Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Maryam 19:15–21
19:15Page 306
وَسَلَٰمٌ عَلَيۡهِ يَوۡمَ وُلِدَ وَيَوۡمَ يَمُوتُ وَيَوۡمَ يُبۡعَثُ حَيّٗا ١٥
And peace be upon him the day he was born and the day he dies and the day he is raised alive.
﴿وسَلامٌ عَلَيْهِ﴾ قالَ الطَّبَرِيُّ: أمانٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ ﴿يَوْمَ وُلِدَ﴾ مِن أنْ يَنالَهُ الشَّيْطانُ بِما يَنالُ بِهِ بَنِي آدَمَ ﴿ويَوْمَ يَمُوتُ﴾ مِن وحْشَةِ فِراقِ الدُّنْيا وهو المُطَّلِعُ وعَذابِ القَبْرِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ يُقالُ لِلْمَقْتُولِ مَيِّتٌ بِناءً عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قُتِلَ لِبَغِيٍّ مِن بَغايا بَنِي إسْرائِيلَ ﴿ويَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ مِن هَوْلِ القِيامَةِ وعَذابِ النّارِ وجِيءَ بِالحالِ لِلتَّأْكِيدِ، وقِيلَ: لِلْإشارَةِ إلى أنَّ البَعْثَ جُسْمانِيٌّ لا رُوحانِيٌّ، وقِيلَ لِلتَّنْبِيهِ
صفحة 74
عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الشُّهَداءِ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الأظْهَرُ أنَّ المُرادَ بِالسَّلامِ التَّحِيَّةُ المُتَعارِفَةُ والتَّشْرِيفُ بِها لِكَوْنِها مِنَ اللَّهِ تَعالى في المَواطِنِ الَّتِي فِيها العَبْدُ في غايَةِ الضَّعْفِ والحاجَةِ وقِلَّةِ الحِيلَةِ والفَقْرِ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وجاءَ في خَبَرٍ رَواهُ أحْمَدُ في الزُّهْدِ وغَيْرُهُ عَنِ الحَسَنِ أنَّ عِيسى ويَحْيى عَلَيْهِما السَّلامُ التَقَيا وهُما ابْنا الخالَةِ فَقالَ يَحْيى لِعِيسى: ادْعُ اللَّهَ تَعالى لِي فَأنْتَ خَيْرٌ مِنِّي فَقالَ لَهُ عِيسى: بَلْ أنْتَ ادْعُ لِي فَأنْتَ خَيْرٌ مِنِّي؛ سَلَّمَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْكَ وإنَّما سَلَّمْتُ عَلى نَفْسِي.
وهَذِهِ الجُمْلَةُ- كَما قالَ الطِّيبِيُّ- عَطْفٌ مِن حَيْثُ المَعْنى عَلى (آتَيْناهُ الحُكْمَ) كَأنَّهُ قِيلَ وآتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيًّا وكَذا وكَذا وسَلَّمْناهُ أوْ سَلَّمْنا عَلَيْهِ في تِلْكَ المَواطِنِ فَعَدَلَ إلى الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِإرادَةِ الدَّوامِ والثُّبُوتِ وهي كالخاتِمَةِ لِلْكَلامِ السّابِقِ.
19:16Page 306
وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ مَرۡيَمَ إِذِ ٱنتَبَذَتۡ مِنۡ أَهۡلِهَا مَكَانٗا شَرۡقِيّٗا ١٦
And mention, [O Muḥammad], in the Book [the story of] Mary, when she withdrew from her family to a place toward the east.
ومِن ثَمَّ شَرَعَ في قِصَّةٍ أُخْرى وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿واذْكُرْ في الكِتابِ﴾ إلَخْ فَهو كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ خُوطِبَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ وأُمِرَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِذِكْرِ قِصَّةِ مَرْيَمَ إثْرَ قِصَّةِ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ لِما بَيْنَهُما مِن كَمالِ الِاشْتِباكِ والمُناسَبَةِ. والمُرادُ بِالكِتابِ عِنْدَ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ السُّورَةُ الكَرِيمَةُ لا القُرْآنُ كَما عَلَيْهِ الكَثِيرُ إذْ هي الَّتِي صُدِّرَتْ بِقِصَّةِ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ المُسْتَتْبَعَةِ لِقِصَّتِها وقِصَصِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ المَذْكُورِينَ فِيها أيْ واذْكُرْ لِلنّاسِ فِيها (مَرْيَمَ) أيْ نَبَأها فَإنَّ الذِّكْرَ لا يَتَعَلَّقُ بِالأعْيانِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذِ انْتَبَذَتْ﴾ ظَرْفٌ لِذَلِكَ المُضافِ لَكِنْ لا عَلى أنْ يَكُونَ المَأْمُورُ بِهِ ذِكْرَ نَبَئِها عِنْدَ انْتِباذِها فَقَطْ بَلْ كُلُّ ما عُطِفَ عَلَيْهِ وحُكِيَ بَعْدَهُ بِطَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ داخِلٌ في حَيِّزِ الظَّرْفِ مُتَمِّمٌ لِلْبِناءِ. وجَعَلَهُ أبُو حَيّانَ ظَرْفًا لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ واذْكُرْ مَرْيَمَ وما جَرى لَها إذِ انْتَبَذَتْ، وما ذَكَرْناهُ أوْلى. وقِيلَ: هو ظَرْفٌ لِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن ذَلِكَ المُضافِ، وقِيلَ: بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن مَرْيَمَ لِأنَّ الأحْيانَ مُشْتَمِلَةٌ عَلى ما فِيها وفِيهِ تَفْخِيمٌ لِقِصَّتِها العَجِيبَةِ.
وتَعَقَّبَهُ أبُو البَقاءِ بِأنَّ الزَّمانَ إذا لَمْ يَقَعْ حالًا مِنَ الجُثَّةِ ولا خَبَرًا عَنْها ولا صِفَةً لَها لَمْ يَكُنْ بَدَلًا مِنها. ورُدَّ بِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن عَدَمِ صِحَّةِ ما ذُكِرَ عَدَمُ صِحَّةِ البَدَلِيَّةِ ألا تَرى سُلِبَ زَيْدٌ ثَوْبُهُ كَيْفَ صَحَّ فِيهِ البَدَلِيَّةُ مَعَ عَدَمِ صِحَّةِ ما ذُكِرَ في البَدَلِ، وكَوْنُ ذَلِكَ حالَ الزَّمانِ فَقَطْ غَيْرُ بَيِّنٍ ولا مُبِينٍ. وقِيلَ: بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ عَلى أنَّ المُرادَ بِمَرْيَمَ قِصَّتُها وبِالظَّرْفِ الواقِعِ فِيهِ وفِيهِ بُعْدٌ. وقِيلَ: (إذْ) بِمَعْنى أنْ المَصْدَرِيَّةِ كَما في قَوْلِهِ لا أكْرَمْتُكَ إذْ لَمْ تُكْرِمْنِي أيْ لِأنْ لَمْ تُكْرِمْنِي أيْ لِعَدَمِ إكْرامِكَ لِي. وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ لِلنُّحاةِ. والظّاهِرُ أنَّها ظَرْفِيَّةٌ أوْ تَعْلِيلِيَّةٌ إنْ قُلْنا بِهِ ويَتَعَيَّنُ عَلى ذَلِكَ بَدَلُ الِاشْتِمالِ.
والِانْتِباذُ الِاعْتِزالُ والِانْفِرادُ.
وقالَ الرّاغِبُ يُقالُ: انْتَبَذَ فُلانٌ اعْتَزَلَ اعْتِزالَ مَن تَقِلُّ مُبالاتُهُ بِنَفْسِهِ فِيما بَيْنَ النّاسِ والنَّبْذُ: إلْقاءُ الشَّيْءِ وطَرْحُهُ لِقِلَّةِ الِاعْتِدادِ بِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿مِن أهْلِها﴾ مُتَعَلِّقٌ بِانْتَبَذَتْ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿مَكانًا شَرْقِيًّا﴾ قِيلَ نُصِبَ عَلى الظَّرْفِ، وقِيلَ مَفْعُولٌ بِهِ لِانْتَبَذَتْ بِاعْتِبارِ ما في ضِمْنِهِ مِن مَعْنى الإتْيانِ المُتَرَتِّبِ وُجُودًا واعْتِبارًا عَلى أصْلِ مَعْناهُ العامِلِ في الجارِّ والمَجْرُورِ وهو السِّرُّ في تَأْخِيرِهِ عَنْهُ. واخْتارَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أيِ اعْتَزَلَتْ وانْفَرَدَتْ مِن أهْلِها وأتَتْ مَكانًا شَرْقِيًّا مِن بَيْتِ المَقْدِسِ أوْ مِن دارِها لِتَتَخَلّى هُنا لِلْعِبادَةِ، وقِيلَ قَعَدَتْ في مَشْرُفَةٍ لِتَغْتَسِلَ مِنَ الحَيْضِ مُحْتَجِبَةً بِحائِطٍ أوْ بِحَبْلٍ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أوْ بِثَوْبٍ عَلى ما قِيلَ وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى:
19:17Page 306
فَٱتَّخَذَتۡ مِن دُونِهِمۡ حِجَابٗا فَأَرۡسَلۡنَآ إِلَيۡهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرٗا سَوِيّٗا ١٧
And she took, in seclusion from them, a screen. Then We sent to her Our Angel [i.e., Gabriel], and he represented himself to her as a well-proportioned man.
﴿فاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجابًا﴾
صفحة 75
وكَوْنُهُ شَرْقِيًّا كانَ أمْرًا اتِّفاقِيًّا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ أهْلَ الكِتابِ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ إلى البَيْتِ والحَجُّ إلَيْهِ وما صَرَفَهم عَنْهُ إلّا قِيلُ رَبِّكَ ( فانْتَبَذَتْ مِن أهْلِها مَكانًا شَرْقِيًّا ) فَلِذَلِكَ صَلَّوْا قِبَلَ مَطْلَعِ الشَّمْسِ، وفي رِوايَةٍ: إنَّما اتَّخَذَتِ النَّصارى المَشْرِقَ قِبْلَةً لِأنَّ مَرْيَمَ انْتَبَذَتْ مِن أهْلِها مَكانًا شَرْقِيًّا، وقَدْ قَدَّمْنا عَنْ بَعْضٍ أنَّهم كانُوا في زَمَنِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ يَسْتَقْبِلُونَ بَيْتَ المَقْدِسِ وأنَّهم ما اسْتَقْبَلُوا الشَّرْقَ إلّا بَعْدَ رَفْعِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ زاعِمِينَ أنَّهُ ظَهَرَ لِبَعْضِ كِبارِهِمْ فَأمَرَهُ بِذَلِكَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ اخْتارَهُ اللَّهُ تَعالى لَها لِأنَّهُ مَطْلَعُ الأنْوارِ. وقَدْ عَلِمَ سُبْحانَهُ أنَّهُ حانَ ظُهُورُ النُّورِ العِيسَوِيِّ مِنها فَناسَبَ أنْ يَكُونَ ظُهُورُ النُّورِ المَعْنَوِيِّ في جِهَةِ ظُهُورِ النُّورِ الحِسِّيِّ وهو كَما تَرى، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ مَوْضِعُها في المَسْجِدِ فَإذا حاضَتْ تَحَوَّلَتْ إلى بَيْتِ خالَتِها وإذا طَهُرَتْ عادَتْ إلى المَسْجِدِ، فَبَيْنَما هي في مُغْتَسَلِها أتاها المَلَكُ عَلَيْهِ السَّلامُ في صُورَةِ شابٍّ أمَرَدَ وضِيءِ الوَجْهِ جَعْدِ الشَّعْرِ، وذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَأرْسَلْنا إلَيْها رُوحَنا﴾ أيْ جِبْرائِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ كَما قالَهُ الأكْثَرُ، وعَبَّرَ عَنْهُ بِذَلِكَ لِأنَّ الدِّينَ يَحْيا بِهِ وبِوَحْيِهِ فَهو مَجازٌ. والإضافَةُ لِلتَّشْرِيفِ كَبَيْتِ اللَّهِ تَعالى.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ كَما تَقُولُ لِحَبِيبِكَ أنْتَ رُوحِي مَحَبَّةً لَهُ وتَقْرِيبًا فَهو مَجازٌ أيْضًا إلّا أنَّهُ مُخالِفٌ لِلْأوَّلِ في الوَجْهِ والتَّشْرِيفِ عَلَيْهِ في جَعْلِهِ رُوحًا. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: المُرادُ مِنَ الرُّوحِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ورُوحٌ مِنهُ﴾ وضَمِيرُ تَمَثَّلَ الآتِي لِلْمَلَكِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وسَهْلٌ ( رَوْحَنا ) بِفَتْحِ الرّاءِ، والمُرادُ بِهِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ أيْضًا لِأنَّهُ سَبَبٌ لِما فِيهِ رَوْحُ العِبادِ وإصابَةُ الرَّوْحِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى الَّذِي هو عِدَّةُ المُقَرَّبِينَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ﴾ أوْ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ المُقَرَّبِينَ وهُمُ المَوْعُودُونَ بِالرَّوْحِ أيْ مَقْرَبَنا أوْ ذا رَوْحِنا.
وذَكَرَ النَّقّاشُ أنَّهُ قُرِئَ ( رُوحَنّا ) بِتَشْدِيدِ النُّونِ اسْمُ مَلَكٍ مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿فَتَمَثَّلَ لَها﴾ مُشْتَقٌّ مِنَ المِثالِ وأصْلُهُ أنْ يَتَكَلَّفَ أنْ يَكُونَ مِثالَ الشَّيْءِ، والمُرادُ فَتَصَوَّرَ لَها ﴿بَشَرًا سَوِيًّا﴾ سَوِيَّ الخَلْقِ كامِلَ البِنْيَةِ لَمْ يَفْقِدْ مِن حِسانِ نُعُوتِ الآدَمِيَّةِ شَيْئًا، وقِيلَ تَمَثَّلَ في صُورَةِ قَرِيبٍ لَها اسْمُهُ يُوسُفُ مِن خَدَمِ بَيْتِ المَقْدِسِ وذَلِكَ لِتَسْتَأْنِسَ بِكَلامِهِ وتَتَلَقّى مِنهُ ما يُلْقى إلَيْها مِن كَلِماتِهِ إذْ لَوْ بَدا لَها عَلى الصُّورَةِ المَلَكِيَّةِ لَنَفَرَتْ مِنهُ ولَمْ تَسْتَطِعْ مُفاوَضَتَهُ، وما قِيلَ مِن أنَّ ذَلِكَ لِتَهَيُّجِ شَهْوَتِها فَتَنْحَدِرُ نُطْفَتُها إلى رَحِمِها فَمَعَ ما فِيهِ مِنَ الهُجْنَةِ الَّتِي يَنْبَغِي أنْ تُنَزِّهَ مَرْيَمَ عَنْها يُكَذِّبُهُ قَوْلُهُ تَعالى
19:18Page 306
قَالَتۡ إِنِّيٓ أَعُوذُ بِٱلرَّحۡمَٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّٗا ١٨
She said, "Indeed, I seek refuge in the Most Merciful from you, [so leave me], if you should be fearing of Allāh."
﴿قالَتْ إنِّي أعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ﴾ فَإنَّهُ شاهِدُ عَدْلٍ بِأنَّهُ لَمْ يَخْطُرْ بِبالِها شائِبَةُ مَيْلٍ ما إلَيْهِ فَضْلًا عَنِ الحالَةِ المُتَرَتِّبَةِ عَلى أقْصى مَراتِبِ المَيْلِ والشَّهْوَةِ، نَعَمْ كانَ تَمَثُّلُهُ عَلى ذَلِكَ الحُسْنِ الفائِقِ والجَمالِ الرّائِقِ لِأنَّ عادَةَ المَلَكِ إذا تَمَثَّلَ أنْ يَتَمَثَّلَ بِصُورَةِ بَشَرٍ جَمِيلٍ كَما كانَ يَأْتِي النَّبِيَّ ﷺ في صُورَةِ دِحْيَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أوْ لِابْتِلائِها وسَبْرِ عِفَّتِها ولَقَدْ ظَهَرَ مِنها مِنَ الوَرَعِ والعَفافِ ما لا غايَةَ وراءَهُ، وإرادَةُ القائِلِ أنَّهُ وقَعَ كَذَلِكَ لِيَكُونَ مَظِنَّةً لِما ذُكِرَ فَيَظْهَرُ خِلافُهُ فَيَكُونُ أقْوى في نَزاهَتِها بَعِيدٌ جِدًّا عَنْ كَلامِهِ.
وقالَ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ: إنَّ اسْتِعاذَتَها بِاللَّهِ تَعالى تُنْبِئُ عَنْ تَهْيِيجِ شَهْوَتِها ومَيَلانِها إلَيْهِ مَيْلًا طَبِيعِيًّا عَلى ما قالَ تَعالى حِكايَةً عَنْ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿وإلا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أصْبُ إلَيْهِنَّ﴾ فَقَدْ قِيلَ: المُرادُ بِالصَّبْوَةِ
صفحة 76
فِيهِ المَيْلُ بِمُقْتَضى الطَّبِيعَةِ وحُكْمِ القُوَّةِ الشَّهَوِيَّةِ، ثُمَّ إنَّهُ لا يُنافِي عِفَّتَها بَلْ يُحَقِّقُها لِكَوْنِهِ طَبِيعِيًّا اضْطِرارِيًّا غَيْرَ داخِلٍ تَحْتَ التَّكْلِيفِ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهَمَّ بِها﴾ ومَعَ هَذا قَدِ اسْتَعاذَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِما حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ مَعاذَ اللَّهِ إنَّهُ رَبِّي أحْسَنَ مَثْوايَ﴾ فَدَعْوى أنَّ الِاسْتِعاذَةَ تُكَذِّبُ التَّهْيِيجَ والمَيْلَ الطَّبِيعِيَّ كَذِبٌ، والقَوْلُ بِأنَّهُ يَأْبى ذَلِكَ مَقامُ بَيانِ آثارِ القُدْرَةِ الخارِقَةِ لِلْعادَةِ لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّ خَلْقَ الإنْسانِ مِن ماءٍ واحِدٍ أثَرٌ مِن آثارِ القُدْرَةِ الخارِقَةِ لِلْعادَةِ أيْضًا.
والأسْبابُ في هَذا المَقامِ لَيْسَتْ بِمَرْفُوضَةٍ بِالكُلِّيَّةِ كَما يُرْشِدُ إلى ذَلِكَ قِصَّةُ يَحْيى عَلَيْهِ السَّلامُ. عَلى أنَّهُ قَدْ يَدَّعِي أنَّ خَلْقَ شَيْءٍ لا مِن شَيْءٍ أصْلًا مُحالٌ فَلا يَكُونُ مِن مَراتِبِ القُدْرَةِ ومادَّةِ الجَعْلِ الإبْداعِيِّ الأعْيانُ الثّابِتَةُ وهي قَدِيمَةٌ ا هـ، ولا يَخْلُو عَنْ بَحْثٍ، وما ذَكَرْناهُ في التَّعْلِيلِ أسْلَمُ مِنَ القالِ والقِيلِ فَتَدَبَّرْ، ونُصِبَ ( بَشَرًا ) عَلى الحالِيَّةِ المُقَدَّرَةِ أوِ التَّمْيِيزِ، وقِيلَ عَلى المَفْعُولِيَّةِ بِتَضْمِينِ تَمَثَّلَ مَعْنى اتَّخَذَ، واسْتَشْكَلَ أمْرُ هَذا التَّمَثُّلِ بِأنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ شَخْصٌ عَظِيمُ الجُثَّةِ حَسْبَما نَطَقَتْ بِهِ الأخْبارُ فَمَتى صارَ في مِقْدارِ جُثَّةِ الإنْسانِ يَلْزَمُ أنْ لا يَبْقى جِبْرِيلُ إنْ تَساقَطَتِ الأجْزاءُ الزّائِدَةُ عَلى جُثَّةِ الإنْسانِ، وأنْ تَتَداخَلَ الأجْزاءُ إنْ لَمْ يَذْهَبْ شَيْءٌ وهو مُحالٌ. وأيْضًا لَوْ جازَ التَّمَثُّلُ ارْتَفَعَ الوُثُوقُ وامْتَنَعَ القَطْعُ بِأنَّ هَذا الشَّخْصَ الَّذِي يُرى الآنَ هو زَيْدٌ الَّذِي رُئِيَ أمْسِ لِاحْتِمالِ التَّمَثُّلِ، وأيْضًا لَوْ جازَ التَّمَثُّلُ بِصُورَةِ الإنْسانِ فَلِمَ لا يَجُوزُ تَمَثُّلُهُ بِصُورَةٍ أُخْرى غَيْرَ صُورَةِ الإنْسانِ ومِن ذَلِكَ البَعُوضِ ونَحْوِهِ ؟ ومَعْلُومٌ أنَّ كُلَّ مَذْهَبٍ يَجُرُّ إلى ذَلِكَ فَهو باطِلٌ، وأيْضًا لَوْ جازَ ذَلِكَ ارْتَفَعَ الوُثُوقُ بِالخَبَرِ المُتَواتِرِ كَخَبَرِ مُقاتَلَةِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَوْمَ بَدْرٍ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ المُقاتِلُ المُتَمَثَّلَ بِهِ. وأُجِيبُ عَنِ الأوَّلِ بِأنَّهُ لا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ لِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ أجْزاءٌ أصْلِيَّةٌ قَلِيلَةٌ وأجْزاءٌ فاضِلَةٌ، فَبِالأجْزاءِ الأصْلِيَّةِ يَكُونُ مُتَمَكِّنًا مِنَ التَّمَثُّلِ بَشَرًا هَذا عِنْدَ القائِلِينَ بِأنَّهُ جِسْمٌ، وأمّا عِنْدَ القائِلِينَ بِأنَّهُ رُوحانِيٌّ فَلا اسْتِبْعادَ في أنْ يَتَدَرَّعَ تارَةً بِالهَيْكَلِ العَظِيمِ وأُخْرى بِالهَيْكَلِ الصَّغِيرِ. وعَنِ الثّانِي بِأنَّهُ مُشْتَرِكُ الإلْزامِ بَيْنَ الكُلِّ، فَإنَّ مَنِ اعْتَرَفَ بِالصّانِعِ القادِرِ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ أيْضًا إذْ يَجُوزُ أنْ يَخْلُقَ سُبْحانَهُ مِثْلَ زَيْدٍ مَثَلًا ومَعَ هَذا الجَوازِ يَرْتَفِعُ الوُثُوقُ ويَمْتَنِعُ القَطْعُ عَلى طَرْزِ ما تَقَدَّمَ. وكَذا مَن لَمْ يَعْتَرِفْ، وأسْنَدَ الحَوادِثَ إلى الِاتِّصالاتِ والتَّشَكُّلاتِ الفَلَكِيَّةِ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ لِجَوازِ حُدُوثِ اتِّصالٍ يَقْتَضِي حُدُوثَ مِثْلِ ذَلِكَ وحِينَئِذٍ يَمْتَنِعُ القَطْعُ أيْضًا، ولَعَلَّهُ لَمّا كانَ مِثْلُ ذَلِكَ نادِرًا لَمْ يَلْزَمْ مِنهُ قَدْحٌ في العُلُومِ العادِيَّةِ المُسْتَنِدَةِ إلى الإحْساسِ، فَلا يَلْزَمُ الشَّكُّ أنَّ زَيْدًا الَّذِي نُشاهِدُهُ الآنَ هو الَّذِي شاهَدْناهُ بِالأمْسِ.
وأُجِيبُ عَنِ الثّالِثِ بِأنَّ أصْلَ التَّجْوِيزِ قائِمٌ في العَقْلِ وإنَّما عُرِفَ فَسادُهُ بِدَلائِلِ السَّمْعِ، وهو الجَوابُ عَنِ الرّابِعِ كَذا قالَ الإمامُ الرّازِيُّ، وعِنْدِي أنَّ مَسْألَةَ التَّمَثُّلِ عَلى القَوْلِ بِالجِسْمِيَّةِ مِمّا يَنْبَغِي تَفْوِيضُ الأمْرِ فِيها إلى عَلّامِ الغُيُوبِ ولا سَبِيلَ لِلْعَقْلِ إلى الجَزْمِ فِيها بِشَيْءٍ تَنْشَرِحُ لَهُ القُلُوبُ. وإنَّما ذَكَرَتْهُ تَعالى بِعُنْوانِ الرَّحْمانِيَّةِ تَذْكِيرًا لِمَن رَأتْهُ بِالرَّحْمَةِ لِيَرْحَمَ ضَعْفَها وعَجْزَها عَنْ دَفْعِهِ أوْ مُبالَغَةً لِلْعِياذَةِ بِهِ تَعالى واسْتِجْلابًا لِآثارِ الرَّحْمَةِ الخاصَّةِ الَّتِي هي العِصْمَةُ مِمّا دَهَمَها. وما قِيلَ مِن أنَّ ذَلِكَ تَذْكِيرٌ لِمَن رَأتْ بِالجَزاءِ لِيَنْزَجِرَ فَإنَّهُ يُقالُ يا رَحْمَنَ الآخِرَةِ لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّهُ ورَدَ رَحْمَنُ الدُّنْيا والآخِرَةِ ورَحِيمُهُما ﴿إنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ شَرْطٌ جَوابُهُ مَحْذُوفٌ ثِقَةٌ بِدَلالَةِ السِّياقِ عَلَيْهِ أيْ إنْ كانَ يُرْجى مِنكَ أنْ تَتَّقِيَ اللَّهَ تَعالى وتَخْشاهُ وتَحْتَفِلَ بِالِاسْتِعاذَةِ بِهِ فَإنِّي عائِذَةٌ بِهِ مِنكَ كَذا قَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ.
صفحة 77
وفِي الكَشْفِ أنَّهُ أشارَ إلى أنَّ وجْهَ هَذا الشَّرْطِ مَعَ أنَّ الِاسْتِعاذَةَ بِالرَّحْمَنِ إنْ لَمْ يَكُنْ تَقِيًّا أوْلى إنْ آثَرَ الِاسْتِجارَةَ بِاللَّهِ تَعالى أعَنِي مُكافَتَهُ وأمْنَها مِنهُ إنَّما يَتِمُّ ويَظْهَرُ بِالنِّسْبَةِ إلى المُتَّقِي، وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ التَّقْوى مِمّا تَقْتَضِي لِلْمُسْتَعِيذِ بِاللَّهِ تَعالى حَقَّ الذِّمامِ والمُحافَظَةَ وعَلى عِظَمِ مَكانِ التَّقْوى حَيْثُ جُعِلَتْ شَرْطًا لِلِاسْتِعاذَةِ لا تَتِمُّ دُونَها وقالَ: إنْ كانَ يُرْجى إظْهارًا لِمَعْنى أنْ وأنَّها إنَّما أُوثِرَتْ دَلالَةً عَلى أنَّ رَجاءَ التَّقْوى كانَ فَضْلًا عَنِ العِلْمِ بِها.
والحاصِلُ أنَّ التَّقْوى لَمْ تُجْعَلْ شَرْطَ الِاسْتِعاذَةِ بَلْ شَرْطَ مَكافَتِهِ وأمْنَها مِنهُ، وكُنْتُ عَنْ ذَلِكَ بِالِاسْتِعاذَةِ بِاللَّهِ تَعالى حَثًّا لَهُ عَلى المَكافَةِ بِألْطَفِ وجْهٍ وأبْلَغِهِ وإنَّ مَن تَعَرَّضَ لِلْمُسْتَعِيذِ بِهِ فَقَدْ تَعَرَّضَ لِعَظِيمِ سُخْطِهِ انْتَهى.
وقَدَّرَ الزَّجّاجُ إنْ كُنْتَ تَقِيًّا فَتَتَّعِظُ بِتَعْوِيذِي، والأوْلى عَلَيْهِ تَتَّعِظُ بِإسْقاطِ الفاءِ لِأنَّ المُضارِعَ الواقِعَ جَوابًا لا يَقْتَرِنُ بِالفاءِ فَيَحْتاجُ إلى جَعْلِهِ مَرْفُوعًا بِتَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ، وقَدَّرَ بَعْضُهم فاذْهَبْ عَنِّي وبَعْضُهم فَلا تَتَعَرَّضْ بِي، وقِيلَ: إنَّها أرادَتْ إنْ كُنْتَ تَقِيًّا مُتَوَرِّعًا فَإنِّي أعُوذُ مِنكَ، فَكَيْفَ إذا لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ وكَأنَّهُ أرادَ أنَّها اسْتَعاذَتْ بِهَذا الشَّرْطِ لِيَعْلَمَ اسْتِعاذَتَها بِما يُقابِلُهُ مِن بابٍ أوْلى، وقالَ الشِّهابُ: الظّاهِرُ أنَّ إنْ عَلى هَذا القَوْلِ وصْلِيَّةٌ وفي مَجِيئِها بِدُونِ الواوِ كَلامٌ، وذُكِرَ أنَّ الجُمْلَةَ عَلى هَذا حالِيَّةٌ والمَقْصُودُ بِها الِالتِجاءُ إلى اللَّهِ تَعالى مِن شَرِّهِ لا حَثُّهُ عَلى الِانْزِجارِ وقِيلَ نافِيَةٌ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ أيْ ما كُنْتَ تَقِيًّا مُتَوَرِّعًا بِحُضُورِكَ عِنْدِي وانْفِرادِكَ بِي، وهو خِلافُ الظّاهِرِ، وأيًّا ما كانَ فالتَّقِيُّ وصْفٌ مِنَ التَّقْوى، وقَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ اسْمُ رَجُلٍ صالِحٍ أوْ طالِحٍ لَيْسَ بِسَدِيدٍ.
19:19Page 306
قَالَ إِنَّمَآ أَنَا۠ رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَٰمٗا زَكِيّٗا ١٩
He said, "I am only the messenger of your Lord to give you [news of] a pure boy [i.e., son]."
﴿قالَ إنَّما أنا رَسُولُ رَبِّكِ﴾ المالِكِ لِأمْرِكِ والنّاظِرِ في مَصْلَحَتِكِ الَّذِي اسْتَعَذْتِ بِهِ ولَسْتُ مِمَّنْ يُتَوَقَّعُ مِنهُ ما تَوَهَّمْتِ مِنَ الشَّرِّ. رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها لَمّا قالَتْ: (إنِّي أعُوذُ) إلَخْ تَبَسَّمَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وقالَ: (إنَّما أنا رَسُولُ رَبِّكِ)، (لِأهَبَ لَكِ غُلامًا) أيْ لِأكُونَ سَبَبًا في هِبَتِهِ بِالنَّفْخِ في الدِّرْعِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حِكايَةً لِقَوْلِهِ تَعالى بِتَقْدِيرِ القَوْلِ أيْ رَبِّكِ الَّذِي قالَ أرْسَلْتُ هَذا المَلَكَ لِأهَبَ لَكِ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ شَيْبَةِ وأبِي الحَسَنِ وأبِي بَحْرِيَّةَ والزَّهْرِيِّ وابْنُ مَناذِرَ ويَعْقُوبَ واليَزِيدِيِّ وأبِي عَمْرٍو ونافِعٍ في رِوايَةٍ: لِيَهَبَ بِالياءِ فَإنَّ فاعِلَهُ ضَمِيرُ الرَّبِّ تَعالى. وما قِيلَ: مِن أصْلِ ( لِيَهَبَ ) لِأهَبَ فَقُلِبَتِ الهَمْزَةُ ياءً لِانْكِسارِ ما قَبْلَها تَعَسُّفٌ مِن غَيْرِ داعٍ لَهُ.
وفِي بَعْضِ المَصاحِفِ: أمَرَنِي أنْ أهَبَ لَكِ غُلامًا (زَكِيًّا) طاهِرًا مِنَ الذُّنُوبِ. وقِيلَ: نَبِيًّا. وقِيلَ: نامِيًا عَلى الخَيْرِ أيْ مُتَرَقِّيًا مِن سِنٍّ إلى سِنٍّ عَلى الخَيْرِ والصَّلاحِ، فالزَّكا شامِلٌ لِلزِّيادَةِ المَعْنَوِيَّةِ والحِسِّيَّةِ. واسْتَدَلَّ بَعْضُهم بِرِسالَةِ المَلَكِ إلَيْها عَلى نُبُوَّتِها.
وأُجِيبُ: بِأنَّ الرِّسالَةَ لِمِثْلِ ذَلِكَ لا تَسْتَدْعِي النُّبُوَّةَ
19:20Page 306
قَالَتۡ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَٰمٞ وَلَمۡ يَمۡسَسۡنِي بَشَرٞ وَلَمۡ أَكُ بَغِيّٗا ٢٠
She said, "How can I have a boy while no man has touched me and I have not been unchaste?"
﴿قالَتْ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ أيْ والحالُ أنَّهُ لَمْ يُباشِرْنِي بِالحَلالِ رَجُلٌ وإنَّما قِيلَ بَشَرٌ مُبالَغَةً في تَنَزُّهِها مِن مَبادِئِ الوِلادَةِ ﴿ولَمْ أكُ بَغِيًّا﴾ أيْ ولَمْ أكُنْ زانِيَةً، والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى لَمْ يَمْسَسْنِي داخِلٌ مَعَهُ في حُكْمِ الحالِيَّةِ مُفْصِحٍ عَنْ كَوْنِ المَساسِ عِبارَةً عَنِ المُباشَرَةِ بِالحَلالِ وهو كِنايَةٌ عَنْ ذَلِكَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾، ﴿أوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ﴾ ونَحْوِهِ كَما قِيلَ:
صفحة 78
دَخَلْتُمْ بِهِنَّ وبَنى عَلَيْها.
وأمّا الزِّنا فَلَيْسَ بِقَمَنٍ أنْ يُكَنّى عَنْهُ لِأنَّ مَقامَهُ إمّا تَطْهِيرُ اللِّسانِ فَلا كِنايَةَ ولا تَصْرِيحَ وإمّا التَّقْرِيعُ فَحِينَئِذٍ يَسْتَحِقُّ الزِّيادَةَ عَلى التَّصْرِيحِ والألْفاظِ الَّتِي يَظُنُّ أنَّها كِنايَةٌ فِيهِ قَدْ شاعَتْ حَتّى صارَتْ حَقِيقَةً صَرِيحَةً فِيهِ، ومِنها ما في النَّظْمِ الكَرِيمِ، ولا يَرُدُّ عَلى ذَلِكَ ما في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ مِن قَوْلِها ﴿ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ مُقْتَصِرَةً عَلَيْهِ فَإنَّ غايَةَ ما قِيلَ فِيهِ إنَّهُ كِنايَةٌ عَنِ النِّكاحِ والزِّنا عَلى سَبِيلِ التَّغْلِيبِ، ولَمْ يُجْعَلْ كِنايَةً عَنِ الزِّنا وحْدَهُ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّهُ ثَمَّ كِنايَةٌ عَنِ النِّكاحِ فَقَطْ كَما هُنا واسْتَوْعَبَتِ الأقْسامُ هاهُنا لِأنَّهُ مَقامُ البَسْطِ واقْتَصَرَتْ عَلى نَفْيِ النِّكاحِ ثُمَّ لِعَدَمِ التُّهْمَةِ ولِعِلْمِها أنَّهم مَلائِكَةٌ يُنادُونَ لا يَتَخَيَّلُونَ فِيها التُّهْمَةَ بِخِلافِ هَذِهِ الحالَةِ فَإنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ قَدْ أتاها في صُورَةِ شابٍّ أمَرَدَ، ولِهَذا تَعَوَّذَتْ مِنهُ ولَمْ يَكُنْ قَدْ سَكَنَ رَوْعَها بِالكُلِّيَّةِ إلى أنْ قالَ: ﴿إنَّما أنا رَسُولُ رَبِّكِ﴾ عَلى أنَّهُ قِيلَ: إنَّ في آلِ عِمْرانَ مِنَ الِاكْتِفاءِ وتَرْكِ الِاكْتِفاءِ في هَذِهِ لِأنَّهُ تَقَدَّمَ نُزُولُها، فَهي مَحَلُّ التَّفْصِيلِ بِخِلافِ تِلْكَ لَسَبْقِ العِلْمِ، وقِيلَ: المَساسُ هُنا كِنايَةٌ عَنِ الأمْرَيْنِ عَلى سَبِيلِ التَّغْلِيبِ كَما في تِلْكَ السُّورَةِ ﴿ولَمْ أكُ بَغِيًّا﴾ تَخْصِيصٌ بَعْدَ التَّعْمِيمِ لِزِيادَةِ الِاعْتِناءِ بِتَنْزِيهِ ساحَتِها عَنِ الفَحْشاءِ، ولِذا آثَرَتْ كانَ في النَّفْيِ الثّانِي فَإنَّ في ذَلِكَ إيذانًا بِأنَّ انْتِفاءَ الفُجُورِ لازِمٌ لَها.
وكَأنَّها عَلَيْها السَّلامُ مِن فَرْطِ تَعَجُّبِها وغايَةِ اسْتِبْعادَها لَمْ تَلْتَفِتْ إلى الوَصْفِ في قَوْلِ المَلَكِ عَلَيْهِ السَّلامُ ( لِأهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا ) النّافِي كُلُّ رِيبَةٍ وتُهْمَةٍ ونَبَذَتْهُ وراءَ ظَهْرِها وأتَتْ بِالمَوْصُوفِ وحْدَهُ وأخَذَتْ في تَقْرِيرِ نَفْيِهِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ أيْ ما أبْعَدَ وُجُودَ هَذا المَوْصُوفِ مَعَ هَذِهِ المَوانِعِ بِلَهُ الوَصْفُ، وهَذا قَرِيبٌ مِنَ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ.
وبَغِيٌّ فَعُولٌ عِنْدَ المُبَرِّدِ وأصْلُهُ بَغْوِيٌّ فَلَمّا اجْتَمَعَتِ الواوُ والياءُ وسَبَقَتْ إحْداهُما بِالسُّكُونِ قُلِبَتِ الواوُ ياءً وأُدْغِمَتْ في الياءِ وكُسِرَتِ الغَيْنُ اتِّباعًا ولِذا لَمْ تَلْحَقْهُ هاءُ التَّأْنِيثِ لِأنَّ فَعُولًا يَسْتَوِي فِيهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ، وإنْ كانَ بِمَعْنى فاعِلٍ كَصَبُورٍ، واعْتَرَضَهُ ابْنُ جِنِّيٍّ في كِتابِ التَّمامِ بِأنَّهُ لَوْ كانَ فَعَوْلًا لَقِيلَ بَغَوْ كَما قِيلَ نَهَوْ عَنِ المُنْكَرِ، ورُدَّ بِأنَّهُ لا يُقاسُ عَلى الشّاذِّ وقَدْ نَصُّوا عَلى شُذُوذِهِ فَهو لِمُخالَفَتِهِ قاعِدَةَ اجْتِماعِ الواوِ والياءِ، وسَبَقَ إحْداهُما بِالسُّكُونِ واخْتارَ أنَّهُ فَعِيلٌ وهو عَلى ما قالَ أبُو البَقاءِ بِمَعْنى فاعِلٍ، وكانَ القِياسُ أنْ تَلْحَقَهُ هاءُ التَّأْنِيثِ لِأنَّهُ حِينَئِذٍ لَيْسَ مِمّا يَسْتَوِي فِيهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ كَفَعُولٍ، ووَجْهُ عَدَمِ اللُّحُوقِ بِأنَّهُ لِلْمُبالَغَةِ الَّتِي فِيهِ حُمِلَ عَلى فَعُولٍ فَلَمْ تَلْحَقْهُ الهاءُ، وقالَ بَعْضُهم: هو مِن بابِ النَّسَبِ كَطالِقٍ ومِثْلُهُ يَسْتَوِي فِيهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ، وقِيلَ تَرْكُ تَأْنِيثِهِ لِاخْتِصاصِهِ في الِاسْتِعْمالِ بِالمُؤَنَّثِ، ويُقالُ لِلرَّجُلِ باغٍ وقِيلَ فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ كَعَيْنٍ كَحِيلٍ وعَلى هَذا مَعْنى بَغِيٍّ يَبْغِيها الرِّجالُ لِلْفُجُورِ بِها، وعَلى القَوْلِ بِأنَّهُ بِمَعْنى فاعِلٍ فاجِرَةٌ تَبْغِي الرِّجالَ، وأيًّا ما كانَ فَهو لِلشُّيُوعِ في الزّانِيَةِ صارَ حَقِيقَةً صَرِيحَةً فِيهِ، فَلا يُرَدُّ أنَّ اعْتِبارَ المُبالَغَةِ فِيهِ لا يُناسِبُ المَقامَ لِأنَّ نَفْيَ الأبْلَغِ لا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ أصْلِ الفِعْلِ، ولا يَحْتاجُ إلى الجَوابِ بِالتِزامِ أنَّ ذَلِكَ مِن بابِ النَّسَبِ أوْ بِأنَّ المُرادَ نَفْيُ القَيْدِ والمُقَيَّدِ مَعًا أوِ المُبالَغَةُ في النَّفْيِ لا نَفْيَ المُبالَغَةِ
19:21Page 306
قَالَ كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٞۖ وَلِنَجۡعَلَهُۥٓ ءَايَةٗ لِّلنَّاسِ وَرَحۡمَةٗ مِّنَّاۚ وَكَانَ أَمۡرٗا مَّقۡضِيّٗا ٢١
He said, "Thus [it will be]; your Lord says, 'It is easy for Me, and We will make him a sign to the people and a mercy from Us. And it is a matter [already] decreed.'"
﴿قالَ كَذَلِكِ قالَ رَبُّكِ هو عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ أطْلَقُوا الكَلامَ في أنَّهُ نَظِيرُ ما تَقَدَّمَ في قِصَّةِ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ، وفي الكَشْفِ أنَّهُ لا يَجْرِي فِيهِ تَمامُ الأوْجُهِ الَّتِي ذَكَرَها الزَّمَخْشَرِيُّ هُناكَ لِأنَّ ( قالَ ) أوَّلًا فِيهِ ضَمِيرُ الرَّسُولِ إلَيْها فَكَذَلِكَ إنْ عُلِّقَ بِالثّانِي يَكُونُ المَعْنى قالَ الرَّسُولُ قالَ رَبُّكَ كَذَلِكَ ثُمَّ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ أوِ المَعْنى مِثْلُ ذَلِكَ القَوْلِ العَجِيبِ الَّذِي سَمِعْتَهُ ووَعَدْتُكَ قالَ رَبُّكَ عَلى إقْحامِ الكافِ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ
صفحة 79
هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ، ولا بُدَّ مِن إضْمارِ القَوْلِ لِأنَّ المُخاطِبَ لَها جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَوْلُهُ ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ كَلامُ الحَقِّ تَعالى شَأْنُهُ حَكاهُ لَها. وإنْ عُلِّقَ بِالأوَّلِ يَكُونُ المَعْنى الأمْرُ كَذَلِكَ تَصْدِيقًا لَها أوْ كَما وعَدْتُ تَحْقِيقًا لَهُ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ قالَ رَبُّكَ هو عَلَيَّ هَيِّنٌ لِإزالَةِ الِاسْتِبْعادِ أوْ لِتَقْرِيرِ التَّحْقِيقِ. ولا يَبْعُدُ أنْ يُجْعَلَ ﴿قالَ رَبُّكِ﴾ عَلى هَذا تَفْسِيرًا وكَذَلِكَ مُبْهَمًا انْتَهى. ولا أرى ما نُقِلَ عَنِ ابْنِ المُنِيرِ هُناكَ وجْهًا هُنا (ولِنَجْعَلَهُ) تَعْلِيلٌ لِمُعَلَّلٍ مَحْذُوفٍ أيْ لِنَجْعَلَ وهْبَ الغُلامِ (آيَةً) وبُرْهانًا (لِلنّاسِ) جَمِيعِهِمْ أوِ المُؤْمِنِينَ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ يَسْتَدِلُّونَ بِهِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِنا (ورَحْمَةً) عَظِيمَةً كائِنَةً (مِنّا) عَلَيْهِمْ يَهْتَدُونَ بِهِدايَتِهِ ويَسْتَرْشِدُونَ بِإرْشادِهِ فِعْلَنا ذَلِكَ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى عِلَّةٍ أُخْرى مُضْمَرَةٍ أيْ لِنُبَيِّنَ بِهِ عِظَمِ قُدْرَتِنا ولِنَجْعَلَهُ آيَةً إلَخْ. قالَ في الكَشْفِ: إنَّ مِثْلَ هَذا يَطَّرِدُ فِيهِ الوَجْهانِ ويُرَجَّحُ كُلُّ واحِدٍ بِحَسَبِ المَقامِ، وحَذْفُ المُعَلَّلِ هُنا أرْجَحُ إذْ لَوْ فَرَضَ عِلَّةً أُخْرى لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِن مُعَلَّلٍ مَحْذُوفٍ أيْضًا فَلَيْسَ قَبْلَ ما يَصْلُحُ فَهو تَطْوِيلٌ لِلْمَسافَةِ وهَذِهِ الجُمْلَةُ- أعْنِي العِلَّةَ مَعَ مُعَلَّلِها- مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ وفي إيثارِ الأُولى اسْمِيَّةٌ دالَّةٌ عَلى لُزُومِ الهَوْنِ مُزَيِّلَةٌ لِلِاسْتِبْعادِ، والثّانِيَةُ فِعْلِيَّةٌ دالَّةٌ عَلى أنَّهُ تَعالى أنْشَأهُ لِكَوْنِهِ آيَةً ورَحْمَةً خاصَّةً لا لِأمْرٍ آخَرَ يُنافِيهِ مُرادًا بِها التَّجَدُّدُ لِتَجَدُّدِ الوُجُودِ لِيَنْتَقِلَ مِنَ الِاسْتِبْعادِ إلى الِاسْتِحْمادِ ما لا يَخْفى مِنَ الفَخامَةِ انْتَهى.
ولا يُرَدُّ أنَّهُ إذا قُدِّرَ عِلَّةٌ نَحْوَ لِنُبَيِّنَ جازَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُتَعَلِّقًا بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ مِن غَيْرِ حَذْفِ شَيْءٍ فَلا يَصِحُّ قَوْلُهُ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِن مُعَلَّلٍ مَحْذُوفٍ لِظُهُورِ ما فِيهِ. وما ذَكَرَهُ مِنَ العَطْفِ خالَفَ فِيهِ بَعْضُهم فَجَعَلَ الواوَ عَلى الأوَّلِ اعْتِراضِيَّةً، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّ (لِنَجْعَلَهُ) عَلى قِراءَةِ ( لِيَهَبَ ) عَطْفٌ عَلَيْهِ عَلى طَرِيقِ الِالتِفاتِ مِنَ الغَيْبَةِ إلى التَّكَلُّمِ. وجُوِّزَ أيْضًا العَطْفُ عَلى (لِأهَبَ) عَلى قِراءَةِ أكْثَرِ السَّبْعَةِ، ولا يَخْفى بَعْدَ هَذا العَطْفِ عَلى القِراءَتَيْنِ (وكانَ) ذَلِكَ ﴿أمْرًا مَقْضِيًّا﴾ مُحْكَمًا قَدْ تَعَلَّقَ بِهِ قَضاؤُنا الأزَلِيُّ، أوْ قُدِّرَ وسُطِّرَ في اللَّوْحِ لا بُدَّ لَكَ مِنهُ أوْ كانَ أمْرًا حَقِيقًا بِمُقْتَضى الحِكْمَةِ والتَّفَضُّلِ أنْ يَفْعَلَ لِتَضَمُّنِهِ حِكَمًا بالِغَةً: وهَذِهِ الجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ إمّا لِمَجْمُوعِ الكَلامِ أوْ لِلْأخِيرِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences