Al-AlusiMaryam · 19:9–14

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Maryam 19:9–14

19:9Page 305

قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٞ وَقَدۡ خَلَقۡتُكَ مِن قَبۡلُ وَلَمۡ تَكُ شَيۡـٔٗا ٩

[An angel] said, "Thus [it will be]; your Lord says, 'It is easy for Me, for I created you before, while you were nothing.'"

﴿قالَ كَذَلِكَ قالَ رَبُّكَ هو عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ قَرَأ الحَسَنُ ( وهو عَلِيَّ هَيِّنٌ ) بِالواوِ، وعَنْهُ أنَّهُ كَسَرَ ياءَ المُتَكَلِّمِ كَما في قَوْلِ النّابِغَةِ:

عَلَيَّ لِعَمْرٍو نِعْمَةٌ بَعْدَ نِعْمَةٍ لِوالِدِهِ لَيْسَتْ بِذاتِ عَقارِبِ

ونَحْوُ ذَلِكَ قِراءَةُ حَمْزَةَ (وما أنْتُمْ بِمُصْرِخِيِّ) بِكَسْرِ الياءِ، والكافُ إمّا رَفْعٌ عَلى الخَبَرِيَّةِ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيِ الأمْرُ كَذَلِكَ، وضَمِيرُ (قالَ) لِلرَّبِّ عَزَّ وجَلَّ لا لِلْمَلَكِ المُبَشِّرِ لِئَلّا يَفُكَّ النَّظْمَ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى قَوْلِ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ، والخِطابُ في ﴿قالَ رَبُّكَ﴾ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لا لِنَبِيِّنا ﷺ بِدَلِيلِ السّابِقِ واللّاحِقِ، وجُمْلَةُ ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ مَفْعُولُ (قالَ) الثّانِي، وجُمْلَةُ الأمْرِ كَذَلِكَ مَعَ جُمْلَةِ ﴿قالَ رَبُّكَ﴾ إلَخْ مَفْعُولُ (قالَ) الأوَّلُ وإنْ لَمْ يَتَخَلَّلْ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ عاطِفٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها ومُرْساها إنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿قالُوا أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أإنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿لَقَدْ وُعِدْنا﴾ الآيَةَ

صفحة 68

وكَمْ وكَمْ، وجِيءَ بِالجُمْلَةِ الأُولى تَصْدِيقًا مِنهُ تَعالى لِزَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ وبِالثّانِيَةِ جَوابًا لِما عَسى يُتَوَهَّمُ مِن أنَّهُ إذا كانَ ذَلِكَ في الِاسْتِبْعادِ بِتِلْكَ المَنزِلَةِ وقَدْ صَدَقَتْ فِيهِ فَأنّى يَتَسَنّى فَهي في نَفْسِها اسْتِئْنافِيَّةٌ لِذَلِكَ، ولا يَحْسُنُ تَخَلَّلُ العاطِفِ في مِثْلِ هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ إذا كانَ المَحْكِيُّ عَنْهُ قَدْ تَكَلَّمَ بِهِما مَعًا مِن غَيْرِ عاطِفٍ لِيَدُلَّ عَلى الصُّورَةِ الأُولى لِلْقَوْلِ بِعَيْنِها، وكَذَلِكَ لا يَحْسُنُ إضْمارُ قَوْلٍ آخَرَ لِأنَّهُ يَكُونُ اسْتِئْنافًا جَوابًا لِلْمَحْكِيِّ لَهُ فَلا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ اسْتِئْنافٌ أيْضًا في الأوَّلِ إلّا بِمُنْفَصِلٍ، أمّا لَوْ تَكَلَّمَ بِهِما في زَمانَيْنِ أوْ بِدُونِ ذَلِكَ التَّرْتِيبِ فالظّاهِرُ العَطْفُ أوِ الِاسْتِئْنافُ بِإضْمارِ القَوْلِ.

ثُمَّ لَوْ كانَ الِاقْتِصارُ في جَوابِ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ مِن دُونِ إقْحامِ ﴿قالَ رَبُّكَ﴾ لَكانَ مُسْتَقِيمًا لَكِنْ إنَّما عَدَلَ إلَيْهِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَحْقِيقِ الوَعْدِ وإزالَةِ الِاسْتِبْعادِ بِالكُلِّيَّةِ عَلى مِنوالِ ما إذا وعَدَ مَلِكٌ بَعْضَ خَواصِّهِ ما لا يَجِدُ نَفْسَهُ تَسْتَأْهِلُ ذَلِكَ فَأخَذَ يَتَعَجَّبُ مُسْتَبْعِدًا أنْ يَكُونَ مِنَ المَلِكِ بِتِلْكَ المَنزِلَةِ فَحاوَلَ أنْ يُحَقِّقَ مُرادَهُ ويُزِيلَ اسْتِبْعادَهُ، فَإمّا أنْ يَقُولَ لا تَسْتَبْعِدُ أنَّهُ أهْوَنُ شَيْءٍ عَلى الكَلامِ الظّاهِرِ وإمّا أنْ يَقُولَ لا تَسْتَبْعِدُ قَدْ قُلْتُ إنَّهُ أهْوَنُ شَيْءٍ عَلِيَّ إشارَةً مِنهُ إلى أنَّهُ وعَدٌ سَبَقَ القَوْلُ بِهِ وتَحَتَّمَ وأنَّهُ مِن جَلالَةِ القَدْرِ بِحَيْثُ لا يُرى في إنْجازِهِ لِباغِيهِ كائِنًا مَن كانَ وقْعًا، فَكَيْفَ لِمَنِ اسْتَحَقَّ مِنهُ لِصِدْقِ قَدَمِهِ في عُبُودِيَّتِهِ إجْلالًا ورَفْعًا، وهَذا قَوْلٌ بِلِسانِ الإشارَةِ يُصَدَّقُ وإنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ سِيقَ مِنهُ نَطَقَ بِهِ لِأنَّ المَقْصُودَ أنَّ عُلُوَّ المَكانَةِ وسِعَةَ القُدْرَةِ وكَمالَ الجُودِ يَقْضِي بِذَلِكَ قِيلَ: أوَّلًا ثُمَّ إذا أرادَ تَرْشِيحَ هَذا المَعْنى عَدَلَ عَنِ الحِكايَةِ قائِلًا: قَدْ قالَ مَن أنْتَ غَرْسُ نَعْمائِهِ أنَّهُ أهْوَنُ شَيْءٍ عَلَيَّ ثُمَّ إذا حَكى المَلِكُ القِصَّةَ مَعَ بَعْضِ خُلَصائِهِ كانَ لَهُ أنْ يَقُولَ: قُلْتُ لِعَبْدِي فُلانٍ كَيْتَ وكَيْتَ قالَ: إنِّي ولَيْتُ قُلْتُ قالَ: مَن أنْتَ إلَخْ وأنْ يَقُولَ بَدَلَهُ قالَ سَيِّدُ فُلانٌ لَهُ ويَسْرُدُ الحَدِيثَ، فَهَذا وِزانُ الآيَةِ فِيما جَرى لِزَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ وحَكى لِنَبِيِّنا عَلَيْهِ أفْضَلُ الصَّلاةِ وأكْمَلُ السَّلامُ، وقَدْ لاحَ مِن هَذا التَّقْرِيرِ إنَّ فَواتَ نُكْتَةِ الإقْحامِ مانِعٌ مِن أنْ يَجْعَلَ المَرْفُوعَ مِن صِلَةِ (قالَ) الثّانِي والمَجْمُوعُ صِلَةُ الأوَّلِ، والظّاهِرُ في تَوْجِيهِ قِراءَةِ الحَسَنِ عَلى هَذا أنَّ جُمْلَةَ ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ عَطْفٌ عَلى مَحْذُوفٍ مِن نَحْوِ أفْعَلَ وأنا فاعِلٌ، ويَجُوزُ أنْ يُقالَ ورُبَّما أشْعَرَ كَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ بِإيثارِهِ أنَّهُ عُطِفَ عَلى الجُمْلَةِ السّابِقَةِ نَظَرًا إلى الأصْلِ لِما مَرَّ مِن أنَّ (قالَ) مُقْحَمٌ لِنُكْتَةٍ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: الأمْرُ كَذَلِكَ وهو عَلى ذَلِكَ يَهُونُ عَلَيَّ، وأمّا نَصْبٌ بِقالَ الثّانِي وهي الكافُ الَّتِي تُسْتَعْمَلُ مُقْحَمَةً في الأمْرِ العَجِيبِ الغَرِيبِ لِتَثْبِيتِهِ وذَلِكَ إشارَةٌ إلى مُبْهَمٍ يُفَسِّرُ ما بَعْدَهُ أعْنِي ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ وضَمِيرُ (قالَ) لِلرَّبِّ كَما تَقَدَّمَ، والخِطابُ لِنَبِيِّنا ﷺ أيْضًا أيْ قالَ رَبُّ زَكَرِيّا لَهُ قالَ رَبُّكَ مِثْلَ ذَلِكَ القَوْلِ العَجِيبِ الغَرِيبِ هو عَلَيَّ هَيِّنٌ عَلى أنْ (قالَ) الثّانِي مَعَ ما في صِلَتِهِ مَقُولُ القَوْلِ الأوَّلِ وإقْحامُ القَوْلِ الثّانِي لِما سَلَفَ ولا يُنْصَبُ الكافُ بِقالَ الأوَّلِ وإلّا لَكانَ (قالَ) ثانِيًا تَأْكِيدًا لَفْظِيًّا لِئَلّا يَقَعَ الفَصْلُ بَيْنَ المُفَسِّرِ والمُفَسَّرِ بِأجْنَبِيٍّ وهو مُمْتَنِعٌ إذْ لا يَنْتَظِمُ أنْ يُقالَ: قالَ رَبُّ زَكَرِيّا قالَ رَبُّكَ ويَكُونُ الخِطابُ لِزَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ والمُخاطَبُ غَيْرُهُ كَيْفَ وهَذا النَّوْعُ مِنَ الكَلامِ يَقَعُ فِيهِ التَّشْبِيهُ مُقَدَّمًا لا سِيَّما في التَّنْزِيلِ الجَلِيلِ مِن نَحْوِ ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً﴾ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وهَذا الوَجْهُ لا يَتَمَشّى في قِراءَةِ الحَسَنِ لِأنَّ المُفَسَّرَ لا يَدْخُلُهُ الواوُ ولا يَجُوزُ حَذْفُهُ حَتّى يُجْعَلَ عَطْفًا عَلَيْهِ لِأنَّ الحَذْفَ والتَّفْسِيرَ مُتَنافِيانِ، وجُوِّزَ عَلى احْتِمالِ النَّصْبِ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى ما تَقَدَّمَ مِن وعْدِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنّا نُبَشِّرُكَ﴾ إلَخْ أيْ قالَ رَبُّهُ سُبْحانَهُ لَهُ. قالَ رَبُّكَ مِثْلَ ذَلِكَ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ القَوْلِ العَجِيبِ الَّذِي وعَدْتُهُ وعَرَفْتُهُ وهو ﴿إنّا نُبَشِّرُكَ﴾ إلَخْ، وأداةُ التَّشْبِيهِ

صفحة 69

مُقْحَمَةٌ كَما مَرَّ فَيَكُونُ المَعْنى وعَدَ ذَلِكَ وحَقَّقَهُ وفَرَغَ مِنهُ، فَكُنْ فارِغَ البالِ مِن تَحْصِيلِهِ عَلى أوْثَقِ بالٍ ثُمَّ قالَ: هو عَلَيَّ هَيِّنٌ أيْ قالَ رَبُّكَ هو عَلَيَّ هَيِّنٌ فَيُضْمِرُ القَوْلَ لِيَتَطابَقا في البَلاغَةِ، ولِأنَّ قَوْلَهُ مِثْلَ ذَلِكَ مُفْرَدٌ فَلا يَحْسُنُ أنْ تُقْرَنَ الجُمْلَةُ بِهِ ويَنْسَحِبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ القَوْلُ بِعَيْنِهِ بَلْ إنَّما يُضْمَرُ مِثْلُهُ اسْتِئْنافًا إيفاءًا بِحَقِّ التَّناسُبِ. وإنْ شِئْتَ لَمْ تُنَوِّهْ لِيَكُونَ مَحْكِيًّا مُنْتَظِمًا في سِلْكَ ﴿قالَ رَبُّكَ﴾ مُنْسَحِبًا عَلَيْهِ القَوْلُ الأوَّلُ أيْ قالَ رَبُّ زَكَرِيّا لَهُ هو عَلَيَّ هَيِّنُ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى هو المُخاطِبُ لِزَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ فَلا مَنعَ مِن جَعْلِهِ مَقُولَ القَوْلِ الأوَّلِ مِن غَيْرِ إضْمارٍ لِأنَّ القَوْلَيْنِ- أعْنِي قالَ رَبُّكَ مِثْلَ ذَلِكَ هو عَلَيَّ هَيِّنٌ- صادِرانِ مَعًا مَحْكِيّانِ عَلى حالِهِما. ولَوْ قُدِّرَ أنَّ المُخاطَبَ غَيْرُهُ تَعالى أعْنِي المِلْكَ تَعَيَّنَ إضْمارَ القَوْلِ لِامْتِناعِ أنْ يَكُونَ هو عَلَيَّ هَيِّنٌ مِن مِقْوَلِهِ فَلا يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ الأوَّلُ.

وأمّا عَلى قِراءَةِ الحَسَنِ فَإنْ جُعِلَ عَطْفًا عَلى ﴿قالَ رَبُّكَ﴾ لَمْ يَحْتَجْ إلى إضْمارٍ لِصِحَّةِ الِانْسِحابِ وإنْ أُرِيدَ تَأْكِيدُهُ أيْضًا قُدِّرَ القَوْلُ لِئَلّا تَفُوتَ البَلاغَةُ ويَكُونُ التَّناسُبُ حاصِلًا، وجَعْلُهُ عَطْفًا ما بَعْدَهُ (قالَ) الثّانِي مِن دُونِ التَّقْدِيرِ يَفُوتُ بِهِ رِعايَةَ التَّناسُبِ لَفْظًا فَإنَّ ما بَعْدَهُ مُفْرَدٌ والمُلاءَمَةُ مَعْنًى لِما عَرَفْتَ أنَّ لِأقُولَ عَلى الحَقِيقَةِ، والمَعْنى قالَ رَبُّهُ قَدْ حُقِّقَ المَوْعُودُ وفَرَغَ عَنْهُ فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرِهِ عَلى ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ لِيُفِيدَ تَحْقِيقَهُ أيْضًا، ولَوْ قُدِّرَ أنَّ المُخاطَبَ غَيْرُهُ تَعالى تَعَيَّنَ الإضْمارُ لِعَدَمِ الِانْسِحابِ دُونَهُ فافْهَمْ، وهَذا ما حَقَّقَهُ صاحِبُ الكَشْفِ وقَرَّرَ بِهِ عِبارَةَ الكَشّافِ بِأدْنى اخْتِصارٍ، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ خُلاصَةَ ما وجَدَهُ مِن قَوْلِ الأفاضِلِ أنَّ التَّقْدِيرَ عَلى احْتِمالِ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الوَعْدِ قالَ رَبُّ زَكَرِيّا لَهُ قالَ رَبُّكَ قَوْلًا مِثْلَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى السّابِقِ عِدَّةً في الغَرابَةِ والعَجَبِ، فاتَّجَهَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَسْألَ ماذا قُلْتَ يا رَبِّ وهو مِثْلُهُ فَيَقُولُ: هو عَلَيَّ هَيِّنٌ أيْ قُلْتُ أوْ قالَ رَبُّكَ. والأصْلُ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ قُلْتُ قَوْلًا مِثْلَ الوَعْدِ في الغَرابَةِ فَعَدَلَ إلى الِالتِفاتِ أوِ التَّجْرِيدِ أيًّا شِئْتَ تُسَمِّيهِ لِفائِدَتِهِ المَعْلُومَةِ، ولَيْسَ في الإتْيانِ بِأصْلِ القَوْلِ خُرُوجٌ عَنْ مُقْتَضى الظّاهِرِ إذْ لا بُدَّ مِنهُ لِيَنْتَظِمَ الكَلامُ، وذَلِكَ لِأنَّ المَعْنى عَلى هَذا التَّقْدِيرِ ولا تَعْجَبْ مِن ذَلِكَ القَوْلِ وانْظُرْ إلى مِثْلِهِ واعَجَبْ فَقَدْ قُلْناهُ. وكَذَلِكَ يَتَّجِهُ لِنَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ السُّؤالُ فَيُجابُ بِأنَّهُ قالَ لَهُ رَبُّهُ هو عَلَيَّ هَيِّنٌ، وصِحَّةُ وُقُوعِهِ جَوابًا عَنْ سُؤالِ نَبِيِّنا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهو الأظْهَرُ عَلى هَذا الوَجْهِ لِأنَّ الكَلامَ مَعَهُ، وإذْ قَدْ صَحَّ أنْ يُجْعَلَ جَوابًا لَهُ جازَ إضْمارُ القَوْلِ لِأنَّهُ جَوابٌ لَهُ ﷺ بِما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ خُوطِبَ بِهِ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ أيْضًا وجازَ أنْ لا يُضْمَرَ لِأنَّ المُخاطَبَ لَهُما واحِدٌ والخِطابُ مَعَ نَبِيِّنا ﷺ وعُلِمَ مِن ضَرُورَةِ المُماثَلَةِ أنَّهُ قِيلَ لِزَكَرِيّا أيْضًا هَذِهِ المَقالَةُ ولَوْ كانَ الحاكِي والقائِلُ الأوَّلُ مُخْتَلِفِينَ في هَذِهِ الصُّورَةِ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِن إضْمارِهِ لِأنَّهُ إذا قالَ عَمْرُو لِبَكْرٍ ماذا قالَ زَيْدٌ لِخالِدٍ مِمّا يُماثِلُ مَقالَتَهُ السّابِقَةَ لَهُ؟ فَيَقُولُ: إنَّكَ مُحَبَّبٌ مَرَضِيٌّ وجَبَ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ قالَ زَيْدٌ لِخالِدٍ هَذِهِ المَقالَةَ لا مَحالَةَ، ولا بُعْدَ في تَنْزِيلِ كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ عَلَيْهِ، وهَذا ما لَوَّحَ إلَيْهِ صاحِبُ التَّقْرِيبِ وآثَرَهُ الإمامُ الطِّيبِيُّ وفِيهِ فَواتُ النُّكْتَةِ المَذْكُورَةِ في ﴿قالَ رَبُّكَ﴾ ثُمَّ إنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ سَبَقَ القَوْلَ كانَ كَذِبًا مِن حَيْثُ الظّاهِرُ إذْ لَيْسَ مِنَ القَوْلِ بِلِسانِ الإشارَةِ إلّا أنْ يُؤَوَّلَ بِأنَّهُ مُسْتَقْبَلٌ مَعْنًى، هَذا والكَلامُ مَسُوقٌ لِما يُزِيلُ الِاسْتِبْعادَ ويُحَقِّقُ المَوْعُودَ المُرْتادَ، وفي ذَلِكَ التَّقْدِيرِ خُرُوجٌ عَنْهُ إلى مَعْنًى آخَرَ رُبَّما يَسْتَلْزِمُ هَذا المَعْنى تَبَعًا، وما سِيقَ لَهُ الكَلامُ يَنْبَغِي أنْ يُجْعَلَ الأصْلَ. انْتَهى.

وهُوَ كَلامُ تَحْقِيقٍ وتَدْقِيقٍ لا يُرْشِدُ إلَيْهِ إلّا تَوْفِيقٌ، وفي الآيَةِ وجْهٌ آخَرُ هو ما أشارَ إلَيْهِ صاحِبُ الِانْتِصافِ، (وهَيِّنٌ) فَيْعَلٌ مِن هانَ الشَّيْءُ يَهُونُ إذا لَمْ يَصْعُبْ، والمُرادُ أنِّي كامِلُ القُدْرَةِ عَلى ذَلِكَ إذا أرَدْتُهُ كانَ.

صفحة 70

﴿وقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ ولَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ تَقْرِيرٌ لِما قَبْلُ، والشَّيْءُ هُنا بِمَعْنى المَوْجُودِ أيْ ولَمْ تَكُ مَوْجُودًا بَلْ كُنْتَ مَعْدُومًا، والظّاهِرُ أنَّ هَذا إشارَةٌ إلى خَلْقِهِ بِطَرِيقِ التَّوالُدِ والِانْتِقالِ في الأطْوارِ كَما يُخْلَقُ سائِرُ أفْرادِ الإنْسانِ، وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: المُرادُ بِهِ ابْتِداءُ خَلْقِ البَشَرِ، إذْ هو الواقِعُ إثْرَ العَدَمِ المَحْضِ لا ما كانَ بَعْدَ ذَلِكَ بِطَرِيقِ التَّوالُدِ المُعْتادِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: وقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ في تَضاعِيفِ خَلْقِ آدَمَ ولَمْ تَكُ إذْ ذاكَ شَيْئًا أصْلًا بَلْ كُنْتَ عَدَمًا بَحْتًا، وإنَّما لَمْ يَقُلْ: وقَدْ خَلَقْتُ أباكَ أوْ آدَمَ مِن قَبْلُ ولَمْ يَكُ شَيْئًا مَعَ كِفايَتِهِ في إزالَةِ الِاسْتِبْعادِ بِقِياسِ حالِ ما بُشِّرَ بِهِ عَلى حالِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِتَأْكِيدِ الِاحْتِجاجِ وتَوْضِيحِ مِنهاجِ القِياسِ مِن حَيْثُ نُبِّهَ عَلى أنَّ كُلَّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ البَشَرِ لَهُ حَظٌّ مِن إنْشائِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ العَدَمِ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أبْدَعَ أنَمُوذَجًا مُنْطَوِيًا عَلى سائِرِ آحادِ الجِنْسِ فَكانَ إبْداعُهُ عَلى ذَلِكَ الوَجْهِ إبْداعًا لِكُلِّ أحَدٍ مِن فُرُوعِهِ كَذَلِكَ، ولَمّا كانَ خَلْقُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى هَذا النَّمَطِ السّارِي إلى جَمِيعِ ذُرِّيَّتِهِ أبْدَعَ مِن أنْ يَكُونَ مَقْصُورًا عَلى نَفْسِهِ كَما هو المَفْهُومُ مِن نِسْبَةِ الخَلْقِ المَذْكُورِ إلَيْهِ، وأدُلَّ عَلى عِظَمِ قُدْرَتِهِ تَعالى وكَمالِ عِلْمِهِ وحِكْمَتِهِ، وكانَ عَدَمُ زَكَرِيّا حِينَئِذٍ أظْهَرَ عِنْدَهُ وكانَ حالُهُ أوْلى بِأنْ يَكُونَ مِعْيارًا لِحالِ ما بُشِّرَ بِهِ نَسَبُ الخَلْقِ المَذْكُورُ إلَيْهِ كَما نُسِبَ الخَلْقُ والتَّصْوِيرُ إلى المُخاطَبِينَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ﴾ تَوْفِيَةً لِمَقامِ الِامْتِنانِ حَقَّهُ انْتَهى، ولا يَخْلُو عَنْ تَكَلُّفٍ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الشَّيْءُ بِمَعْنى المُعْتَدِّ بِهِ وهو مَجازٌ شائِعٌ، ومِنهُ قَوْلُ المُتَنَبِّي:

وضاقَتِ الأرْضُ حَتّى كانَ هارِبُهم ∗∗∗ إذا رَأى غَيْرَ شَيْءٍ ظَنَّهُ رَجُلا

وقَوْلُهم: عَجِبْتُ مِن لا شَيْءَ ولَيْسَ بِشَيْءٍ إذْ يَأْباهُ المَقامُ ويَرُدُّهُ نَظْمُ الكَلامِ. وقَرَأ الأعْمَشُ وطَلْحَةُ وابْنُ وثّابٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( خَلَقْناكَ ) .

19:10Page 305

قَالَ رَبِّ ٱجۡعَل لِّيٓ ءَايَةٗۖ قَالَ ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلَٰثَ لَيَالٖ سَوِيّٗا ١٠

[Zechariah] said, "My Lord, make for me a sign." He said, "Your sign is that you will not speak to the people for three nights, [being] sound."1

﴿قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ أيْ: عَلامَةً تَدُلُّنِي عَلى تَحَقُّقِ المَسْؤُولِ ووُقُوعِ الخَبَرِ، وكانَ هَذا السُّؤالُ كَما قالَ الزَّجّاجُ لِتَعْرِيفِ وقْتِ العُلُوقِ حَيْثُ كانَتِ البِشارَةُ مُطْلَقَةً عَنْ تَعْيِينِهِ وهو أمْرٌ خَفِيٌّ لا يُوقَفُ عَلَيْهِ لا سِيَّما إذا كانَتْ زَوْجَتُهُ مِمَّنِ انْقَطَعَ حَيْضُها لِكِبَرِها وأرادَ أنْ يُطْلِعَهُ اللَّهُ تَعالى لِيَتَلَقّى تِلْكَ النِّعْمَةَ الجَلِيلَةَ بِالشُّكْرِ مِن حِينِ حُدُوثِها ولا يُؤَخِّرُهُ إلى أنْ تَظْهَرَ ظُهُورًا مُعْتادًا، وقِيلَ: طَلَبَ ذَلِكَ لِيَزْدادَ يَقِينًا وطُمَأْنِينَةً كَما طَلَبَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ كَيْفِيَّةَ إحْياءِ المَوْتى لِذَلِكَ والأوَّلُ أوْلى، وبِالجُمْلَةِ لَمْ يَطْلُبْهُ لِتَوَقُّفٍ مِنهُ في صِدْقِ الوَعْدِ ولا لِتَوَهُّمِ أنَّ ذَلِكَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى، ورِوايَةُ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما لا تُصْبِحُ لِعِصْمَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ، وذُكِرَ أنَّ هَذا السُّؤالَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ بَعْدَ ما مَضى بَعْدَ البِشارَةِ بُرْهَةً مِنَ الزَّمانِ لِما رُوِيَ أنَّ يَحْيى كانَ أكْبَرَ مِن عِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ بِسِتَّةِ أشْهُرٍ أوْ بِثَلاثِ سِنِينَ ولا رَيْبَ في أنَّ دُعاءَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ في صِغَرِ مَرْيَمَ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿هُنالِكَ دَعا زَكَرِيّا رَبَّهُ﴾ وهي إنَّما ولَدَتْ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وهي بِنْتُ عَشْرِ سِنِينَ أوْ بِنْتُ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، والجَعْلُ إبْداعِيٌّ واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِهِ، والتَّقْدِيمُ عَلى (آيَةً) الَّذِي هو المَفْعُولُ لِما تَقَدَّمَ مِرارًا أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن (آيَةً) وقِيلَ: بِمَعْنى التَّصْيِيرِ المُسْتَدْعِي لِمَفْعُولَيْنِ أوَّلُهُما (آيَةً) وثانِيهِما الظَّرْفُ وتَقْدِيمُهُ لِأنَّهُ لا مُسَوِّغَ لِكَوْنِ (آيَةً) مُبْتَدَأً عِنْدَ انْحِلالِ الجُمْلَةِ إلى مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ سِوى تَقْدِيمِ الظَّرْفِ فَلا يَتَغَيَّرُ حالُهُما بَعْدَ وُرُودِ النّاسِخِ.

﴿قالَ آيَتُكَ ألا تُكَلِّمَ النّاسَ﴾ أنْ لا تَقْدِرَ عَلى تَكْلِيمِهِمْ بِكَلامِهِمُ المَعْرُوفِ في مُحاوَراتِهِمْ.

صفحة 71

رُوِيَ عَنْ أبِي زَيْدٍ أنَّهُ لَمّا حَمَلَتْ زَوْجَتُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أصْبَحَ لا يَسْتَطِيعُ أنْ يُكَلِّمَ أحَدًا وهو مَعَ ذَلِكَ يَقْرَأُ التَّوْراةَ فَإذا أرادَ مُناداةَ أحَدٍ لَمْ يُطِقْها ﴿ثَلاثَ لَيالٍ﴾ مَعَ أيّامِهِنَّ لِلتَّصْرِيحِ بِالأيّامِ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، والقِصَّةُ واحِدَةٌ، والعَرَبُ تَتَجَوَّزُ أوْ تَكْتَفِي بِأحَدِهِما عَنِ الآخَرِ كَما ذَكَرَهُ السِّيرافِيُّ، والنُّكْتَةُ في الِاكْتِفاءِ بِاللَّيالِي هُنا وبِالأيّامِ ثَمَّةَ عَلى ما قِيلَ أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ سابِقَةُ النُّزُولِ وتِلْكَ مَدَنِيَّةٌ واللَّيالِي عِنْدَهم سابِقَةٌ عَلى الأيّامِ لِأنَّ شُهُورَهم وسِنِيهِمْ قَمَرِيَّةٌ إنَّما تُعْرَفُ (بِالأهِلَّةِ) ولِذَلِكَ اعْتَبَرُوها في التّارِيخِ كَما ذَكَرَهُ النُّحاةُ فَأعْطى السّابِقَ لِلسّابِقِ، واللَّيالُ جَمْعُ لَيْلٍ عَلى غَيْرِ قِياسٍ كَأهْلِ وأهالٍ أوْ جَمْعُ لَيْلاةٍ ويُجْمَعُ أيْضًا عَلى لَيايِلَ.

(سَوِيًّا) حالٌ مِن فاعِلِ (تُكَلِّمَ) مُفِيدُ لِكَوْنِ انْتِفاءِ التَّكَلُّمِ بِطَرِيقِ الإعْجازِ وخَرْقِ العادَةِ لا لِاعْتِقالِ اللِّسانِ بِمَرَضٍ أيْ يَتَعَذَّرُ عَلَيْكَ تَكْلِيمُهم ولا تُطِيقُهُ حالَ كَوْنِكَ سَوِيَّ الخَلْقِ سَلِيمَ الجَوارِحِ ما بِكَ شائِبَةُ بُكْمٍ ولا خَرَسٍ وهَذا ما عَلَيْهِ الجُمْهُورُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ (سَوِيًّا) عائِدٌ عَلى اللَّيالِي أيْ كامِلاتٍ مُسْتَوَياتٍ فَيَكُونُ صِفَةً لِثَلاثٍ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ( أنْ لا تُكَلِّمُ ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّ أنْ المُخَفَّفَةَ مِنَ الثَّقِيلَةِ واسْمُها ضَمِيرُ الشَّأْنِ أيْ إنَّهُ لا تُكَلِّمُ

19:11Page 305

فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوۡمِهِۦ مِنَ ٱلۡمِحۡرَابِ فَأَوۡحَىٰٓ إِلَيۡهِمۡ أَن سَبِّحُواْ بُكۡرَةٗ وَعَشِيّٗا ١١

So he came out to his people from the prayer chamber and signaled to them to exalt [Allāh] in the morning and afternoon.

﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ المِحْرابِ﴾ أيْ: مِنَ المُصَلّى كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ أوْ مِنَ الغُرْفَةِ كَما قِيلَ، وأصْلُ المِحْرابَ كَما قالَ الطَّبَرَسِيُّ: مَجْلِسُ الأشْرافِ الَّذِي يُحارَبُ دُونَهُ ذَبًّا عَنْ أهْلِهِ، ويُسَمّى مَحَلُّ العِبادَةِ مِحْرابًا لِما أنَّ العابِدَ كالمُحارِبِ لِلشَّيْطانِ فِيهِ، وإطْلاقُ المِحْرابِ عَلى المَعْرُوفِ اليَوْمَ في المَساجِدِ لِذَلِكَ وهو مُحْدَثٌ لَمْ يَكُنْ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وقَدْ ألَّفَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ في ذَلِكَ رِسالَةً صَغِيرَةً سَمّاها إعْلامَ الأرِيبِ بِحُدُوثِ بِدَعَةِ المَحارِيبِ. رُوِيَ أنَّ قَوْمَهُ كانُوا مِن وراءِ المِحْرابِ يَنْتَظِرُونَ أنْ يُفْتَحَ لَهُمُ البابُ فَيَدْخُلُوهُ ويُصَلُّوا، فَبَيْنَما هم كَذَلِكَ إذْ خَرَجَ عَلَيْهِمْ مُتَغَيِّرًا لَوْنُهُ فَأنْكَرُوهُ وقالُوا: ما لَكَ؟ ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ﴾ أيْ أوْمَأ إلَيْهِمْ وأشارَ كَما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ وابْنِ مُنَبِّهٍ والكَلْبِيِّ والقُرْطُبِيِّ وهو إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْ مُجاهِدٍ، ويَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا رَمْزًا﴾ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ كَتَبَ لَهم عَلى الأرْضِ.

﴿أنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ وهو الرِّوايَةُ الأُخْرى عَنْ مُجاهِدٍ لَكِنْ بِلَفْظٍ عَلى التُّرابِ بَدَلَ عَلى الأرْضِ وقالَ عِكْرِمَةُ: كَتَبَ عَلى ورَقَةٍ وجاءَ إطْلاقُ الوَحْيِ عَلى الكِتابَةِ في كَلامِ العَرَبِ ومِنهُ قَوْلُ عَنْتَرَةَ:

كَوَحْيِ صَحائِفَ مِن عَهْدِ كِسْرى فَأهْداها لِأعْجَمَ طَمَطّى

وقَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ:

سِوى الأرْبَعِ الدُّهْمِ اللَّواتِي كَأنَّها ∗∗∗ بَقِيَّةُ وحْيٍ في بُطُونِ الصَّحائِفِ

(وأنْ) إمّا مُفَسِّرَةٌ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ فَتُقَدَّرُ قَبْلَها الباءُ الجارَّةُ، والمُرادُ بِالتَّسْبِيحِ الصَّلاةُ مَجازًا بِعَلاقَةِ الِاشْتِمالِ وهو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ وجَماعَةٍ و(بُكْرَةً وعَشِيًّا) ظَرْفا زَمانٍ لَهُ، والمُرادُ بِذَلِكَ كَما أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ صَلاةُ الفَجْرِ وصَلاةُ العَصْرِ، وقالَ بَعْضٌ: التَّسْبِيحُ عَلى ظاهِرِهِ وهو التَّنْزِيهُ أيْ نَزِّهُوا رَبَّكم طَرَفَيِ النَّهارِ، ولَعَلَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مَأْمُورًا بِأنْ يُسَبِّحَ شُكْرًا ويَأْمُرَ قَوْمَهُ.

وقالَ صاحِبُ التَّحْرِيرِ والتَّحْبِيرِ: عِنْدِي في هَذا مَعْنًى لَطِيفٌ وهو أنَّهُ إنَّما خَصَّ التَّسْبِيحَ بِالذِّكْرِ لِأنَّ العادَةَ جارِيَةٌ أنَّ كُلَّ مَن رَأى أمْرًا عَجِبَ مِنهُ أوْ رَأى فِيهِ بَدِيعَ صَنْعَةٍ أوْ غَرِيبَ حِكْمَةٍ يَقُولُ: سُبْحانَ اللَّهِ تَعالى سُبْحانَ الخالِقِ جَلَّ جَلالُهُ، فَلَمّا رَأى حُصُولَ الوَلَدِ مِن شَيْخٍ وعاقِرٍ عَجِبَ مِن ذَلِكَ فَسَبَّحَ وأمَرَ بِالتَّسْبِيحِ ا هـ.

صفحة 72

فَأمَرَهم بِالتَّسْبِيحِ إشارَةً إلى حُصُولِ أمْرٍ عَجِيبٍ، وقِيلَ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ قَدْ أخْبَرَ قَوْمَهُ بِما بُشِّرَ بِهِ قَبْلَ جَعْلِ العَلامَةِ فَلَمّا تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الكَلامُ أشارَ إلَيْهِمْ بِحُصُولِ ما بُشِّرَ بِهِ مِنَ الأمْرِ العَجِيبِ فَسُرُّوا بِذَلِكَ.

وقَرَأ طَلْحَةُ ( أنْ سَبِّحُوهُ ) بِهاءِ الضَّمِيرِ عائِدَةً إلى اللَّهِ تَعالى، ورَوى ابْنُ غَزْوانَ عَنْ طَلْحَةَ ( أنْ سَبِحُنَّ ) بِنُونٍ مُشَدَّدَةٍ.

19:12Page 306

يَٰيَحۡيَىٰ خُذِ ٱلۡكِتَٰبَ بِقُوَّةٖۖ وَءَاتَيۡنَٰهُ ٱلۡحُكۡمَ صَبِيّٗا ١٢

[Allāh said], "O John, take the Scripture [i.e., adhere to it] with determination." And We gave him judgement [while yet] a boy

﴿يا يَحْيى﴾ عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ وكَلامٍ آخَرَ حُذِفَ مُسارَعَةً إلى الإنْباءِ بِإنْجازِ الوَعْدِ الكَرِيمِ أيْ فَلَمّا وُلِدَ وبَلَغَ سِنًّا يُؤْمَرُ مِثْلُهُ فِيهِ قُلْنا يا يَحْيى ﴿خُذِ الكِتابَ﴾ أيِ: التَّوْراةَ، وادَّعى ابْنُ عَطِيَّةَ الإجْماعَ عَلى ذَلِكَ بِناءً عَلى أنْ آلَ لِلْعَهْدِ ولا مَعْهُودَ إذْ ذاكَ سِواها فَإنَّ الإنْجِيلَ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا حِينَئِذٍ ولَيْسَ كَما قالَ بَلْ قِيلَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: كِتابٌ خُصَّ بِهِ كَما خُصَّ كَثِيرٌ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِمِثْلِ ذَلِكَ، وقِيلَ: المُرادُ بِالكِتابِ صُحُفُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: المُرادُ الجِنْسُ أيْ كُتُبَ اللَّهِ تَعالى (بِقُوَّةٍ) بِجِدٍّ واسْتِظْهارٍ وعَمَلٍ بِما فِيهِ، وقائِلُ ذَلِكَ هو اللَّهُ تَعالى عَلى لِسانِ المَلَكِ كَما هو الغالِبُ في القَوْلِ لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأبْعَدَ التَّبْرِيزِيُّ فَقَدَّرَ قالَ لَهُ أبُوهُ حِينَ تَرَعْرَعَ ونَشَأ: يا يَحْيى إلَخْ، ويَزِيدُهُ بُعْدًا قَوْلُهُ تَعالى ﴿وآتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيًّا﴾ .

أخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ والدَّيْلَمِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ في ذَلِكَ: «أُعْطِي الفَهْمَ والعِبادَةَ وهو ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ» .

وجاءَ في رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ مَرْفُوعًا أيْضًا «اذْهَبُوا نُصَلِّي قالَ الغِلْمانُ لِيَحْيى بْنِ زَكَرِيّا عَلَيْهِما السَّلامُ: اذْهَبْ بِنا نَلْعَبُ فَقالَ: ألِلَّعِبِ خُلِقْنا» ؟! اذْهَبُوا نُصَلِّي.

فَهُوَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وآتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيًّا﴾ والظّاهِرُ أنَّ الحُكْمَ عَلى هَذا بِمَعْنى الحِكْمَةِ، وقِيلَ: هي بِمَعْنى العَقْلِ، وقِيلَ: مَعْرِفَةُ آدابِ الخِدْمَةِ، وقِيلَ: الفِراسَةُ الصّادِقَةُ، وقِيلَ: النُّبُوَّةُ وعَلَيْهِ كَثِيرٌ قالُوا: أُوتِيَها وهو ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ أوِ ابْنُ ثَلاثٍ أوِ ابْنُ سَنَتَيْنِ ولَمْ يُنَبَّأْ أكْثَرُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ قَبْلَ الأرْبَعِينَ، والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى قُلْنا المُقَدَّرِ

19:13Page 306

وَحَنَانٗا مِّن لَّدُنَّا وَزَكَوٰةٗۖ وَكَانَ تَقِيّٗا ١٣

And affection from Us and purity, and he was fearing of Allāh

﴿وحَنانًا مِن لَدُنّا﴾ عَطْفٌ عَلى (الحُكْمَ) وتَنْوِينُهُ لِلتَّفْخِيمِ وهو في الأصْلِ مِن حَنَّ إذا ارْتاحَ واشْتاقَ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في الرَّحْمَةِ والعَطْفِ، ومِنهُ الحَنانُ لِلَّهِ تَعالى خِلافًا لِمَن مَنَعَ إطْلاقَهُ عَلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ، وإلى تَفْسِيرِهِ بِالرَّحْمَةِ هُنا ذَهَبَ الحَسَنُ وقَتادَةُ والضَّحّاكُ وعِكْرِمَةُ والفَرّاءُ وأبُو عُبَيْدَةَ وهو رِوايَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ويُرْوى أنَّهُ أنْشَدَ في ذَلِكَ لِابْنِ الأزْرَقِ قَوْلَ طَرَفَةَ:

أبا مُنْذِرٍ أفْنَيْتَ فاسْتَبْقِ بَعْضَنا حَنانَيْكَ بَعْضُ الشَّرِّ أهْوَنُ مِن بَعْضِ

وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ قَوْلَ المُنْذِرِ بْنِ دِرْهَمٍ الكَلْبِيِّ:

وأحْدَثُ عَهْدٍ مِن أمِينَةَ نَظْرَةٌ ∗∗∗ عَلى جانِبِ العَلْياءِ إذْ أنا واقِفُ

تَقُولُ حَنانًا ما أتى بِكَ ها هُنا ∗∗∗ أذُو نَسَبٍ أمْ أنْتَ بِالحَيِّ عارِفُ

والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً مُؤَكِّدَةً لِما أفادَهُ التَّنْوِينُ مِنَ الفَخامَةِ الذّاتِيَّةِ بِالفَخامَةِ الإضافِيَّةِ أيْ وآتَيْناهُ رَحْمَةً عَظِيمَةً عَلَيْهِ كائِنَةً مِن جَنابِنا وهَذا أبْلَغُ مِن ورَحِمْناهُ ورُوِيَ هَذا التَّفْسِيرُ عَنْ مُجاهِدٍ، وقِيلَ: المُرادُ وآتَيْناهُ رَحْمَةً في قَلْبِهِ وشَفَقَةً عَلى أبَوَيْهِ وغَيْرِهِما، وفائِدَةُ الوَصْفِ عَلى هَذا الإشارَةُ إلى أنَّ ذَلِكَ كانَ مُرْضِيًا لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَإنَّ مِنَ الرَّحْمَةِ والشَّفَقَةِ ما هو غَيْرُ مَقْبُولٍ كالَّذِي يُؤَدِّي إلى تَرْكِ شَيْءٍ مِن حُقُوقِ اللَّهِ سُبْحانَهُ كالحُدُودِ مَثَلًا أوِ الإشارَةِ إلى أنَّ تِلْكَ الرَّحْمَةَ زائِدَةٌ عَلى ما في جِبِلَّةِ غَيْرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّ ما يَهَبُهُ العَظِيمُ عَظِيمٌ. وأوْرَدَ عَلى هَذا أنَّ الإفْراطَ مَذْمُومٌ كالتَّفْرِيطِ وخَيْرُ الأُمُورِ أوْسَطُها. ورُدَّ بِأنَّ مَقامَ المَدْحِ يَقْتَضِي ذَلِكَ. ورُبَّ

صفحة 73

إفْراطٍ يُحْمَدُ مِن شَخْصٍ ويُذَمُّ مِن آخَرَ فَإنَّ السُّلْطانَ يَهَبُ الأُلُوفَ ولَوْ وهَبَها غَيْرُهُ كانَ إسْرافًا مَذْمُومًا.

وعَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّ الحَنانَ هُنا المَحَبَّةُ وهو رِوايَةٌ عَنْ عِكْرِمَةَ أيْ وآتَيْناهُ مَحَبَّةً مَن لَدُنّا، والمُرادُ عَلى ما قِيلَ جَعَلْناهُ مُحَبَّبًا عِنْدَ النّاسِ فَكُلُّ مَن رَآهُ أحَبَّهُ نَظِيرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ المَعْنى نَحْوَ ما تَقَدَّمَ عَلى القَوْلِ السّابِقِ، وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ فَيَكُونُ مِن بابِ (ولَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وحِفْظًا) .

وجُوِّزَ أنْ يُجْعَلَ مَفْعُولًا لِأجْلِهِ وأنْ يُجْعَلَ عَطْفًا عَلى (صَبِيًّا) وذَلِكَ ظاهِرٌ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ المَعْنى رَحْمَةً لِأبَوَيْهِ وغَيْرِهِما، وعَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ وحَنانًا مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ لا يَجِيءُ الحالُ وباقِي الأوْجُهِ بِحالِهِ، ولا يَخْفى عَلى المُتَأمِّلِ الحالُ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ (وزَكاةً) أيْ: بَرَكَةٍ كَما أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهو عَطْفٌ عَلى المَفْعُولِ، ومَعْنى إيتائِهِ البَرَكَةَ عَلى ما قِيلَ جَعْلُهُ مُبارَكًا نَفّاعًا مُعَلِّمًا لِلْخَيْرِ. وقِيلَ: الزَّكاةُ الصَّدَقَةُ والمُرادُ ما يُتَصَدَّقُ بِهِ، والعَطْفُ عَلى حالِهِ أيْ آتَيْناهُ ما يَتَصَدَّقُ بِهِ عَلى النّاسِ وهو كَما تَرى.

وقِيلَ: هي بِمَعْنى الصَّدَقَةِ والعَطْفُ عَلى الحالِ والمُرادُ آتَيْناهُ الحُكْمَ حالَ كَوْنِهِ مُتَصَدِّقًا بِهِ عَلى أبَوَيْهِ ورُوِيَ هَذا عَنِ الكَلْبِيِّ، وابْنِ السّائِبِ، وجُوِّزَ عَلَيْهِ العَطْفُ عَلى (حَنانًا) بِتَقْدِيرِ العِلْيَةِ، وقِيلَ: العَطْفُ عَلى المَفْعُولِ، ومَعْنى إيتائِهِ الصَّدَقَةَ عَلَيْهِما كَوْنُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ صَدَقَةً عَلَيْهِما، وعَنِ الزَّجّاجِ هي الطَّهارَةُ مِنَ الذُّنُوبِ ولا يَضُرُّ في مَقامِ المَدْحِ الإتْيانُ بِألْفاظٍ رُبَّما يُسْتَغْنى بِبَعْضِها عَنْ بَعْضٍ ﴿وكانَ تَقِيًّا﴾ مُطِيعًا مُتَجَنِّبًا عَنِ المَعاصِي وقَدْ جاءَ في غَيْرِ ما حَدِيثٍ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما عَمِلَ مَعْصِيَةً ولا هَمَّ بِها.

وأخْرَجَ مالِكٌ وأحْمَدُ في الزُّهْدِ وابْنُ المُبارَكِ وأبُو نُعَيْمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: كانَ طَعامُ يَحْيى بْنِ زَكَرِيّا عَلَيْهِما السَّلامُ العُشْبَ وإنَّهُ كانَ لَيَبْكِي مِن خَشْيَةِ اللَّهِ تَعالى حَتّى لَوْ كانَ القارُ عَلى عَيْنِهِ لَخَرَقَهُ، وقَدْ كانَتِ الدُّمُوعُ اتَّخَذَتْ مَجْرًى في وجْهِهِ

19:14Page 306

وَبَرَّۢا بِوَٰلِدَيۡهِ وَلَمۡ يَكُن جَبَّارًا عَصِيّٗا ١٤

And dutiful to his parents, and he was not a disobedient tyrant.

﴿وبَرًّا بِوالِدَيْهِ﴾ كَثِيرَ البِرِّ بِهِما والإحْسانِ إلَيْهِما والظّاهِرُ أنَّهُ عَطْفٌ عَلى خَبَرِ كانَ وقِيلَ هو مِن بابِ عَلَفْتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا، والمُرادُ وجَعَلْناهُ بَرًّا وهو يُناسِبُ نَظِيرَهُ حِكايَةً عَنْ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو جَعْفَرٍ في رِوايَةٍ وابْنُ نَهِيكٍ وأبُو مِجْلَزٍ ( وبَرًّا ) في المَوْضِعَيْنِ بِكَسْرِ الباءِ أيْ وذا بَرٍّ ﴿ولَمْ يَكُنْ جَبّارًا﴾ مُتَكَبِّرًا مُتَعالِيًا عَنْ قَبُولِ الحَقِّ والإذْعانِ لَهُ أوْ مُتَطاوِلًا عَلى الخَلْقِ وقِيلَ: الجَبّارُ هو الَّذِي لا يَرى لِأحَدٍ عَلَيْهِ حَقًّا، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ الَّذِي يَقْتُلُ ويَضْرِبُ عَلى الغَضَبِ.

وقالَ الرّاغِبُ: هو في صِفَةِ الإنْسانِ يُقالُ لِمَن يُجْبِرُ نَقِيصَتَهُ بِادِّعاءِ مَنزِلَةٍ مِنَ التَّعالِي لا يَسْتَحِقُّها.

(عَصِيًّا) مُخالِفًا أمْرَ مَوْلاهُ عَزَّ وجَلَّ، وقِيلَ: عاقًّا لِأبَوَيْهِ وهو فَعَوْلٌ وقِيلَ فَعِيلٌ، والمُرادُ المُبالَغَةُ في النَّفْيِ لا نَفْيُ المُبالَغَةِ

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском