Al-AlusiAl‑Kahf · 18:97–102

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-Kahf 18:97–102

18:97Page 303

فَمَا ٱسۡطَٰعُوٓاْ أَن يَظۡهَرُوهُ وَمَا ٱسۡتَطَٰعُواْ لَهُۥ نَقۡبٗا ٩٧

So they [i.e., Gog and Magog] were unable to pass over it, nor were they able [to effect] in it any penetration.

﴿فَما اسْطاعُوا﴾ بِحَذْفِ تاءِ الِافْتِعالِ تَخْفِيفًا وحَذَرًا عَنْ تَلاقِي المُتَقارِبَيْنِ في المَخْرَجِ وهُما الطّاءُ والتّاءُ.

وقَرَأ حَمْزَةُ وطَلْحَةُ بِإدْغامِ التّاءِ في الطّاءِ وفِيهِ جَمْعٌ بَيْنَ السّاكِنَيْنِ عَلى غَيْرِ حَدِّهِ ولَمْ يُجَوِّزْهُ أبُو عَلِيٍّ وجَوَّزَهُ جَماعَةٌ، وقَرَأ الأعْشى عَنْ أبِي بَكْرٍ ( فَما اصْطاعُوا ) بِقَلْبِ السِّينِ صادًا لِمُجاوِرَةِ الطّاءِ، وقَرَأ الأعْمَشُ ( فَما اسْتَطاعُوا ) بِالتّاءِ مِن غَيْرِ حَذْفٍ، والفاءُ فَصِيحَةٌ أيْ فَفَعَلُوا ما أُمِرُوا بِهِ مِن إيتاءِ القِطْرِ أوِ الإتْيانِ فَأفْرَغَ عَلَيْهِ فاخْتَلَطَ والتَصَقَ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، فَصارَ جَبَلًا صَلْدًا فَجاءَ يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ وقَصَدُوا أنْ يُعْلُوهُ ويَنْقُبُوهُ فَما اسْطاعُوا ﴿أنْ يَظْهَرُوهُ﴾ أيْ يَعْلُوهُ ويَرْقَوْا فِيهِ لِارْتِفاعِهِ ومَلاسَتِهِ، قِيلَ: كانَ ارْتِفاعُهُ مِائَتَيْ ذِراعٍ، وقِيلَ: ألْفٌ وثَمانُمِائَةِ ذِراعٍ ﴿وما اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ لِصَلابَتِهِ وثَخانَتِهِ. قِيلَ: وكانَ عَرْضُهُ خَمْسِينَ ذِراعًا، وكانَ أساسُهُ قَدْ بَلَغَ الماءَ وقَدْ جَعَلَ فِيهِ الصَّخْرَ والنُّحاسَ المُذابَ وكانَتْ زُبَرُ الحَدِيدِ لِلْبِناءِ فَوْقَ الأرْضِ، ولا يَخْفى أنَّ إفْراغَ القِطْرِ عَلَيْها بَعْدَ أنْ أثَّرَتْ فِيها حَرارَةُ النّارِ حَتّى صارَتْ كالنّارِ مَعَ ما ذَكَرُوا مِن أنَّ امْتِدادَ السَّدِّ في الأرْضِ مِائَةُ فَرْسَخٍ لا يَتِمُّ إلّا بِأمْرٍ إلَهِيٍّ خارِجٍ عَنِ العادَةِ كَصَرْفِ تَأْثِيرِ حَرارَةِ النّارِ العَظِيمَةِ عَنْ أبْدانِ المُباشِرِينَ لِلْأعْمالِ، وإلّا فَمِثْلُ تِلْكَ الحَرارَةِ عادَةً مِمّا لا يَقْدِرُ حَيَوانٌ عَلى أنْ يَحُومَ حَوْلَها، ومِثْلُ ذَلِكَ النَّفْخِ في هاتِيكَ الزُّبَرِ العَظِيمَةِ الكَثِيرَةِ حَتّى تَكُونَ نارًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنَ الأمْرَيْنِ بِواسِطَةِ آلاتٍ غَرِيبَةٍ أوْ أعْمالٍ أُوتِيَها هو أوْ أحَدٌ مِمَّنْ مَعَهُ لا يَكادُ أحَدٌ يَعْرِفُها اليَوْمَ، ولِلْحُكَماءِ المُتَقَدِّمِينَ بَلْ والمُتَأخِّرِينَ أعْمالٌ عَجِيبَةٌ يَتَوَصَّلُونَ

صفحة 42

إلَيْها بِآلاتٍ غَرِيبَةٍ تَكادُ تَخْرُجُ عَنْ طَوْرِ العَقْلِ، وهَذا مِمّا لا شُبْهَةَ فِيهِ فَلْيَكُنْ ما وقَعَ لِذِي القَرْنَيْنِ مِن ذَلِكَ القَبِيلِ، وقِيلَ: كانَ بِناؤُهُ مِنَ الصُّخُورِ مُرْتَبِطًا بَعْضُها بِبَعْضٍ بِكَلالِيبَ مِن حَدِيدٍ ونُحاسٍ مُذابٍ في تَجاوِيفِها بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ هُناكَ فَجْوَةٌ أصْلًا.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أبِي بَكْرَةٍ الشَّفِّيِّ «أنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ رَأيْتُ سَدَّ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ قالَ: انْعَتْهُ لِي، قالَ: كالبُرْدِ المُحَبَّرِ طَرِيقَةٌ سَوْداءُ وطَرِيقَةٌ حَمْراءُ، قالَ: قَدْ رَأيْتَهُ»، والظّاهِرُ أنَّ الرُّؤْيَةَ بَصَرِيَّةٌ لا مَنامِيَّةٌ وهو أمْرٌ غَرِيبٌ إنْ صَحَّ الخَبَرُ، وأمّا ما ذَكَرَهُ بَعْضُهم مِن أنَّ الواثِقَ بِاللَّهِ العَبّاسِيَّ أرْسَلَ سَلامًا التُّرْجُمانَ لِلْكَشْفِ عَنْ هَذا السَّدِّ، فَذَهَبَ جِهَةَ الشَّمالِ في قِصَّةٍ تَطُولُ حَتّى رَآهُ ثُمَّ عادَ، وذَكَرَ لَهُ مِن أمْرِهِ ما ذَكَرَ فَثِقاتُ المُؤَرِّخِينَ عَلى تَضْعِيفِهِ، وعِنْدِي أنَّهُ كَذَبَ لِما فِيهِ مِمّا تَأْبى عَنْهُ الآيَةُ كَما لا يَخْفى عَلى الواقِفِ عَلَيْهِ تَفْصِيلًا.

ولا يَخْفى لُطْفُ الإتْيانِ بِالتّاءِ في اسْتَطاعُوا هُنا

18:98Page 304

قَالَ هَٰذَا رَحۡمَةٞ مِّن رَّبِّيۖ فَإِذَا جَآءَ وَعۡدُ رَبِّي جَعَلَهُۥ دَكَّآءَۖ وَكَانَ وَعۡدُ رَبِّي حَقّٗا ٩٨

[Dhul-Qarnayn] said, "This is a mercy from my Lord; but when the promise of my Lord1 comes [i.e., approaches], He will make it level, and ever is the promise of my Lord true."

﴿قالَ﴾ أيْ ذُو القَرْنَيْنِ لِمَن عِنْدَهُ مِن أهْلِ تِلْكَ الدِّيارِ وغَيْرِهِمْ هَذا إشارَةً إلى السَّدِّ، وقِيلَ: إلى تَمَكُّنِهِ مِن بِنائِهِ والفَضْلُ لِلْمُتَقَدِّمِ لِيَتَّحِدَ مَرْجِعُ الضَّمِيرِ المُتَأخِّرِ أيْ هَذا الَّذِي ظَهَرَ عَلى يَدَيَّ وحَصَلَ بِمُباشَرَتِي مِنَ السَّدِّ الَّذِي شَأْنُهُ ما ذُكِرَ مِنَ المَتانَةِ وصُعُوبَةِ المَنالِ ﴿رَحْمَةٌ﴾ أيْ: إثْرَ رَحْمَةٍ عَظِيمَةٍ وعَبَّرَ عَنْهُ بِها لِلْمُبالَغَةِ ﴿مِن رَبِّي﴾ عَلى كافَّةِ العِبادِ لا سِيَّما عَلى مُجاوَرِيهِ، وكَوْنُ السَّدِّ رَحْمَةً عَلى العِبادِ ظاهِرٌ، وإذا جَعَلْتَ الإشارَةَ إلى التَّمَكُّنِ فَكَوْنُهُ رَحْمَةً عَلَيْهِمْ أنَّهُ سَبَبٌ لِذَلِكَ، ورُبَّما يُرَجَّحُ المُتَقَدِّمُ أيْضًا بِاحْتِياجِ المُتَأخِّرِ إلى هَذا التَّأْوِيلِ، وإنْ كانَ الأمْرُ فِيهِ سَهْلًا، وفي الأخْبارِ عَنْهُ بِما ذُكِرَ إيذانٌ عَلى ما قِيلَ بِأنَّهُ لَيْسَ مِن قَبِيلِ الآثارِ الحاصِلَةِ بِمُباشَرَةِ الخَلْقِ عادَةً بَلْ هو إحْسانٌ إلَهِيٌّ مَحْضٌ وإنْ ظَهَرَ بِالمُباشَرَةِ، وفي التَّعَرُّضِ لِوَصْفِ الرُّبُوبِيَّةِ تَرْبِيَةُ مَعْنى الرَّحْمَةِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ ( هَذِهِ رَحْمَةٌ ) بِتَأْنِيثِ اسْمِ الإشارَةِ وخَرَجَ عَلى أنَّهُ رِعايَةٌ لِلْخَبَرِ أوْ جَعْلُ المُشارِ إلَيْهِ القُدْرَةَ والقُوَّةَ عَلى ذَلِكَ ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ رَبِّي﴾ أيْ: وقْتُ وعْدِهِ تَعالى فالكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ والإسْنادُ إلى الوَعْدِ مَجازٌ وهو لِوَقْتِهِ حَقِيقَةٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الوَعْدُ بِمَعْنى المَوْعُودِ وهو وقْتُهُ أوْ وُقُوعُهُ فَلا حَذْفَ ولا مَجازَ في الإسْنادِ بَلْ هُناكَ مَجازٌ في الطَّرَفِ، والمُرادُ مِن وقْتِ ذَلِكَ يَوْمُ القِيامَةِ، وقِيلَ: وقْتُ خُرُوجِ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ. وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا يُساعِدُهُ النَّظْمُ الكَرِيمُ والمُرادُ بِمَجِيئِهِ ما يَنْتَظِمُ مَجِيئُهُ ومَجِيءُ مَبادِيهِ مِن خُرُوجِهِمْ وخُرُوجِ الدَّجّالِ ونُزُولِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ ونَحْوِ ذَلِكَ، لا دُنُوُّ وُقُوعِهِ فَقَطْ كَما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُ، فَإنَّ بَعْضَ الأُمُورِ الَّتِي سَتُحْكى تَقَعُ بَعْدَ مَجِيئِهِ حَتْمًا (جَعَلَهُ) أيِ: السَّدَّ المُشارَ إلَيْهِ مَعَ مَتانَتِهِ ورَصانَتِهِ (دَكّاءَ) بِألِفِ التَّأْنِيثِ المَمْدُودَةِ والمَوْصُوفُ مُؤَنَّثٌ مُقَدَّرٌ أيْ أرْضًا مُسْتَوِيَةً، وقالَ بَعْضُهم: الكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ مِثْلَ دَكّاءَ وهي ناقَةٌ لا سَنامَ لَها ولا بُدَّ مِنَ التَّقْدِيرِ لِأنَّ السَّدَّ مُذَكَّرٌ لا يُوصَفُ بِمُؤَنَّثٌ، وقَرَأ غَيْرُ الكُوفِيِّينَ دَكًّا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ دَكَكْتُهُ وهو بِمَعْنى المَفْعُولِ أيْ مَدْكُوكًا مُسَوًّى بِالأرْضِ أوْ عَلى ظاهِرِهِ والوَصْفُ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ، والنَّصْبُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِجَعَلَ وهي بِمَعْنى صَيَّرَ، وزَعَمَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّها بِمَعْنى خَلَقَ ولَيْسَ بِشَيْءٍ.

وهَذا الجَعْلُ وقْتَ مَجِيءِ الوَعْدِ بِمَجِيءِ بَعْضِ مَبادِيهِ، وفِيهِ بَيانٌ لِعِظَمِ قَدَّرْتِهِ تَعالى شَأْنُهُ بَعْدَ بَيانِ سِعَةِ رَحْمَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، وكانَ عِلْمُهُ بِهَذا الجَعْلِ عَلى ما قِيلَ مِن تَوابِعِ عِلْمِهِ بِمَجِيءِ السّاعَةِ إذْ مِن مَبادِئِها دَكُّ الجِبالِ الشّامِخَةِ الرّاسِخَةِ ضَرُورَةَ أنَّهُ لا يَتِمُّ بِدُونِها واسْتِفادَتُهُ العِلْمَ بِمَجِيئِها مِمَّنْ كانَ في عَصْرِهِ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ

صفحة 43

العِلْمُ بِجَمِيعِ ذَلِكَ بِالسَّماعِ مِنَ النَّبِيِّ وكَذا العِلْمُ بِمَجِيءِ وقْتِ خُرُوجِهِمْ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُرادًا مِنَ الوَعْدِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَنِ اجْتِهادٍ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَنْ سَماعٍ.

وفِي كِتابِ حَزْقِيالَ عَلَيْهِ السَّلامُ الإخْبارُ بِمَجِيئِهِمْ في آخِرِ الزَّمانِ مِن آخِرِ الجَرِّ بِياءٍ في أُمَمٍ كَثِيرَةٍ لا يُحْصِيهِمْ إلّا اللَّهُ تَعالى وإفْسادُهم في الأرْضِ وقَصْدُهم بَيْتَ المَقْدِسِ وهَلاكُهم عَنْ آخِرِهِمْ في بَرِّيَّتِهِ بِأنْواعٍ مِنَ العَذابِ وهو عَلَيْهِ السَّلامُ قَبْلَ إسْكَنْدَرَ غالِبِ دارا فَإذا كانَ هو ذا القَرْنَيْنِ فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونَ وقَفَ عَلى ذَلِكَ فَأفادَهُ عِلْمًا بِما ذُكِرَ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ، ثُمَّ إنَّ في الكَلامِ حَذْفًا أيْ وهو يَسْتَمِرُّ إلى آخِرِ الزَّمانِ فَإذا جاءَ وعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكّاءَ ﴿وكانَ وعْدُ رَبِّي﴾ أيْ: وعْدُهُ سُبْحانَهُ المَعْهُودُ أوْ كُلُّ ما وعَدَ عَزَّ وجَلَّ بِهِ فَيَدْخُلُ فِيهِ ذَلِكَ دُخُولًا أوَّلِيًّا (حَقًّا) ثابِتًا لا مَحالَةَ واقِعًا البَتَّةَ وهَذِهِ الجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ مِن ذِي القَرْنَيْنِ لِما ذَكَرَهُ مِنَ الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ وتَأْكِيدٌ لِمَضْمُونِها وهو آخِرُ ما حُكِيَ مِن قِصَّتِهِ،

18:99Page 304

۞ وَتَرَكۡنَا بَعۡضَهُمۡ يَوۡمَئِذٖ يَمُوجُ فِي بَعۡضٖۖ وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَجَمَعۡنَٰهُمۡ جَمۡعٗا ٩٩

And We will leave them that day1 surging over each other, and [then] the Horn will be blown, and We will assemble them in [one] assembly.

وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿وتَرَكْنا بَعْضَهُمْ﴾ كَلامٌ مَسُوقٌ مِن جَنابِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وضَمِيرُ الجَمْعِ المَجْرُورُ عِنْدَ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ لِلْخَلائِقِ، والتَّرْكُ بِمَعْنى الجَعْلِ وهو مِنَ الأضْدادِ، والعَطْفُ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾ وفِيهِ تَحْقِيقٌ لِمَضْمُونِهِ، ولا يَضُرُّ في ذَلِكَ كَوْنُهُ مَحْكِيًّا عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ أيْ جَعَلْنا بَعْضَ الخَلائِقِ (يَوْمَئِذٍ) أيْ: يَوْمَ إذْ جاءَ الوَعْدُ بِمَجِيءِ بَعْضِ مَبادِئِهِ ﴿يَمُوجُ في بَعْضٍ﴾ آخَرَ مِنهم، والمَوْجُ مَجازٌ عَنِ الِاضْطِرابِ أيْ يَضْطَرِبُونَ اضْطِرابَ البَحْرِ يَخْتَلِطُ إنْسُهم وجِنُّهم مِن شَدَّةِ الهَوْلِ ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ولَعَلَّ ذَلِكَ لِعَظائِمَ تَقَعُ قَبْلَ النَّفْخَةِ الأُولى، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلنّاسِ والمُرادُ وجَعَلْنا بَعْضَ النّاسِ يَوْمَ إذْ جاءَ الوَعْدُ بِخُرُوجِ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ يَمُوجُ في بَعْضٍ آخَرَ لِفَزَعِهِمْ مِنهم وفِرارِهِمْ، وفِيهِ بَعْدٌ وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلنّاسِ أيْضًا، والمُرادُ وجَعَلْنا بَعْضَ النّاسِ يَوْمَ إذْ تَمَّ السَّدُّ يَمُوجُ في بَعْضِهِمْ لِلنَّظَرِ إلَيْهِ والتَّعْجِيبِ مِنهُ ولا يَخْفى أنَّ هَذا يُتَعَجَّبُ مِنهُ.

وقالَ أبُو حَيّانَ: الأظْهَرُ كَوْنُ الضَّمِيرِ لِيَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ أيْ وتَرَكْنا بَعْضَ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ يَمُوجُ في بَعْضٍ آخَرَ مِنهم حِينَ يَخْرُجُونَ مِنَ السَّدِّ مُزْدَحِمِينَ في البِلادِ وذَلِكَ بَعْدَ نُزُولِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ النَّوّاسِ ابْنِ سَمْعانَ بَعْدَ ذِكْرِ الدَّجّالِ وهَلاكِهِ بِبابِ لُدٍّ عَلى يَدِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ثُمَّ يَأْتِي عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ قَوْمًا قَدْ عَصَمَهُمُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الدَّجّالِ فَيَمْسَحُ وُجُوهَهم ويُحَدِّثُهم بِدَرَجاتِهِمْ في الجَنَّةِ فَبَيْنَما هم كَذَلِكَ إذْ أوْحى اللَّهُ تَعالى إلى عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ: أنِّي قَدْ أخْرَجْتُ عِبادًا لِي لِإيذانٍ لِأحَدٍ بِقِتالِهِمْ فَحَرَّزَ عِبادِي إلى الطَّوْرِ ويَبْعَثُ اللَّهُ تَعالى يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ فَيَخْرُجُونَ عَلى النّاسِ فَيُنَشِّفُونَ الماءَ ويَتَحَصَّنُ النّاسُ مِنهم في حُصُونِهِمْ ويَضُمُّونَ إلَيْهِمْ مَواشِيَهم فَيَشْرَبُونَ مِياهَ الأرْضِ حَتّى إنَّ بَعْضَهم لَيَمُرُّ بِالنَّهْرِ فَيَشْرَبُونَ ما فِيهِ حَتّى يَتْرُكُوهُ يَبَسا، حَتّى إنَّ مَن يَمُرُّ مِن بَعْدِهِمْ لَيَمُرُّ بِذَلِكَ النَّهْرِ فَيَقُولُ قَدْ كانَ ها هُنا ماءٌ مَرَّةً ويَحْصُرُ عِيسى نَبِيَّ اللَّهِ وأصْحابَهُ حَتّى يَكُونَ رَأْسُ الثَّوْرِ ورَأْسُ الحِمارِ لِأحَدِهِمْ خَيْرًا مِن مِائَةِ دِينارٍ.

وفِي رِوايَةِ مُسْلِمٍ وغَيْرِهِ فَيَقُولُونَ: لَقَدْ قَتَلْنا مَن في الأرْضِ هَلُمَّ نَقْتُلُ مَن في السَّماءِ فَيَرْمُونَ نُشّابَهم إلى السَّماءِ فَيَرُدُّها اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ مَخْضُوبَةً دَمًا لِلْبَلاءِ والفِتْنَةِ، فَيَرْغَبُ نَبِيُّ اللَّهِ وأصْحابُهُ إلى اللَّهِ تَعالى فَيُرْسِلُ عَلَيْهِمُ النَّغَفَ في رِقابِهِمْ فَيُصْبِحُونَ فَرْسى.

وفِي رِوايَةِ داوُدَ: كالنَّغَفِ في أعْناقِهِمْ فَيُصْبِحُونَ مَوْتى كَمَوْتِ نَفْسٍ واحِدَةٍ لا يُسْمَعُ لَهم حِسٌّ فَيَقُولُ المُسْلِمُونَ: ألا رَجُلٌ يَشْرِي لَنا نَفْسَهُ فَيَنْظُرَ ما فَعَلَ هَذا العَدُوُّ فَيَتَجَرَّدُ رَجُلٌ مِنهم مُحْتَسِبًا نَفْسَهُ قَدْ وطَّنَها عَلى أنَّهُ مَقْتُولٌ، فَيَنْزِلُ فَيَجِدُهم مَوْتى

صفحة 44

بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ، فَيُنادِي يا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ ألا أبْشِرُوا إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ قَدْ كَفاكم عَدُوَّكم فَيَخْرُجُونَ مِن مَدايِنِهِمْ وحُصُونِهِمْ فَيُسَرِّحُونَ مَواشِيَهم فَما يَكُونُ لَها مَرْعًى إلّا لُحُومَهم فَتَشْكُرُ أحْسَنَ ما شَكَرَتْ عَنْ شَيْءٍ ويَهْبِطُ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وأصْحابُهُ إلى الأرْضِ فَلا يَجِدُونَ فِيها مَوْضِعَ شِبْرٍ إلّا مَلَأهُ زَهَمُهم ونَتْنُهم فَيَسْتَغِيثُونَ بِاللَّهِ تَعالى فَيَبْعَثُ اللَّهُ سُبْحانَهُ رِيحًا يَمانِيَّةً غَبْراءَ فَتَصِيرُ عَلى النّاسِ غَمًّا ودُخانًا ويَقَعُ عَلَيْهِمُ الزَّكْمَةُ ويَكْشِفُ ما بِهِمْ بَعْدَ ثَلاثَةِ أيّامٍ، وقَدْ قَذَفَتِ الأرْضُ جِيَفَهم في البَحْرِ، وفي رِوايَةٍ فَيَرْغَبُ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وأصْحابُهُ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَيُرْسِلُ طَيْرًا كَأعْناقِ البُخْتِ فَتَحْمِلُهم فَتَطْرَحُهم حَيْثُ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وفي رِوايَةٍ فَتَرْمِيهِمْ في البَحْرِ- وفي أُخْرى في النّارِ، ولا مُنافاةَ كَما يَظْهَرُ بِأدْنى تَأمُّلٍ- ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ مَطَرًا لا يَكُنْ مِنهُ بَيْتُ مَدَرٍ ولا وبَرٍ فَيَغْسِلُ الأرْضَ حَتّى يَتْرُكَها كالزَّلَقَةِ ثُمَّ يُقالُ لِلْأرْضِ: أنْبِتِي ثَمَرَتَكِ ورُدِّي بَرَكَتَكِ فَيَوْمَئِذٍ تَأْكُلُ العِصابَةُ مِنَ الرُّمّانَةِ ويَسْتَظِلُّونَ بِقِحْفِها ويُبارِكُ في الرُّسُلِ حَتّى إنَّ اللِّقْحَةَ مِنَ الإبِلِ لَتَكْفِي الفِئامَ مِنَ النّاسِ، ويُوقِدُ المُسْلِمُونَ مِن قِسِيِّ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ ونُشّابِهِمْ وأتْرِسَتِهِمْ سَبْعَ سِنِينَ، ولَعَلَّ اللَّهَ تَعالى يَحْفَظُ ذَلِكَ في الأوْدِيَةِ ومَواضِعِ السُّيُولِ زِيادَةً في سُرُورِ المُسْلِمِينَ أوْ يَحْفَظُها حَيْثُ هَلَكُوا ولا يُلْقِيها مَعَهم حَيْثُ شاءَ ولا يُعْجِزُ اللَّهُ تَعالى شَيْءٌ، والحَدِيثُ يَدُلُّ عَلى كَثْرَتِهِمْ جِدًّا، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما أخْرَجَهُ ابْنُ حِبّانَ في صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا «أنَّ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ أقَلُّ ما يَتْرُكُ أحَدُهم مِن صُلْبِهِ ألْفًا مِنَ الذُّرِّيَّةِ» . وحَمَلَهُ بَعْضُهم عَلى طُولِ العُمْرِ.

وفِي البَحْرِ أنَّهُ قَدِ اخْتُلِفَ في عَدَدِهِمْ وصِفاتِهِمْ ولَمْ يَصِحَّ في ذَلِكَ شَيْءٌ. وأعْجَبُ ما رُوِيَ في ذَلِكَ قَوْلُ مَكْحُولٍ: الأرْضُ مَسِيرَةُ مِائَةِ عامٍ ثَمانُونَ مِنها يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ وهي أُمَّتانِ كُلُّ أُمَّةٍ أرْبَعُمِائَةِ ألْفِ أُمَّةٍ لا تُشْبِهُ أُمَّةٌ الأُخْرى وهو قَوْلٌ باطِلٌ، ومِثْلُهُ ما رُوِيَ عَنْ أبِي الشَّيْخِ عَنْ أبِي أُمامَةَ الدُّنْيا سَبْعَةُ أقالِيمَ فَلِيَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ سِتَّةٌ ولِلْباقِي إقْلِيمٌ واحِدٌ وهو كَلامُ مَن لا يَعْرِفُ الأرْضَ ولا الأقالِيمَ. نَعَمْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ مِن طَرِيقِ البَكّالِيِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ اللَّهَ تَعالى جَزَّأ الإنْسَ عَشَرَةَ أجْزاءٍ فَتِسْعَةٌ مِنهم يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ وجُزْءٌ سائِرُ النّاسِ إلّا أنِّي لَمْ أقِفْ عَلى تَصْحِيحِهِ لِغَيْرِ الحاكِمِ، وحُكْمُ تَصْحِيحِهِ مَشْهُورٌ ويُعْلَمُ مِمّا تَقَدَّمَ ومِمّا سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى بُطْلانُ ما يَزْعُمُهُ بَعْضُ النّاسِ مِن أنَّهُمُ التَّتارُ الَّذِينَ أكْثَرُوا الفَسادَ في البِلادِ وقَتَلُوا الأخْيارَ والأشْرارَ. ولَعَمْرِي إنَّ ذَلِكَ الزَّعْمَ مِنَ الضَّلالَةِ بِمَكانٍ وإنْ كانَ بَيْنَ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ وأُولَئِكَ الكَفَرَةِ مُشابَهَةٌ تامَّةٌ لا تَخْفى عَلى الواقِفِينَ عَلى أخْبارِ ما يَكُونُ وما كانَ إبْطالُ ما يَزْعُمُهُ بَعْضُ النّاسِ مِن أنَّهُمُ التَّتارُ ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ﴾ الظّاهِرُ أنَّ المُرادَ النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ لِأنَّهُ المُناسِبُ لِما بَعْدُ. ولَعَلَّ عَدَمَ التَّعَرُّضِ لِذِكْرِ النَّفْخَةِ الأوْلى لِأنَّها داهِيَةٌ عامَّةٌ لَيْسَ فِيها حالَةٌ مُخْتَصَّةٌ بِالكُفّارِ، وقِيلَ: لِئَلّا يَقَعَ الفَصْلُ بَيْنَ ما يَقَعُ في النَّشْأةِ الأُولى مِنَ الأحْوالِ والأهْوالِ وبَيْنَ ما يَقَعُ مِنها في النَّشْأةِ الآخِرَةِ.

والصُّورُ قَرْنٌ جاءَ في الآثارِ مِن وصْفِهِ ما يُدْهِشُ العُقُولَ.

وقَدْ صَحَّ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ أنَّهُ قالَ: ( قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «كَيْفَ أنْعَمُ وقَدِ التَقَمَ صاحِبُ القَرْنِ القَرْنَ وحَنا جَبِينَهُ وأصْغى سَمْعَهُ يَنْتَظِرُ أنْ يُؤْمَرَ فَيَنْفُخَ» ) .

وزَعَمَ أبُو عُبَيْدَةَ أنَّهُ جَمْعُ صُورَةٍ وأيْدٍ بِقِراءَةِ الحَسَنِ ( الصُّوَرِ ) بِفَتْحِ الواوِ فَيَكُونُ لِسُورَةٍ وسُورٍ ورَدُّ ذَلِكَ أظْهَرُ مِن أنْ يَخْفى، ولِذَلِكَ قالَ أبُو الهَيْثَمِ عَلى ما نَقَلَ عَنْهُ الإمامُ القُرْطُبِيُّ: مَن أنْكَرَ أنْ يَكُونَ الصُّورُ قَرْنًا

صفحة 45

فَهُوَ كَمَن أنْكَرَ العَرْشَ والصِّراطَ والمِيزانَ وطَلَبَ لَها تَأْوِيلاتٍ. وذَكَرَ أنَّ الأُمَمَ مُجْمِعَةٌ عَلى أنَّ النّافِخَ فِيهِ إسْرافِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ (فَجَمَعْناهُمْ) أيِ: الخَلائِقَ بَعْدَ ما تَفَرَّقَتْ أوْصالُهم وتَمَزَّقَتْ أجْسادُهم في صَعِيدٍ واحِدٍ لِلْحِسابِ والجَزاءِ (جَمْعًا) أيْ جَمْعًا عَجِيبًا لا يُكْتَنَهُ كُنْهُهُ

18:100Page 304

وَعَرَضۡنَا جَهَنَّمَ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡكَٰفِرِينَ عَرۡضًا ١٠٠

And We will present Hell that Day to the disbelievers, on display -

﴿وعَرَضْنا جَهَنَّمَ﴾ أظْهَرْناها وأبْرَزْناها (يَوْمَئِذٍ) أيْ: يَوْمَ إذْ جَمَعْنا الخَلائِقَ كافَّةً (لِلْكافِرِينَ) مِنهم حَيْثُ جَعَلْناها بِحَيْثُ يَرَوْنَها ويَسْمَعُونَ لَها تَغَيُّظًا وزَفِيرًا (عَرْضًا) أيْ عَرْضًا فَظِيعًا هائِلًا لا يُقادَرُ قَدْرُهُ. وتَخْصِيصُ العَرْضِ بِهِمْ مَعَ أنَّها بِمَرْأًى مِن أهْلِ الجَمْعِ قاطِبَةً لِأنَّ ذَلِكَ لِأجْلِهِمْ خاصَّةً

18:101Page 304

ٱلَّذِينَ كَانَتۡ أَعۡيُنُهُمۡ فِي غِطَآءٍ عَن ذِكۡرِي وَكَانُواْ لَا يَسۡتَطِيعُونَ سَمۡعًا ١٠١

Those whose eyes had been within a cover [removed] from My remembrance,1 and they were not able to hear.2

﴿الَّذِينَ كانَتْ أعْيُنُهُمْ﴾ وهم في الدُّنْيا ﴿فِي غِطاءٍ﴾ كَثِيفٍ وغِشاوَةٍ غَلِيظَةٍ مُحاطَةٍ بِذَلِكَ مِن جَمِيعِ الجَوانِبِ ﴿عَنْ ذِكْرِي﴾ عَنِ الآياتِ المُؤَدِّيَةِ لِأُولِي الأبْصارِ المُتَدَبِّرِينَ فِيها إلى ذِكْرِي بِالتَّوْحِيدِ والتَّمْجِيدِ. فالذِّكْرُ مَجازٌ عَنِ الآياتِ المَذْكُورَةِ مِن بابِ إطْلاقِ المُسَبِّبِ وإرادَةِ السَّبَبِ. وفِيهِ أنَّ مَن لَمْ يَنْظُرْ نَظَرًا يُؤَدِّي بِهِ إلى ذِكْرِ التَّعْظِيمِ كَأنَّهُ لا نَظَرَ لَهُ البَتَّةَ وهَذا فائِدَةُ التَّجَوُّزِ.

وقِيلَ: الكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ عَنْ آياتِ ذِكْرِي ولَيْسَ بِذاكَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالأعْيُنِ البَصائِرَ القَلْبِيَّةَ، والمَعْنى كانَتْ بَصائِرُهم في غِطاءٍ عَنْ أنْ يَذْكُرُونِي عَلى وجْهٍ يَلِيقُ بِشَأْنِي أوْ عَنْ ذِكْرِي الَّذِي أنْزَلْتُهُ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ويَجُوزُ أنْ يُخَصَّ بِالقُرْآنِ الكَرِيمِ (وكانُوا) مَعَ ذَلِكَ ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ نَفْيٌ لِسَماعِهِمْ عَلى أتَمِّ وجْهٍ ولِذا عَدَلَ عَنْ وكانُوا صُمًّا الأخْصَرَ إلَيْهِ. والمُرادُ أنَّهم مَعَ ذَلِكَ كَفاقِدِي حاسَّةِ السَّمْعِ بِالكُلِّيَّةِ وهو مُبالَغَةٌ في تَصْوِيرِ إعْراضِهِمْ عَنْ سَماعِ ما يُرْشِدُهم إلى ما يَنْفَعُهم بَعْدَ تَصْوِيرِ تَعامِيهِمْ عَنِ الآياتِ المُشاهَدَةِ بِالأبْصارِ فَلا حاجَةَ إلى تَقْدِيرٍ لِذِكْرى المُرادِ مِنهُ القُرْآنُ أوْ مُطْلَقُ الشَّرائِعِ الإلَهِيَّةِ فَإنَّهُ بَعْدَ تَخْصِيصِ الذِّكْرِ المَذْكُورِ في النَّظْمِ الكَرِيمِ أوَّلًا بِالآياتِ المُشاهَدَةِ لا يَصِيرُ قَرِينَةً عَلى هَذا الحَذْفِ. قالَ ابْنُ هِشامٍ في المُغْنِي: إنَّ الدَّلِيلَ اللَّفْظِيَّ لا بُدَّ مِن مُطابَقَتِهِ لِلْمَحْذُوفِ مَعْنًى فَلا يَصِحُّ زَيْدٌ ضارِبٌ وعَمْرٌو أيْ ضارِبٌ عَلى أنَّ الأوَّلَ بِمَعْناهُ المَعْرُوفِ والثّانِي بِمَعْنى مُسافِرٍ. وتَقْدِيرُ ذَلِكَ وإرادَةُ مَعْنى الآياتِ مِنهُ مَجازًا لِتَحَقُّقِ الآياتِ في ضِمْنِ الكَلامِ المُعْجِزِ لا يَخْفى حالُهُ وحالُ إرادَةِ الآياتِ، ثُمَّ إرادَةُ الكَلامِ المُعْجِزِ مِنها مَجازًا بَعْدَ المَجازِ أظْهَرُ، وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّ تَقْدِيرَ ذَلِكَ إنَّما هو بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ تَعالى سَمْعًا وأنَّ الكافِرِينَ هَذا حالُهم لا بِقَرِينَةِ ذِكْرِ الذِّكْرِ قَبْلَ لِيَجِيءَ كَلامُ ابْنِ هِشامٍ، ولا يَخْفى أنَّهُ لا كَلامَ في تَقْدِيرِ الذِّكْرِ بِمَعْنى القُرْآنِ أوِ الشَّرائِعِ الإلَهِيَّةِ إذا أُرِيدَ مِنَ الذِّكْرِ المَذْكُورِ ذَلِكَ. والمَوْصُولُ نَعْتُ الكافِرِينَ أوْ بَدَلٌ مِنهُ أوْ بَيانٌ جِيءَ بِهِ لِذَمِّهِمْ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ ولِلْإشْعارِ بِعِلْيَتِهِ لِإصابَةِ ما أصابَهم مِن عَرْضِ جَهَنَّمَ لَهم.

18:102Page 304

أَفَحَسِبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَن يَتَّخِذُواْ عِبَادِي مِن دُونِيٓ أَوۡلِيَآءَۚ إِنَّآ أَعۡتَدۡنَا جَهَنَّمَ لِلۡكَٰفِرِينَ نُزُلٗا ١٠٢

Then do those who disbelieve think that they can take My servants instead of Me as allies? Indeed, We have prepared Hell for the disbelievers as a lodging.

﴿أفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ كَفَرُوا بِي كَما يُعْرِبُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى (عِبادِي) والحُسْبانُ بِمَعْنى الظَّنِّ، وقَدْ قَرَأ عَبْدُ اللَّهِ ( أفَظَنَّ ) والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ عَلى مَعْنى إنْكارِ الواقِعِ واسْتِقْباحِهِ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يُفْصِحُ عَنْهُ الصِّلَةُ عَلى تَوْجِيهِ الإنْكارِ والتَّوْبِيخِ وإلى المَعْطُوفِينَ جَمِيعًا عَلى ما اخْتارَهُ شَيْخُ الإسْلامِ. والمَعْنى أكَفَرُوا بِي مَعَ جَلالَةِ شَأْنِي فَحَسِبُوا ﴿أنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي﴾ مِنَ المَلائِكَةِ وعِيسى ونَحْوَهم عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِنَ المُقَرَّبِينَ كَما تُشْعِرُ بِهِ الإضافَةُ فَإنَّ الأكْثَرَ أنْ تَكُونَ في مِثْلِ هَذا اللَّفْظِ لِتَشْرِيفِ المُضافِ.

واقْتَصَرَ قَتادَةُ في المُرادِ مِن ذَلِكَ عَلى المَلائِكَةِ، والظّاهِرُ إرادَةُ ما يَعُمُّهم وغَيْرَهم مِمَّنْ ذَكَرْنا واخْتارَهُ أبُو حَيّانَ

صفحة 46

وغَيْرُهُ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المُرادَ مِنهُ الشَّياطِينُ وفِيهِ بُعْدٌ ولَعَلَّ الرِّوايَةَ لا تَصِحُّ. وعَنْ مُقاتِلٍ أنَّ المُرادَ الأصْنامُ وهو كَما تَرى، وجَوَّزَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنْ يُرادَ ما يَعُمُّ المَذْكُورِينَ والأصْنامَ وسائِرَ المَعْبُوداتِ الباطِلَةِ مِنَ الكَواكِبِ وغَيْرِها تَغْلِيبًا، ولَعَلَّ المَقامَ يَقْتَضِي أنْ لا تَكُونَ الإضافَةُ فِيهِ لِلتَّشْرِيفِ أيْ أفَظَنُّوا أنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي الَّذِينَ هم تَحْتَ مُلْكِي وسُلْطانِي ﴿مِن دُونِي﴾ أيْ: مُجاوَزِينَ لِي (أوْلِياءَ) أيْ: مَعْبُودِينَ أوْ أنْصارًا لَهم مِن بَأْسِي، وما في حَيِّزِ صِلَةِ أنْ قِيلَ سادٌّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ حَسِبَ أيْ أفَحَسِبُوا أنَّهم يَتَّخِذُونَهم أوْلِياءَ. وكانَ مَصَبُّ الإنْكارِ أنَّهم يَتَّخِذُونَهم كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ أُقْحِمَ الحُسْبانُ لِلْمُبالَغَةِ، وقِيلَ: المُرادُ ما ذُكِرَ عَلى مَعْنى أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنَ الِاتِّخاذِ في شَيْءٍ لِما أنَّهُ إنَّما يَكُونُ مِنَ الجانِبَيْنِ والمُتَّخِذُونَ بِمَعْزِلٍ عَنْ وِلايَتِهِمْ لِقَوْلِهِمْ: سُبْحانَكَ أنْتَ ولِيُّنا مِن دُونِهِمْ، وقِيلَ: أنْ وما بَعْدَها في تَأْوِيلِ مَصْدَرٍ مَفْعُولٍ أوَّلَ لِحَسِبَ والمَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفٌ أيْ أفَحَسِبُوا اتِّخاذَهم نافِعَهم أوْ سَبَبًا لِرَفْعِ العَذابِ عَنْهم أوْ نَحْوَ ذَلِكَ. وهو مَبْنِيٌّ عَلى تَجْوِيزِ حَذْفِ أحَدِ المَفْعُولَيْنِ في بابِ عَلِمَ وهو مَذْهَبُ بَعْضِ النُّحاةِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ فِيهِ تَسْلِيمًا لِنَفْسِ الِاتِّخاذِ واعْتِدادًا بِهِ في الجُمْلَةِ والأوْلى ما خَلا عَنْ ذَلِكَ.

هَذا وفي الكَشْفِ أنَّ التَّحْقِيقَ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: (فَحَسِبَ) مَعْطُوفٌ عَلى كانَتْ وكانُوا دَلالَةً عَلى أنَّ الحُسْبانَ ناشِئٌ عَنِ التَّعامِي والتَّصامِّ، وأُدْخِلَ عَلَيْهِ هَمْزَةُ الإنْكارِ ذَمًّا عَلى ذَمٍّ وقَطْعًا لَهُ عَنِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِما لَفْظًا لا مَعْنًى لِلْإيذانِ بِالِاسْتِقْلالِ المُؤَكَّدِ لِلذَّمِّ كَأنَّهُ قِيلَ لا يُزِيلُونَ ما بِهِمْ مِن مَرْضى الغِشاوَةِ والصَّمَمِ ويَزِيدُونَ عَلَيْهِما الحُسْبانَ المُتَرَتِّبَ عَلَيْهِما.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مِن وضْعِ الظّاهِرِ مَقامَ المُضْمَرِ زِيادَةً لِلذَّمِّ انْتَهى. وفي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ بَعْدَ نَقْلِ ما ذُكِرَ إلى قَوْلِهِ كَأنَّهُ قِيلَ إلَخْ أنَّهُ يَأْبى ذَلِكَ تَرْكَ الإضْمارِ والتَّعَرُّضَ لِوَصْفٍ آخَرَ غَيْرِ التَّعامِي والتَّصامِّ عَلى أنَّهُما أُخْرِجا مَخْرَجَ الأحْوالِ الجِبِلِّيَّةِ لَهم ولَمْ يُذْكَرا مِن حَيْثُ إنَّهُما مِن أفْعالِهِمُ الِاخْتِيارِيَّةِ الحادِثَةِ كَحُسْبانِهِمْ لِيَحْسُنَ تَفْرِيعُهُ عَلَيْهِما. وأيْضًا فَإنَّهُ دَيْنٌ قَدِيمٌ لَهم لا يُمْكِنُ جَعْلُهُ ناشِئًا عَنْ تَصامِّهِمْ عَنْ كَلامِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. وتَخْصِيصُ الإنْكارِ بِحُسْبانِهِمُ المُتَأخِّرِ عَنْ ذَلِكَ تَعَسُّفٌ لا يَخْفى انْتَهى، ولا يَخْلُو عَنْ بَحْثٍ. فَتَأمَّلْ.

وقَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم والشّافِعِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ ويَحْيى بْنُ يَعْمُرَ ومُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ وقَتادَةُ ونُعَيْمُ بْنُ مَيْسَرَةَ والضَّحّاكُ وابْنُ أبِي لَيْلى وابْنُ مُحَيْصِنٍ وأبُو حَيْوَةَ ومَسْعُودُ بْنُ صالِحٍ وابْنُ كَثِيرٍ ويَعْقُوبُ بِخِلافٍ عَنْهُما (أفَحَسِبَ) بِإسْكانِ السِّينِ وضَمِّ الباءِ مُضافًا إلى الَّذِينَ، وخَرَجَ ذَلِكَ عَلى أنَّ حَسِبَ مُبْتَدَأٌ وهو بِمَعْنى مُحْسِبٌ أيْ كافِي و(أنْ يَتَّخِذُوا) خَبَرُهُ أيْ أفَكافِيهِمُ اتِّخاذُهم عِبادِي مِن دُونِي أوْلِياءَ. وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى غايَةِ الذَّمِّ لِأنَّهُ جَعَلَ ذَلِكَ مَجْمُوعَ عُدَّتِهِمْ يَوْمَ الحِسابِ وما يَكْتَفُونَ بِهِ عَنْ سائِرِ العَقائِدِ والفَضائِلِ الَّتِي لا بُدَّ مِنها لِلْفائِزِ في ذَلِكَ اليَوْمِ. وجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ المَصْدَرَ المُتَحَصِّلَ مِن أنْ والفِعْلِ فاعِلًا لِحَسِبَ لِأنَّهُ اعْتَمَدَ عَلى الهَمْزَةِ، واسْمُ الفاعِلِ إذا اعْتَمَدَ ساوى الفِعْلَ في العَمَلِ، واعْتَرَضَ عَلَيْهِ أبُو حَيّانَ بِأنَّ حَسِبَ مُؤَوَّلٌ بِاسْمِ الفاعِلِ وما ذُكِرَ مَخْصُوصٌ بِالوَصْفِ الصَّرِيحِ. ثُمَّ أشارَ إلى جَوابِهِ بِأنَّ سِيبَوَيْهِ أجازَ في مَرَرْتُ بِرَجُلِ خَيْرٍ مِنهُ أبُوهُ وبِرَجُلِ سَواءٍ عَلَيْهِ الخَيْرُ والشَّرُّ وبِرَجُلِ أبٌ لَهُ صاحِبُهُ وبِرَجُلٍ إنَّما رَجُلٌ هو وبِرَجُلِ حَسْبُكَ مِن رَجُلٍ الرَّفْعَ بِالصِّفاتِ المُؤَوَّلَةِ، وذُكِرَ أنَّهم أجازُوا في مَرَرْتُ بِرَجُلٍ أبِي عَشَرَةٍ أبُوهُ ارْتِفاعَ أبُوهُ بِأبِي عَشَرَةٍ لِأنَّهُ في مَعْنى والِدِ عَشَرَةٍ وحِينَئِذٍ فَلا كَلامَ فِيما ذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ ﴿إنّا أعْتَدْنا جَهَنَّمَ﴾ أيْ هَيَّأْناها وهو ظاهِرٌ في أنَّها مَخْلُوقَةٌ اليَوْمَ (لِلْكافِرِينَ) المَعْهُودِينَ عَدَلَ عَنِ الإضْمارِ ذَمًّا لَهم وإشْعارًا بِأنَّ ذَلِكَ الِاعْتِدادَ

صفحة 47

بِسَبَبِ كُفْرِهِمُ المُتَضَمِّنِ لِحُسْبانِهِمُ الباطِلِ (نُزُلًا) أيْ شَيْئًا يَتَمَتَّعُونَ بِهِ عِنْدَ ورُودِهِمْ وهو ما يُقامُ بِهِ لِلنَّزِيلِ أيِ الضَّيْفِ مِمّا حَضَرَ مِنَ الطَّعامِ، واخْتارَ هَذا جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ. وفي ذَلِكَ عَلى ما قِيلَ تَخْطِئَةٌ لَهم في حُسْبانِهِمْ وتَهَكُّمٌ بِهِ حَيْثُ كانَ اتِّخاذُهم إيّاهم أوْلِياءَ مِن قَبِيلِ اعْتادَ العَتادَ وإعْدادًا لِزادٍ لِيَوْمِ المَعادِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنّا أعْتَدْنا لَهم مَكانَ ما أعَدُّوا لِأنْفُسِهِمْ مِنَ العُدَّةِ والذُّخْرِ جَهَنَّمَ عِدَّةً، وفي إيرادِ النُّزُلِ إيماءٌ إلى أنَّ لَهم وراءَ جَهَنَّمَ مِنَ العَذابِ ما هي أُنْمُوذَجٌ لَهُ، ولا يَأْبى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿جَزاؤُهم جَهَنَّمُ﴾ لِأنَّ المُرادَ هُناكَ أنَّها جَزاؤُهم بِما فِيها فافْهَمْ، وقالَ الزَّجّاجُ: النُّزُلُ مَوْضِعُ النُّزُولِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقِيلَ: هو جَمْعُ نازِلٍ ونَصْبُهُ عَلى الحالِ.

وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وأبُو عَمْرٍو بِخِلافٍ عَنْهُ ( نُزْلًا ) بِسُكُونِ الزّايِ

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском