Al-AlusiAl‑Kahf · 18:65

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-Kahf 18:65

18:65Page 301

فَوَجَدَا عَبۡدٗا مِّنۡ عِبَادِنَآ ءَاتَيۡنَٰهُ رَحۡمَةٗ مِّنۡ عِندِنَا وَعَلَّمۡنَٰهُ مِن لَّدُنَّا عِلۡمٗا ٦٥

And they found a servant from among Our servants [i.e., al-Khiḍr] to whom We had given mercy from Us and had taught him from Us a [certain] knowledge.

﴿فَوَجَدا عَبْدًا مِن عِبادِنا﴾ الجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ الخَضِرُ بِفَتْحِ الخاءِ وقَدْ تُكْسَرُ وكَسْرِ الضّادِ وقَدْ تُسَكَّنُ، وقِيلَ: اليَسَعُ، وقِيلَ: إلْياسُ، وقِيلَ: مَلَكٌ مِنَ المَلائِكَةِ وهو قَوْلٌ غَرِيبٌ باطِلٌ كَما في شَرْحِ مُسْلِمٍ، والحَقُّ الَّذِي تَشْهَدُ لَهُ الأخْبارُ الصَّحِيحَةُ هو الأوَّلُ، والخَضِرُ لَقَبُهُ ولُقِّبَ بِهِ كَما أخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِأنَّهُ جَلَسَ عَلى فَرْوَةٍ بَيْضاءَ فَإذا هي تَهْتَزُّ مِن خَلْفِهِ خَضْراءَ.

وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ وجَماعَةٌ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ لُقِّبَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ إذا صَلّى اخْضَرَّ ما حَوْلَهُ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّ ذَلِكَ لِأنَّهُ كانَ إذا جَلَسَ في مَكانٍ اخْضَرَّ ما حَوْلَهُ وكانَتْ ثِيابُهُ خُضْرًا.

وأُخْرِجَ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّهُ إذا قامَ بِمَكانٍ نَبَتَ العُشْبُ تَحْتَ رِجْلَيْهِ حَتّى يُغَطِّيَ قَدَمَيْهِ.

وقِيلَ: لِإشْراقِهِ وحُسْنِهِ، والصَّوابُ كَما قالَ النَّوَوِيُّ -الأوَّلُ، وكُنْيَتُهُ أبُو العَبّاسِ، واسْمُهُ بَلْيا بِمُوَحَّدَةٍ مَفْتُوحَةٍ ولامٍ ساكِنَةٍ وياءٍ مُثَنّاةٍ تَحْتِيَّةٍ، وفي آخِرِهِ ألِفٌ قِيلَ مَمْدُودَةٌ، وقِيلَ: أبْلِيا بِزِيادَةِ هَمْزَةٍ في أوَّلِهِ، وقِيلَ: عامِرٌ، وقِيلَ: أحْمَدُ، ووَهّاهُ ابْنُ دِحْيَةَ بِأنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ قَبْلَ نَبِيِّنا ﷺ أحَدٌ مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ بِأحْمَدَ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ اسْمَ الخَضِرِ اليَسَعُ وأنَّهُ إنَّما سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّ عِلْمَهُ وسِعَ سِتَّ سَمَواتٍ وسِتَّ أرَضِينَ ووَهّاهُ ابْنُ الجَوْزِيِّ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ باطِلٌ لا واهٍ، ومِثْلُهُ القَوْلُ بِأنَّ اسْمَهُ إلْياسُ، واخْتَلَفُوا في أبِيهِ؛ فَأخْرَجَ الدّارَقُطْنِيُّ في الأفْرادِ، وابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ مُقاتِلِ بْنِ سُلَيْمانَ عَنِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ ابْنُ آدَمَ لِصُلْبِهِ، وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ أنَّ أُمَّهُ رُومِيَّةٌ وأباهُ فارِسِيٌّ، ولَمْ يَذْكُرِ اسْمَهُ وذَكَرَ أنَّ إلْياسَ أخُوهُ مِن هَذِهِ الأُمِّ وهَذا الأبِ، وأُخْرِجَ أيْضًا عَنْ أسْباطٍ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّهُ ابْنُ مَلَكٍ مِنَ المُلُوكِ وكانَ مُنْقَطِعًا في عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، وأحَبَّ أبُوهُ أنْ يُزَوِّجَهُ فَأبى ثُمَّ أجابَ فَزَوَّجَهُ بِامْرَأةٍ بِكْرٍ فَلَمْ يَقْرَبْها سَنَةً، ثُمَّ بِثَيِّبٍ فَلَمْ يَقْرَبْها ثُمَّ فَرَّ فَطَلَبَهُ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ ثُمَّ تَزَوَّجَتِ امْرَأتُهُ الأُولى وكانَتْ قَدْ آمَنَتْ وهي ماشِطَةُ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ، ولَمْ يَذْكُرْ أيْضًا اسْمَ أبِيهِ، وقِيلَ: إنَّهُ ابْنُ فِرْعَوْنَ عَلى ما قِيلَ إنَّهُ أبُوهُ، وسُبْحانَ مَن يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ، ويُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ.

وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ عَنْ كَعْبِ الأحْبارِ أنَّهُ ابْنُ عامِيلَ وأنَّهُ رَكِبَ في نَفَرٍ مِن أصْحابِهِ حَتّى بَلَغَ بَحْرَ الهِنْدِ وهو بَحْرُ الصِّينِ فَقالَ: يا أصْحابِي، دَلُّونِي فَدَلَّوْهُ في البَحْرِ أيّامًا ولَيالِيَ ثُمَّ صَعِدَ فَقالَ: اسْتَقْبَلَنِي مَلَكٌ فَقالَ لِي: أيُّها الآدَمِيُّ الخَطّاءُ، إلى أيْنَ ومِن أيْنَ؟ فَقُلْتُ: أرَدْتُ أنْ أنْظُرَ عُمْقَ هَذا البَحْرِ. فَقالَ لِي: كَيْفَ وقَدْ أهْوى رَجُلٌ مِن زَمانِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ ولَمْ يَبْلُغْ ثُلْثَ قَعْرِهِ حَتّى السّاعَةِ.

وذَلِكَ ثَلاثُمِائَةِ سَنَةٍ، وأظُنُّكَ لا تَشُكُّ بِكَذِبِ هَذا الخَبَرِ، وإنْ قِيلَ: حَدِّثْ عَنِ البَحْرِ ولا حَرَجَ، وقِيلَ: هو ابْنُ العِيصِ. وقِيلَ: هو ابْنُ كَلْيانَ بِكافٍ مَفْتُوحَةٍ ولامٍ ساكِنَةٍ وياءٍ مُثَنّاةٍ تَحْتِيَّةٍ بَعْدَها ألِفٌ ونُونٌ. وقالَ: ابْنُ قُتَيْبَةَ في المَعارِفِ: قالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: إنَّهُ ابْنُ مَلْكانَ بِفَتْحِ المِيمِ وإسْكانِ اللّامِ ابْنِ فالِغَ بْنِ عابِرِ بْنِ شالِخَ بْنِ أرْفَخْشَذَ

صفحة 320

ابْنِ سامَ بْنِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ. ولَمْ يَصِحَّ عِنْدِي شَيْءٌ مِن هَذِهِ الأقْوالِ، بَيْدَ أنَّ صَنِيعَ النَّوَوِيِّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ في شَرْحِ مُسْلِمٍ يُشْعِرُ بِاخْتِيارِ أنَّهُ بَلْيا بْنَ مَلْكا وهو الَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

وصَحَّ مِن حَدِيثِ البُخارِيِّ وغَيْرِهِ أنَّهُما رَجَعا إلى الصَّخْرَةِ وإذا رَجُلٌ مُسَجًّى بِثَوْبٍ قَدْ جَعَلَ طَرَفَهُ تَحْتَ رِجْلَيْهِ، وطَرَفَهُ الآخَرَ تَحْتَ رَأْسِهِ.

وفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: فَأتَيا جَزِيرَةً فَوَجَدَ الخَضِرَ قائِمًا يُصَلِّي عَلى طَنْفَسَةٍ خَضْراءَ عَلى كَبِدِ البَحْرِ.

وقالَ الثَّعْلَبِيُّ: انْتَهَيا إلَيْهِ وهو نائِمٌ عَلى طَنْفَسَةٍ خَضْراءَ عَلى وجْهِ الماءِ وهو مُسَجًّى بِثَوْبٍ أخْضَرَ، وقِيلَ: إنَّ سَبِيلَ الحُوتِ عادَ حَجَرًا، فَلَمّا جاءا إلَيْهِ مَشَيا عَلَيْهِ حَتّى وصَلا إلى جَزِيرَةٍ فِيها الخَضِرُ.

وصَحَّ أنَّهُما لَمّا انْتَهَيا إلَيْهِ سَلَّمَ مُوسى فَقالَ الخَضِرُ: وأنّى بِأرْضِكَ السَّلامُ. فَقالَ: أنا مُوسى. فَقالَ: مُوسى بَنِي إسْرائِيلَ؟ قالَ: نَعَمْ.

ورُوِيَ أنَّهُ لَمّا سَلَّمَ عَلَيْهِ وهو مُسَجًّى عَرَّفَهُ أنَّهُ مُوسى فَرَفَعَ رَأْسَهُ فاسْتَوى جالِسًا وقالَ: وعَلَيْكَ السَّلامُ يا نَبِيَّ بَنِي إسْرائِيلَ. فَقالَ مُوسى: وما أدْراكَ بِي ومَن أخْبَرَكَ أنِّي نَبِيُّ بَنِي إسْرائِيلَ؟ فَقالَ: الَّذِي أدْراكَ بِي ودَلَّكَ عَلَيَّ، ثُمَّ قالَ: يا مُوسى، أما يَكْفِيكَ أنَّ التَّوْراةَ بِيَدِكَ وأنَّ الوَحْيَ يَأْتِيكَ؟ قالَ مُوسى: إنَّ رَبِّي أرْسَلَنِي إلَيْكَ لِأتَّبِعَكَ وأتَعَلَّمَ مِن عِلْمِكَ.

والتَّنْوِينُ في ﴿عَبْدًا﴾ لِلتَّفْخِيمِ، والإضافَةُ في ﴿عِبادِنا﴾ لِلتَّشْرِيفِ والِاخْتِصاصِ؛ أيْ: عَبْدًا جَلِيلَ الشَّأْنِ مِمَّنِ اخْتَصَّ بِنا وشَرُفَ بِالإضافَةِ إلَيْنا.

﴿آتَيْناهُ رَحْمَةً مِن عِنْدِنا﴾ قِيلَ: المُرادُ بِها الرِّزْقُ الحَلالُ والعَيْشُ الرَّغْدُ، وقِيلَ: العُزْلَةُ عَنِ النّاسِ وعَدَمُ الِاحْتِياجِ إلَيْهِمْ، وقِيلَ: طُولُ الحَياةِ مَعَ سَلامَةِ البِنْيَةِ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّها الوَحْيُ والنُّبُوَّةُ، وقَدْ أُطْلِقَتْ عَلى ذَلِكَ في مَواضِعَ مِنَ القُرْآنِ، وأخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهَذا قَوْلُ مَن يَقُولُ بِنُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وفِيهِ أقْوالٌ ثَلاثَةٌ، فالجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ نَبِيٌّ ولَيْسَ بِرَسُولٍ، وقِيلَ: هو رَسُولٌ، وقِيلَ: هو ولِيٌّ، وعَلَيْهِ القُشَيْرِيُّ وجَماعَةٌ، والمَنصُورُ ما عَلَيْهِ الجُمْهُورُ. وشَواهِدُهُ مِنَ الآياتِ والأخْبارِ كَثِيرَةٌ، وبِمَجْمُوعِها يَكادُ يَحْصُلُ اليَقِينُ، وكَما وقَعَ الخِلافُ في نُبُوَّتِهِ وقَعَ الخِلافُ في حَياتِهِ اليَوْمَ فَذَهَبَ جَمْعٌ إلى أنَّهُ لَيْسَ بِحَيٍّ اليَوْمَ.

وسُئِلَ البُخارِيُّ عَنْهُ وعَنِ إلْياسَ عَلَيْهِما السَّلامُ: هَلْ هُما حَيّانِ؟ فَقالَ: كَيْفَ يَكُونُ هَذا وقَدْ قالَ النَّبِيُّ ﷺ؛ أيْ: -قَبْلَ وفاتِهِ بِقَلِيلٍ-: ««لا يَبْقى عَلى رَأْسِ المِائَةِ مِمَّنْ هو اليَوْمَ عَلى ظَهْرِ الأرْضِ أحَدٌ»؟»

والَّذِي في صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ جابِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ مَوْتِهِ: ««ما مِن نَفْسٍ مَنفُوسَةٍ يَأْتِي عَلَيْها مِائَةُ سَنَةٍ وهي يَوْمَئِذٍ حَيَّةٌ»».

وهَذا أبْعَدُ عَنِ التَّأْوِيلِ، وسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ غَيْرُهُ مِنَ الأئِمَّةِ فَقَرَأ: ﴿وما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِن قَبْلِكَ الخُلْدَ﴾ . وسُئِلَ عَنْهُ شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمِيَةَ فَقالَ: لَوْ كانَ الخَضِرُ حَيًّا لَوَجَبَ عَلَيْهِ أنْ يَأْتِيَ إلى النَّبِيِّ ﷺ ويُجاهِدَ بَيْنَ يَدَيْهِ ويَتَعَلَّمَ مِنهُ.

وقَدْ قالَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمِ بَدْرٍ: ««اللَّهُمَّ إنْ تُهْلِكَ هَذِهِ العِصابَةَ لا تُعْبَدْ في الأرْضِ»».

فَكانُوا ثَلاثَمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا مَعْرُوفِينَ بِأسْمائِهِمْ وأسْماءِ آبائِهِمْ وقَبائِلِهِمْ فَأيْنَ كانَ الخَضِرُ حِينَئِذٍ؟

وسُئِلَ إبْراهِيمُ الحَرْبِيُّ عَنْ بَقائِهِ فَقالَ: مَن أحالَ عَلى غائِبٍ لَمْ يَنْتَصِفْ مِنهُ، وما ألْقى هَذا بَيْنَ النّاسِ إلّا الشَّيْطانُ.

ونَقَلَ في البَحْرِ عَنْ شَرَفِ الدِّينِ أبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ أبِي الفَضْلِ المُرْسِيِّ القَوْلَ بِمَوْتِهِ أيْضًا. ونَقَلَهُ ابْنُ الجَوْزِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُوسى الرِّضا رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أيْضًا.

وكَذا عَنْ إبْراهِيمَ بْنِ إسْحاقَ الحَرْبِيِّ، وقالَ أيْضًا: كانَ أبُو الحُسَيْنِ بْنُ المُنادِي يُقَبِّحُ قَوْلَ مَن يَقُولُ إنَّهُ حَيٌّ.

وحَكى القاضِي أبُو يَعْلى مَوْتَهُ عَنْ بَعْضِ أصْحابِ مُحَمَّدٍ، وكَيْفَ يُعْقَلُ وُجُودُ الخَضِرِ ولا يُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الجُمْعَةَ والجَماعَةَ، ولا يَشْهَدُ مَعَهُ الجِهادَ مَعَ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ كانَ مُوسى حَيًّا ما وسِعَهُ إلّا أنْ يَتَّبِعَنِي»».

وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكم مِن كِتابٍ وحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لَما مَعَكم لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أأقْرَرْتُمْ وأخَذْتُمْ عَلى ذَلِكم إصْرِي قالُوا أقْرَرْنا قالَ فاشْهَدُوا وأنا مَعَكم مِن الشّاهِدِينَ﴾

صفحة 321

وثُبُوتُ أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ إذا نَزَلَ إلى الأرْضِ يُصَلِّي خَلْفَ إمامِ هَذِهِ الأُمَّةِ ولا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ في مَبْدَأِ الأمْرِ، وما أبْعَدَ فَهْمِ مَن يُثْبِتُ وُجُودَ الخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلامُ ويَنْسى ما في طَيِّ إثْباتِهِ مِنَ الإعْراضِ عَنْ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ ثُمَّ قالَ:

وعِنْدَنا مِنَ المَعْقُولِ وُجُوهٌ عَلى عَدَمِ حَياتِهِ، أحَدُها: أنَّ الَّذِي قالَ بِحَياتِهِ قالَ: إنَّهُ ابْنُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِصُلْبِهِ وهَذا فاسِدٌ لِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ عُمْرُهُ اليَوْمَ سِتَّةَ آلافِ سَنَةٍ أوْ أكْثَرَ ومِثْلُ هَذا بَعِيدٌ في العاداتِ في حَقِّ البَشَرِ. والثّانِي: أنَّهُ لَوْ كانَ ولَدَهُ لِصُلْبِهِ أوِ الرّابِعَ مِن أوْلادِهِ كَما زَعَمُوا أنَّهُ وزِيرُ ذِي القَرْنَيْنِ لَكانَ مَهُولَ الخِلْقَةِ مُفْرِطَ الطُّولِ والعَرْضِ.

فَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: ««خُلِقَ آدَمُ طُولُهُ سِتُّونَ ذِراعًا فَلَمْ يَزَلِ الخَلْقُ يَنْقُصُ بَعْدَهُ»».

وما ذَكَرَ أحَدٌ مِمَّنْ يَزْعُمُ رُؤْيَةَ الخَضِرِ أنَّهُ رَآهُ عَلى خِلْقَةٍ عَظِيمَةٍ وهو مِن أقْدَمِ النّاسِ، والوَجْهُ الثّانِي أنَّهُ لَوْ كانَ الخَضِرُ قَبْلَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ لَرَكِبَ مَعَهُ في السَّفِينَةِ ولَمْ يَنْقُلْ هَذا أحَدٌ.

الثّالِثُ: أنَّ العُلَماءَ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا خَرَجَ مِنَ السَّفِينَةِ ماتَ مَن مَعَهُ ولَمْ يَبْقَ غَيْرُ نَسْلِهِ، ودَلِيلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الباقِينَ﴾ . الرّابِعُ: أنَّهُ لَوْ صَحَّ بَقاءُ بَشَرٍ مِن لَدُنْ آدَمَ إلى قُرْبِ خَرابِ الدُّنْيا لَكانَ ذَلِكَ مِن أعْظَمِ الآياتِ والعَجائِبِ، وكانَ خَبَرُهُ في القُرْآنِ مَذْكُورًا في مَواضِعَ لِأنَّهُ مِن آياتِ الرُّبُوبِيَّةِ، وقَدْ ذَكَرَ سُبْحانَهُ عَزَّ وجَلَّ مَنِ اسْتَحْياهُ ألْفَ سَنَةٍ إلّا خَمْسِينَ عامًا وجَعَلَهُ آيَةً فَكَيْفَ لا يَذْكُرُ جَلَّ وعَلا مَنِ اسْتَحْياهُ أضْعافَ ذَلِكَ.

الخامِسُ أنَّ القَوْلَ بِحَياةِ الخَضِرِ قَوْلٌ عَلى اللَّهِ تَعالى بِغَيْرِ عِلْمٍ، وهو حَرامٌ بِنَصِّ القُرْآنِ، أمّا المُقَدِّمَةُ الثّانِيَةُ فَظاهِرَةٌ، وأمّا الأُولى فَلِأنَّ حَياتَهُ لَوْ كانَتْ ثابِتَةً لَدَلَّ عَلَيْها القُرْآنُ أوِ السُّنَّةُ أوْ إجْماعُ الأُمَّةِ فَهَذا كِتابُ اللَّهِ تَعالى فَأيْنَ فِيهِ حَياةُالخَضِرِ؟ وهَذِهِ سُنَّةُ رَسُولِهِ ﷺ فَأيْنَ فِيها ما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ بِوَجْهٍ، وهَؤُلاءِ عُلَماءُ الأُمَّةِ فَمَتى أجْمَعُوا عَلى حَياتِهِ.

السّادِسُ: أنَّ غايَةً ما يُتَمَسَّكُ بِهِ في حَياتِهِ حِكاياتٌ مَنقُولَةٌ يُخْبِرُ الرَّجُلُ بِها أنَّهُ رَأى الخَضِرَ فَيا لِلَّهِ تَعالى العَجَبُ هَلْ لِلْخَضِرِ عَلامَةٌ يَعْرِفُهُ بِها مَن رَآهُ؟ وكَثِيرٌ مِن زاعِمِي رُؤْيَتِهِ يَغْتَرُّ بِقَوْلِهِ: أنا الخَضِرُ ومَعْلُومٌ أنَّهُ لا يَجُوزُ تَصْدِيقُ قائِلٍ ذَلِكَ بِلا بُرْهانٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَمِن أيْنَ لِلرّائِي أنَّ المُخْبِرَ لَهُ صادِقٌ لا يَكْذِبُ؟ السّابِعُ: أنَّ الخَضِرَ فارَقَ مُوسى بْنَ عِمْرانَ كَلِيمَ الرَّحْمَنِ ولَمْ يُصاحِبْهُ وقالَ: ﴿هَذا فِراقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ﴾ فَكَيْفَ يَرْضى لِنَفْسِهِ بِمُفارَقَةِ مِثْلِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ثُمَّ يَجْتَمِعُ بِجَهَلَةِ العُبّادِ الخارِجِينَ عَنِ الشَّرِيعَةِ الَّذِينَ لا يَحْضُرُونَ جُمْعَةً ولا جَماعَةً ولا مَجْلِسَ عِلْمٍ وكُلٌّ مِنهم يَقُولُ: قالَ لِي الخَضِرُ، جاءَنِي الخَضِرُ، أوْصانِي الخَضِرُ - فَيا عَجَبًا لَهُ يُفارِقُ الكَلِيمَ ويَدُورُ عَلى صُحْبَةِ جاهِلٍ لا يَصْحَبُهُ إلّا شَيْطانٌ رَجِيمٌ، سُبْحانَكَ هَذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ.

الثّامِنُ: أنَّ الأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلى أنَّ الَّذِي يَقُولُ: أنا الخَضِرُ لَوْ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ كَذا وكَذا لَمْ يُلْتَفَتْ إلى قَوْلِهِ، ولَمْ يُحْتَجَّ بِهِ في الدِّينِ ولا مُخَلِّصَ لِلْقائِلِ بِحَياتِهِ عَنْ ذَلِكَ إلّا أنْ يَقُولَ: إنَّهُ لَمْ يَأْتِ إلى الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولا بايَعَهُ أوْ يَقُولَ: إنَّهُ لَمْ يُرْسَلْ إلَيْهِ وفي هَذا مِنَ الكُفْرِ ما فِيهِ.

التّاسِعُ: أنَّهُ لَوْ كانَ حَيًّا لَكانَ جِهادُهُ الكُفّارَ ورِباطُهُ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى ومَقامُهُ في الصَّفِّ ساعَةً وحُضُورُهُ الجُمْعَةَ والجَماعَةِ وإرْشادُ جَهَلَةِ الأُمَّةِ أفْضَلَ بِكَثِيرٍ مِن سِياحَتِهِ بَيْنَ الوُحُوشِ في القِفارِ والفَلَواتِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ما لَهُ وما عَلَيْهِ.

وشاعَ الِاسْتِدْلالُ بِخَبَرٍ: لَوْ كانَ الخَضِرُ حَيًّا لَزارَنِي، وهو كَما قالَ الحُفّاظُ خَبَرٌ مَوْضُوعٌ لا أصْلَ لَهُ، ولَوْ صَحَّ لِأغْنى عَنِ القِيلِ والقالِ ولانْقَطَعَ بِهِ الخِصامُ والجِدالُ، وذَهَبَ جُمْهُورُ العُلَماءِ إلى أنَّهُ حَيٌّ

صفحة 322

مَوْجُودٌ بَيْنِ أظْهُرِنا، وذَلِكَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عِنْدَ الصُّوفِيَّةِ قُدِّسَتْ أسْرارُهم قالَهُ النَّوَوِيُّ، ونُقِلَ عَنِ الثَّعْلَبِيِّ المُفَسِّرِ أنَّ الخَضِرَ نَبِيٌّ مُعَمِّرٌ عَلى جَمِيعِ الأقْوالِ مَحْجُوبٌ عَنْ أبْصارِ أكْثَرِ الرِّجالِ، وقالَ ابْنُ الصَّلاحِ: هو حَيٌّ اليَوْمَ عِنْدَ جَماهِيرِ العُلَماءِ والعامَّةُ مَعَهم في ذَلِكَ، وإنَّما ذَهَبَ إلى إنْكارِ حَياتِهِ بَعْضُ المُحَدِّثِينَ واسْتَدَلُّوا عَلى ذَلِكَ بِأخْبارٍ كَثِيرَةٍ مِنها ما أخْرَجَهُ الدّارَقُطْنِيُّ في الأفْرادِ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسِ أنَّهُ قالَ: الخَضِرُ ابْنُ آدَمَ لِصُلْبِهِ ونُسِئَ لَهُ في أجَلِهِ حَتّى يُكَذِّبَ الدَّجّالَ، ومِثْلُهُ لا يُقالُ مِن قِبَلِ الرَّأْيِ، ومِنها ما أخْرَجَهُ ابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ قالَ: حَدَّثَنا أصْحابُنا أنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا حَضَرَهُ المَوْتُ جَمَعَ بَنِيهِ فَقالَ: يا بَنِيَّ، إنَّ اللَّهَ تَعالى مُنْزِلٌ عَلى أهْلِ الأرْضِ عَذابًا فَلْيُكُنْ جَسَدِي مَعَكم في المَغارَةِ حَتّى إذا هَبَطْتُمْ فابْعَثُوا بِي وادْفِنُونِي بِأرْضِ الشّامِ، فَكانَ جَسَدُهُ مَعَهُمْ، فَلَمّا بَعَثَ اللَّهُ تَعالى نُوحًا ضَمَّ ذَلِكَ الجَسَدَ وأرْسَلَ اللَّهُ تَعالى الطُّوفانَ عَلى الأرْضِ فَغَرِقَتْ زَمانًا فَجاءَ نُوحٌ حَتّى نَزَلَ بابِلَ وأوْصى بَنِيهِ الثَّلاثَةَ أنْ يَذْهَبُوا بِجَسَدِهِ إلى المَغارِ الَّذِي أمَرَهم أنْ يَدْفِنُوهُ بِهِ فَقالُوا: الأرْضُ وحْشَةٌ لا أنِيسَ بِها ولا نَهْتَدِي الطَّرِيقَ ولَكِنْ كُفَّ حَتّى يَأْمَنَ النّاسُ ويَكْثُرُوا. فَقالَ لَهم نُوحٌ: إنَّ آدَمَ قَدْ دَعا اللَّهَ تَعالى أنْ يُطِيلَ عُمْرَ الَّذِي يَدْفِنُهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ فَلَمْ يَزَلْ جَسَدُ آدَمَ حَتّى كانَ الخَضِرُ هو الَّذِي تَوَلّى دَفْنَهُ فَأنْجَزَ اللَّهُ تَعالى لَهُ ما وعَدَهُ، فَهو يَحْيا إلى ما شاءَ اللَّهُ تَعالى لَهُ أنْ يَحْيا.

وفِي هَذا سَبَبُ طُولِ بَقائِهِ وكَأنَّهُ سَبَبٌ بَعِيدٌ وإلّا فالمَشْهُورُ فِيهِ أنَّهُ شَرِبَ مِن عَيْنِ الحَياةِ حِينَ دَخَلَ الظُّلْمَةَ مَعَذِي القَرْنَيْنِ وكانَ عَلى مُقَدِّمَتِهِ، ومِنها ما أخْرَجَهُ الخَطِيبُ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وكَرَّمَ وجْهَهُ قالَ: بَيْنا أنا أطُوفُ بِالبَيْتِ إذا رَجُلٌ مُتَعَلِّقٌ بِأسْتارِ الكَعْبَةِ يَقُولُ: يا مَن لا يَشْغَلُهُ سَمْعٌ عَنْ سَمْعٍ، ويا مَن لا تُغَلِّطُهُ المَسائِلُ، ويا مَن لا يَتَبَرَّمُ بِإلْحاحِ المُلِحِّينَ، أذِقْنِي بَرْدَ عَفْوِكَ وحَلاوَةَ رَحْمَتِكَ. قُلْتُ: يا عَبْدَ اللَّهِ، أعِدِ الكَلامَ قالَ: أسَمِعْتَهُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قالَ: والَّذِي نَفْسُ الخَضِرِ بِيَدِهِ - وكانَ هو الخَضِرَ - لا يَقُولُهُنَّ عَبْدٌ دُبُرَ الصَّلاةِ المَكْتُوبَةِ إلّا غُفِرَتْ ذُنُوبُهُ وإنْ كانَتْ مِثْلَ رَمْلِ عالِجٍ، وعَدَدَ المَطَرِ ووَرَقِ الشَّجَرِ.

ومِنها ما نَقَلَهُ الثَّعْلَبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا تُوُفِّيَ وأخَذْنا في جِهازِهِ خَرَجَ النّاسُ وخَلا المَوْضِعُ، فَلَمّا وضَعْتُهُ عَلى المُغْتَسَلِ إذا بِهاتِفٍ يَهْتِفُ مِن زاوِيَةِ البَيْتِ بِأعْلى صَوْتِهِ: لا تُغَسِّلُوا مُحَمَّدًا، فَإنَّهُ طاهِرٌ طُهِّرَ. فَوَقَعَ في قَلْبِي شَيْءٌ مِن ذَلِكَ وقُلْتُ: ويْلَكَ مَن أنْتَ؟ فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ بِهَذا أمَرَنا وهَذِهِ سُنَّتُهُ، وإذا بِهاتِفٍ آخَرَ يَهْتِفُ بِي مِن زاوِيَةِ البَيْتِ بِأعْلى صَوْتِهِ: غَسِّلُوا مُحَمَّدًا، فَإنَّ الهاتِفَ الأوَّلَ كانَ إبْلِيسَ المَلْعُونَ، حَسَدَ مُحَمَّدًا ﷺ أنْ يَدْخُلَ قَبْرَهُ مَغْسُولًا. فَقُلْتُ: جَزاكَ اللَّهُ تَعالى خَيْرًا قَدْ أخْبَرْتَنِي بِأنَّ ذَلِكَ إبْلِيسَ فَمَن أنْتَ؟ قالَ: أنا الخَضِرُ حَضَرْتُ جِنازَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ.

ومِنها ما أخْرَجَهُ الحاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ عَنْ جابِرٍ قالَ: لَمّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ واجْتَمَعَ الصَّحابَةُ دَخَلَ رَجُلٌ أشْهَبُ اللِّحْيَةِ جَسِيمٌ صَبِيحٌ فَتَخَطّى رِقابَهم فَبَكى ثُمَّ التَفَتَ إلى الصَّحابَةِ فَقالَ: إنَّ في اللَّهِ تَعالى عَزاءً مِن كُلِّ مُصِيبَةٍ وعِوَضًا مِن كُلِّ فائِتٍ، وخَلَفًا مِن كُلِّ هالِكٍ، فَإلى اللَّهِ تَعالى فَأنِيبُوا، وإلَيْهِ تَعالى فارْغَبُوا ونَظَرُهُ سُبْحانَهُ إلَيْكم في البَلاءِ فانْظُرُوا، فَإنَّما المُصابُ مَن لَمْ يُجْبَرْ. فَقالَ أبُو بَكْرٍ وعَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: هَذا الخَضِرُ عَلَيْهِ السَّلامُ.

ومِنها ما أخْرَجَهُ ابْنُ عَساكِرَ أنَّ إلْياسَ والخَضِرَ يَصُومانِ شَهْرَ رَمَضانَ في بَيْتِ المَقْدِسِ ويَحُجّانِ في كُلِّ سَنَةٍ، ويَشْرَبانِ مِن زَمْزَمَ شَرْبَةً تَكْفِيهِما إلى مِثْلِها مِن قابِلٍ.

ومِنها ما أخْرَجَهُ ابْنُ عَساكِرَ أيْضًا والعُقَيْلِيُّ والدّارَقُطْنِيُّ في الأفْرادِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «يَلْتَقِي الخَضِرُ وإلْياسُ كُلَّ عامٍ في المَوْسِمِ فَيَحْلِقُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما رَأْسَ صاحِبِهِ ويَتَفَرَّقانِ عَنْ هَذِهِ الكَلِماتِ: بِاسْمِ اللَّهِ ما شاءَ اللَّهُ، لا يَسُوقُ الخَيْرَ إلّا اللَّهُ، ما شاءَ اللَّهُ لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ».

صفحة 323

ومِنها ما أخْرَجَهُ ابْنُ عَساكِرَ بِسَنَدِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ قالَ: بَيْنَما عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ يُصَلِّي عَلى جِنازَةٍ إذا بِهاتِفٍ يَهْتِفُ مِن خَلْفِهِ: لا تَسْبِقُنا بِالصَّلاةِ يَرْحَمْكَ اللَّهُ تَعالى، فانْتَظَرَهُ حَتّى حَقَّ بِالصَّفِّ الأوَّلِ فَكَبَّرَ عُمَرُ وكَبَّرَ النّاسُ مَعَهُ فَقالَ الهاتِفُ: إنْ تُعَذِّبْهُ فَكَثِيرًا عَصاكَ، وإنْ تَغْفِرْ لَهُ فَفَقِيرٌ إلى رَحْمَتِكَ. فَنَظَرَ عُمَرُ وأصْحابَهُ إلى الرَّجُلِ، فَلَمّا دُفِنَ المَيِّتُ وسُوِّيَ عَلَيْهِ التُّرابُ قالَ: طُوبى لَكَ يا صاحِبَ القَبْرِ، إنْ لَمْ تَكُنْ عَرِيفًا أوْ جابِيًا أوْ خازِنًا أوْ كاتِبًا أوْ شُرْطِيًّا فَقالَ عُمَرُ: خُذُوا لِي الرَّجُلَ نَسْألُهُ عَنْ صَلاتِهِ وكَلامِهِ هَذا عَمَّنْ هُوَ، فَتَوارى عَنْهم فَنَظَرُوا فَإذا أثَرُ قَدَمِهِ ذِراعٌ، فَقالَ عُمَرُ: هَذا واللَّهِ الَّذِي حَدَّثَنا عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ. والِاسْتِدْلالُ بِهَذا مَبْنِيٌّ عَلى أنَّهُ عَنى بِالمُحَدَّثِ عَنْهُ الخَضِرَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى غَيْرِ ذَلِكَ.

وكَثِيرٌ مِمّا ذُكِرَ وإنْ لَمْ يَدُلَّ عَلى أنَّهُ حَيٌّ اليَوْمَ بَلْ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ حَيًّا في زَمَنِهِ ﷺ، ولا يَلْزَمُ مِن حَياتِهِ إذْ ذاكَ حَياتُهُ اليَوْمَ إلّا أنَّهُ يَكْفِي في رَدِّ الخَصْمِ إذْ هو يَنْفِي حَياتَهُ إذْ ذاكَ كَما يَنْفِي حَياتَهُ اليَوْمَ، نَعَمْ، إذا كانَ عِنْدَنا مَن يُثْبِتُها إذْ ذاكَ ويَنْفِيها الآنَ لَمْ يَنْفَعْ ما ذُكِرَ مَعَهُ لَكِنْ لَيْسَ عِنْدَنا مَن هو كَذَلِكَ، وحِكاياتُ الصّالِحِينَ مِنَ التّابِعِينَ والصُّوفِيَّةِ في الِاجْتِماعِ بِهِ والأخْذِ عَنْهُ في سائِرِ الأعْصارِ أكْثَرُ مِن أنْ تُحْصَرَ وأشْهَرُ مِن أنْ تُذْكَرَ. نَعَمْ أجْمَعَ المُحَدِّثُونَ القائِلُونَ بِحَياتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى أنَّهُ لَيْسَ لَهُ رِوايَةٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ كَما صَرَّحَ بِهِ العِراقِيُّ في تَخْرِيجِ أحادِيثِ الأحْياءِ. وهَذا خِلافُ ما عِنْدَ الصُّوفِيَّةِ؛ فَقَدِ ادَّعى الشَّيْخُ عَلاءُ الدِّينِ اسْتِفادَةَ الأحادِيثِ النَّبَوِيَّةِ عَنْهُ بِلا واسِطَةٍ.

وذَكَرَ السُّهْرَوَرْدِيُّ في السِّرِّ المَكْتُومِ أنَّ الخَضِرَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَدَّثَنا بِثَلاثِمِائَةِ حَدِيثٍ سَمِعَهُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ شِفاهًا، واسْتَدَلَّ بَعْضُ الذّاهِبِينَ إلى حَياتِهِ الآنَ بِالِاسْتِصْحابِ، فَإنَّهُ قَدْ تَحَقَّقَتْ مِن قَبْلُ بِالدَّلِيلِ فَتَبْقى عَلى ذَلِكَ إلى أنْ يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلى خِلافِها ولَمْ يَقُمْ. وأجابُوا عَمّا اسْتَدَلَّ بِهِ الخَصْمُ مِمّا تَقَدَّمَ. فَأجابُوا عَمّا ذَكَرَهُ البُخارِيُّ مِنَ الحَدِيثِ الَّذِي لا يُوجِبُ نَفْيَ حَياتِهِ في زَمانِهِ ﷺ، وإنَّما يُوجِبُ بِظاهِرِهِ نَفْيَها بَعْدَ مِائَةِ سَنَةٍ مِن زَمانِ القَوْلِ بِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ عَلى ظَهْرِ الأرْضِ بَلْ كانَ عَلى وجْهِ الماءِ. وبِأنَّ الحَدِيثَ عامٌّ فِيما يُشاهِدُهُ النّاسُ بِدَلِيلِ اسْتِثْناءِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وإخْراجِ الشَّيْطانِ، وحاصِلُهُ انْخِرامُ القَرْنِ الأوَّلِ، نَعَمْ هو نَصٌّ في الرَّدِّ عَلى مُدَّعِي التَّعْمِيرِ كَرْتَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الهِنْدِيِّ التَّبْرِيزِيِّ الَّذِي ظَهَرَ في القَرْنِ السّابِعِ وادَّعى الصُّحْبَةَ ورَوى الأحادِيثَ.

وفِيهِ أنَّ الظّاهِرَ مِمَّنْ عَلى ظَهْرِ الأرْضِ مَن هو مِن أهْلِ الأرْضِ ومُتَوَطِّنٌ فِيها عُرْفًا ولا شَكَّ أنَّ هَذا شامِلٌ لِمَن كانَ في البَحْرِ ولَوْ لَمْ يُعَدَّ مَن في البَحْرِ مِمَّنْ هو عَلى ظَهْرِ الأرْضِ لَمْ يَكُنِ الحَدِيثُ نَصًّا في الرَّدِّ عَلى رَتْنٍ وأضْرابِهِ؛ لِجَوازِ أنْ يَكُونُوا حِينَ القَوْلِ في البَحْرِ بَلْ مَتى قُبِلَ هَذا التَّأْوِيلُ خَرَجَ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ مِن عُمُومِ الحَدِيثِ، وضُعِّفَ العُمُومُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِن دابَّةٍ﴾ ولْيُنْظَرْ في قَوْلِ مَن قالَ:

يُحْتَمَلُ أنَّهُ كانَ وقْتَ القَوْلِ في الهَواءِ فَفِيهِ أيْضًا ما لا يَخْفى عَلى النّاظِرِ. ويَرِدُ عَلى الجَوابِ الثّانِي أنَّ الخَضِرَ لَوْ كانَ مَوْجُودًا لَكانَ مِمَّنْ يُشاهِدُهُ النّاسُ كَما هو الأمْرُ المُعْتادُ في البَشَرِ، وكَوْنُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ خارِجًا عَنْ ذَلِكَ لا يَثْبُتُ إلّا بِدَلِيلٍ وأنّى هو فَتَأمَّلْ، وأجابُوا عَمّا قالَهُ الشَّيْخُ ابْنُ تَيْمِيَةَ بِأنَّ وُجُوبَ الإتْيانِ مَمْنُوعٌ، فَكَمْ مِن مُؤْمِنٍ بِهِ ﷺ في زَمانِهِ لَمْ يَأْتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَهَذا خَيْرُ التّابِعِينَ أُوَيْسٌ القَرْنِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لَمْ يَتَيَسَّرْ لَهُ الإتْيانُ والمُرافَقَةُ في الجِهادِ ولا التَّعَلُّمُ مِن غَيْرِ واسِطَةٍ، وكَذا النَّجاشِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ. عَلى أنّا نَقُولُ: إنَّ الخَضِرَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَأْتِيهِ ويَتَعَلَّمُ مِنهُ ﷺ لَكِنْ عَلى وجْهِ الخَفاءِ لِعَدَمِ كَوْنِهِ مَأْمُورًا بِإتْيانِ العَلانِيَةِ لِحِكْمَةٍ

صفحة 324

إلَهِيَّةٍ اقْتَضَتْ ذَلِكَ. وأمّا الحُضُورُ في الجِهادِ فَقَدْ رَوى ابْنُ بَشْكُوالَ في كِتابِ المُسْتَغِيثِينَ بِاللَّهِ تَعالى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ المُبارَكِ أنَّهُ قالَ: كُنْتُ في غَزْوَةٍ فَوَقَعَ فَرَسِي مَيِّتًا فَرَأيْتُ رَجُلًا حَسَنَ الوَجْهِ طَيِّبَ الرّائِحَةِ. قالَ: أتُحِبُّ أنْ تَرْكَبَ فَرَسَكَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. فَوَضَعَ يَدَهُ عَلى جَبْهَةِ الفَرَسِ حَتّى انْتَهى إلى مُؤَخَّرِهِ وقالَ: أقْسَمْتُ عَلَيْكِ أيَّتُها العِلَّةُ بِعِزَّةِ عِزَّةِ اللَّهِ وبِعَظَمَةِ اللَّهِ وبِجَلالِ جَلالِ اللَّهِ وبِقُدْرَةِ قُدْرَةِ اللَّهِ وبِسُلْطانِ سُلْطانِ اللَّهِ وبِلا إلَهَ إلّا اللَّهُ وبِما جَرى بِهِ القَلَمُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وبِلا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ إلّا انْصَرَفْتِ فَوَثَبَ الفَرَسُ قائِمًا بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى وأخَذَ الرَّجُلُ بِرِكابِي وقالَ: ارْكَبْ فَرَكِبْتُ ولَحِقْتُ بِأصْحابِي. فَلَمّا كانَ مِن غَداةِ غَدٍ وظَهَرْنا عَلى العَدُوِّ فَإذا هو بَيْنَ أيْدِينا فَقُلْتُ: ألَسْتَ صاحِبِي بِالأمْسِ؟ قالَ: بَلى. فَقُلْتُ: سَألْتُكَ بِاللَّهِ تَعالى مَن أنْتَ؟

فَوَثَبَ قائِمًا فاهْتَزَّتِ الأرْضُ تَحْتَهُ خَضْراءَ فَقالَ: أنا الخَضِرُ.

فَهَذا صَرِيحٌ في أنَّهُ قَدْ يَحْضُرُ بَعْضَ المَعارِكِ، وأمّا قَوْلُهُ ﷺ في بَدْرٍ: ««اللَّهُمَّ إنْ تُهْلِكْ هَذِهِ العِصابَةَ لا تُعْبَدْ في الأرْضِ»».

فَمَعْناهُ: لا تُعْبَدْ عَلى وجْهِ الظُّهُورِ والغَلَبَةِ وقُوَّةِ الأُمَّةِ، وإلّا فَكَمْ مِن مُؤْمِنٍ كانَ بِالمَدِينَةِ وغَيْرِها ولَمْ يَحْضُرْ بَدْرًا، ولا يَخْفى أنَّ نَظْمَ الخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلامُ في سِلْكِ أُوَيْسٍ القَرْنِيِّ والنَّجاشِيِّ وأضْرابِهِما مِمَّنْ لَمْ يُمْكِنْهُ الإتْيانُ إلَيْهِ ﷺ بَعِيدٌ عَنِ الإنْصافِ، وإنْ لَمْ نَقُلْ بِوُجُوبِ الإتْيانِ عَلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وكَيْفَ يَقُولُ مُنْصِفٌ بِإمامَتِهِ ﷺ لِجَمِيعِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ واقْتِداءِ جَمِيعِهِمْ بِهِ لَيْلَةَ المِعْراجِ ولا يَرى لُزُومَ الإتْيانِ عَلى الخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلامُ والِاجْتِماعَ مَعَهُ ﷺ مَعَ أنَّهُ لا مانِعَ لَهُ مِن ذَلِكَ بِحَسَبِ الظّاهِرِ، ومَتى زَعَمَ أحَدٌ أنَّ نِسْبَتَهُ إلى نَبِيِّنا ﷺ كَنِسْبَتِهِ إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَلْيُجَدِّدْ إسْلامَهُ، ودَعْوى أنَّهُ كانَ يَأْتِي ويَتَعَلَّمُ خُفْيَةً لِعَدَمِ أمْرِهِ بِذَلِكَ عَلانِيَةً لِحِكْمَةٍ إلَهِيَّةٍ مِمّا لَمْ يَقُمْ عَلَيْها الدَّلِيلُ، عَلى أنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لِذِكْرِهِ ﷺ ولَوْ مَرَّةٌ وأيْنَ الدَّلِيلُ عَلى الذِّكْرِ؟ وأيْضًا لا تَظْهَرُ الحِكْمَةُ في مَنعِهِ عَنِ الإتْيانِ مَرَّةً أوْ مَرَّتَيْنِ عَلى نَحْوِ إتْيانِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ في صُورَةِ دِحْيَةَ الكَلْبِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وإنْ قِيلَ: إنَّ هَذِهِ الدَّعْوى مُجَرَّدُ احْتِمالٍ، قِيلَ: لا يُلْتَفَتُ إلى مِثْلِهِ إلّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ ولا تَتَحَقَّقُ إلّا بَعْدَ تَحَقُّقِ وُجُودِهِ؛ إذْ ذاكَ بِالدَّلِيلِ ووُجُودُهُ كَوُجُودِهِ عِنْدَنا، وأمّا ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ المُدْرِكِ فَلا نُسَلِّمُ ثُبُوتَهُ عَنْهُ، وأنْتَ إذا أمْعَنْتَ النَّظَرَ في ألْفاظِ القِصَّةِ اسْتَبْعَدْتَ صِحَّتَها، ومَن أنْصَفَ يَعْلَمُ أنَّ حُضُورَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَوْمَ قالَ النَّبِيُّ ﷺ لِسَعْدٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: ارْمِ فِداكَ أبِي وأُمِّي كانَ أهَمَّ مِن حُضُورِهِ مَعَ ابْنِ المُبارَكِ، واحْتِمالُ أنَّهُ حَضَرَ ولَمْ يَرَهُ أحَدٌ شِبْهُ شَيْءٍ بِالسَّفْسَطَةِ، وأمّا ما ذَكَرُوهُ في مَعْنى الحَدِيثِ فَلِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّهُ بَعِيدٌ؛ فَمِنَ الظّاهِرِ مِنهُ نَفْيُ أنْ يُعْبَدَ سُبْحانَهُ إنْ أهْلَكَ تِلْكَ العِصابَةَ مُطْلَقًا عَلى مَعْنى أنَّهم إنْ أهْمَلُوا والإسْلامُ غَضٌّ ارْتَدَّ الباقُونَ ولَمْ يَكَدْ يُؤْمِنُ أحَدٌ بَعْدُ فَلا يَعْبُدُهُ سُبْحانَهُ أحَدٌ مِنَ البَشَرِ في الأرْضِ حِينَئِذٍ، وقَدْ لا يُوَسَّطُ حَدِيثُ الِارْتِدادِ بِأنْ يَكُونَ المَعْنى: اللَّهُمَّ إنْ تُهْلِكْ هَذِهِ العِصابَةَ الَّذِينَ هم تاجُ رَأْسِ الإسْلامِ اسْتَوْلى الكُفّارُ عَلى سائِرِ المُسْلِمِينَ بَعْدَهم فَأهْلَكُوهم فَلا يَعْبُدُكَ أحَدٌ مِنَ البَشَرِ حِينَئِذٍ، وأيًّا ما كانَ فالِاسْتِدْلالُ بِالحَدِيثِ عَلى عَدَمِ وُجُودِ الخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلامُ لَهُ وجْهٌ، فَإنْ أجابُوا عَنْهُ بِأنَّ المُرادَ نَفْيُ أنْ يُشاهَدَ مَن يَعْبُدُهُ تَعالى بَعْدُ والخَضِرُ عَلَيْهِ السَّلامُ لا يُشاهِدُ ورَدَ عَلَيْهِ ما تَقَدَّمَ. وأجابُوا عَنِ الِاسْتِدْلالِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِن قَبْلِكَ الخُلْدَ﴾ بِأنَّ المُرادَ مِنَ الخُلْدِ الدَّوامُ الأبَدِيُّ والقائِلُونَ بِوُجُودِهِ اليَوْمَ لا يَقُولُونَ بِتَأْبِيدِهِ بَلْ مِنهم مَن يَقُولُ: إنَّهُ يُقاتِلُ الدَّجّالَ ويَمُوتُ، ومِنهم مَن يَقُولُ: إنَّهُ يَمُوتُ زَمانَ رَفْعِ القُرْآنِ، ومِنهم مَن يَقُولُ: إنَّهُ يَمُوتُ في آخِرِ الزَّمانِ ومُرادُهُ أحَدُ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ أوْ ما يُقارِبُهُما.

وتُعُقِّبَ بِأنَّ الخُلْدَ بِمَعْنى الخُلُودِ وهو عَلى ما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ حَقِيقَةٌ في

صفحة 325

طُولِ المُكْثِ لا في دَوامِ البَقاءِ، فَإنَّ الظّاهِرَ التَّأْسِيسُ لا التَّأْكِيدُ، وقَدْ قالَ الرّاغِبُ: كُلُّ ما يَتَباطَأُ عَنْهُ التَّغَيُّرُ والفَسادُ تَصِفُهُ العَرَبُ بِالخُلُودِ؛ كَقَوْلِهِمْ لِلْأثافِيِّ خَوالِدُ؛ وذَلِكَ لِطُولِ مُكْثِها لا لِدَوامِها وبَقائِها. انْتَهى.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском