Al-AlusiAl‑Kahf · 18:66–70

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-Kahf 18:66–70

18:66Page 301

قَالَ لَهُۥ مُوسَىٰ هَلۡ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰٓ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمۡتَ رُشۡدٗا ٦٦

Moses said to him, "May I follow you on [the condition] that you teach me from what you have been taught of sound judgement?"

﴿قالَ لَهُ مُوسى﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِنَ السِّياقِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما جَرى بَيْنَهُما مِنَ الكَلامِ؟ فَقِيلَ: قالَ لَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿هَلْ أتَّبِعُكَ عَلى أنْ تُعَلِّمَنِي﴾ اسْتِئْذانٌ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في اتِّباعِهِ لَهُ بِشَرْطِ التَّعْلِيمِ، ويُفْهَمُ ذَلِكَ مِن «عَلى» فَقَدْ قالَ الأُصُولِيُّونَ: إنَّ «عَلى» قَدْ تُسْتَعْمَلُ في مَعْنًى يُفْهَمُ مِنهُ كَوْنُ ما بَعْدَها شَرْطًا لِما قَبْلَها كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُبايِعْنَكَ عَلى أنْ لا يُشْرِكْنَ﴾ أيْ: بِشَرْطِ عَدَمِ الإشْراكِ، وكَوْنُها لِلشَّرْطِ بِمَنزِلَةِ الحَقِيقَةِ عِنْدَ الفُقَهاءِ كَما في التَّلْوِيحِ لِأنَّها في أصْلِ الوَضْعِ لِلْإلْزامِ، والجَزاءُ لازِمٌ لِلشَّرْطِ، ويُلَوِّحُ بِهَذا أيْضًا كَلامُ الفَنارِيِّ في بَدائِعِ الأُصُولِ وهو ظاهِرٌ في أنَّها لَيْسَتْ حَقِيقَةً في الشَّرْطِ، وذَكَرَ السَّرْخَسِيُّ أنَّهُ مَعْنًى حَقِيقِيٌّ لَها لَكِنَّ النُّحاةَ لَمْ يَتَعَرَّضُوا لَهُ، وقَدْ تَرَدَّدَ السُّبْكِيُّ في وُرُودِهِ في كَلامِ العَرَبِ، والحَقُّ أنَّهُ اسْتِعْمالٌ صَحِيحٌ يَشْهَدُ بِهِ الكِتابُ حَقِيقَةً كانَ أوْ مَجازًا ولا يُنافِي انْفَهامَ الشَّرْطِيَّةِ تَعَلُّقُ الحَرْفِ بِالفِعْلِ الَّذِي قَبْلَهُ كَما قالُوا فِيما ذَكَرْنا مِنَ الآيَةِ كَما أنَّهُ لا يُنافِيهِ تَعَلُّقُهُ بِمَحْذُوفٍ يَقَعُ حالًا كَما قِيلَ بِهِ هُنا فَيَكُونُ المَعْنى: هَلْ أتَّبِعُكَ باذِلًا تَعْلِيمَكَ إيّايَ ﴿مِمّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ أيْ: عِلْمًا ذا رُشْدٍ وهو إصابَةُ الخَيْرِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو والحَسَنُ والزُّهْرِيُّ وأبُو بَحْرِيَّةَ وابْنُ مُحَيْصِنٍ وابْنُ مُناذِرٍ ويَعْقُوبُ وأبُو عُبَيْدٍ واليَزِيدِيُّ: «رَشَدًا» بِفَتْحَتَيْنِ، وأكْثَرُ السَّبْعَةِ بِالضَّمِّ والسُّكُونِ وهُما لُغَتانِ كالبُخْلِ والبَخَلِ، ونَصْبُهُ في الأصْلِ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِلْمَفْعُولِ الثّانِي لِتُعَلِّمَنِي، ووُصِفَ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ لَكِنْ أُقِيمَ مَقامَهُ بَعْدَ حَذْفِهِ والمَفْعُولُ الثّانِي لِعُلِّمْتَ الضَّمِيرُ العائِدُ عَلى ما المَوْصُولَةِ؛ أيْ: مِنَ الَّذِي عُلِّمْتَهُ، والفِعْلانِ مَأْخُوذانِ مِن عَلِمَ المُتَعَدِّي إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ﴿مِمّا عُلِّمْتَ﴾ هو المَفْعُولَ الثّانِيَ لِتُعَلِّمَنِي و«رُشْدًا» بَدَلٌ مِنهُ وهو خِلافُ الظّاهِرِ، وأنْ يَكُونَ ﴿رُشْدًا﴾ مَفْعُولًا لَهُ لِأتَّبِعَكَ؛ أيْ: هَلْ أتَّبِعُكَ لِأجْلِ إصابَةِ الخَيْرِ فَيَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ المَفْعُولُ الثّانِي لِتُعَلِّمَنِي ﴿مِمّا عُلِّمْتَ﴾ لِتَأْوِيلِهِ بِبَعْضِ ما عُلِّمْتَ أوْ عِلْمًا مِمّا عُلِّمْتَ، وأنْ يَكُونَ مَصْدَرًا بِإضْمارِ فِعْلِهِ؛ أيْ: أرْشَدَ رُشْدًا، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافِيَّةٌ والمَفْعُولُ الثّانِي ﴿مِمّا عُلِّمْتَ﴾ أيْضًا. واسْتُشْكِلَ طَلَبُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ التَّعْلِيمَ بِأنَّهُ رَسُولٌ مَن أُولِي العَزْمِ فَكَيْفَ يَتَعَلَّمُ مَن غَيْرِهِ والرَّسُولُ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ أعْلَمَ أهْلِ زَمانِهِ، ومِن هُنا قالَ نَوْفٌ وأضْرابُهُ: إنَّ مُوسى هَذا لَيْسَ هو ابْنَ عِمْرانَ وإنْ كانَ ظاهِرُ إطْلاقِهِ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ إيّاهُ. وأُجِيبَ بِأنَّ اللّازِمَ في الرَّسُولِ أنْ يَكُونَ أعْلَمَ في العَقائِدِ وما يَتَعَلَّقُ بِشَرِيعَتِهِ لا مُطْلَقًا؛ ولِذا قالَ نَبِيُّنا ﷺ: ««أنْتُمْ أعْلَمُ بِأُمُورِ دُنْياكُمْ»».

فَلا يَضُرُّ في مَنصِبِهِ أنْ يَتَعَلَّمَ عُلُومًا غَيْبِيَّةً وأسْرارًا خَفِيَّةً لا تَعَلُّقَ لَها بِذَلِكَ مِن غَيْرِهِ لا سِيَّما إذا كانَ ذَلِكَ الغَيْرُ نَبِيًّا أوْ رَسُولًا أيْضًا كَما قِيلَ في الخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلامُ، ونَظِيرُ ما ذُكِرَ مِن وجْهِ تَعَلُّمِ عالِمٍ مُجْتَهِدٍ كَأبِي حَنِيفَةَ والشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما عِلْمَ الجَفْرِ مَثَلًا مِمَّنْ دُونَهُ فَإنَّهُ لا يُخِلُّ بِمَقامِهِ، وإنْكارُ ذَلِكَ مُكابَرَةٌ.

ولا يَرِدُ عَلى هَذا أنَّ عِلْمَ الغَيْبِ لَيْسَ عِلْمًا ذا رُشْدٍ؛ أيْ: إصابَةِ خَيْرٍ، ومُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ بِصَدَدِ تَعَلُّمِ عِلْمٍ يُصِيبُ بِهِ خَيْرًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ كُنْتُ أعْلَمُ الغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ وما مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ وقالَ بَعْضُهُمُ: اللّازِمُ كَوْنُ الرَّسُولِ أعْلَمَ مِن أُمَّتِهِ، والخَضِرُ عَلَيْهِ السَّلامُ نَبِيٌّ لَمْ يُرْسَلْ إلَيْهِ ولا هو مَأْمُورٌ بِاتِّباعِ شَرِيعَتِهِ فَلا يُنْكَرُ تَفَرُّدُهُ بِما لَمْ يَعْلَمْهُ غَيْرُهُ، ولا يَخْفى أنَّهُ عَلى هَذا لَيْسَ الخَضِرُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ؛ لِأنَّ الظّاهِرَ إرْسالُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلَيْهِمْ جَمِيعًا كَذا قِيلَ، ثُمَّ إنَّ الَّذِي أمِيلُ إلَيْهِ أنَّ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عِلْمًا بِعِلْمِ الحَقِيقَةِ المُسَمّى بِالعِلْمِ الباطِنِ والعِلْمِ اللَّدُنِّيِّ إلّا أنَّ الخَضِرَ أعْلَمُ بِهِ مِنهُ ولِلْخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلامُ سَواءٌ كانَ نَبِيًّا أوْ رَسُولًا

صفحة 332

عِلْمًا بِعِلْمِ الشَّرِيعَةِ المُسَمّى بِالعِلْمِ الظّاهِرِ إلّا أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أعْلَمُ بِهِ مِنهُ، فَكُلٌّ مِنهُما أعْلَمُ مِن صاحِبِهِ مِن وجْهٍ، ونَعْتُ الخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلامُ في الأحادِيثِ السّابِقَةِ بِأنَّهُ أعْلَمُ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَيْسَ عَلى مَعْنى أنَّهُ أعْلَمُ مِنهُ مِن كُلِّ وجْهٍ، بَلْ عَلى مَعْنى أنَّهُ أعْلَمُ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ وفي بَعْضِ العُلُومِ، لَكِنْ لَمّا كانَ الكَلامُ خارِجًا مَخْرَجَ العَتَبِ والتَّأْدِيبِ أُخْرِجَ عَلى وجْهٍ ظاهِرُهُ العُمُومُ، ونَظِيرُ هَذا آياتُ الوَعِيدِ عَلى ما قِيلَ مِن أنَّها مُقَيَّدَةٌ بِالمَشِيئَةِ لَكِنَّها لَمْ تُذْكَرْ لِمَزِيدِ الإرْهابِ، وأفْعَلُ التَّفْضِيلِ وإنْ كانَ لِلزِّيادَةِ في حَقِيقَةِ الفِعْلِ إلّا أنَّ ذَلِكَ عَلى وجْهٍ يَعُمُّ الزِّيادَةَ في فَرْدٍ مِنهُ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ صِحَّةُ التَّقْيِيدِ بِقِسْمٍ خاصٍّ كَما تَقُولُ: زَيْدٌ أعْلَمُ مِن عَمْرٍو في الطِّبِّ. وعَمْرٌو أعْلَمُ مِنهُ في الفِلاحَةِ، ولَوْ كانَ مَعْناهُ الزِّيادَةَ في مُطْلَقِ العِلْمِ كانَ قَوْلُكَ: زَيْدٌ أعْلَمُ مِن عَمْرٍو مُسْتَلْزِمًا لِأنْ لا يَكُونَ عَمْرٌو أعْلَمَ مِنهُ في شَيْءٍ مِنَ العُلُومِ، فَلا يَصِحُّ تَفْضِيلُ عَمْرٍو عَلَيْهِ في عِلْمِ الفِلاحَةِ، وإنْكارُ صِدْقِ الأعْلَمِ المُطْلَقِ مَعَ صِدْقِ المُقَيَّدِ التِزامٌ لِصِدْقِ المُقَيَّدِ بِدُونِ المُطْلَقِ، وقَدْ جاءَ إطْلاقُ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ والمُرادُ مِنهُ التَّفْضِيلُ مِن وجْهٍ عَلى ما ذَكَرَهُ الشَّيْخُ ابْنُ الحاجِبِ في أمالِيِّ القُرْآنِ ضِمْنَ عِدادِ الأوْجُهِ في حَلِّ الإشْكالِ المَشْهُورِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما نُرِيهِمْ مِن آيَةٍ إلا هي أكْبَرُ مِن أُخْتِها﴾ مِن أنَّ المُرادَ: إلّا هي أكْبَرُ مِن أُخْتِها مِن وجْهٍ، ثُمَّ قالَ: وقَدْ يَكُونُ الشَّيْئانِ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما أفْضَلَ مِنَ الآخَرِ مِن وجْهٍ، وقَدْ أشْبَعَ الكَلامَ في هَذا المَقامِ مَوْلانا جَلالُ الدِّينِ الدَّوانِيُّ فِيما كَتَبَهُ عَلى الشَّرْحِ الجَدِيدِ لِلتَّجْرِيدِ، وحَقَّقَهُ بِما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ.

ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عِلْمًا لَيْسَ عِنْدَ الخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلامُ ما أخْرَجَهُ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا «أنَّ الخَضِرَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: يا مُوسى، إنِّي عَلى عِلْمٍ مِن عِلْمِ اللَّهِ تَعالى عَلَّمَنِيهِ لا تَعْلَمُهُ أنْتَ، وأنْتَ عَلى عِلْمٍ مِن عِلْمِ اللَّهِ تَعالى عَلَّمَكَ اللَّهُ سُبْحانَهُ لا أعْلَمُهُ».

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ تَعالى لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ المَذْكُورُ في الأحادِيثِ السّابِقَةِ: «إنَّ لِي عَبْدًا بِمَجْمَعِ البَحْرَيْنِ هو أعْلَمُ مِنكَ» عَلى مَعْنى: أعْلَمُ في بَعْضِ العُلُومِ بَلْ كانَ عَلى مَعْنى أعْلَمُ في كُلِّ العُلُومِ أُشْكِلَ الجَمْعُ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما ذَكَرْنا مِن كَلامِ الخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلامُ، ثُمَّ عَلى ما ذَكَرْنا يَنْبَغِي أنْ يُرادَ مِنَ العِلْمِ الَّذِي ذَكَرَ الخَضِرُ أنَّهُ يَعْلَمُهُ هو ولا يَعْلَمُهُ مُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ بَعْضُ عِلْمِ الحَقِيقَةِ ومِنَ العِلْمِ الَّذِي ذَكَرَ أنَّهُ يَعْلَمُهُ مُوسى ولا يَعْلَمُهُ هو عَلَيْهِما السَّلامُ بَعْضُ عِلْمِ الشَّرِيعَةِ، فَلِكُلٍّ مِن مُوسى والخَضِرِ عَلَيْهِما السَّلامُ عِلْمٌ بِالشَّرِيعَةِ والحَقِيقَةِ إلّا أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أزْيَدُ بِعِلْمِ الشَّرِيعَةِ والخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلامُ أزْيَدُ بِعِلْمِ الحَقِيقَةِ، ولَكِنْ نَظَرًا لِلْحالَةِ الحاضِرَةِ كَما سَتَعْلَمُ وجْهَهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى وعَدَمَ عِلْمِ كُلٍّ بِبَعْضِ ما عِنْدَ صاحِبِهِ لا يَضُرُّ بِمَقامِهِ. ويَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ قَوْلُ مَن قالَ كالجَلالِ السُّيُوطِيِّ: ما جُمِعَتِ الحَقِيقَةُ والشَّرِيعَةُ إلّا لِنَبِيِّنا ﷺ، ولَمْ يَكُنْ لِلْأنْبِياءِ إلّا أحَدُهُما، عَلى مَعْنى أنَّها ما جُمِعَتْ عَلى الوَجْهِ الأكْمَلِ إلّا لَهُ ﷺ ولَمْ يَكُنْ لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلى ذَلِكَ الوَجْهِ إلّا أحَدُهُما، والحَمْلُ عَلى أنَّهُما لَمْ يُجْمَعا عَلى وجْهِ الأمْرِ بِالتَّبْلِيغِ إلّا لِنَبِيِّنا ﷺ فَإنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَأْمُورٌ بِتَبْلِيغِ الحَقِيقَةِ كَما هو مَأْمُورٌ بِتَبْلِيغِ الشَّرِيعَةِ لَكِنْ لِلْمُسْتَعِدِّينَ لِذَلِكَ لا يَخْلُو عَنْ شَيْءٍ ويُفْهَمُ مِن كَلامِ بَعْضِ الأكابِرِ أنَّ عِلْمَ الحَقِيقَةِ مِن عُلُومِ الوِلايَةِ وحِينَئِذٍ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَظٌّ مِنهُ ولا يَلْزَمُ التَّساوِي في عُلُومِها.

فَفِي الجَواهِرِ والدُّرَرِ قُلْتُ لِلْخَواصِّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ: هَلْ يَتَفاضَلُ الرُّسُلُ في العِلْمِ؟ فَقالَ: العِلْمُ تابِعٌ لِلرِّسالَةِ فَإنَّهُ لَيْسَ عِنْدَ كُلِّ رَسُولٍ مِنَ العِلْمِ إلّا بِقَدْرِ ما تَحْتاجُ إلَيْهِ أُمَّتُهُ فَقَطْ. فَقُلْتُ لَهُ: هَذا مِن حَيْثُ كَوْنُهم رُسُلًا فَهَلْ حالُهم مِن حَيْثُ كَوْنُهم أوْلِياءَ كَذَلِكَ؟ فَقالَ: لا، قَدْ يَكُونُ لِأحَدِهِمْ مِن عُلُومِ الوِلايَةِ ما هو أكْثَرُ مِن عُلُومِ وِلايَةِ أُولِي العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ الَّذِينَ هم أعْلى مِنهُمُ انْتَهى، وأنا أرى أنَّ ما يَحْصُلُ لَهم مِن عِلْمِ الحَقِيقَةِ بِناءً عَلى القَوْلِ بِأنَّهُ مِن عُلُومِ الوِلايَةِ أكْثَرُ مِمّا يَحْصُلُ لِلْأوْلِياءِ الَّذِينَ لَيْسُوا بِأنْبِياءَ، ولا تَرانِي أُفَضِّلُ ولِيًّا لَيْسَ بِنَبِيٍّ في عِلْمِ الحَقِيقَةِ عَلى ولِيٍّ

صفحة 333

هُوَ نَبِيٌّ، ولا أقُولُ بِوِلايَةِ الخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلامُ دُونَ نُبُوَّتِهِ، وقائِلُو ذَلِكَ يَلْزَمُهم ظاهِرًا القَوْلُ بِأنَّ ما عِنْدَهُ مِن عِلْمِ الحَقِيقَةِ مَعَ كَوْنِهِ ولِيًّا أكْثَرُ مِمّا عِنْدَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنهُ إنْ أثْبَتُوا لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ شَيْئًا مِن ذَلِكَ مَعَ كَوْنِهِ نَبِيًّا ولَكِنَّهم لا يَرَوْنَ في ذَلِكَ حَطًّا لِقَدْرِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وظاهِرُ كَلامِ بَعْضِهِمْ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يُؤْتَ شَيْئًا مِن عِلْمِ الحَقِيقَةِ أصْلًا ومَعَ هَذا لا يَنْحَطُّ قَدْرُهُ عَنْ قَدْرِ الخَضِرِ عَلَيْهِما السَّلامُ؛ إذْ لَهُ جِهاتُ فَضْلٍ أُخَرُ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَحْقِيقُ ما يَقُولُهُ الذّاهِبُونَ إلى وِلايَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ.

ثُمَّ ما أراهُ أنا -ولِلَّهِ تَعالى الحَمْدُ- أبْعَدُ عَنِ القَوْلِ بِما نُقِلَ عَنْ بَعْضِ الصُّوفِيَّةِ مِن أنَّ الوِلايَةَ مُطْلَقًا أفْضَلُ مِن نُبُوَّةٍ وإنْ كانَ الوَلِيُّ لا يَبْلُغُ دَرَجَةَ النَّبِيِّ، وهو مَرْدُودٌ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ بِلا تَرَدُّدٍ، نَعَمْ قَدْ يَقَعُ تَرَدُّدٌ في نُبُوَّةِ النَّبِيِّ ووِلايَتِهِ أيُّهُما أفْضَلُ؟ فَمِن قائِلٍ بِأنَّ نُبُوَّتَهُ أفْضَلُ مِن وِلايَتِهِ، ومِن قائِلٍ بِأنَّ وِلايَتَهُ أفْضَلُ.

واخْتارَ هَذا بَعْضُ العَرْفاءِ مُعَلِّلًا لَهُ بِأنَّ نُبُوَّةَ التَّشْرِيعِ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَصْلَحَةِ الوَقْتِ، والوِلايَةُ لا تَعَلُّقَ لَها بِوَقْتٍ دُونَ وقْتٍ وهي في النَّبِيِّ عَلى غايَةِ الكَمالِ. والمُخْتارُ عِنْدِي الأوَّلُ. وقَدْ ضَلَّ الكَرّامِيَّةُ في هَذا المَقامِ فَزَعَمُوا أنَّ الوَلِيَّ قَدْ يَبْلُغُ دَرَجَةَ النَّبِيِّ بَلْ أعْلى. ورَدُّهُ ظاهِرٌ. والِاسْتِدْلالُ لَهُ بِما في هَذِهِ القِصَّةِ بِناءً عَلى القَوْلِ بِوِلايَةِ الخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلامُ لَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى. هَذا ولا يَخْفى عَلى مَن لَهُ أدْنى ذَوْقٍ بِأسالِيبِ الكَلامِ ما راعاهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في سَوْقِ كَلامِهِ عَلى عُلُوِّ مَقامِهِ مِن غايَةِ التَّواضُعِ مَعَ الخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلامُ ونِهايَةِ الأدَبِ واللُّطْفِ، وقَدْ عَدَّ الإمامُ مِن ذَلِكَ أنْواعًا كَثِيرَةً أوْصَلَها إلى اثْنَيْ عَشَرَ نَوْعًا إنْ أرَدْتَها فارْجِعْ إلى تَفْسِيرِهِ. وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ما تَدُلُّ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ في سَرْدِ ما تَدُلُّ عَلَيْهِ آياتُ القِصَّةِ بِأسْرِها مِمّا ذُكِرَ في كُتُبِ الحَدِيثِ وغَيْرِها.

18:67Page 301

قَالَ إِنَّكَ لَن تَسۡتَطِيعَ مَعِيَ صَبۡرٗا ٦٧

He said, "Indeed, with me you will never be able to have patience.

﴿قالَ﴾ أيِ الخَضِرُ لِمُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ ﴿إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ نَفْيٌ لِأنْ يَصْبِرَ مَعَهُ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ حَيْثُ جِيءَ بِإنَّ المُفِيدَةِ لِلتَّأْكِيدِ وبِلَنْ ونَفْيُها آكَدُ مِن نَفْيِ غَيْرِها، وعُدِلَ عَنْ «لَنْ تَصْبِرَ» إلى ﴿لَنْ تَسْتَطِيعَ﴾ المُفِيدِ لِنَفْيِ الصَّبْرِ بِطَرِيقٍ بُرْهانِيٍّ لِأنَّ الِاسْتِطاعَةَ مِمّا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الفِعْلُ فَيَلْزَمُ مِن نَفْيِهِ نَفْيُهُ، ونَكَّرَ ﴿صَبْرًا﴾ في سِياقِ النَّفْيِ وذَلِكَ يُفِيدُ العُمُومَ؛ أيْ: لا تَصْبِرُ مَعِي أصْلًا شَيْئًا مِنَ الصَّبْرِ، وعَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ:

18:68Page 301

وَكَيۡفَ تَصۡبِرُ عَلَىٰ مَا لَمۡ تُحِطۡ بِهِۦ خُبۡرٗا ٦٨

And how can you have patience for what you do not encompass in knowledge?"

﴿وكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ إيذانًا بِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَتَوَلّى أُمُورًا خَفِيَّةً المُرادُ مُنْكَرَةُ الظَّواهِرِ والرَّجُلُ الصّالِحُ لا سِيَّما صاحِبُ الشَّرِيعَةِ لا يَتَمالَكُ أنْ يَشْمَئِزَّ عِنْدَ مُشاهَدَتِها وكَأنَّهُ عَلِمَ مَعَ ذَلِكَ حِدَّةَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ومَزِيدَ غَيْرَتِهِ الَّتِي أوْصَلَتْهُ إلى أنْ أخَذَ بِرَأْسِ أخِيهِ يَجُرُّهُ، ونُصِبَ ﴿خُبْرًا﴾ عَلى التَّمْيِيزِ المُحَوَّلِ عَنِ الفاعِلِ والأصْلُ: ما لَمْ يَحُطْ بِهِ خُبْرُكَ، وهو مِن خَبَرَ الثُّلاثِيِّ مِن بابِ نَصَرَ وعَلِمَ ومَعْناهُ عَرِفَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا وناصِبُهُ ﴿تُحِطْ﴾ لِأنَّهُ يُلاقِيهِ في المَعْنى لِأنَّ الإحاطَةَ تُطْلَقُ إطْلاقًا شائِعًا عَلى المَعْرِفَةِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: لَمْ تَخْبُرْهُ خُبْرًا، وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ هُرْمُزَ: «خُبُرًا» بِضَمِّ الباءِ. واسْتَدَلُّوا بِالآيَةِ كَما قالَ الإمامُ وغَيْرُهُ عَلى أنَّ الِاسْتِطاعَةَ لا تَحْصُلُ قَبْلَ الفِعْلِ قالُوا: لَوْ كانَتِ الِاسْتِطاعَةُ حاصِلَةً قَبْلَ حُصُولِ الفِعْلِ لَكانَتِ الِاسْتِطاعَةُ عَلى الصَّبْرِ حاصِلَةً قَبْلَ حُصُولِ الصَّبْرِ فَيَكُونُ نَفْيُها كَذِبًا وهو باطِلٌ فَتَعَيَّنَ أنْ لا تَكُونَ قَبْلَ الفِعْلِ. وأجابَ الجُبّائِيُّ بِأنَّ المُرادَ مِن هَذا القَوْلِ أنَّهُ يَثْقُلُ عَلَيْكَ الصَّبْرُ كَما يُقالُ في العُرْفِ: إنَّ فُلانًا لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَرى فُلانًا وأنْ يُجالِسَهُ إذا كانَ يَثْقُلُ عَلَيْهِ ذَلِكَ.

وتَعَقَّبَهُ الإمامُ بِأنَّهُ عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ وأُيِّدَ الِاسْتِدْلالُ بِما أُيِّدَ، والإنْصافُ

صفحة 334

أنَّ الِاسْتِدْلالَ بِها عَلى ما ذُكِرَ غَيْرُ ظاهِرٍ لِأنَّ المُرادَ لَيْسَ إلّا نَفْيَ الصَّبْرِ بِنَفْيِ ما يَتَوَقَّفُ هو عَلَيْهِ أعْنِي الِاسْتِطاعَةَ وهَذا حاصِلٌ سَواءٌ كانَتْ حاصِلَةً قَبْلُ أوْ مُقارِنَةً، ثُمَّ إنَّ القَوْلَ بِأنَّ الِاسْتِطاعَةَ قَبْلَ الفِعْلِ لَيْسَ خاصًّا بِالمُعْتَزِلَةِ بَلِ المَفْهُومُ مِن كَلامِ الشَّيْخِ إبْراهِيمَ الكُورانِيِّ أنَّهُ مَذْهَبُ السَّلَفِ أيْضًا، وتَحْقِيقُ ذَلِكَ في مَحَلِّهِ.

18:69Page 301

قَالَ سَتَجِدُنِيٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ صَابِرٗا وَلَآ أَعۡصِي لَكَ أَمۡرٗا ٦٩

[Moses] said, "You will find me, if Allāh wills, patient, and I will not disobey you in [any] order."

﴿قالَ﴾ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا﴾ مَعَكَ غَيْرَ مُعْتَرِضٍ عَلَيْكَ ﴿ولا أعْصِي لَكَ أمْرًا﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿صابِرًا﴾ والفِعْلُ يُعْطَفُ عَلى المُفْرَدِ المُشْتَقِّ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿صافّاتٍ ويَقْبِضْنَ﴾ بِتَأْوِيلِ أحَدِهِما بِالآخَرِ، والأوْلى فِيما نَحْنُ فِيهِ التَّأْوِيلُ في جانِبِ المَعْطُوفِ؛ أيْ: سَتَجِدُنِي صابِرًا وغَيْرَ عاصٍ، وفي وعْدِ هَذا الوِجْدانَ مِنَ المُبالَغَةِ ما لَيْسَ في الوَعْدِ بِنَفْسِ الصَّبْرِ وتَرْكِ العِصْيانِ أوْ عَلى ﴿سَتَجِدُنِي﴾ والجُمْلَةُ عَلى الأوَّلِ في مَحَلِّ نَصْبٍ؛ لِأنَّها مَعْطُوفَةٌ عَلى المَفْعُولِ الثّانِي لِلْوِجْدانِ، وعَلى الثّانِي لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ عَلى ما في الكَشّافِ. واسْتُشْكِلَ بِأنَّ الظّاهِرَ أنَّ مَحَلَّها النَّصْبُ أيْضًا لِتَقَدُّمِ القَوْلِ. وأُجِيبَ بِأنَّ مَقُولَ القَوْلِ هو مَجْمُوعُ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ فَلا يَكُونُ لِأجْزائِهِ مَحَلٌّ بِاعْتِبارِ الأصْلِ، وقِيلَ: مُرادُ الزَّمَخْشَرِيِّ بَيانُ حالِ العَطْفِ في القَوْلِ المَحْكِيِّ عَنْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: مُرادُهُ أنَّهُ لَيْسَ مُؤَوَّلًا بِمُفْرَدٍ كَما في الأوَّلِ، وقِيلَ: إنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ مَقُولَ القَوْلِ مَحْذُوفٌ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُفَسِّرَةٌ لَهُ، والظّاهِرُ الجَوابُ الأوَّلُ، وأوَّلُ الوَجْهَيْنِ في العَطْفِ هو الأوْلى لِما عَرَفْتَ، ولِظُهُورِ تَعَلُّقِ المَعْطُوفِ بِالِاسْتِثْناءِ عَلَيْهِ. وذِكْرُ المَشِيئَةِ إنْ كانَ لِلتَّعْلِيقِ فَلا إشْكالَ في عَدَمِ تَحَقُّقِ ما وعَدَ بِهِ.

ولا يُقالُ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أخْلَفَ وعْدَهُ وإنْ كانَ لِلتَّيَمُّنِ، فَإنْ قُلْنا: إنَّ الوَعْدَ كالوَعِيدِ إنْشاءٌ لا يَحْتَمِلُ الصِّدْقَ والكَذِبَ أوْ أنَّهُ مُقَيَّدٌ بِقَيْدٍ يُعْلَمُ بِقَرِينَةِ المَقامِ كَأنْ أرَدْتَ أوْ إنْ لَمْ يَمْنَعْ مانِعٌ شَرْعِيٌّ أوْ غَيْرُهُ فَكَذَلِكَ لا إشْكالَ، وإنْ قُلْنا: إنَّهُ خَبَرٌ وإنَّهُ لَيْسَ عَلى نِيَّةِ التَّقْيِيدِ جاءَ الإشْكالُ ظاهِرًا؛ فَإنَّ الخُلْفَ حِينَئِذٍ كَذِبٌ وهو غَيْرُ لائِقٍ بِمَقامِ النُّبُوَّةِ لِمُنافاتِهِ العِصْمَةَ، وأُجِيبَ بِأنَّ ما صَدَرَ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في المَرَّتَيْنِ الأخِيرَتَيْنِ كانا نِسْيانًا كَما في المَرَّةِ الأُولى ولا يَضُرُّ مِثْلُ هَذا الخُلْفِ بِمَقامِ النُّبُوَّةِ لِأنَّ النِّسْيانَ عُذْرٌ. وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا نُسَلِّمُ النِّسْيانَ في المَرَّتَيْنِ الأخِيرَتَيْنِ فَفي البُخارِيِّ وشَرْحِهِ لِابْنِ حَجَرٍ وكانَتِ الأُولى نِسْيانًا والثّانِيَةُ شَرْطًا والثّالِثَةُ عَمْدًا، وفي رِوايَةٍ: والثّانِيَةُ عَمْدًا والثّالِثَةُ فِراقًا، وقالَ بَعْضُهُمْ: لَكَ أنْ تَقُولَ: لَمْ يَقَعْ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما يُخِلُّ بِمَقامِهِ لِأنَّ الخُلْفَ في المَرَّةِ الأُولى مَعْفُوٌّ عَنْهُ وحَيْثُ وقَعَ لَمْ تَكُنِ الأخِيرَتانِ خُلْفًا وفِيهِ تَأمُّلٌ، وقالَ القُشَيْرِيُّ: إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وعَدَ مِن نَفْسِهِ بِشَيْئَيْنِ بِالصَّبْرِ وقَرَنَهُ بِالمَشِيئَةِ فَصَبَرَ فِيما كانَ مِنَ الخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الفِعْلِ، وبِأنْ لا يَعْصِيَهُ فَأطْلَقَ ولَمْ يَقْرِنْهُ بِالمَشِيئَةِ فَعَصاهُ حَيْثُ قالَ: فَلا تَسْألْنِي فَكانَ يَسْألُهُ فَما قَرَنَهُ بِالِاسْتِثْناءِ لَمْ يُخْلِفْ فِيهِ وما أطْلَقَهُ وقَعَ فِيهِ الخُلْفُ. انْتَهى.

وهُوَ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ العَطْفَ عَلى ﴿سَتَجِدُنِي﴾ وقَدْ عَلِمْتَ أنَّهُ خِلافُ الأوْلى، وأيْضًا المُرادُ بِالصَّبْرِ الثَّباتُ والإقْرارُ عَلى الفِعْلِ وعَدَمُ الِاعْتِراضِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ المُحاوَرَةُ الآتِيَةُ وهو لَمْ يَتَحَقَّقْ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأيْضًا يَبْقى الكَلامُ في الخُلْفِ كَما لا يَخْفى، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ يَبْعُدُ مِن حالِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ القَطْعُ بِالصَّبْرِ وعَدَمُ عِصْيانِ الأمْرِ بَعْدَ أنْ أشارَ لَهُ الخَضِرُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ سَيَصْدُرُ مِنهُ أُمُورٌ مُنْكَرَةٌ مُخالِفَةٌ لِقَضِيَّةِ شَرِيعَتِهِ فَلا يَبْعُدُ مِنهُ اعْتِبارُ التَّعْلِيقِ في الجُمْلَتَيْنِ، ولَمْ يَأْتِ بِهِ بَعْدَهُما بَلْ وسَّطَهُ بَيْنَ مَفْعُولَيِ الوِجْدانِ مِنَ الجُمْلَةِ الأُولى لِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِهِ، وبِهِ يَرْتَفِعُ الإشْكالُ مِن غَيْرِ احْتِياجٍ إلى القِيلِ والقالِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ أفْعالَ العَبْدِ بِمَشِيئَتِهِ تَعالى لِأنَّهُ إذا صَدَرَ بَعْضُ الأفْعالِ الِاخْتِيارِيَّةِ بِمَشِيئَتِهِ سُبْحانَهُ لَزِمَ صُدُورُ الكُلِّ بِها؛ إذْ لا قائِلَ بِالفَرْقِ.

والمُعْتَزِلَةُ

صفحة 335

اخْتارُوا أنَّ ذِكْرَ المَشِيئَةِ لِلتَّيَمُّنِ وهو لا يَدُلُّ عَلى ما ذُكِرَ، وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّ الِاسْتِدْلالَ جارٍ أيْضًا عَلى احْتِمالِ التَّيَمُّنِ لِأنَّهُ لا وجْهَ لِلتَّيَمُّنِ بِما لا حَقِيقَةَ لَهُ، وقَدْ أشارَ إلى ذَلِكَ الإمامُ أيْضًا فافْهَمْ، وقَدِ اسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ الأمْرَ لِلْوُجُوبِ وفِيهِ نَظَرٌ، ثُمَّ إنَّ الظّاهِرَ أنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِالأمْرِ مُقابِلَ النَّهْيِ بَلْ أُرِيدَ مُطْلَقَ الطَّلَبِ، وحاصِلُ الآيَةِ نَفْيُ أنْ يَعْصِيَهُ في كُلِّ ما يَطْلُبُهُ.

18:70Page 301

قَالَ فَإِنِ ٱتَّبَعۡتَنِي فَلَا تَسۡـَٔلۡنِي عَن شَيۡءٍ حَتَّىٰٓ أُحۡدِثَ لَكَ مِنۡهُ ذِكۡرٗا ٧٠

He said, "Then if you follow me, do not ask me about anything until I make to you about it mention [i.e., explanation]."

﴿قالَ﴾ الخَضِرُ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿فَإنِ اتَّبَعْتَنِي﴾ أذِنَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في الِاتِّباعِ بَعْدَ اللَّتَيّا والَّتِي، والفاءُ لِتَفْرِيعِ الشَّرْطِيَّةِ عَلى ما مَرَّ مِن وعْدِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِالصَّبْرِ والطّاعَةِ.

﴿فَلا تَسْألْنِي عَنْ شَيْءٍ﴾ تُشاهِدُهُ مِن أفْعالِي فَضْلًا عَنِ المُناقَشَةِ والِاعْتِراضِ ﴿حَتّى أُحْدِثَ لَكَ مِنهُ ذِكْرًا﴾ أيْ: حَتّى أبْتَدِئَكَ بِبَيانِهِ، والغايَةُ عَلى ما قِيلَ مَضْرُوبَةٌ لِما يُفْهَمُ مِنَ الكَلامِ كَأنَّهُ قِيلَ: أنْكِرْ بِقَلْبِكَ عَلى ما أفْعَلُ حَتّى أُبَيِّنَهُ لَكَ أوْ هي لِتَأْبِيدِ تَرْكِ السُّؤالِ فَإنَّهُ لا يَنْبَغِي السُّؤالُ بَعْدَ البَيانِ بِالطَّرِيقِ الأوْلى، وعَلى الوَجْهَيْنِ فِيها إيذانٌ بِأنَّ كُلَّ ما يَصْدُرُ عَنْهُ فَلَهُ حِكْمَةٌ وغايَةٌ حَمِيدَةٌ البَتَّةَ، وقِيلَ: حَتّى لِلتَّعْلِيلِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ.

وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ: «فَلا تَسْألَنِّي» بِالنُّونِ المُثَقَّلَةِ مَعَ الهَمْزِ، وعَنْ أبِي جَعْفَرٍ: «فَلا تَسَلَنِّي» بِفَتْحِ السِّينِ واللّامِ والنُّونِ المُثَقَّلَةِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ، وكُلُّ القُرّاءِ كَما قالَ أبُو بَكْرٍ بِياءٍ في آخِرِهِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما في حَذْفِ الياءِ خِلافٌ غَرِيبٌ

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском