Al-AlusiAl‑Kahf · 18:83–88

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-Kahf 18:83–88, continued

واليَهُودُ قاطِبَةً عَلى هَذا لَكِنَّهم لَعَنَهُمُ اللَّهُ تَعالى وقَعُوا في الإسْكَنْدَرِ ونَسَبُوهُ أقْبَحَ نِسْبَةٍ مَعَ أنَّهم يَذْكُرُونَ أنَّهُ أكْرَمَهم حِينَ جاءَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ وعَظَّمَ أحْبارَهم واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ، ثُمَّ إنَّ السُّؤالَ لَيْسَ عَنْ ذاتِ ذِي القَرْنَيْنِ بَلْ عَنْ شَأْنِهِ فَكَأنَّهُ قِيلَ ويَسْألُونَكَ عَنْ شَأْنِ ذِي القَرْنَيْنِ (قُلْ) لَهم في الجَوابِ ﴿سَأتْلُو عَلَيْكم مِنهُ ذِكْرًا﴾ الخِطابُ لِلسّائِلِينَ والهاءُ لِذِي القَرْنَيْنِ ومِن تَبْعِيضِيَّةٌ، والمُرادُ مِن أنْبائِهِ وقِصَصِهِ، والجارُّ والمَجْرُورُ صِفَةُ ذِكْرًا قُدِّمَ عَلَيْهِ فَصارَ حالًا، والمُرادُ بِالتِّلاوَةِ الذِّكْرُ وعَبَّرَ عَنْهُ بِذَلِكَ لِكَوْنِهِ حِكايَةً عَنْ جِهَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ أيْ سَأذْكُرُ لَكم نَبَأً مَذْكُورًا مِن أنْبائِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لَهُ تَعالى ومِنِ ابْتِدائِيَّةً ولا حَذْفَ، والتِّلاوَةُ عَلى ظاهِرِها أيْ سَأتْلُو عَلَيْكم مِن جِهَتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى في شَأْنِهِ ذِكْرًا أيْ قُرْآنًا، والسِّينُ لِلتَّأْكِيدِ والدَّلالَةِ عَلى التَّحَقُّقِ المُناسِبِ لِتَقَدُّمِ تَأْيِيدِهِ ﷺ وتَصْدِيقِهِ بِإنْجازِ وعْدِهِ أيْ لا أتْرُكُ التِّلاوَةَ البَتَّةَ كَما في قَوْلِهِ:

سَأشْكُرُ عُمْرًا إنْ تَراخَتْ مَنِيَّتِي ∗∗∗ أيادِي لَمْ تَمْنُنْ وإنْ هي جَلَّتِ

لا لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ التِّلاوَةَ سَتَقَعُ فِيما يُسْتَقْبَلُ كَما قِيلَ لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ ما نَزَلَتْ بِانْفِرادِها قَبْلَ الوَحْيِ بِتَمامِ القِصَّةِ بَلْ مَوْصُولَةً بِما بَعْدَها رَيْثَما سَألُوهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ،

18:84Page 303

إِنَّا مَكَّنَّا لَهُۥ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَءَاتَيۡنَٰهُ مِن كُلِّ شَيۡءٖ سَبَبٗا ٨٤

Indeed, We established him upon the earth, and We gave him from everything a way [i.e., means].

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا مَكَّنّا لَهُ في الأرْضِ﴾ شُرُوعٌ في تِلاوَةِ الذِّكْرِ المَعْهُودِ حَسْبَما هو المَوْعُودُ، والتَّمْكِينُ هاهُنا الإقْدارُ وتَمْهِيدُ الأسْبابِ، يُقالُ مَكَّنَهُ ومَكَّنَ لَهُ كَنَصَحْتُهُ ونَصَحْتُ لَهُ وشَكَرْتُهُ وشَكَرْتُ لَهُ وفَرَّقَ بَيْنَهُما بِأنَّ مَعْنى الأوَّلِ جَعَلَهُ قادِرًا ومَعْنى الثّانِي جَعَلَ لَهُ قُدْرَةً وقُوَّةً، ولِتَلازُمِهِما في الوُجُودِ وتَقارُبِهِما في المَعْنى يُسْتَعْمَلُ كُلٌّ مِنهُما في مَحَلِّ الآخَرِ، وهَكَذا إذا كانَ التَّمْكِينُ مَأْخُوذًا مِنَ المَكانِ بِناءً عَلى تَوَهُّمِ مِيمِهِ أصْلِيَّةً، والمَعْنى: إنّا جَعْلْنا لَهُ مُكْنَةً وقُدْرَةً عَلى التَّصَرُّفِ في الأرْضِ مِن حَيْثُ التَّدْبِيرُ والرَّأْيُ وكَثْرَةُ الجُنُودِ والهَيْبَةُ والوَقارُ، وقِيلَ: تَمْكِينُهُ في الأرْضِ مِن حَيْثُ إنَّهُ سَخَّرَ لَهُ السَّحابَ ومَدَّ لَهُ في الأسْبابِ وبَسَطَ لَهُ النُّورَ فَكانَ اللَّيْلُ والنَّهارُ عَلَيْهِ سَواءً وفي ذَلِكَ أثَرٌ ولا أراهُ يَصِحُّ، وقِيلَ: تَمْكِينُهُ بِالنُّبُوَّةِ وإجْراءِ المُعْجِزاتِ، ورَوى القَوْلَ بِنُبُوَّتِهِ أبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنْ أبِي الوَرْقاءِ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ مُقاتِلٌ ووافَقَهُ الضَّحّاكُ ويُعارِضُهُ ما أخْرَجَهُ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ في فُتُوحِ مِصْرَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ وابْنُ أبِي عاصِمٍ في السُّنَّةِ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ مِن طَرِيقِ أبِي الفَضْلِ أنَّ ابْنَ الكَوّاءِ سَألَ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ أنَبِيًّا كانَ أمْ مَلِكًا؟ قالَ: لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا ولا مَلِكًا ولَكِنْ كانَ عَبْدًا صالِحًا أحَبَّ اللَّهَ تَعالى فَأحَبَّهُ ونَصَحَ اللَّهَ تَعالى فَنَصَحَهُ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّهُ قالَ: ذُو القَرْنَيْنِ بَلَغَ السَّدَّيْنِ وكانَ نَذِيرًا ولَمْ أسْمَعْ بِحَقٍّ أنَّهُ كانَ نَبِيًّا، وإلى أنَّهُ لَيْسَ بِنَبِيٍّ ذَهَبَ الجُمْهُورُ وتَوَقَّفَ بَعْضُهم لِما

صفحة 31

أخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: ( قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ما أدْرِي أتُبَّعٌ كانَ لَعِينًا أمْ لا، وما أدْرِي أذُو القَرْنَيْنِ كانَ نَبِيًّا أمْ لا؟ وما أدْرِي الحُدُودُ كَفّاراتٌ لِأهْلِها أمْ لا» ؟ )

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا النَّفْيَ لَمْ يَكُنْ لِيَسْتَمِرَّ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونَ دَرى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فِيما بَعْدُ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ ما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ فَإنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَقُولُ ذَلِكَ إلّا عَنْ سَماعٍ، ويَشْهَدُ لِذَلِكَ ما أخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ سالِمِ بْنِ أبِي الجَعْدِ قالَ: «سُئِلَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ أنَبِيٌّ هُوَ؟ فَقالَ: سَمِعْتُ نَبِيَّكم ﷺ يَقُولُ هو عَبْدٌ ناصِحٌ اللَّهَ تَعالى فَنَصَحَهُ» ﴿وآتَيْناهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ أرادَهُ مِن مُهِمّاتِ مُلْكِهِ ومَقاصِدِهِ المُعَلَّقَةِ بِسُلْطانِهِ (سَبَبًا) أيْ طَرِيقًا يُوَصِّلُهُ إلَيْهِ وهو كُلُّ ما يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى المَقْصُودِ مِن عِلْمٍ أوْ قُدْرَةٍ أوْ آلَةٍ لا العِلْمِ فَقَطْ وإنْ وقَعَ الِاقْتِصارُ عَلَيْهِ في بَعْضِ الآثارِ، ومِن بَيانِيَّةٌ والمُبَيَّنُ سَبَبًا، وفي الكَلامِ مُضافٌ مُقَدَّرٌ أيْ مِن أسْبابِ كُلِّ شَيْءٍ، والمُرادُ بِذَلِكَ الأسْبابُ العادِيَّةُ، والقَوْلُ بِأنَّهُ يَلْزَمُ عَلى التَّقْدِيرِ المَذْكُورِ أنْ يَكُونَ لِكُلِّ شَيْءٍ أسْبابٌ لا سَبَبٌ وسَبَبانِ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مِن تَعْلِيلِيَّةً فَلا تَقْدِيرَ، واخْتارَهُ بَعْضُهم فَتَأمَّلْ، واسْتَدَلَّ بَعْضُ مَن قالَ بِنُبُوَّتِهِ بِالآيَةِ عَلى ذَلِكَ ولَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى.

18:85Page 303

فَأَتۡبَعَ سَبَبًا ٨٥

So he followed a way

﴿فَأتْبَعَ﴾ بِالقَطْعِ والفاءُ فَصِيحَةٌ والتَّقْدِيرُ فَأرادَ بُلُوغَ المَغْرِبِ فَأتْبَعَ ﴿سَبَبًا﴾ يُوَصِّلُهُ إلَيْهِ، ولَعَلَّ قَصْدَ بُلُوغِ المَغْرِبِ ابْتِداءً لِأنَّهُ أقْرَبُ إلَيْهِ وقِيلَ: لِمُراعاةِ الحَرَكَةِ الشَّمْسِيَّةِ ولَيْسَ ذَلِكَ لِكَوْنِ جِهَةِ المَغْرِبِ أفْضَلَ مِن جِهَةِ المَشْرِقِ كَما زَعَمَهُ بَعْضُ المَغارِبَةِ، فَإنَّهُ كَما قالَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ لا قَطْعَ بِتَفْضِيلِ إحْدى الجِهَتَيْنِ عَلى الأُخْرى لِتَعارُضِ الأدِلَّةِ.

وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ ( فاتَّبَعَ ) بِهَمْزَةِ الوَصْلِ وتَشْدِيدِ التّاءِ وكَذا فِيما يَأْتِي واسْتَظْهَرَ بَعْضُهم أنَّهُما بِمَعْنًى ويَتَعَدَّيانِ لِمَفْعُولٍ واحِدٍ، وقِيلَ: إنَّ أتْبَعَ بِالقَطْعِ يَتَعَدّى لِاثْنَيْنِ والتَّقْدِيرُ هُنا فَأتْبَعَ سَبَبًا سَبَبًا آخَرَ أوْ فَأتْبَعَ أمْرَهُ سَبَبًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأتْبَعْناهم في هَذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً﴾، وقالَ أبُو عُبَيْدٍ اتَّبَعَ بِالوَصْلِ في السَّيْرِ وأتْبَعَ بِالقَطْعِ مَعْناهُ اللِّحاقُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ وقالَ يُونُسُ: ( أتْبَعَ ) بِالقَطْعِ لِلْمُجِدِّ المُسْرِعِ الحَثِيثِ الطَّلَبِ واتَّبَعَ بِالوَصْلِ إنَّما يَتَضَمَّنُ مُجَرَّدَ الِانْتِقالِ والِاقْتِفاءِ.

18:86Page 303

حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغَ مَغۡرِبَ ٱلشَّمۡسِ وَجَدَهَا تَغۡرُبُ فِي عَيۡنٍ حَمِئَةٖ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوۡمٗاۖ قُلۡنَا يَٰذَا ٱلۡقَرۡنَيۡنِ إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمۡ حُسۡنٗا ٨٦

Until, when he reached the setting of the sun [i.e., the west], he found it [as if] setting in a body of dark water,1 and he found near it a people. We [i.e., Allāh] said, "O Dhul-Qarnayn, either you punish [them] or else adopt among them [a way of] goodness."

﴿حَتّى إذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ﴾ أيْ: مُنْتَهى الأرْضِ مِن جِهَةِ المَغْرِبِ بِحَيْثُ لا يَتَمَكَّنُ أحَدٌ مِن مُجاوَزَتِهِ ووَقَفَ كَما هو الظّاهِرُ عَلى حافَّةِ البَحْرِ المُحِيطِ الغَرْبِيِّ الَّذِي يُقالُ لَهُ أُوقِيانُوسُ وفِيهِ الجَزائِرُ المُسَمّاةُ بِالخالِداتِ الَّتِي هي مَبْدَأُ الأطْوالِ عَلى أحَدِ الأقْوالِ (وجَدَها) أيِ: الشَّمْسَ ﴿تَغْرُبُ في عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ أيْ: ذاتِ حَمْأةٍ وهي الطِّينُ الأسْوَدُ مِن حَمِئَتِ البِئْرُ تَحْمَأُ حَمَأً إذا كَثُرَتْ حَمْأتُها.

وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ وطَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ وعَمْرُو بْنُ العاصِ وابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ وابْنُ عُمَرَ ومُعاوِيَةُ والحَسَنُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( حامِيَةٍ ) بِالياءِ أيْ حارَّةٍ، وأنْكَرَ هَذِهِ القِراءَةَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أوَّلَ ما سَمِعَها، فَقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عُثْمانَ بْنِ أبِي حاضِرٍ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ ذَكَرَ لَهُ أنَّ مُعاوِيَةَ قَرَأ ( في عَيْنٍ حامِيَةٍ ) فَقالَ لَهُ: ما نَقْرَؤُها إلّا (حَمِئَةٍ) فَسَألَ مُعاوِيَةُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو كَيْفَ تَقْرَأُها؟

فَقالَ: كَما قَرَأْتَها فَقُلْتُ: في بَيْتِي نَزَلَ القُرْآنُ فَأرْسَلَ إلى كَعْبٍ فَقالَ لَهُ: أيْنَ تَجِدُ الشَّمْسَ تَغْرُبُ في التَّوْراةِ فَقالَ كَعْبٌ: سَلْ أهْلَ العَزِيمَةِ فَإنَّهم أعْلَمُ بِها، وأمّا أنا فَإنِّي لَمْ أجِدِ الشَّمْسَ تَغْرُبُ في التَّوْراةِ في ماءٍ وطِينٍ، وأشارَ بِيَدِهِ إلى المَغْرِبِ، قالَ ابْنُ أبِي حاضِرٍ: لَوْ أنِّي

صفحة 32

عِنْدَكُما أيَّدْتُكَ بِكَلامٍ تُزادُ بِهِ بَصِيرَةً في (حَمِئَةٍ)، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وما هُوَ؟ قُلْتُ: قَوْلُ تُبَّعٍ فِيما ذُكِرَ بِهِ ذا القَرْنَيْنِ في كَلْفِهِ بِالعِلْمِ واتِّباعِهِ إيّاهُ قَدْ كانَ ذُو القَرْنَيْنِ إلى آخِرِ الأبْياتِ الثَّلاثَةِ السّابِقَةِ، ومَحَلُّ الشّاهِدِ قَوْلُهُ:

فَرَأى مَغِيبَ الشَّمْسِ عِنْدَ غُرُوبِها في عَيْنِ ذِي خَلَبٍ وثَأطٍ حَرْمَدِ

فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما الخَلْبُ؟ قالَ ابْنُ أبِي حاضِرٍ الطِّينُ بِكَلامِهِمْ فَقالَ: فَما الثَّأطُ؟ قالَ: الحَمْأةُ فَقالَ: فَما الحَرْمَدُ؟ قالَ: الأسْوَدُ فَدَعا ابْنُ عَبّاسٍ غُلامًا فَقالَ: اكْتُبْ ما يَقُولُ هَذا الرَّجُلُ ولا يَخْفى أنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ القِراءَتَيْنِ مُنافاةً قَطْعِيَّةً لِجَوازِ كَوْنِ العَيْنِ جامِعَةً بَيْنَ الوَصْفَيْنِ بِأنْ تَكُونَ ذاتَ طِينٍ أسْوَدَ وماؤُها حارٌّ ولِجَوازِ كَوْنِ القِراءَةِ بِالياءِ أصْلُها مِنَ المَهْمُوزِ قُلِبَتْ هَمْزَتُهُ ياءً لِانْكِسارِ ما قَبْلَها وإنْ كانَ ذَلِكَ إنَّما يَطَّرِدُ إذا كانَتِ الهَمْزَةُ ساكِنَةً كَذا قِيلَ: وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يَأْباهُ ما جَرى بَيْنَ ابْنِ عَبّاسٍ ومُعاوِيَةَ.

وأُجِيبُ بِأنَّهُ إذا سُلِّمَ صِحَّتُهُ فَمَبْناهُ السَّماعُ والتَّحْكِيمُ لِتَرْجِيحِ إحْدى القِراءَتَيْنِ، وظاهِرُ ما سَمِعْتُ تَرْجِيحَ قِراءَةِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وكَأنَّ رُجُوعَ مُعاوِيَةَ لِقِراءَةِ ابْنِ عَبّاسٍ عَلى ما ذَكَرَهُ القُرْطُبِيُّ كانَ لِذَلِكَ.

نَعِمَ ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ «عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: كُنْتُ رِدْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو عَلى حِمارٍ فَرَأى الشَّمْسَ حِينَ غَرَبَتْ فَقالَ: أتَدْرِي حَيْثُ تَغْرُبُ؟ قُلْتُ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ قالَ: فَإنَّها تَغْرُبُ في عَيْنٍ حامِيَةٍ غَيْرِ مَهْمُوزَةٍ»، يُوافِقُ قِراءَةَ مُعاوِيَةَ ويَدُلُّ عَلى أنَّ ﴿فِي عَيْنٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِتَغْرُبُ كَما هو الظّاهِرُ، وقَوْلُ بَعْضِ المُتَعَسِّفِينَ بِأنَّهُ مُتَعَلِّقٍ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن فاعِلِ (وجَدَها) مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِ، وكَأنَّ الَّذِي دَعاهُ إلى القَوْلِ بِذَلِكَ لُزُومُ إشْكالٍ عَلى الظّاهِرِ فَإنَّ جِرْمَ الشَّمْسِ أكْبَرُ مِن جِسْمِ الأرْضِ بِأضْعافٍ مُضاعَفَةٍ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ دُخُولُها في عَيْنِ ماءٍ في الأرْضِ، وهو مَدْفُوعٌ بِأنَّ المُرادَ وجَدَها في نَظَرِ العَيْنِ كَذَلِكَ إذْ لَمْ يُرَ هُناكَ إلّا الماءُ لا أنَّها كَذَلِكَ حَقِيقَةٌ وهَذا كَما أنَّ راكِبَ البَحْرِ يَراها كَأنَّها تَطْلُعُ مِنَ البَحْرِ وتَغِيبُ فِيهِ إذا لَمْ يَرَ الشَّطَّ والَّذِي في أرْضٍ مَلْساءَ واسِعَةٍ يَراها أيْضًا كَأنَّها تَطْلُعُ مِنَ الأرْضِ وتَغِيبُ فِيها، ولا يَرُدُّ عَلى هَذا أنَّهُ عَبَّرَ بِوُجِدَ والوِجْدانُ يَدُلُّ عَلى الوُجُودِ لِما أنَّ وُجِدَ يَكُونُ بِمَعْنى رَأى كَما ذَكَرَهُ الرّاغِبُ فَلْيَكُنْ هُنا بِهَذا المَعْنى، ثُمَّ المُرادُ بِالعَيْنِ الحَمِئَةِ إمّا عَيْنٌ في البَحْرِ أوِ البَحْرُ نَفْسُهُ وتَسْمِيَتُهُ عَيْنًا مِمّا لا بَأْسَ بِهِ خُصُوصًا وهو بِالنِّسْبَةِ لِعَظَمَةِ اللَّهِ تَعالى كَقَطْرَةٍ وإنْ عَظُمَ عِنْدَنا.

وزَعَمَ بَعْضُ البَغْدادِيِّينَ أنَّ (فِي) بِمَعْنى عِنْدَ أيْ تَغْرُبُ عِنْدَ عَيْنٍ، ومِنَ النّاسِ مَن زَعَمَ أنَّ الآيَةَ عَلى ظاهِرِها ولا يَعْجِزُ اللَّهَ تَعالى شَيْءٌ، ونَحْنُ نُقِرُّ بِعِظَمِ قُدْرَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ولا نَلْتَفِتُ إلى هَذا القَوْلِ، ومِثْلُهُ ما نَقَلَهُ الطَّرْطُوشِيُّ مِن أنَّها يَبْلُعُها حُوتٌ بَلْ هَذا كَلامٌ لا يَقْبَلُهُ إلّا الصِّبْيانُ ونَحْوُهم فَإنَّها قَدْ تَبْقى طالِعَةً في بَعْضِ الآفاقِ سِتَّةَ أشْهُرٍ وغارِبَةً كَذَلِكَ كَما في أُفُقِ عَرْضِ تِسْعِينَ وقَدْ تَغِيبُ في مِقْدارِ ساعَةٍ ويَظْهَرُ نُورُها مِن قِبَلِ المَشْرِقِ في بَعْضِ العُرُوضِ كَما في بُلْغارْيا في بَعْضِ أيّامِ السَّنَةِ فالشَّمْسُ عَلى ما هو الحَقُّ لَمْ تَزَلْ سائِرَةً طالِعَةً عَلى قَوْمٍ غارِبَةٍ عَلى آخَرِينَ بِحَسَبِ آفاقِهِمْ بَلْ قالَ إمامُ الحَرَمَيْنِ: لا خِلافَ في ذَلِكَ، ويَدُلُّ عَلى ما ذَكَرَ ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ في تَفْسِيرِهِ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الشَّمْسُ بِمَنزِلَةِ السّاقِيَةِ تَجْرِي بِالنَّهارِ في السَّماءِ في فَلَكِها فَإذا غَرَبَتْ جَرَتِ اللَّيْلُ في فَلَكِها تَحْتَ الأرْضِ حَتّى تَطْلُعَ مِن شَرْقِها وكَذَلِكَ القَمَرُ، وكَذا ما أخْرَجَهُ ابْنُ عَساكِرَ عَنِ الزَّهْرِيِّ أنَّ خُزَيْمَةَ بْنَ حَكِيمٍ السُّلَمِيَّ سَألَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ سُخُونَةِ الماءِ في الشِّتاءِ وبَرْدِهِ في الصَّيْفِ فَقالَ: إنَّ الشَّمْسَ إذا سَقَطَتْ تَحْتَ الأرْضِ سارَتْ حَتّى تَطَلُعَ مِن مَكانِها، فَإذا طالَ اللَّيْلُ كَثُرَ لَبْثُها في الأرْضِ فَيَسْخُنُ

صفحة 33

الماءُ لِذَلِكَ فَإذا كانَ الصَّيْفَ مَرَّتْ مُسْرِعَةً لا تَلْبَثُ تَحْتَ الأرْضِ لِقِصَرِ اللَّيْلِ فَثَبَتَ الماءُ عَلى حالِهِ بارِدًا، ولا يَخْفى أنَّ هَذا السَّيْرَ تَحْتَ الأرْضِ تَخْتَلِفُ فِيهِ الشَّمْسُ مِن حَيْثُ المُسامَتَةِ بِحَسَبِ الآفاقِ والأوْقاتِ فَتَسامَتِ الأقْدامُ تارَةً ولا تُسامِتُها أُخْرى فَما أخْرَجَهُ أبُو الشَّيْخِ عَنِ الحَسَنِ قالَ: إذا غَرَبَتِ الشَّمْسُ دارَتْ في فَلَكِ السَّماءِ مِمّا يَلِي دُبُرَ القِبْلَةِ حَتّى تَرْجِعَ إلى المَشْرِقِ الَّذِي تَطْلُعُ مِنهُ وتَجْرِي مِنهُ في السَّماءِ مِن شَرْقِها إلى غَرْبِها ثُمَّ تَرْجِعُ إلى الأُفُقِ مِمّا يَلِي دُبُرَ القِبْلَةِ إلى شَرْقِها كَذَلِكَ هي مُسَخَّرَةٌ في فَلَكِها وكَذَلِكَ القَمَرُ لا يَكادُ يَصِحُّ. ويُشْكِلُ عَلى ما ذُكِرَ ما أخْرَجَهُ البُخارِيُّ «عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في المَسْجِدِ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَقالَ: يا أبا ذَرٍّ أتَدْرِي أيْنَ تَغْرُبُ الشَّمْسُ؟ قَلَتُ اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ قالَ: فَإنَّها تَذْهَبُ حَتّى تَسْجُدَ تَحْتَ العَرْشِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها﴾» .

وأُجِيبُ بِأنَّ المُرادَ أنَّها تَذْهَبُ تَحْتَ الأرْضِ حَتّى تَصِلَ إلى غايَةِ الِانْحِطاطِ وهي عِنْدَ وُصُولِها دائِرَةً نِصْفَ النَّهارِ في سَمْتِ القَدَمِ بِالنِّسْبَةِ إلى أُفُقِ القَوْمِ الَّذِينَ غَرَبَتْ عَنْهُمْ، وذَلِكَ الوُصُولُ أشْبَهُ شَيْءٍ بِالسُّجُودِ بَلْ لا مانِعَ أنْ تَسْجُدَ هُناكَ سُجُودًا حَقِيقِيًّا لائِقًا بِها، فالمُرادُ مِن تَحْتِ العَرْشِ مَكانًا مَخْصُوصًا مُسامِتًا لِبَعْضِ أجْزاءِ العَرْشِ وإلّا فَهي في كُلِّ وقْتٍ تَحْتَ العَرْشِ وفي جَوْفِهِ، وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى أنَّهُ جُسْمٌ كُرِّيٌّ مُحِيطٌ بِسائِرِ الأفْلاكِ والفَلَكِيّاتِ وبِهِ تُحَدَّدُ الجِهاتُ وهَذا قَوْلُ الفَلاسِفَةِ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في سُورَةِ طه ما يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ، وعَلى ما ذُكِرَ فالمُرادُ بِمُسْتَقَرِّها مَحَلُّ انْتِهاءِ انْحِطاطِها فَهي تَجْرِي عِنْدَ كُلِّ قَوْمٍ لِذَلِكَ المَحَلِّ ثُمَّ تَشْرَعُ في الِارْتِفاعِ، وقالَ الخَطّابِيُّ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِاسْتِقْرارِها تَحْتَ العَرْشِ أنَّها تَسْتَقِرُّ تَحْتَهُ اسْتِقْرارًا لا نُحِيطُ بِهِ نَحْنُ ولَيْسَ في سُجُودِها كُلَّ لَيْلَةٍ تَحْتَ العَرْشِ ما يُعِيقُ عَنْ دَوَرانِها في سَيْرِها انْتَهى، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَمامُ الكَلامِ في ذَلِكَ في سُورَةِ يس، وبِالجُمْلَةِ لا يَلْزَمُ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ خُرُوجُ الشَّمْسِ عَنْ فَلَكِها المُمَثَّلِ، بَلْ ولا عَنْ خارِجِ المَرْكَزِ وإنِ اخْتَلَفَ قُرْبُها وبُعْدُها مِنَ العَرْشِ بِالنِّسْبَةِ إلى حَرَكَتِها في ذَلِكَ الخارِجِ.

نَعَمْ ورَدَ في بَعْضِ الآثارِ ما يَدُلُّ عَلى خُرُوجِها عَنْ حَيِّزِها، فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ الشَّمْسَ إذا غَرَبَتْ رُفِعَ بِها إلى السَّماءِ السّابِعَةِ في سُرْعَةِ طَيَرانِ المَلائِكَةِ وتُحْبَسُ تَحْتَ العَرْشِ فَتَسْتَأْذِنُ مِن أيْنَ تُؤْمَرُ بِالطُّلُوعِ ثُمَّ يَنْطَلِقُ بِها ما بَيْنَ السَّماءِ السّابِعَةِ وبَيْنَ أسْفَلِ دَرَجاتِ الجِنانِ في سُرْعَةِ طَيَرانِ المَلائِكَةِ فَتَنْحَدِرُ حِيالَ المَشْرِقِ مِن سَماءٍ إلى سَماءٍ فَإذا وصَلَتْ إلى هَذِهِ السَّماءِ فَذَلِكَ حِينَ يَنْفَجِرُ الصُّبْحُ، فَإذا وصَلَتْ إلى هَذا الوَجْهِ مِنَ السَّماءِ فَذَلِكَ حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ وهو وإنْ لَمْ تَأْباهُ قَواعِدُنا مِن شُمُولِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى سائِرَ المُمْكِناتِ وعَدَمُ امْتِناعِ الخَرْقِ والِالتِئامِ عَلى الفَلَكِ مُطْلَقًا إلّا أنَّهُ لا يَتَسَنّى مَعَ تَحَقُّقِ غُرُوبِها عِنْدَ قَوْمٍ وطُلُوعِها عِنْدَ آخَرِينَ، وبَقائِها طالِعَةً نَحْوَ سِتَّةِ أشْهُرٍ في بَعْضِ العُرُوضِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يَخْفى فَلَعَلَّ الخَبَرَ غَيْرُ صَحِيحٍ.

وقَدْ نَصَّ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ عَلى أنَّ أبا الشَّيْخِ رَواهُ بِسَنَدٍ واهٍ ثُمَّ إنَّ الظّاهِرَ عَلى رِوايَةِ البُخارِيِّ ورِوايَةِ ابْنِ أبِي شَيْبَةَ ومَن مَعَهُ أنَّ أبا ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ سُئِلَ مَرَّتَيْنِ إلّا أنَّهُ رَدَّ العِلْمَ في الثّانِيَةِ إلى اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ طَلَبًا لِزِيادَةِ الفائِدَةِ ومُبالَغَةً في الأدَبِ مَعَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

﴿ووَجَدَ عِنْدَها﴾ أيْ: عِنْدَ تِلْكَ العَيْنِ عَلى ساحِلِ البَحْرِ (قَوْمًا) لِباسُهم عَلى ما قِيلَ: جُلُودُ السِّباعِ وطَعامُهم ما لَفَظَهُ البَحْرُ، قالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: هم قَوْمٌ يُقالُ لَهم: ناسُكَ لا يُحْصِيهِمْ كَثْرَةً إلّا اللَّهُ تَعالى.

وقالَ أبُو زَيْدٍ السُّهَيْلِيُّ: هم قَوْمٌ مِن نَسْلِ ثَمُودَ كانُوا يَسْكُنُونَ جابَرْسا وهي مَدِينَةٌ عَظِيمَةٌ لَها اثْنا عَشَرَ بابًا

صفحة 34

ويُقالُ لَها بِالسُّرْيانِيَّةِ: جَرْجِيسا، ورُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، وزَعَمَ ابْنُ السّائِبِ أنَّهُ كانَ فِيهِمْ مُؤْمِنُونَ وكافِرُونَ، والَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ أنَّهم كانُوا كَفّارًا فَخَيَّرَهُ اللَّهُ تَعالى بَيْنَ أنْ يُعَذِّبَهم بِالقَتْلِ وأنْ يَدْعُوَهم إلى الإيمانِ وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْنا يا ذا القَرْنَيْنِ إمّا أنْ تُعَذِّبَ﴾ بِالقَتْلِ مِن أوَّلِ الأمْرِ ﴿وإمّا أنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ أيْ أمْرًا ذا حُسْنٍ عَلى حَذْفِ المُضافِ أوْ عَلى طَرِيقَةِ الوَصْفِ بِالمَصْدَرِ لِلْمُبالَغَةِ وذَلِكَ بِالدَّعْوَةِ إلى الحَقِّ والإرْشادِ إلى ما فِيهِ الفَوْزُ بِالدَّرَجاتِ، ومَحَلُّ إنَّ مَعَ صِلَتِهِ إمّا الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ أوْ عَلى الخَبَرِ، وإمّا النَّصْبُ عَلى المَفْعُولِيَّةِ، إمّا تَعْذِيبُكَ واقِعٌ أوْ إمّا أمْرُكَ تَعْذِيبُكَ أوْ إمّا تَفْعَلُ أوْ تُوقِعُ تَعْذِيبَكَ وهَكَذا الحالُ في الِاتِّخاذِ، وقُدِّمَ التَّعْذِيبُ لِأنَّهُ الَّذِي يَسْتَحِقُّونَهُ في الحالِ لِكُفْرِهِمْ، وفي التَّعْبِيرِ- بِإمّا أنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا- دُونَ إمّا أنْ تَدْعُوَهم مَثَلًا إيماءً إلى تَرْجِيحِ الشِّقِّ الثّانِي، واسْتَدَلَّ بِالآيَةِ مَن قالَ بِنُبُوَّتِهِ، والقَوْلُ عِنْدَ بَعْضِهِمْ بِواسِطَةِ مَلَكٍ وعِنْدَ آخَرِينَ كِفاحًا ومَن لَمْ يَقُلْ بِنُبُوَّتِهِ قالَ: كانَ الخِطابُ بِواسِطَةِ نَبِيٍّ في ذَلِكَ العَصْرِ أوْ كانَ ذَلِكَ إلْهامًا لا وحْيًا بَعْدَ أنْ كانَ ذَلِكَ التَّخْيِيرُ مُوافِقًا لِشَرِيعَةِ ذَلِكَ النَّبِيِّ. وتُعُقِّبَ هَذا بِأنَّ مِثْلَ هَذا التَّخْيِيرِ المُتَضَمِّنِ لِإزْهاقِ النُّفُوسِ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِالإلْهامِ دُونَ الإعْلامِ وإنْ وافَقَ شَرِيعَةً، ونُقِضَ ذَلِكَ بِقِصَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ في ذَبْحِ ابْنِهِ بِالرُّؤْيا وهي دُونَ الإلْهامِ، وفِيهِ أنَّ رُؤْيا الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وإلْهاماتِهِمْ وحَيٌّ كَما بُيِّنَ في مَحَلِّهِ، والكَلامُ هُنا عَلى تَقْدِيرِ عَدَمِ النُّبُوَّةِ وهو ظاهِرٌ.

وقالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى: المَعْنى: قُلْنا يا مُحَمَّدُ قالُوا أيْ جُنْدُهُ الَّذِينَ كانُوا مَعَهُ يا ذا القَرْنَيْنِ فَحُذِفَ القَوْلُ اعْتِمادًا عَلى ظُهُورِ أنَّهُ لَيْسَ بِنَبِيٍّ وهو مِنَ التَّكَلُّفِ بِمَكانٍ، وقَرِيبٌ مِنهُ دَعْوى أنَّ القائِلَ العُلَماءُ الَّذِينَ مَعَهُ قالُوهُ عَنِ اجْتِهادٍ ومُشاوَرَةٍ لَهُ بِذَلِكَ، ونَسَبَهُ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ مَجازًا، والحَقُّ أنَّ الآيَةَ ظاهِرَةُ الدَّلالَةِ في نُبُوَّتِهِ، ولَعَلَّها أظْهَرُ في ذَلِكَ مِن دَلالَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما فَعَلْتُهُ عَنْ أمْرِي﴾ عَلى نُبُوَّةِ الخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وكَأنَّ الدّاعِيَ إلى صَرْفِها عَنِ الظّاهِرِ الأخْبارُ الدّالَّةُ عَلى خِلافِها، ولَعَلَّ الأُولى في تَأْوِيلِها أنْ يُقالَ: كانَ القَوْلُ بِواسِطَةِ نَبِيٍّ.

18:87Page 303

قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوۡفَ نُعَذِّبُهُۥ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَىٰ رَبِّهِۦ فَيُعَذِّبُهُۥ عَذَابٗا نُّكۡرٗا ٨٧

He said, "As for one who wrongs,1 we will punish him. Then he will be returned to his Lord, and He will punish him with a terrible punishment [i.e., Hellfire].

(قالَ) ذُو القَرْنَيْنِ لِذَلِكَ النَّبِيِّ أوْ لِمَن عِنْدَهُ مِن خَواصِّهِ بَعْدَ أنْ تَلْقّى أمْرَهُ تَعالى مُخْتارًا لِلشِّقِّ الأخِيرِ مِن شِقَّيِ التَّخْيِيرِ حَسْبَما أُرْشِدَ إلَيْهِ ﴿أمّا مَن ظَلَمَ﴾ نَفْسَهُ ولَمْ يَقْبَلْ دَعْوَتِي وأصَرَّ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ مِنَ الظُّلْمِ العَظِيمِ الَّذِي هو الشِّرْكُ ﴿فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ﴾ بِالقَتْلِ، والظّاهِرُ أنَّهُ كانَ بِالسَّيْفِ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: كانَ عَذابُهُ أنْ يَجْعَلَهم في بَقْرٍ مِن صَفْرٍ ثُمَّ يُوقِدُ تَحْتَهُمُ النّارَ حَتّى يَتَقَطَّعُوا فِيها وهو بَعِيدٌ عَنِ الصِّحَّةِ، وأتى بِنُونِ العَظَمَةِ عَلى عادَةِ المُلُوكِ، وإسْنادُ التَّعْذِيبِ إلَيْهِ لِأنَّهُ السَّبَبُ الآمِرُ، ودَعْوى صُدُورِ ذَلِكَ مِنهُ بِالذّاتِ في غايَةِ البُعْدِ، وقِيلَ: أرادَ مِنَ الضَّمِيرِ اللَّهَ تَعالى ونَفْسَهُ والإسْنادُ بِاعْتِبارِ الخَلْقِ والكَسْبِ وهو أيْضًا بَعِيدٌ مَعَ ما فِيهِ مَن تَشْرِيكِ اللَّهِ تَعالى مَعَ غَيْرِهِ في الضَّمِيرِ، وفِيهِ مِنَ الخِلافِ ما عَلِمْتَ ﴿ثُمَّ يُرَدُّ إلى رَبِّهِ﴾ في الآخِرَةِ (فَيُعَذِّبُهُ) فِيها ﴿عَذابًا نُكْرًا﴾ أيْ مُنْكَرًا فَظِيعًا وهو العَذابُ في نارِ جَهَنَّمَ، ونُصِبَ (عَذابًا) عَلى أنَّهُ مَصْدَرُ يُعَذِّبُهُ، وقِيلَ: تَنازَعَ فِيهِ هو ونُعَذِّبُهُ والمُرادُ بِالعَذابِ النُّكْرِ نَظَرًا إلى الأوَّلِ ما رُوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ وهو خِلافُ الظّاهِرِ كَما لا يَخْفى. وفي قَوْلِهِ ﴿إلى رَبِّهِ﴾ دُونَ إلَيْكَ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الخِطابَ السّابِقَ لَمْ يَكُنْ بِطَرِيقِ الوَحْيِ إلَيْهِ وأنَّ مُقاوَلَتَهُ كانَتْ مَعَ النَّبِيِّ أوْ مَعَ خَواصِّهِ

18:88Page 303

وَأَمَّا مَنۡ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَلَهُۥ جَزَآءً ٱلۡحُسۡنَىٰۖ وَسَنَقُولُ لَهُۥ مِنۡ أَمۡرِنَا يُسۡرٗا ٨٨

But as for one who believes and does righteousness, he will have a reward of the best [i.e., Paradise], and we [i.e., Dhul-Qarnayn] will speak to him from our command with ease."

﴿وأمّا مَن آمَنَ﴾ بِمُوجِبِ دَعْوَتِي (وعَمِلَ) عَمَلًا (صالِحًا) حَسْبَما يَقْتَضِيهِ الإيمانُ (فَلَهُ) في الدّارَيْنِ ﴿جَزاءً الحُسْنى﴾ أيْ فَلَهُ المَثُوبَةُ الحُسْنى أوِ الفِعْلَةُ الحُسْنى أوِ

صفحة 35

الجَنَّةُ جَزاءٌ عَلى أنَّ جَزاءً مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ قُدِّمَ عَلى المُبْتَدَأِ اعْتِناءً بِهِ أوْ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ أيْ: يُجْزى بِها جَزاءً، والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ أوْ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ المُتَقَدِّمِ عَلَيْهِ أوْ هو حالٌ أيْ مَجْزِيًّا بِها، وتَعَقَّبَ ذَلِكَ أبُو الحَسَنِ بِأنَّهُ لا تَكادُ العَرَبُ تَتَكَلَّمُ بِالحالِ مُقَدَّمًا إلّا في الشِّعْرِ، وقالَ الفَرّاءُ: هو نَصْبٌ عَلى التَّمْيِيزِ.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ومَسْرُوقٌ ( جَزاءً ) مَنصُوبًا غَيْرَ مُنَوَّنٍ، وخَرَّجَ ذَلِكَ المَهْدَوِيُّ عَلى حَذْفِ التَّنْوِينِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وخَرَّجَهُ غَيْرُهُ عَلى أنَّهُ حُذِفَ لِلْإضافَةِ والمُبْتَدَأُ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ أيْ: فَلَهُ الجَزاءُ جَزاءً الحُسْنى.

وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي إسْحاقَ بِالرَّفْعِ والتَّنْوِينِ عَلى أنَّهُ المُبْتَدَأُ (والحُسْنى) بَدَلُهُ والخَبَرُ الجارُّ والمَجْرُورُ.

وقَرَأ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ السَّبْعَةِ بِالرَّفْعِ بِلا تَنْوِينٍ، وخَرَّجَ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ مُضافٌ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: والمُرادُ عَلى الإضافَةِ: جَزاءَ الخِلالِ الحَسَنَةِ الَّتِي أتاها وعَمِلَها، أوِ المُرادُ بِالحُسْنى الجَنَّةُ والإضافَةُ كَما في دارِ الآخِرَةِ.

﴿وسَنَقُولُ لَهُ مِن أمْرِنا﴾ أيْ: مِمّا نَأْمُرُ بِهِ (يُسْرًا) أيْ: سَهْلًا مُيَسَّرًا غَيْرَ شاقٍّ، وتَقْدِيرُهُ ذا يُسْرٍ وأُطْلِقَ عَلَيْهِ المَصْدَرُ مُبالَغَةً، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ ( يُسُرًا ) بِضَمَّتَيْنِ حَيْثُ وقَعَ هَذا، وقالَ الطَّبَرِيُّ: المُرادُ مِنِ اتِّخاذِ الحُسْنِ الأسْرُ فَيَكُونُ قَدْ خُيِّرَ بَيْنَ القَتْلِ والأسْرِ، والمَعْنى إمّا أنْ تَعَذِّبَ بِالقَتْلِ وإمّا أنَّ تُحْسِنَ إلَيْهِمْ بِإبْقاءِ الرُّوحِ والأسْرِ، وما حُكِيَ مِنَ الجَوابِ عَلى هَذا الوَجْهِ قِيلَ مِنَ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ لِأنَّ الظّاهِرَ أنَّهُ تَعالى خَيَّرَهُ في قَتْلِهِمْ وأسْرِهِمْ وهم كُفّارٌ فَقالَ: أمّا الكافِرُ فَيُراعى فِيهِ قُوَّةُ الإسْلامِ وأمّا المُؤْمِنُ فَلا يَتَعَرَّضُ لَهُ إلّا بِما يَجِبُ.

وفِي الكَشْفِ أنَّهُ رُوعِيَ فِيهِ عَلى الوَجْهَيْنِ نُكْتَةٌ بِتَقْدِيمِ ما مِنَ اللَّهِ تَعالى في جانِبِ الرَّحْمَةِ دَلالَةً عَلى أنَّ ما مِنهُ تابِعٌ وتَتْمِيمٌ وما مِنهُ في جانِبِ العَذابِ رِعايَةً لِتَرْتِيبِ الوُجُودِ مَعَ التَّرَقِّي لِيَكُونَ أغْيَظَ، وكَأنَّهُ حَمَلَ (فَلَهُ) إلَخْ عَلى مَعْنى فَلَهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى إلَخْ وهو الظّاهِرُ، وجَوَّزَ حَمْلَ ﴿إمّا أنْ تُعَذِّبَ وإمّا أنْ تَتَّخِذَ﴾ عَلى التَّوْزِيعِ دُونَ التَّخْيِيرِ، والمَعْنى عَلى ما قِيلَ: لِيَكُنْ شَأْنُكَ مَعَهم إمّا التَّعْذِيبُ، وإمّا الإحْسانُ، فالأوَّلُ لِمَن بَقِيَ عَلى حالِهِ، والثّانِي لِمَن تابَ. فَتَأمَّلْ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском