Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
مريم
Maryam
Mary · Meccan · 98 ayahs
( سُورَةُ مَرْيَمَ
المَشْهُورُ تَسْمِيَتُها بِذَلِكَ، ورُوِيَتْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَدْ أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وأبُو نُعَيْمٍ والدَّيْلَمِيُّ مِن طَرِيقِ أبِي بَكْرِ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي مَرْيَمَ الغَسّانِيِّ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قالَ: «أتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقُلْتُ: وُلِدَتْ لِي اللَّيْلَةَ جارِيَةٌ فَقالَ: واللَّيْلَةَ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ سُورَةُ مَرْيَمَ» .، وجاءَ فِيما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما تَسْمِيَتُها بِسُورَةِ ( كهيعص ) وهي مَكِّيَّةٌ كَما رُوِيَ عَنْ عائِشَةَ وابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم، وقالَ مُقاتِلٌ: هي كَذَلِكَ إلّا آيَةُ السَّجْدَةِ فَإنَّها مَدَنِيَّةٌ نَزَلَتْ بَعْدَ مُهاجَرَةِ
صفحة 57
المُؤْمِنِينَ إلى الحَبَشَةِ، وفي الإتْقانِ اسْتِثْناءُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ مِنكم إلا وارِدُها﴾ أيْضًا، وهي عِنْدَ العِراقِيِّينَ والشّامِيِّينَ ثَمانٌ وتِسْعُونَ آيَةً، وعِنْدَ المَكِّيِّينَ تِسْعٌ وتِسْعُونَ ولِلْمَدَنِيِّينَ قَوْلانِ، ووَجْهُ مُناسَبَتِها لِسُورَةِ الكَهْفِ اشْتِمالُها عَلى نَحْوِ ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ الأعاجِيبِ كَقِصَّةِ وِلادَةِ يَحْيى. وقِصَّةِ وِلادَةِ عِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ ولِهَذا ذُكِرَتْ بَعْدَها، وقِيلَ إنَّ أصْحابَ الكَهْفِ يُبْعَثُونَ قَبْلَ السّاعَةِ ويَحُجُّونَ مَعَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ يَنْزِلُ، فَفي ذِكْرِ هَذِهِ السُّورَةِ بَعْدَ تِلْكَ مَعَ ذَلِكَ إنْ ثَبَتَ ما لا يَخْفى مِنَ المُناسَبَةِ، ويُقَوِّي ذَلِكَ ما قِيلَ أنَّهم مِن قَوْمِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿كهيعص﴾
أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ الكَلْبِيِّ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَحَدَّثَ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنْ أُمِّ هانِئٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: «كافْ هادْ عالِمٌ صادِقٌ»، واخْتَلَفَتِ الرِّواياتُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، فَفي رِوايَةٍ أنَّهُ قالَ: كافٌ مِن كِرِيمٍ وها مِن هادٍ ويا مَن حَكِيمٍ وعَيْنٌ مِن عَلِيمٍ وصادٌ مِن صادِقٍ، وفي رِوايَةٍ أنَّهُ قالَ: كَبِيرٌ هادٍ أمِينٌ عَزِيزٌ صادِقٌ، وفي أُخْرى أنَّهُ قالَ: هو قَسَمٌ أقْسَمَ اللَّهُ تَعالى بِهِ وهو مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، وفي أُخْرى أنَّهُ كانَ يَقُولُ: كهيعص وحم ويس وأشْباهُ هَذا هو اسْمُ اللَّهِ تَعالى الأعْظَمُ، ويُسْتَأْنَسُ لَهُ بِما أخْرَجَهُ عُثْمانُ بْنُ سَعِيدٍ الدّارِمِيُّ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ فاطِمَةَ بِنْتِ عَلِيٍّ قالَتْ: كانَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: يَقُولُ يا كهيعص اغْفِرْ لِي.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ أنَّهم قالُوا كهيعص هو الهِجاءُ المُقَطَّعُ، الكافُ مِنَ المُلْكِ والهاءُ مِنَ اللَّهِ والياءُ والعَيْنُ مِنَ العَزِيزِ والصّادِقُ مِنَ المُصَوِّرِ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ نَحْوَ ذَلِكَ إلّا أنَّهُ لَمْ يَذْكُرِ الياءَ، وقالَ: الصّادُ مِنَ الصَّمَدِ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ أنَّهُ قالَ في ذَلِكَ: يا مَن يُجِيرُ ولا يُجارُ عَلَيْهِ، وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ ابْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ القُرْآنِ، وقِيلَ: إنَّهُ اسْمٌ لِلسُّورَةِ وعَلَيْهِ جَماعَةٌ، وقِيلَ حُرُوفٌ مَسْرُودَةٌ عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ ونُسِبَ إلى جَمْعٍ مِن أهْلِ التَّحْقِيقِ، وفَوَّضَ البَعْضُ عِلْمَ حَقِيقَةِ ذَلِكَ إلى حَضْرَةِ عَلّامِ الغُيُوبِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ تَمامُ الكَلامِ في ذَلِكَ وأمْثالِهِ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ فَتَذَكَّرْ، وقَرَأ الجُمْهُورُ كافْ بِإسْكانِ الفاءِ، ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ ضَمُّها وأمالَ نافِعٌ هاوِيًا بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ وأظْهَرَ دال صادْ ولَمْ يُدْغِمْها في الذّالِ بَعْدُ وعَلَيْهِ الأكْثَرُونَ.
وقَرَأ الحَسَنُ بِضَمِّ الهاءِ وعَنْهُ أيْضًا ضَمُّ الياءِ وكَسْرُ الهاءِ، وعَنْ عاصِمٍ ضَمُّ الياءِ وعَنْهُ أيْضًا كَسْرُهُما، وعَنْ حَمْزَةَ فَتْحُ الهاءِ وكَسْرُ الياءِ، قالَ أبُو الفَضْلِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أحْمَدَ بْنِ الحَسَنِ المُقْرِيُّ الرّازِيُّ في كِتابِ اللَّوامِحِ: إنَّ الضَّمَّ في هَذِهِ الأحْرُفِ لَيْسَ عَلى حَقِيقَتِهِ وإلّا لَوَجَبَ قَلْبُ ما بَعْدَهُنَّ مِنَ الألِفاتِ واواتٍ بَلِ المُرادُ أنْ يُنَحّى هَذِهِ الألِفاتُ نَحْوَ الواوِ عَلى لُغَةِ أهْلِ الحِجازِ وهي الَّتِي تُسَمّى ألِفَ التَّفْخِيمِ ضِدَّ الإمالَةِ، وهَذِهِ التَّرْجَمَةُ كَما تَرْجَمُوا عَنِ الفَتْحَةِ المُمالَةِ المُقَرَّبَةِ مِنَ الكَسْرِ بِالكَسْرِ لِتَقْرِيبِ الألِفِ بَعْدَها مِنَ الياءِ انْتَهى، ووَجْهُ الإمالَةِ والتَّفْخِيمِ أنَّ هَذِهِ الألِفاتِ لَمّا لَمْ يَكُنْ لَها أصْلٌ حَمَلُوها عَلى المُنْقَلِبَةِ عَنِ الواوِ تارَةً، وعَنِ الياءِ أُخْرى فَيَجُوزُ الأمْرانِ دَفْعًا لِلتَّحَكُّمِ.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ بِتَقْطِيعِ هَذِهِ الحُرُوفِ وتَخْلِيصِ بَعْضِها مِن بَعْضٍ واقْتَضى ذَلِكَ إسْكانُ آخِرِهِنَّ، والتِقاءُ السّاكِنَيْنِ مُغْتَفَرٌ في بابِ الوَقْفِ، وأدْغَمَ أبُو عَمْرٍو دالَ صادٍ في الذّالِ بَعْدُ وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ وفِرْقَةٍ بِإظْهارِ النُّونِ مِن عَيْنٍ، والجُمْهُورً عَلى إخْفائِها. واخْتُلِفَ في إعْرابِهِ فَقِيلَ عَلى القَوْلِ بِأنَّ كُلَّ حَرْفٍ مِنِ اسْمٍ
صفحة 58
مِن أسْمائِهِ تَعالى لا مَحَلَّ لِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ ولا لِلْمَجْمُوعِ مِنَ الإعْرابِ، وقِيلَ: إنَّ كُلَّ حَرْفٍ عَلى نِيَّةِ الإتْمامِ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هو كافٍ هو هادٍ وهَكَذا أوِ الأوَّلُ عَلى نِيَّةِ الإتْمامِ كَذَلِكَ والبَواقِي خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ. وعَلى ما رُوِيَ عَنِ الرَّبِيعِ قِيلَ: هو مُنادى وهو اسْمٌ مِن أسْمائِهِ تَعالى مَعْناهُ الَّذِي يُجِيرُ ولا يُجارُ عَلَيْهِ. وقِيلَ لا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ أيْضًا، وهو كَلِمَةٌ تُقالُ في مَوْضِعِ نِداءِ اللَّهِ تَعالى بِذَلِكَ العُنْوانِ مِثْلَ ما يُقالُ مَهْيَمْ في مَقامِ الِاسْتِفْسارِ عَنِ الحالِ وهو كَما تَرى، وعَلى القَوْلِ بِأنَّهُ حُرُوفٌ مَسْرُودَةٌ عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ قالُوا: لا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الأعْرابِ
19:2–3Page 305
ذِكۡرُ رَحۡمَتِ رَبِّكَ عَبۡدَهُۥ زَكَرِيَّآ ٢
[This is] a mention of the mercy of your Lord to His servant Zechariah
إِذۡ نَادَىٰ رَبَّهُۥ نِدَآءً خَفِيّٗا ٣
When he called to his Lord a private call [i.e., supplication].
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ﴾ عَلى هَذِهِ الأقْوالِ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هَذا المَتْلُوُّ (ذِكْرُ) إلَخْ. ويُقالُ عَلى الأخِيرِ المُؤَلَّفُ مِن جِنْسِ هَذِهِ الحُرُوفِ المَبْسُوطَةِ مُرادًا بِهِ السُّورَةُ (ذِكْرُ) إلَخْ. وقِيلَ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أيْ فِيما يُتْلى عَلَيْكَ (ذِكْرُ) إلَخْ، وعَلى القَوْلِ بِأنَّهُ اسْمٌ لِلسُّورَةِ قِيلَ مَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هَذا كهيعص أيْ مُسَمًّى بِهِ. وإنَّما صَحَّتِ الإشارَةُ إلَيْهِ مَعَ عَدَمِ جَرَيانِ ذِكْرِهِ لِأنَّهُ بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ عَلى جَناحِ الذِّكْرِ صارَ في حُكْمِ الحاضِرِ المُشاهِدِ كَما قِيلَ في قَوْلِهِمْ هَذا ما اشْتَرى فُلانٌ.
وفِي (ذِكْرُ) وجْهانِ كَوْنُهُ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ وكَوْنُهُ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، وقِيلَ مَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ و(ذِكْرُ) إلَخْ خَبَرُهُ أيِ المُسَمّى بِهِ ذِكْرُ إلَخْ فَإنَّ ذِكْرَ ذَلِكَ لَمّا كانَ مَطْلَعَ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ ومُعْظَمُ ما انْطَوَتْ هي عَلَيْهِ جُعِلَتْ كَأنَّها نَفْسُ ذِكْرِهِ أوِ الإسْنادُ بِاعْتِبارِ الِاشْتِمالِ أوْ هو بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ ذُو ذِكْرٍ إلَخْ أوْ بِتَأْوِيلِ مَذْكُورٍ فِيهِ رَحْمَةُ رَبِّكَ، وعَلى القَوْلِ بِأنَّهُ اسْمٌ لِلْقُرْآنِ قِيلَ المُرادُ بِالقُرْآنِ ما يُصَدَّقُ عَلى البَعْضِ ويُرادُ بِهِ السُّورَةُ والإعْرابُ هو الإعْرابُ، وحِينَئِذٍ لا تَقابُلَ بَيْنَ القَوْلَيْنِ. وقِيلَ المُرادُ ما هو الظّاهِرُ وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ (ذِكْرُ) إلَخْ والإسْنادُ بِاعْتِبارِ الِاشْتِمالِ أوِ التَّقْدِيرِ أوِ التَّأْوِيلِ وقَوْلُهُ تَعالى (عَبْدَهُ) مَفْعُولٌ لِرَحْمَةِ رَبِّكَ عَلى أنَّها مَفْعُولٌ لِما أُضِيفَ إلَيْهِ وهو مَصْدَرٌ مُضافٌ لِفاعِلِهِ مَوْضُوعٌ هَكَذا بِالتّاءِ لا أنَّها لِلْوَحْدَةِ حَتّى تُمْنَعَ مِنَ العَمَلِ لِأنَّ صِيغَةَ الوَحْدَةِ لَيْسَتِ الصِّيغَةَ الَّتِي اشْتُقَّ مِنها الفِعْلُ ولا الفِعْلُ دالٌّ عَلى الوَحْدَةِ فَلا يَعْمَلُ المَصْدَرُ لِذَلِكَ عَمَلَ الفِعْلِ إلّا شُذُوذًا كَما نَصَّ عَلَيْهِ النُّحاةُ، وقِيلَ مَفْعُولٌ لِلذِّكْرِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ أُضِيفَ إلى فاعِلِهِ عَلى الِاتِّساعِ، ومَعْنى ذِكْرِ الرَّحْمَةِ بُلُوغُها وإصابَتُها كَما يُقالُ ذَكَرَنِي مَعْرُوفُكَ أيْ بَلَغَنِي، وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ (زَكَرِيّا) بَدَلٌ مِنهُ بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ أوْ عَطْفُ بَيانٍ لَهُ أوْ نُصِبَ بِإضْمارِ أعْنِي. وقَوْلُهُ تَعالى شَأْنُهُ (إذْ) نادى (رَبَّهُ) ظَرْفٌ لِرَحْمَةِ رَبِّكَ وقِيلَ لِـ (ذِكْرُ) عَلى أنَّهُ مُضافٌ لِفاعِلِهِ لا عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ لِفَسادِ المَعْنى وقِيلَ: هو بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن (زَكَرِيّا) كَما قَوْلُهُ تَعالى ﴿واذْكُرْ في الكِتابِ مَرْيَمَ إذِ انْتَبَذَتْ مِن أهْلِها مَكانًا شَرْقِيًّا﴾ .
وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ يَعْمُرَ كَما حَكاهُ أبُو الفَتْحِ (ذَكَرَ) فِعْلًا ماضِيًا مُشَدَّدًا و( رَحْمَةَ ) بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ كَما في البَحْرِ مَفْعُولٌ ثانٍ لِذَكَرَ والمَفْعُولُ الأوَّلُ مَحْذُوفٌ و( عَبْدَهُ ) مَفْعُولٌ لِرَحْمَةٍ وفاعِلُ (ذَكَرَ) ضَمِيرُ القُرْآنِ المَعْلُومُ مِنَ السِّياقِ أيْ ذَكَرَ القُرْآنُ النّاسَ أنْ رَحِمَ سُبْحانَهُ عَبْدَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ فاعِلُ (ذَكَرَ) ضَمِيرَ كهيعص بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ مِنهُ القُرْآنُ ويَكُونُ مُبْتَدَأً والجُمْلَةُ خَبَرُهُ، وأنْ يَكُونَ الفاعِلُ ضَمِيرُهُ عَزَّ وجَلَّ أيْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى النّاسَ ذَلِكَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ﴿رَحْمَتِ رَبِّكَ﴾ مَفْعُولًا ثانِيًا والمَفْعُولُ الأوَّلُ هو (عَبْدَهُ) والفاعِلُ ضَمِيرُهُ سُبْحانَهُ أيْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى عَبْدَهُ رَحْمَتَهُ أيْ جَعَلَ العَبْدَ يَذْكُرُ رَحْمَتَهُ، وإعْرابُ (زَكَرِيّا) كَما مَرَّ، وجُوِّزَ أنْ
صفحة 59
يَكُونَ مَفْعُولًا لِرَحْمَةٍ والمُرادُ بِعَبْدِهِ الجِنْسُ كَأنَّهُ قِيلَ ذِكْرُ عِبادِهِ رَحْمَتَهَ زَكَرِيّا وهو كَما تَرى، ويَجُوزُ عَلى هَذا أنْ يَكُونَ الفاعِلُ ضَمِيرَ القُرْآنِ، وقِيلَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ ضَمِيرَهُ تَعالى والرَّحْمَةُ مَفْعُولًا أوَّلًا و( عَبْدَهُ ) مَفْعُولًا ثانِيًا ويَرْتَكِبُ المَجازَ أيْ جَعَلَ اللَّهُ تَعالى الرَّحْمَةَ ذاكِرَةً عَبْدَهُ، وقِيلَ ( رَحْمَةَ ) نُصِبَ بِنَزْعِ الخافِضِ أيْ ذِكْرٌ بِرَحْمَةِ، وذَكَرَ الدّانِيُّ عَنْ أبِي يَعْمُرَ أنَّهُ قَرَأ ( ذِكْرُ ) عَلى الأمْرِ والتَّشْدِيدِ و( رَحْمَةَ ) بِالنَّصْبِ أيْ ذَكَرَ النّاسُ رَحْمَةَ أوْ بِرَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيّا.
وقَرَأ الكَلْبِيُّ ( ذَكَرَ ) فِعْلًا ماضِيًا خَفِيفًا و( رَحْمَةَ رَبِّكَ ) بِالنَّصْبِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِذَكَرَ و( عَبْدُهُ ) بِالرَّفْعِ عَلى الفاعِلِيَّةِ لَهُ. وزَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ مِن ولَدِ سُلَيْمانَ بْنِ داوُدَ عَلَيْهِما السَّلامُ، وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ آخِرُ أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ وهو ابْنُ آزَرَ بْنِ مُسْلِمٍ مِن ذُرِّيَّةِ يَعْقُوبَ، وأخْرَجَ إسْحاقُ بْنُ بِشْرٍ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ ابْنُ دانَ وكانَ مِن أبْناءِ الأنْبِياءِ الَّذِينَ يَكْتُبُونَ الوَحْيَ في بَيْتِ المَقْدِسِ، وأخْرَجَ أحْمَدُ وأبُو يَعْلى والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ «عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ نَجّارًا» .
وجاءَ في اسْمِهِ خَمْسُ لُغاتٍ أوَّلُها المَدُّ وثانِيها القَرُّ وقُرِئَ بِهِما في السَّبْعِ، وثالِثُها زَكَرِيٌّ بِتَشْدِيدِ الياءِ. ورابِعُها زَكْرِي بِتَخْفِيفِها وخامِسُها زَكَرٌ كَقَلَمٍ وهو اسْمٌ أعْجَمِيٌّ، والنِّداءُ في الأصْلِ رَفْعُ الصَّوْتِ وظُهُورُهُ، وقَدْ يُقالُ لِمُجَرَّدِ الصَّوْتِ بَلْ لِكُلِّ ما يَدُلُّ عَلى شَيْءٍ، وإنْ لَمْ يَكُنْ صَوْتًا عَلى ما حَقَّقَهُ الرّاغِبُ، والمُرادُ هُنا إذْ دَعا رَبَّهُ ﴿نِداءً﴾ أيْ: دُعاءً ﴿خَفِيًّا﴾ مَسْتُورًا عَنِ النّاسِ لَمْ يَسْمَعْهُ أحَدٌ مِنهم حَيْثُ لَمْ يَكُونُوا حاضِرِيهِ وكانَ ذَلِكَ عَلى ما قِيلَ في جَوْفِ اللَّيْلِ، وإنَّما أخْفى دُعاءَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّهُ أدْخَلُ في الإخْلاصِ وأبْعَدُ عَنِ الرِّياءِ وأقْرَبُ إلى الخَلاصِ عَنْ لائِمَةِ النّاسِ عَلى طَلَبِ الوَلَدِ لِتَوَقُّفِهِ عَلى مَبادِئَ لا يَلِيقُ بِهِ تَعاطِيها في أوانِ الكِبَرِ والشَّيْخُوخَةِ وعَنْ غائِلَةِ مَوالِيهِ، وعَلى ما ذَكَرْنا لا مُنافاةَ بَيْنَ النِّداءِ وكَوْنِهِ خَفِيًّا بَلْ لا مُنافاةَ بَيْنَهُما أيْضًا إذا فُسِّرَ النِّداءُ بِرَفْعِ الصَّوْتِ لِأنَّ الخَفاءَ غَيْرُ الخُفُوتِ، ومَن رَفَعَ صَوْتَهُ في مَكانٍ لَيْسَ بِمَرْأًى ولا مَسْمَعٍ مِنَ النّاسِ فَقَدْ أخْفاهُ، وقِيلَ: هو مَجازٌ عَنْ عَدَمِ الرِّياءِ أيِ الإخْلاصِ ولَمْ يُنافِهِ النِّداءُ بِمَعْنى رَفْعِ الصَّوْتِ لِهَذا.
وفِي الكَشْفِ أنَّهُ الأشْبَهُ أنَّهُ كِنايَةٌ مَعَ إرادَةِ الحَقِيقَةِ لِأنَّ الخَفاءَ في نَفْسِهِ مَطْلُوبٌ أيْضًا لَكِنَّ المَقْصُودَ بِالذّاتِ الإخْلاصُ، وقِيلَ مَسْتُورًا عَنِ النّاسِ بِالمُخافَتَةِ، ولا مُنافاةَ بِناءً عَلى ارْتِكابِ المَجازِ أوْ بِناءً عَلى أنَّ النِّداءَ لا يَلْزَمُهُ رَفْعُ الصَّوْتِ ولِذا قِيلَ: يا مَن يُنادِي بِالضَّمِيرِ فَيَسْمَعُ وكانَ نِداؤُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كَذَلِكَ لِما مَرَّ آنِفًا أوْ لِضَعْفِ صَوْتِهِ بِسَبَبِ كِبَرِهِ كَما قِيلَ: الشَّيْخُ صَوْتُهُ خِفاتٌ وسَمْعُهُ تاراتٌ، قِيلَ: كانَ سِنُّهُ حِينَئِذٍ سِتِّينَ سَنَةً، وقِيلَ خَمْسًا وسِتِّينَ، وقِيلَ سَبْعِينَ، وقِيلَ خَمْسًا وسَبْعِينَ، وقِيلَ ثَمانِينَ، وقِيلَ خَمْسًا ثَمانِينَ، وقِيلَ اثْنَتَيْنِ وتِسْعِينَ، وقِيلَ تِسْعًا وتِسْعِينَ، وقِيلَ مِائَةً وعِشْرِينَ وهو أوْفَقُ بِالتَّعْلِيلِ المَذْكُورِ.
وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ أُشِيرَ إلى كَوْنِ النِّداءِ خَفِيًّا لَيْسَ فِيهِ رَفْعٌ بِحَذْفِ حَرْفِهِ في قَوْلِهِ تَعالى
19:4Page 305
قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ ٱلۡعَظۡمُ مِنِّي وَٱشۡتَعَلَ ٱلرَّأۡسُ شَيۡبٗا وَلَمۡ أَكُنۢ بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيّٗا ٤
He said, "My Lord, indeed my bones have weakened, and my head has filled1 with white, and never have I been in my supplication to You, my Lord, unhappy [i.e., disappointed].
﴿قالَ رَبِّ﴾ والجُمْلَةُ تَفْسِيرٌ لِلنِّداءِ وبَيانٌ لِكَيْفِيَّتِهِ فَلا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ ﴿إنِّي وهَنَ العَظْمُ مِنِّي﴾ أيْ: ضَعُفَ، وإسْنادُ ذَلِكَ إلى العَظْمِ لِما أنَّهُ عِمادُ البَدَنِ ودِعامُ الجَسَدِ فَإذا أصابَهُ الضَّعْفُ والرَّخاوَةُ تَداعى ما وراءَهُ وتَساقَطَتْ قُوَّتُهُ، فَفي الكَلامِ كِنايَةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلى تَشْبِيهٍ مُضْمَرٍ في النَّفْسِ أوْ لِأنَّهُ أشَدُّ أجْزائِهِ صَلابَةً وقِوامًا وأقَلُّها تَأثُّرًا مِنَ العِلَلِ فَإذا وهَنَ كانَ ما وراءَهُ أوْهَنَ، فَفي الكَلامِ كِنايَةٌ بِلا تَشْبِيهٍ، وأفْرَدَ- عَلى ما قالَهُ العَلّامَةُ الزَّمَخْشَرِيُّ وارْتَضاهُ
صفحة 60
كَثِيرٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ- لِأنَّ المُفْرَدَ هو الدّالُّ عَلى مَعْنى الجِنْسِيَّةِ، والقَصْدُ إلى أنَّ هَذا الجِنْسَ الَّذِي هو العَمُودُ والقِوامُ، وأشَدُّ ما تَرَكَّبَ مِنهُ الجَسَدُ قَدْ أصابَهُ الوَهَنُ ولَوْ جُمِعَ لَكانَ القَصْدُ إلى مَعْنًى آخَرَ وهو أنَّهُ لَمْ يَهِنْ مِنهُ بَعْضُ عِظامِهِ ولَكِنْ كُلُّها حَتّى كَأنَّهُ وقَعَ مِن سامِعٍ شَكَّ في الشُّمُولِ والإحاطَةِ لِأنَّ القَيْدَ في الكَلامِ ناظِرٌ إلى نَفْيِ ما يُقابِلُهُ، وهَذا غَيْرُ مُناسِبٍ لِلْمَقامِ، وقالَ السَّكّاكِيُّ: إنَّهُ تَرَكَ جَمْعَ (العَظْمُ) إلى الإفْرادِ لِطَلَبِ شُمُولِ الوَهْنِ العِظامَ فَرْدًا فَرْدًا ولَوْ جَمْعٌ لَمْ يَتَعَيَّنْ ذَلِكَ لِصِحَّةِ وهَنَتِ العِظامُ عِنْدَ حُصُولِ الوَهَنِ لِبَعْضٍ مِنها دُونَ كُلِّ فَرْدٍ وهو مَسْلَكٌ آخَرُ مَرْجُوحٌ عِنْدَ الكَثِيرِ وتَحْقِيقُ ذَلِكَ في مَوْضِعِهِ، وعَنْ قَتادَةَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ اشْتَكى سُقُوطَ الأضْراسِ ولا يَخْفى أنَّ هَذا يَحْتاجُ إلى خَبَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ فَإنَّ انْفِهامَهُ مِنَ الآيَةِ مِمّا لا يَكادُ يُسَلَّمُ، و(مِنِّي) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِنَ العَظْمِ، ولَمْ يَقُلْ- عَظْمِي- مَعَ أنَّهُ أخْصَرُ لِما في ذَلِكَ مِنَ التَّفْصِيلِ بَعْدَ الإجْمالِ ولِأنَّهُ أصْرَحُ في الدَّلالَةِ عَلى الجِنْسِيَّةِ المَقْصُودَةِ هُنا، وتَأْكِيدُ الجُمْلَةِ لِإبْرازِ كَمالِ الِاعْتِناءِ بِتَحْقِيقِ مَضْمُونِها.
وقَرَأ الأعْمَشُ ( وهِنَ ) بِكَسْرِ الهاءِ، وقُرِئَ بِضَمِّها أيْضًا ﴿واشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ شَبَّهَ الشَّيْبَ في البَياضِ والإنارَةِ بِشُواظِ النّارِ وانْتِشارَهُ في الشِّعْرِ وفُشُوَّهُ فِيهِ وأخْذَهُ مِنهُ كُلَّ مَأْخَذٍ بِاشْتِعالِها، ثُمَّ أخْرَجَهُ مَخْرَجَ الِاسْتِعارَةِ، فَفي الكَلامِ اسْتِعارَتانِ تَصْرِيحِيَّةٌ تَبَعِيَّةٌ في (اشْتَعَلَ) ومَكْنِيَّةٌ في الشَّيْبِ، وانْفِكاكُها عَنِ التَّخْيِيلِيَّةِ مِمّا عَلَيْهِ المُحَقِّقُونَ مِن أهْلِ المَعانِي عَلى أنَّهُ يُمْكِنُ عَلى بُعْدِ القَوْلِ بِوُجُودِ التَّخْيِيلِيَّةِ هُنا أيْضًا. وتَكَلَّفَ بَعْضُهم لِزَعْمِهِ عَدَمَ جَوازِ الِانْفِكاكِ وعَدَمَ ظُهُورِ وُجُودِ التَّخْيِيلِيَّةِ إخْراجَ ما في الآيَةِ مَخْرَجَ الِاسْتِعارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ ولَيْسَ بِذاكَ، وأسْنَدَ الِاشْتِعالَ إلى مَحَلِّ الشَّعْرِ ومَنبَتِهِ وأخْرَجَ مَخْرَجَ التَّمْيِيزِ لِلْمُبالَغَةِ وإفادَةِ الشُّمُولِ، فَإنَّ إسْنادَ مَعْنًى إلى ظَرْفٍ ما اتَّصَفَ بِهِ زَمانِيًّا أوْ مَكانِيًّا يُفِيدُ عُمُومَ مَعْناهُ لِكُلِّ ما فِيهِ في عُرْفِ التَّخاطُبِ فَقَوْلُكَ: اشْتَعَلَ بَيْتُهُ نارًا يُفِيدُ احْتِراقَ جَمِيعِ ما فِيهِ دُونَ اشْتَعَلَ نارُ بَيْتِهِ.
وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ (شَيْبًا) نُصِبَ عَلى المَصْدَرِيَّةِ لِأنَّ مَعْنى (اشْتَعَلَ الرَّأْسُ) شابَ، وقِيلَ هو حالٌ أيْ شائِبًا وكِلا القَوْلَيْنِ لا يَرْتَضِيهِما كامِلٌ كَما لا يَخْفى، واكْتَفى بِاللّامِ عَنِ الإضافَةِ لِأنَّ تَعْرِيفَ العَهْدِ المَقْصُودِ هُنا يُفِيدُ ما تُفِيدُهُ، ولِمّا كانَ تَعْرِيفُ (العَظْمُ) السّابِقِ لِلْجِنْسِ كَما عَلِمْتَ لَمْ يَكْتَفِ بِهِ وزادَ قَوْلَهُ (مِنِّي) وبِالجُمْلَةِ ما أفْصَحَ هَذِهِ الجُمْلَةَ وأبْلَغَها، ومِنها أخَذَ ابْنُ دُرَيْدٍ قَوْلَهُ:
واشْتَعَلَ المَبِيضُ في مُسَوَّدِهِ مِثْلَ اشْتِعالِ النّارِ في جَزْلِ الغَضاءِ
وعَنْ أبِي عَمْرٍو أنَّهُ أدْغَمَ السِّينَ في الشِّينِ ﴿ولَمْ أكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ أيْ: لَمْ أكُنْ بِدُعائِي إيّاكَ خائِبًا في وقْتٍ مِن أوْقاتِ هَذا العُمْرِ الطَّوِيلِ بَلْ كُلَّما دَعَوْتُكَ اسْتَجَبْتَ لِي، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها، وقِيلَ حالٌ مِن ياءِ المُتَكَلِّمِ إذِ المَعْنى واشْتَعَلَ رَأْسِي وهو غَرِيبٌ، وهَذا تَوَسُّلٌ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِما سَلَفَ مِنهُ تَعالى مِنَ الِاسْتِجابَةِ عِنْدَ كُلِّ دَعْوَةٍ إثْرِ تَمْهِيدِ ما يَسْتَدْعِي الرَّحْمَةَ مِن كِبَرِ السِّنِّ وضَعْفِ الحالِ فَإنَّهُ تَعالى بَعْدَ ما عَوَّدَ عَبْدَهُ الإجابَةَ دَهْرًا طَوِيلًا لا يَكادُ يُخَيِّبُهُ أبَدًا لا سِيَّما عِنْدَ اضْطِرارِهِ وشَدَّةِ افْتِقارِهِ، وفي هَذا التَّوَسُّلِ مِنَ الإشارَةِ إلى عِظَمِ كَرَمِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ما فِيهِ.
وقَدْ حُكِيَ أنَّ حاتِمًا الطّائِيَّ، وقِيلَ مَعْنُ بْنُ زائِدَةَ أتاهُ مُحْتاجٌ فَسَألَهُ وقالَ: أنا الَّذِي أحْسَنْتَ إلَيْهِ وقْتَ كَذا فَقالَ: مَرْحَبًا بِمَن تَوَسَّلَ بِنا إلَيْنا وقَضى حاجَتَهُ، وقِيلَ المَعْنى ولَمْ أكُنْ بِدُعائِكَ إيّايَ إلى الطّاعَةِ شَقِيًّا بَلْ
صفحة 61
كُنْتُ مِمَّنْ أطاعَكَ وعَبَدَكَ مُخْتَصًّا فالكافُ عَلى هَذا فاعِلٌ والأوَّلُ أظْهَرُ وأوْلى ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، والتَّعَرُّضُ في المَوْضِعَيْنِ لِوَصْفِ الرُّبُوبِيَّةِ المُنْبِئَةِ عَنْ إفاضَةِ ما فِيهِ صَلاحُ المَرْبُوبِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لا سِيَّما تَوْسِيطُهُ بَيْنَ كانَ وخَبَرَها لِتَحْرِيكِ سِلْسِلَةِ الإجابَةِ بِالمُبالَغَةِ في التَّضَرُّعِ.
وقَدْ جاءَ في بَعْضِ الآثارِ أنَّ العَبْدَ إذا قالَ في دُعائِهِ: يا رَبِّ قالَ اللَّهُ تَعالى لَهُ: لَبَّيْكَ عَبْدِي.
ورُوِيَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ يَوْمًا في دُعائِهِ: يا رَبِّ فَقالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَهُ: لَبَّيْكَ يا مُوسى، فَقالَ مُوسى: أهَذا لِي خاصَّةً فَقالَ اللَّهُ تَبارَكَ وتَعالى: لا ولَكِنْ لِكُلِّ مَن يَدْعُونِي بِالرُّبُوبِيَّةِ.، وقِيلَ: إذا أرادَ العَبْدُ أنْ يُسْتَجابَ لَهُ دُعاؤُهُ فَلْيَدْعُ اللَّهَ تَعالى بِما يُناسِبُهُ مِن أسْمائِهِ وصِفاتِهِ عَزَّ وجَلَّ
19:5Page 305
وَإِنِّي خِفۡتُ ٱلۡمَوَٰلِيَ مِن وَرَآءِي وَكَانَتِ ٱمۡرَأَتِي عَاقِرٗا فَهَبۡ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيّٗا ٥
And indeed, I fear the successors1 after me, and my wife has been barren, so give me from Yourself an heir
﴿وإنِّي خِفْتُ المَوالِيَ﴾ هم عُصْبَةُ الرَّجُلِ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما. ومُجاهِدٍ، وعَنِ الأصَمِّ أنَّهم بَنُو العَمِّ وهُمُ الَّذِينَ يَلُونَهُ في النَّسَبِ. وقِيلَ: مَن يَلِي أمْرَهُ مِن ذَوِي قَرابَتِهِ مُطْلَقًا، وكانُوا عَلى سائِرِ الأقْوالِ شِرارَ بَنِي إسْرائِيلَ فَخافَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ لا يُحْسِنُوا خِلافَتَهُ في أُمَّتِهِ، والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿إنِّي وهَنَ العَظْمُ مِنِّي﴾ مُتَرَتِّبٌ مَضْمُونُها عَلى مَضْمُونِهِ فَإنَّ ضَعْفَ القُوى وكِبَرَ السِّنِّ مِن مَبادِئِ خَوْفِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مَن يَلِي أمْرَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ حَسْبَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿مِن ورائِي﴾ فَإنَّ المُرادَ مِنهُ بِإجْماعِ مَن عَلَّمَنا مِنَ المُفَسِّرِينَ مِن بَعْدِ مَوْتِي، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ يَنْساقُ إلَيْهِ الذِّهْنُ أيْ خِفْتُ فِعْلَ المَوالِي مِن ورائِي أوْ جَوْرَ المَوْلى وقَدْ قُرِئَ كَما في إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ كَذَلِكَ، وجُوِّزَ تَعَلُّقُهُ بِالمَوالِي ويَكْفِي في ذَلِكَ وُجُودُ مَعْنى الفِعْلِ فِيهِ في الجُمْلَةِ، فَقَدْ قالُوا: يَكْفِي في تَعَلُّقِ الظَّرْفِ رائِحَةُ الفِعْلِ ولا يُشْتَرَطُ فِيهِ أنْ يَكُونَ دالًّا عَلى الحُدُوثِ كاسْمِ الفاعِلِ والمَفْعُولِ حَتّى يَتَكَلَّفَ لَهُ ويُقالُ: إنَّ اللّامَ في المَوالِي عَلى هَذا مَوْصُولٌ والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِصِلَتِهِ وإنَّ مَوْلى مُخَفَّفُ مُوَلًّى كَما قِيلَ في مَعْنى أنَّهُ مُخَفَّفٌ مَعْنًى فَإنَّهُ تَعَسُّفٌ لا حاجَةَ إلَيْهِ، نَعَمْ قالُوا في حاصِلِ المَعْنى عَلى هَذا: خِفْتُ الَّذِينَ يَلُونَ الأمْرَ مِن ورائِي، ولَمْ يُجَوِّزْ الزَّمَخْشَرِيُّ تَعَلُّقَهُ بِخِفْتُ لِفَسادِ المَعْنى، وبَيَّنَ ذَلِكَ في الكَشْفِ بِأنَّ الجارَّ لَيْسَ صِلَةَ الفِعْلِ لِتَعَدِّيهِ إلى المَحْذُورِ بِلا واسِطَةٍ فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ لِلظَّرْفِيَّةِ عَلى نَحْوِ خِفْتُ الأسَدَ قَبْلَكَ أوْ مِن قَبْلِكَ وحِينَئِذٍ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ الخَوْفُ ثابِتًا بَعْدَ مَوْتِهِ، وفَسادُهُ ظاهِرٌ وبَعْضُهم رَأى جَوازَ التَّعَلُّقِ بِناءً عَلى أنَّ كَوْنَ المَفْعُولِ في ظَرْفٍ مُصَحِّحٍ لِتَعَلُّقِ ذَلِكَ الظَّرْفِ بِفِعْلِهِ كَقَوْلِكَ: رَمَيْتُ الصَّيْدَ في الحَرَمِ إذا كانَ الصَّيْدُ فِيهِ دُونَ رَمْيِكَ والظّاهِرُ عَدَمُ الجَوازِ فافْهَمْ، وقالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: هو حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِنَ (المَوالِيَ) وعَنِ ابْنِ كَثِيرٍ أنَّهُ قَرَأ ( ومِن ورايَ ) بِالقَصْرِ وفَتْحِ الياءِ كَعَصايَ.
وقَرَأ الزَّهْرِيُّ ( المَوالِي ) بِسُكُونِ الياءِ. وقَرَأ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ وابْنُ عَبّاسٍ وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ وعَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ ووَلَداهُ مُحَمَّدٌ وزَيْدٌ وسَعِيدُ بْنُ العاصِ وابْنُ جُبَيْرٍ وأبُو يَعْمُرَ وشُبَيْلُ بْنُ عَزْرَةَ والوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ لِابْنِ عامِرٍ (خَفَّتِ) بِفَتْحِ الخاءِ والفاءِ مُشَدَّدَةً وكَسْرِ تاءِ التَّأْنِيثِ ( المَوالِي ) بِسُكُونِ الياءِ عَلى أنَّ ( خَفَّتِ ) مِنَ الخِفَّةِ ضِدَّ الثِّقَلِ ومَعْنى ﴿مِن ورائِي﴾ كَما تَقَدَّمَ: والمُرادُ وإنِّي قَلَّ المَوالِيَ وعَجَزُوا عَنِ القِيامِ بِأُمُورِ الدِّينِ مِن بَعْدِي أوْ مِنَ الخُفُوفِ بِمَعْنى السَّيْرِ السَّرِيعِ ومَعْنى ﴿مِن ورائِي﴾ مِن قُدّامِي وقَبْلِي، والمُرادُ وإنِّي ماتَ المَوالِي القادِرُونَ عَلى إقامَةِ مَراسِمِ المِلَّةِ ومَصالِحِ الأُمَّةِ وذَهَبُوا قُدّامِي، ولَمْ يَبْقَ مِنهم مَن بِهِ تَقْوى واعْتِضادٌ فَيَكُونُ مُحْتاجًا إلى العَقِبِ لِعَجْزِ مَوالِيهِ عَنِ القِيامِ بَعْدَهُ بِما هو قائِمٌ بِهِ أوْ لِأنَّهم ماتُوا قَبْلَهُ فَبَقِيَ مُحْتاجًا إلى مَن
صفحة 62
يَعْتَضِدُ بِهِ، وتَعَلُّقُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى الوَجْهِ الثّانِي بِالفِعْلِ ظاهِرٌ، وأمّا عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ فَإنْ لُوحِظَ أنَّ عَجْزَهم وقِلَّتَهم سَيَقَعُ بَعْدَهُ لا أنَّهُ واقِعٌ وقْتَ دُعائِهِ صَحَّ تَعَلُّقُهُ بِالفِعْلِ أيْضًا وإنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ تَعَلَّقَ بِغَيْرِ ذَلِكَ.
﴿وكانَتِ امْرَأتِي عاقِرًا﴾ أيْ لا تَلِدُ مِن حِينِ شَبابِها إلى شَيْبِها، فالعَقْرُ بِالفَتْحِ والضَّمِّ العُقْمُ، ويُقالُ عاقِرٌ لِلذَّكَرِ والأُنْثى ﴿فَهَبْ لِي مِن لَدُنْكَ﴾ كِلا الجارَّيْنِ مُتَعَلِّقٌ بِهَبْ واللّامُ صِلَةٌ لَهُ ومِن لِابْتِداءِ الغايَةِ مَجازًا، وتَقْدِيمُ الأوَّلِ لِكَوْنِ مَدْلُولِهِ أهَمَّ عِنْدَهُ، وجُوِّزَ تَعَلُّقُ الثّانِي بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ المَفْعُولِ الآتِي. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في لَدُنْ، والمُرادُ أعْطِنِي مِن مَحْضِ فَضْلِكَ الواسِعِ وقُدْرَتِكَ الباهِرَةِ بِطَرِيقِ الِاخْتِراعِ لا بِواسِطَةِ الأسْبابِ العادِيَّةِ، وقِيلَ المُرادُ أعْطِنِي مِن فَضْلِكَ كَيْفَ شِئْتَ (ولِيًّا) أيْ ولَدًا مِن صُلْبِي وهو الظّاهِرُ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ حِكايَةً عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ وقِيلَ إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ طَلَبَ مَن يَقُومُ مَقامَهُ ويَرِثُهُ ولَدًا كانَ أوْ غَيْرَهُ، وقِيلَ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أيِسَ أنْ يُولَدَ لَهُ مِنِ امْرَأتِهِ فَطَلَبَ مَن يَرِثُهُ ويَقُومُ مَقامَهُ مِن سائِرِ النّاسِ وكِلا القَوْلَيْنِ لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ. وزَعَمَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ ﴿مِن لَدُنْكَ﴾ تَأْكِيدٌ لِكَوْنِهِ ولِيًّا مَرْضِيًّا ولا يَخْفى ما فِيهِ. وتَأْخِيرُ المَفْعُولِ عَنِ الجارَّيْنِ لِإظْهارِ كَمالِ الِاعْتِناءِ بِكَوْنِ الهِبَةِ لَهُ عَلى ذَلِكَ الوَجْهِ البَدِيعِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ التَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ ولِأنَّ فِيهِ نَوْعُ طُولٍ بِما بَعْدَهُ مِنَ الوَصْفِ فَتَأْخِيرُهُما عَنِ الكُلِّ وتَوْسِيطُهُما بَيْنَ المَوْصُوفِ والصِّفَةِ مِمّا لا يَلِيقُ بِجَزالَةِ النَّظْمِ الكَرِيمِ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها فَإنَّ ما ذَكَرَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن كِبَرِ السِّنِّ وضَعْفِ القُوى وعُقْرِ المَرْأةِ مُوجِبٌ لِانْقِطاعِ رَجائِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ حُصُولِ الوَلَدِ بِتَوَسُّطِ الأسْبابِ العادِيَّةِ واسْتِيهابِهِ عَلى الوَجْهِ الخارِقِ لِلْعادَةِ.
وقِيلَ لِأنَّ ذَلِكَ مُوجِبٌ لِانْقِطاعِ رَجائِهِ عَنْ حُصُولِ الوَلَدِ مِنها وهي في تِلْكَ الحالِ واسْتِيهابِهِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي يَشاؤُهُ اللَّهُ تَعالى، وهو مَبْنِيٌّ عَلى القَوْلِ الثّانِي في المُرادِ مِن ﴿فَهَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ولِيًّا﴾ والأوَّلُ أوْلى.
ولا يَقْدَحُ فِيما ذُكِرَ أنْ يَكُونَ هُناكَ داعٍ آخَرُ إلى الإقْبالِ عَلى الدُّعاءِ مِن مُشاهَدَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِلْخَوارِقِ الظّاهِرَةِ في حَقِّ مَرْيَمَ كَما يُعْرِبُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿هُنالِكَ دَعا زَكَرِيّا رَبَّهُ﴾ الآيَةَ. وعَدَمُ ذِكْرِهِ هاهُنا لِلتَّعْوِيلِ عَلى ما ذُكِرَ هُنالِكَ كَما أنَّ عَدَمَ ذِكْرِ مُقَدِّمَةِ الدُّعاءِ هُنالِكَ لِلِاكْتِفاءِ بِذِكْرِها هاهُنا، والِاكْتِفاءُ بِما ذُكِرَ في مَوْطِنٍ عَمّا تُرِكَ في مَوْطِنٍ آخَرَ مِنَ السُّنَنِ التَّنْزِيلِيَّةِ،
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences