قِيلَ مُحَوَّلٌ عَنِ المُبْتَدَأِ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ مِن أفْعَلِ التَّفْضِيلِ مَعْناهُ الحَقِيقِيُّ وحِينَئِذٍ يُرَدُّ بِذَلِكَ ما في بَعْضِ الرِّواياتِ مِن أنَّ الأخَ المُؤْمِنَ بَقِيَ بَعْدَ التَّصَدُّقِ بِمالِهِ فَقِيرًا مُحْتاجًا فَسَألَ أخاهُ الكافِرَ ولَمْ يُعْطِهُ ووَبَّخَهُ عَلى التَّصَدُّقِ.
18:35Page 298
وَدَخَلَ جَنَّتَهُۥ وَهُوَ ظَالِمٞ لِّنَفۡسِهِۦ قَالَ مَآ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَٰذِهِۦٓ أَبَدٗا ٣٥
And he entered his garden while he was unjust to himself.1 He said, "I do not think that this will perish - ever.
﴿ودَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ أيْ: كُلَّ ما هو جَنَّةٌ لَهُ يَتَمَتَّعُ بِها بِناءً عَلى أنَّ الإضافَةَ لِلِاسْتِغْراقِ والعُمُومِ، فَتُفِيدُ ما أفادَتْهُ التَّثْنِيَةُ مَعَ زِيادَةٍ وهي الإشارَةُ إلى أنَّهُ لا جَنَّةَ لَهُ غَيْرُ ذَلِكَ ولا حَظَّ لَهُ في الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ وإلى هَذا ذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ وهو مَعْنًى لَطِيفٌ دَقَّ تَصَوُّرُهُ عَلى أبِي حَيّانَ فَتَعَقَّبَهُ بِما تَعَقَّبَهُ. واخْتارَ الإفْرادَ لِأنَّ الدُّخُولَ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ في الجَنَّتَيْنِ مَعًا في وقْتٍ واحِدٍ وإنَّما يَكُونُ في واحِدَةٍ واحِدَةٍ وهو خالٍ عَمّا أُشِيرَ إلَيْهِ مِنَ النُّكْتَةِ.
وكَذا ما قِيلَ: إنَّ الإفْرادَ لِاتِّصالِ إحْداهُما بِالأُخْرى، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّهُ قالَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿جَعَلْنا لأحَدِهِما جَنَّتَيْنِ﴾ إلَخِ الجَنَّةُ البُسْتانُ، فَكانَ لَهُ بُسْتانٌ واحِدٌ وجِدارٌ واحِدٌ، وكانَ بَيْنَهُما نَهَرٌ فَلِذَلِكَ كانَ جَنَّتَيْنِ، وسَمّاهُ سُبْحانَهُ جَنَّةً مِن قِبَلِ الجِدارِ المُحِيطِ بِهِ وهو كَما تَرى، والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ والمُحاوَرَةُ أنَّ المُرادَ: ودَخَلَ جَنَّتَهُ مَعَ صاحِبِهِ ﴿وهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ؛ أيْ: وهو ضارٌّ لِنَفْسِهِ بِكُفْرِهِ حَيْثُ عَرَّضَها لِلْهَلاكِ وعَرَّضَ نِعْمَتَها لِلزَّوالِ أوْ واضِعٌ الشَّيْءَ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ حَيْثُ كانَ اللّائِقُ بِهِ الشُّكْرَ والتَّواضُعَ لا ما حُكِيَ عَنْهُ.
﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِن ذِكْرِ دُخُولِ جَنَّتِهِ حالَ ظُلْمِهِ لِنَفْسِهِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ إذْ ذاكَ؟ فَقِيلَ قالَ: ﴿ما أظُنُّ أنْ تَبِيدَ﴾ أيْ: تَهْلَكَ وتَفْنى يُقالُ: بادَ يَبِيدُ بَيْدًا وبُيُودًا وبَيْدُودَةً إذا هَلَكَ ﴿هَذِهِ﴾ أيِ الجَنَّةُ ﴿أبَدًا﴾ أيْ: طُولَ الحَياةِ، فالمُرادُ بِالتَّأْبِيدِ طُولُ المُكْثِ لا مَعْناهُ المُتَبادَرُ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ أرادَ ذَلِكَ لِأنَّهُ لِجَهْلِهِ وإنْكارِهِ قِيامَ السّاعَةِ ظَنَّ عَدَمَ فَناءِ نَوْعِها، وإنْ فَنِيَ كُلُّ شَخْصٍ مِن أشْجارِها نَحْوَ ما يَقُولُهُ الفَلاسِفَةُ القائِلُونَ بِقِدَمِ العالَمِ في الحَرَكاتِ الفَلَكِيَّةِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وقِيلَ: ما قَصَدَ إلّا أنَّ هَذِهِ الجَنَّةَ المُشاهَدَةَ
صفحة 276
بِشَخْصِها لا تَفْنى عَلى ما يَقُولُهُ الفَلاسِفَةُ عَلى المَشْهُورِ في الأفْلاكِ أنْفُسِها، وكَأنَّ حُبَّ الدُّنْيا والعَجَبَ بِها غَشّى عَلى عَقْلِهِ فَقالَ ذَلِكَ وإلّا فَهو مِمّا لا يَقُولُهُ عاقِلٌ وهو مِمّا لا يَرْتَضِيهِ فاضِلٌ، وقِيلَ: «هَذِهِ» إشارَةٌ إلى الأجْرامِ العُلْوِيَّةِ والأجْسامِ السُّفْلِيَّةِ مِنَ السَّمَواتِ والأرْضِ وأنْواعِ المَخْلُوقاتِ أوْ إشارَةٌ إلى الدُّنْيا، والمَآلُ واحِدٌ والظّاهِرُ ما تَقَدَّمَ، أيًّا ما كانَ فَلَعَلَّ هَذا القَوْلَ كانَ مِنهُ بِمُقابَلَةِ مَوْعِظَةِ صاحِبِهِ وتَذْكِيرِهِ بِفَناءِ جَنَّتَيْهِ ونَهْيِهِ عَنِ الِاغْتِرارِ بِهِما وأمْرِهِ بِتَحْصِيلِ الصّالِحاتِ الباقِياتِ، ولَعَلَّهُ خَوَّفَهُ أيْضًا بِالسّاعَةِ فَقالَ لَهُ:
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences