Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Maryam 19:35–44
19:35Page 307
مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٖۖ سُبۡحَٰنَهُۥٓۚ إِذَا قَضَىٰٓ أَمۡرٗا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ٣٥
It is not [befitting] for Allāh to take a son; exalted is He!1 When He decrees an affair, He only says to it, "Be," and it is.
﴿ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ سُبْحانَهُ﴾ أيْ: ما صَحَّ وما اسْتَقامَ لَهُ جَلَّ شَأْنُهُ اتِّخاذُ ذَلِكَ وهو تَكْذِيبٌ لِلنَّصارى وتَنْزِيهٌ لَهُ عَزَّ وجَلَّ عَمّا افْتَرَوْهُ عَلَيْهِ تَبارَكَ وتَعالى وقَوْلُهُ جَلَّ وعَلا ﴿إذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ تَبْكِيتٌ لَهُ بِبَيانِ أنَّ شَأْنَهُ تَعالى شَأْنُهُ إذا قَضى أمْرًا مِنَ الأُمُورِ أنْ يُوجَدَ بِأسْرَعِ وقْتٍ، فَمَن يَكُونُ هَذا شَأْنَهُ كَيْفَ يُتَوَهَّمُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ وهو مِن أماراتِ الِاحْتِياجِ والنَّقْصِ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ( فَيَكُونَ ) بِالنَّصْبِ عَلى الجَوابِ.
19:36Page 307
وَإِنَّ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمۡ فَٱعۡبُدُوهُۚ هَٰذَا صِرَٰطٞ مُّسۡتَقِيمٞ ٣٦
[Jesus said], "And indeed, Allāh is my Lord and your Lord, so worship Him. That is a straight path."
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وإنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ﴾ عَطْفٌ عَلى ما قالَ الواحِدِيُّ عَلى قَوْلِهِ ﴿إنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ فَهو مِن تَمامِ قَوْلِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ تَقْرِيرًا لِمَعْنى العُبُودِيَّةِ، والآيَتانِ مُعْتَرِضَتانِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما. وقَرَأ أُبَيٌّ بِغَيْرِ واوٍ.
والظّاهِرُ أنَّهُ عَلى هَذا بِتَقْدِيرِ القَوْلِ خِطابًا لِسَيِّدِ المُخاطَبِينَ ﷺ أيْ قُلْ يا مُحَمَّدُ: إنَّ اللَّهَ إلَخْ. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ وأبُو عَمْرٍو وأنَّ بِالواوِ وفَتْحِ الهَمْزَةِ وخَرَّجَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ عَلى حَذْفِ حَرْفِ الجَرِّ وتَعَلُّقِهِ بِاعْبُدُوهُ أيْ ولِأنَّهُ تَعالى رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أحَدًا﴾ وهو قَوْلُ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ.
وأجازَ الفَرّاءُ أنْ يَكُونَ إنَّ وما بَعْدَها في تَأْوِيلِ مَصْدَرٍ عَطْفًا عَلى (الزَّكاةِ) أيْ وأوْصانِي بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ وبِأنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكم إلَخْ. وأجازَ الكِسائِيُّ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ والأمْرُ أنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكم.
وحَكى أبُو عُبَيْدَةَ عَنْ أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ أنَّهُ عَطْفٌ عَلى (أمْرًا) مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿إذا قَضى أمْرًا﴾ أيْ: إذْ قَضى أمْرًا وقَضى أنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكم وهو تَخْبِيطٌ في الإعْرابِ فَلَعَلَّهُ لا يَصِحُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو فَإنَّهُ مِنَ الجَلالَةِ في عِلْمِ النَّحْوِ بِمَكانٍ، وقِيلَ: إنَّهُ عَطْفٌ عَلى الكِتابِ، وأكْثَرُ الأقْوالِ كَما تَرى. وفي حِرَفِ أُبَيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أيْضًا وبِأنَّ بِالواوِ وباءِ الجَرِّ وخَرَّجَهُ بَعْضُهم بِالعَطْفِ عَلى الصَّلاةِ أوِ الزَّكاةِ وبَعْضُهم بِأنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِاعْبُدُوهُ أيْ بِسَبَبِ ذَلِكَ فاعْبُدُوهُ، والخِطابُ إمّا لِمُعاصِرِي عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وإمّا لِمُعاصِرِي نَبِيِّنا ﷺ (هَذا) أيْ ما ذُكِرَ مِنَ التَّوْحِيدِ ﴿صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ لا يَضِلُّ سالِكُهُ،
19:37Page 307
فَٱخۡتَلَفَ ٱلۡأَحۡزَابُ مِنۢ بَيۡنِهِمۡۖ فَوَيۡلٞ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن مَّشۡهَدِ يَوۡمٍ عَظِيمٍ ٣٧
Then the factions differed [concerning Jesus] from among them, so woe to those who disbelieved - from the scene of a tremendous Day.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فاخْتَلَفَ الأحْزابُ مِن بَيْنِهِمْ﴾ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها تَنْبِيهًا عَلى سُوءِ صَنِيعِهِمْ بِجَعْلِهِمْ ما يُوجِبُ الِاتِّفاقَ مَنشَأً لِلِاخْتِلافِ فَإنَّ ما حُكِيَ مِن مَقالاتِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ كَوْنِها نُصُوصًا قاطِعَةً في كَوْنِهِ عَبْدَ اللَّهِ تَعالى ورَسُولَهُ قَدِ اخْتَلَفَ اليَهُودُ والنَّصارى بِالتَّفْرِيطِ والإفْراطِ، فالمُرادُ بِالأحْزابِ اليَهُودُ والنَّصارى وهو المَرْوِيُّ عَنِ الكَلْبِيِّ، ومَعْنى ﴿مِن بَيْنِهِمْ﴾ أنَّ الِاخْتِلافَ لَمْ يَخْرُجْ عَنْهم بَلْ كانُوا هُمُ المُخْتَلِفِينَ، و( بَيْنَ ) ظَرْفٌ اسْتُعْمِلَ اسْمًا بِدُخُولِ مِن عَلَيْهِ.
ونُقِلَ في البَحْرِ القَوْلُ بِزِيادَةِ مِن. وحَكى أيْضًا القَوْلَ بِأنَّ البَيْنَ هُنا بِمَعْنى البُعْدِ أيِ اخْتَلَفُوا فِيهِ لِبُعْدِهِمْ عَنِ الحَقِّ فَتَكُونُ سَبَبِيَّةً ولا يَخْفى بُعْدُهُ، وقِيلَ: المُرادُ بِالأحْزابِ فِرَقُ النَّصارى فَإنَّهُمُ اخْتَلَفُوا بَعْدَ رَفْعِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ فِيهِ فَقالَ: نَسْطُورُ هو ابْنُ اللَّهِ تَعالى عَنْ ذَلِكَ أظْهَرَهُ ثُمَّ رَفَعَهُ، وقالَ يَعْقُوبُ: هو اللَّهُ تَعالى هَبَطَ ثُمَّ صَعِدَ وقالَ مَلَكًا: هو عَبْدُ اللَّهِ تَعالى ونَبِيُّهُ، وفي المِلَلِ والنِّحَلِ أنَّ المَلْكانِيَّةَ قالُوا: إنَّ الكَلِمَةَ يَعْنِي أُقْنُومَ العِلْمِ اتَّحَدَتْ بِالمَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلامُ وتَدَرَّعَتْ بِناسُوتِهِ.
وقالُوا أيْضًا: إنَّ المَسِيحَ عَلَيْهِ السَّلامُ ناسُوتٌ كُلِّيٌّ لا جُزْئِيٌّ وهو قَدِيمٌ وقَدْ ولَدَتْ مَرْيَمُ إلَهًا قَدِيمًا أزَلِيًّا،
صفحة 93
والقَتْلُ والصَّلْبُ وقَعَ عَلى النّاسُوتِ واللّاهُوتِ مَعًا، وقَدْ قُمْنا مِن أمْرِ النَّصارى ما فِيهِ كِفايَةٌ فَلْيُتَذَكَّرْ، وقِيلَ المُرادُ بِهِمُ المُسْلِمُونَ واليَهُودُ والنَّصارى.
وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُمُ الَّذِينَ تَحَزَّبُوا عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا قُصَّ عَلَيْهِمْ قِصَّةُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ اخْتَلَفُوا فِيهِ مِن بَيْنِ النّاسِ، قِيلَ: إنَّهم مُطْلَقُ الكُفّارِ فَيَشْمَلُ اليَهُودَ والنَّصارى والمُشْرِكِينَ الَّذِينَ كانُوا في زَمَنِ نَبِيِّنا ﷺ وغَيْرَهُمْ، ورَجَّحَهُ الإمامُ بِأنَّهُ لا مُخَصَّصَ فِيهِ، ورَجَّحَ القَوْلَ بِأنَّهم أهْلُ الكِتابِ بِأنَّ ذِكْرَ الِاخْتِلافِ عَقِيبَ قِصَّةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ يَقْتَضِي ذَلِكَ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فالمُرادُ بِهِمُ الأحْزابُ المُخْتَلِفُونَ، وعَبَّرَ عَنْهم بِذَلِكَ إيذانًا بِكُفْرِهِمْ جَمِيعًا وإشْعارًا بِعِلَّةِ الحُكْمِ، وإذا قِيلَ بِدُخُولِ المُسْلِمِينَ أوِ المَلْكانِيَّةِ وقِيلَ: إنَّهم قالُوا بِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَبْدُ اللَّهِ ونَبِيُّهُ في الأحْزابِ، فالمُرادُ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُ الأحْزابِ أيْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينِ كَفَرُوا مِنهم ﴿مِن مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ أيْ: مِن مَشْهُودِ يَوْمٍ عَظِيمِ الهَوْلِ والحِسابِ والجَزاءِ وهو يَوْمُ القِيامَةِ أوْ مِن وقْتِ شُهُودِهِ أوْ مَكانِ الشُّهُودِ فِيهِ أوْ مِن شَهادَةِ ذَلِكَ اليَوْمِ عَلَيْهِمْ وهو أنْ تَشْهَدَ المَلائِكَةُ والأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلَيْهِمْ وألْسِنَتُهم وسائِرُ جَوارِحِهِمْ بِالكُفْرِ والفُسُوقِ أوْ مِن وقْتِ الشَّهادَةِ أوْ مِن مَكانِها.
وقِيلَ: هو ما شَهِدُوا بِهِ في حَقِّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وأُمِّهِ وعِظَمِهِ لِعِظَمِ ما فِيهِ أيْضًا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِن أفْواهِهِمْ﴾ . وقِيلَ هو يَوْمُ قَتْلِ المُؤْمِنِينَ حِينَ اخْتَلَفَ الأحْزابُ وهو كَما تَرى. والحَقُّ أنَّ المُرادَ بِذَلِكَ اليَوْمِ يَوْمُ القِيامَةِ
19:38Page 307
أَسۡمِعۡ بِهِمۡ وَأَبۡصِرۡ يَوۡمَ يَأۡتُونَنَا لَٰكِنِ ٱلظَّٰلِمُونَ ٱلۡيَوۡمَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ ٣٨
How [clearly] they will hear and see the Day they come to Us, but the wrongdoers today are in clear error.
﴿أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ﴾ تَعْجِيبٌ مِن حِدَّةِ سَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ يَوْمَئِذٍ. ومَعْناهُ أنَّ أسْماعَهم وأبْصارَهم ﴿يَوْمَ يَأْتُونَنا﴾ لِلْحِسابِ والجَزاءِ أيْ يَوْمَ القِيامَةِ جَدِيرٌ بِأنْ يُتَعَجَّبَ مِنهُما بَعْدَ أنْ كانُوا في الدُّنْيا صُمًّا وعُمْيًا.
ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ وقالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى: هو وعِيدٌ وتَهْدِيدٌ أيْ سَوْفَ يَسْمَعُونَ ما يَخْلَعُ قُلُوبَهم ويُبْصِرُونَ ما يُسَوِّدُ وُجُوهَهم وعَنْ أبِي العالِيَةِ أنَّهُ أمْرُ حَقِيقَةٍ لِلرَّسُولِ ﷺ بِأنْ يُسْمِعَهم ويُبْصِرَهم مَواعِيدَ ذَلِكَ اليَوْمِ وما يَحِيقُ بِهِمْ فِيهِ. والجارُّ والمَجْرُورُ عَلى الأوَّلَيْنِ في مَوْضِعِ الرَّفْعِ عَلى القَوْلِ المَشْهُورِ. وعَلى الأخِيرِ في مَحَلِّ نَصْبٍ لِأنَّ (أسْمِعْ) أمْرٌ حَقِيقِيٌّ وفاعِلُهُ مُسْتَتِرٌ وُجُوبًا. وقِيلَ: في التَّعَجُّبِ أيْضًا إنَّهُ كَذَلِكَ. والفاعِلُ ضَمِيرُ المَصْدَرِ ﴿لَكِنِ الظّالِمُونَ اليَوْمَ﴾ أيْ في الدُّنْيا ﴿فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ لا يُدْرِكُ غايَتَهُ حَيْثُ أغْفَلُوا الِاسْتِماعَ والنَّظَرَ بِالكُلِّيَّةِ. ووَضَعَ الظّالِمِينَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلْإيذانِ بِأنَّهم في ذَلِكَ ظالِمُونَ لِأنْفُسِهِمْ.
والِاسْتِدْراكُ عَلى ما نُقِلَ عَنْ أبِي العالِيَةِ يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾،
19:39Page 308
وَأَنذِرۡهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡحَسۡرَةِ إِذۡ قُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ وَهُمۡ فِي غَفۡلَةٖ وَهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ ٣٩
And warn them, [O Muḥammad], of the Day of Regret, when the matter will be concluded;1 and [yet], they are in [a state of] heedlessness, and they do not believe.
(وأنْذِرْهُمْ) أيِ: الظّالِمِينَ عَلى ما هو الظّاهِرُ. وقالَ أبُو حَيّانَ: الضَّمِيرُ لِجَمِيعِ النّاسِ أيْ خَوِّفْهم ﴿يَوْمَ الحَسْرَةِ﴾ يَوْمَ يَتَحَسَّرُ الظّالِمُونَ عَلى ما فَرَّطُوا في جَنْبِ اللَّهِ تَعالى. وقِيلَ: النّاسُ قاطِبَةً، وتَحَسُّرُ المُحْسِنِينَ عَلى قِلَّةِ إحْسانِهِمْ ﴿إذْ قُضِيَ الأمْرُ﴾ أيْ فُرِغَ مِنَ الحِسابِ وذَهَبَ أهْلُ الجَنَّةِ إلى الجَنَّةِ وأهْلُ النّارِ إلى النّارِ وذُبِحَ المَوْتُ ونُودِيَ كُلٌّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ بِالخُلُودِ.
وعَنِ السُّدِّيِّ وابْنِ جُرَيْجٍ الِاقْتِصارُ عَلى ذَبْحِ المَوْتِ وكانَ ذَلِكَ لِما رَوى الشَّيْخانِ والتِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ( يُؤْتى بِالمَوْتِ كَهَيْئَةِ كَبْشٍ أمْلَحَ فَيُنادِي مُنادٍ يا أهْلَ الجَنَّةِ فَيَشْرَئِبُّونَ ويَنْظُرُونَ فَيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ هَذا المَوْتُ وكُلُّهم قَدْ
صفحة 94
رَأوْهُ، ثُمَّ يُنادِي مُنادٍ يا أهْلَ النّارِ فَيَشْرَئِبُّونَ ويَنْظُرُونَ فَيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ: هَذا المَوْتُ، وكُلُّهم قَدْ رَأوْهُ، فَيُذْبَحُ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ ثُمَّ يَقُولُ: يا أهْلَ الجَنَّةِ خُلُودٌ فَلا مَوْتَ، ويا أهْلَ النّارِ خُلُودٌ فَلا مَوْتَ ثُمَّ قَرَأ: وأنْذِرْهم ) الآيَةَ.
وفِي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّ يَوْمَ الحَسْرَةِ حِينَ يَرى الكُفّارُ مَقاعِدَهم مِنَ الجَنَّةِ لَوْ كانُوا مُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: حِينَ يُقالُ لَهم وهم في النّارِ ﴿اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾ وقِيلَ: حِينَ يُقالُ ﴿وامْتازُوا اليَوْمَ أيُّها المُجْرِمُونَ﴾ .
وقالَ الضَّحّاكُ: ذَلِكَ إذا بَرَزَتْ جَهَنَّمُ ورَمَتْ بِالشَّرَرِ، وقِيلَ: المُرادُ بِذَلِكَ يَوْمُ القِيامَةِ مُطْلَقًا، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ وفِيهِ حَسَراتٌ في مَواطِنَ عَدِيدَةٍ، ومِن هُنا قِيلَ: المُرادُ بِالحَسْرَةِ جِنْسُها فَيَشْمَلُ ذَلِكَ حَسْرَتَهم فِيما ذُكِرَ وحَسْرَتَهم عِنْدَ أخْذِ الكُتُبِ بِالشَّمائِلِ وغَيْرَ ذَلِكَ والمُرادُ بِقَضاءِ الأمْرِ الفَراغُ مِن أمْرِ الدُّنْيا بِالكُلِّيَّةِ، ويُعْتَبَرُ وقْتُ ذَلِكَ مُمْتَدًّا، وقِيلَ: المُرادُ بِيَوْمِ الحَسْرَةِ يَوْمَ القِيامَةِ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ إلّا أنَّ المُرادَ بِقَضاءِ الأمْرِ الفَراغُ مِمّا يُوجِبُ الحَسْرَةَ، وجَوَّزَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يُرادَ بِيَوْمِ الحَسْرَةِ ما يَعُمُّ يَوْمَ المَوْتِ.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ ظاهِرَ الحَدِيثِ السّابِقِ وكَذا غَيْرُهُ كَما لا يَخْفى عَلى المُتَتَبِّعِ قاضٍ بِأنَّ يَوْمَ الحَسْرَةِ يَوْمُ يَذْبَحُ المَوْتِ ويُنادى بِالخُلُودِ، ولَعَلَّ التَّخْصِيصَ لِما أنَّ الحَسْرَةَ يَوْمَئِذٍ أعْظَمُ الحَسَراتِ لِأنَّهُ هُناكَ تَنْقَطِعُ الآمالُ ويَنْسَدُّ بابُ الخَلاصِ مِنَ الأهْوالِ. ومِن غَرِيبِ ما قِيلَ: إنَّ المُرادَ بِقَضاءِ الأمْرِ سَدُّ بابِ التَّوْبَةِ حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ مِن مَغْرِبِها ولَيْسَ بِشَيْءٍ، (وإذْ) عَلى سائِرِ الأقْوالِ بَدَلٌ مِن (يَوْمَ) أوْ مُتَعَلِّقٌ بِالحَسْرَةِ والمَصْدَرُ المُعَرَّفُ يَعْمَلُ بِالمَفْعُولِ الصَّرِيحِ عِنْدَ بَعْضِهِمْ فَكَيْفَ بِالظَّرْفِ، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وهم في غَفْلَةٍ وهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى شَأْنُهُ ﴿فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ عَنِ الحَسَنِ، ووَجْهُ ذَلِكَ بِأنَّ الجُمْلَتَيْنِ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في الجارِّ والمَجْرُورِ أيْ مُسْتَقِرُّونَ في ذَلِكَ وهم في تَيْنِكَ الحالَتَيْنِ، واسْتَظْهَرَ في الكَشْفِ العَطْفَ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الظّالِمُونَ اليَوْمَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أيْ: هم في ضَلالٍ وهم في غَفْلَةٍ وعَلى الوَجْهَيْنِ تَكُونُ جُمْلَةُ (أنْذِرْهُمْ) مُعْتَرِضَةً والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ، ووَجْهُ الِاعْتِراضِ أنَّ الإنْذارَ مُؤَكِّدٌ ما هم فِيهِ مِنَ الغَفْلَةِ والضَّلالِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُتَعَلِّقًا بِأنْذِرْهم عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ المَفْعُولِ أيْ أنْذِرْهم غافِلِينَ غَيْرَ مُؤْمِنِينَ لِلْعَقِبِ بِأنَّهُ لا يُلائِمُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرُ مَن يَخْشاها﴾ وقالَ في الكَشْفِ: إنَّهُ غَيْرُ وارِدٍ لِأنَّ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلى النَّفْعِ وهَذا بِالنِّسْبَةِ إلى تَنْبِيهِ الغافِلِ لِبَيانِ أنَّ النَّفْعَ في الآخِرَةِ وهَذِهِ وظِيفَةُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَنْ آخِرِهِمْ، ثُمَّ لَوْ سَلِمَ لا مُناقَضَةَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وذَكِّرْ فَإنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ﴾ كَيْفَ وقَدْ تَكَرَّرَ هَذا المَعْنى في القُرْآنِ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أُنْذِرَ آباؤُهم فَهم غافِلُونَ﴾ وأمّا إنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿وهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ نَفْيٌ مُؤَكِّدٌ يَشْتَمِلُ عَلى الماضِيَةِ والآتِيَةِ فَلا يَسْلَمُ لَوْ جُعِلَ حالًا ولَوْ سَلِمَ فَقَدْ عُلِمَ جَوابُهُ مِمّا سَبَقَ وما عَلى الرَّسُولِ إلّا البَلاغُ.
نَعَمْ لا نَمْنَعُ أنَّ الوَجْهَ الأوَّلَ أرْجَحُ وأشَدُّ طِباقًا لِلْمَقامِ، وحاصِلُ المَعْنى عَلى الأخِيرِ أنْذِرْهم لِأنَّهم في حالَةٍ يَحْتاجُونَ فِيها لِلْإنْذارِ
19:40Page 308
إِنَّا نَحۡنُ نَرِثُ ٱلۡأَرۡضَ وَمَنۡ عَلَيۡهَا وَإِلَيۡنَا يُرۡجَعُونَ ٤٠
Indeed, it is We who will inherit the earth and whoever is on it, and to Us they will be returned.
﴿إنّا نَحْنُ نَرِثُ الأرْضَ ومَن عَلَيْها﴾ لا يَبْقى لِأحَدٍ غَيْرِهِ تَعالى مُلْكٌ ولا مَلِكٌ فَيَكُونُ كُلُّ ذَلِكَ لَهُ تَعالى اسْتِقْلالًا ظاهِرًا وباطِنًا دُونَ ما سِواهُ، ويَنْتَقِلُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ انْتِقالَ المَوْرُوثِ مِنَ المُورِّثِ إلى الوارِثِ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ أوْ نَتَوَفّى الأرْضَ ومَن عَلَيْها
صفحة 95
بِالإفْناءِ والإهْلاكِ تُوُفِّيَ الوارِثُ لِإرْثِهِ واسْتِيفائِهِ إيّاهُ ﴿وإلَيْنا يُرْجَعُونَ﴾ أيْ يَرِدُونَ إلى الجَزاءِ لا إلى غَيْرِنا اسْتِقْلالًا أوِ اشْتِراكًا. وقَرَأ الأعْرَجُ ( تُرْجَعُونَ ) بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ وابْنُ أبِي إسْحاقَ وعِيسى بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وحَكى عَنْهُمُ الدّانِي أنَّهم قَرَءُوا بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
* * *
( ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ ) ﴿كهيعص﴾ هو وأمْثالُهُ عَلى الصَّحِيحِ سِرٌّ مِن أسْرارِ اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ في وجْهٍ افْتِتاحٌ هَذِهِ السُّورَةِ بِهِ: إنَّ الكافَ إشارَةٌ إلى الكافِي الَّذِي اقْتَضاهُ حالَ ضَعْفِ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ وشَيْخُوخَتِهِ وعَجْزِهِ، والهاءُ إشارَةٌ إلى الهادِي الَّذِي اقْتَضاهُ عِنايَتُهُ سُبْحانَهُ بِهِ وإراءَةِ مَطْلُوبِهِ لَهُ، والياءُ إشارَةٌ إلى الواقِي الَّذِي اقْتَضاهُ حالَ خَوْفِهِ مِنَ المَوالِي، والعَيْنُ إشارَةٌ إلى العالَمِ الَّذِي اقْتَضاهُ إظْهارُهُ لِعَدَمَ الأسْبابِ، والصّادُ إشارَةٌ إلى الصّادِقِ الَّذِي اقْتَضاهُ الوَعْدُ، والإشارَةُ في القِصَّتَيْنِ إجْمالًا إلى أنَّ اللَّهَ تَعالى شَأْنُهُ يَهَبُ بِسُؤالٍ وغَيْرِ سُؤالٍ. وطَبَّقَ بَعْضُ أهْلِ التَّأْوِيلِ ما فِيهِما عَلى ما في الأنْفُسِ فَتَكَلَّفُوا وتَعَسَّفُوا، وفي نَذْرِ الصَّوْمِ والمُرادُ بِهِ الصَّمْتُ إشارَةٌ إلى تَرْكِ الِانْتِصارِ لِلنَّفْسِ فَكَأنَّهُ قِيلَ لَها عَلَيْها السَّلامُ: اسْكُتِي ولا تَنْتَصِرِي فَإنَّ في كَلامِكِ وانْتِصارِكِ لِنَفْسِكِ مَشَقَّةً عَلَيْكِ وفي سُكُوتِكِ إظْهارُ ما لَنا فِيكَ مِنَ القُدْرَةِ فَلَزِمْتَ الصَّمْتَ فَلَمّا عَلِمَ اللَّهُ سُبْحانَهُ صِدْقَ انْقِطاعِها إلَيْهِ أنْطَقَ جَلَّ وعَلا عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِبَراءَتِها، وذُكِرَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ طُوًى كُلُّ وصْفٍ جَمِيلٍ في مَطاوِي قَوْلِهِ ﴿إنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ وذَلِكَ لِما قالُوا مِن أنَّهُ لا يَدَّعِي أحَدٌ بِعَبْدِ اللَّهِ إلّا إذا صارَ مُظْهِرًا لِجَمِيعِ الصِّفاتِ الإلَهِيَّةِ المُشِيرِ إلَيْها الِاسْمُ الجَلِيلُ، وجُعِلَ عَلى هَذا قَوْلُهُ ﴿آتانِيَ الكِتابَ﴾ إلَخْ كالتَّعْلِيلِ لِهَذِهِ الدَّعْوى. وذَكَرُوا أنَّ العَبْدَ مُضافًا إلى ضَمِيرِهِ تَعالى أبْلَغُ مَدْحًا مِمّا ذُكِرَ وأنَّ صاحِبَ ذَلِكَ المَقامِ هو نَبِيُّنا ﷺ، وكَأنَّ مُرادَهم أنَّ العَبْدَ مُضافٌ إلى ضَمِيرِهِ سُبْحانَهُ كَذَلِكَ إذا لَمْ يُقْرَنْ بِعَلَمٍ كَعَبْدِهِ زَكَرِيّا وإلّا فَدَعْوى الِاخْتِصاصِ لا تَتِمُّ فَلْيُتَدَبَّرْ.
وذَكَرَ ابْنُ عَطاءٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَمْ يَجْعَلْنِي جَبّارًا شَقِيًّا﴾ إنَّ الجَبّارَ الَّذِي لا يُنْصَحُ والشَّقِيَّ الَّذِي لا يَنْتَصِحُ نَعُوذُ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ مِن أنْ يَجْعَلَنا كَذَلِكَ
19:41Page 308
وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ إِبۡرَٰهِيمَۚ إِنَّهُۥ كَانَ صِدِّيقٗا نَّبِيًّا ٤١
And mention in the Book [the story of] Abraham. Indeed, he was a man of truth and a prophet.
(واذْكُرْ) عَطْفٌ عَلى (أنْذِرْهُمْ) عِنْدَ أبِي السُّعُودِ، وقِيلَ: عَلى اذْكُرِ السّابِقِ، ولَعَلَّهُ الظّاهِرُ ﴿فِي الكِتابِ﴾ أيْ: هَذِهِ السُّورَةَ أوْ في القُرْآنِ (إبْراهِيمَ) أيِ اتْلُ عَلى النّاسِ قِصَّتَهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ إبْراهِيمَ﴾ وإلّا فَذاكِرُ ذَلِكَ في الكِتابِ هو اللَّهُ تَعالى كَما في الكَشّافِ، وفِيهِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ السَّلامُ لِكَوْنِهِ النّاطِقَ عَنْهُ تَعالى ومُبَلِّغَ أوامِرِهِ ونَواهِيهِ وأعْظَمَ مَظاهِرِهِ سُبْحانَهُ ومَجالِيهِ كَأنَّهُ الذّاكِرُ في الكِتابِ ما ذَكَرَهُ رَبُّهُ جَلَّ وعَلا ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها اشْتِمالُها عَلى تَضْلِيلِ مَن نَسَبَ الأُلُوهِيَّةَ إلى الجَمادِ اشْتِمالَ ما قَبْلَها عَلى ما أشارَ إلى تَضْلِيلِ مَن نَسَبَها إلى الحَيِّ والفَرِيقانِ وإنِ اشْتَرَكا في الضَّلالِ إلّا أنَّ الفَرِيقَ الثّانِيَ أضَلُّ.
ويُقالُ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ في العَطْفِ إنَّ المُرادَ أنْذِرْهم ذَلِكَ واذْكُرْ لَهم قِصَّةَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّهم يَنْتَمُونَ إلَيْهِ ﷺ فَعَساهم بِاسْتِماعِ قِصَّتِهِ يُقْلِعُونَ عَمّا هم فِيهِ مِنَ القَبائِحِ ﴿إنَّهُ كانَ صِدِّيقًا﴾ أيْ: مُلازِمَ الصِّدْقِ لَمْ يَكْذِبْ قَطُّ (نَبِيًّا) اسْتَنْبَأهُ اللَّهُ تَعالى وهو خَبَرٌ آخَرُ لَكانَ مُقَيِّدٌ لِلْأوَّلِ مُخَصِّصٌ لَهُ أيْ: كانَ جامِعًا بَيْنَ الوَصْفَيْنِ.
ولَعَلَّ هَذا التَّرْتِيبَ لِلْمُبالَغَةِ في الِاحْتِرازِ عَنْ تَوَهُّمِ تَخْصِيصِ الصِّدِّيقِيَّةِ بِالنُّبُوَّةِ فَإنَّ كُلَّ نَبِيٍّ صِدِّيقٍ، وقِيلَ: الصِّدِّيقُ مَن صَدَّقَ بِقَوْلِهِ واعْتِقادِهِ وحَقَّقَ صِدْقَهُ بِفِعْلِهِ، وفي الكَشّافِ: الصِّدِّيقُ مِن أبْنِيَةِ المُبالَغَةِ والمُرادُ فَرْطُ
صفحة 96
صِدْقِهِ وكَثْرَةُ ما صَدَّقَ بِهِ مِن غُيُوبِ اللَّهِ تَعالى وآياتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ، وكانَ الرُّجْحانُ والغَلَبَةُ في هَذا التَّصْدِيقِ لِلْكُتُبِ والرُّسُلِ أيْ كانَ مُصَدِّقًا بِجَمِيعِ الأنْبِياءِ وكُتُبِهِمْ وكانَ نَبِيًّا في نَفْسِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ جاءَ بِالحَقِّ وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ﴾ أوْ كانَ بَلِيغًا في الصِّدْقِ لِأنَّ مَلاكَ أمْرِ النُّبُوَّةِ الصِّدْقُ، ومُصَدِّقُ اللَّهِ تَعالى بِآياتِهِ ومُعْجِزاتِهِ حَرِيٌّ أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ انْتَهى.
وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ المُبالَغَةَ تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ بِاعْتِبارِ الكَمِّ وأنْ تَكُونَ بِاعْتِبارِ الكَيْفِ، ولَكَ أنْ تُرِيدَ الأمْرَيْنِ لِكَوْنِ المَقامِ مَقامَ المَدْحِ والمُبالَغَةِ، وقَدْ ألَمَّ بِذَلِكَ الرّاغِبُ، وأمّا أنَّ التَّكْثِيرَ بِاعْتِبارِ المَفْعُولِ كَما في قَطَعْتُ الحِبالَ فَقَدْ عَدَّهُ في الكَشْفِ مِنَ الأغْلاطِ فَتَأمَّلْ، واسْتُظْهِرَ أنَّهُ مِنَ الصِّدْقِ لا مِنَ التَّصْدِيقِ، وأُيِّدَ بِأنَّهُ قُرِئَ ( أنَّهُ كانَ صادِقًا ) وبِأنَّهُ قَلَّما يُوجَدُ فَعِيلٌ مِن مُفْعِلٍ والكَثِيرُ مِن فاعِلٍ، وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ النَّبِيَّ هُنا بِرَفِيعِ القَدْرِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى وعِنْدَ النّاسِ.
والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَعْلِيلِ مُوجِبِ الأمْرِ، فَإنَّ وصْفَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِذَلِكَ مِن دَواعِي ذِكْرِهِ وهي عَلى ما قِيلَ اعْتِراضٌ بَيْنَ المُبْدَلِ مِنهُ وهو إبْراهِيمُ، والبَدَلُ وهو إذْ في قَوْلِهِ تَعالى
19:42Page 308
إِذۡ قَالَ لِأَبِيهِ يَٰٓأَبَتِ لِمَ تَعۡبُدُ مَا لَا يَسۡمَعُ وَلَا يُبۡصِرُ وَلَا يُغۡنِي عَنكَ شَيۡـٔٗا ٤٢
[Mention] when he said to his father, "O my father, why do you worship that which does not hear and does not see and will not benefit you at all?
﴿إذْ قالَ﴾ وتَعَقَّبَهُ صاحِبُ الفَرائِدِ بِأنَّ الِاعْتِراضَ بَيْنَ البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ بِدُونِ الواوِ بَعِيدٌ عَنِ الطَّبْعِ، وفِيهِ مَنعٌ ظاهِرٌ، وفي البَحْرِ أنَّ بَدَلِيَّةِ إذْ مِن إبْراهِيمَ تَقْتَضِي تَصَرُّفَها والأصَحُّ أنَّها لا تَتَصَرَّفُ وفِيهِ بَحْثٌ، وقِيلَ: إذْ ظَرْفٌ لَكانَ وهو مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ كانَ النّاقِصَةَ وأخَواتِها تَعْمَلُ في الظُّرُوفِ وهي مَسْألَةٌ خِلافِيَّةٌ، وقِيلَ: ظَرْفٌ لِنَبِيِّنا أيْ مُنْبِئٌ في وقْتِ قَوْلِهِ (لِأبِيهِ) وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يَقْتَضِي أنَّ الِاسْتِنْباءَ كانَ في ذَلِكَ الوَقْتِ، وقِيلَ: ظَرْفٌ لِصِدِّيقًا، وفي البَحْرِ لا يَجُوزُ ذَلِكَ لِأنَّهُ قَدْ نَعَتَ الأعْلى رَأْيُ الكُوفِيِّينَ، وفِيهِ أنْ (نَبِيًّا) خَبَرٌ كَما ذَكَرْنا لا نَعْتٌ، نَعَمْ تَقْيِيدُ الصِّدِّيقِيَّةِ بِذَلِكَ الوَقْتِ لا يَخْلُو عَنْ شَيْءٍ.
وقِيلَ ظَرْفٌ لَصِدِّيقًا نَبِيًّا وظاهِرُهُ أنَّهُ مَعْمُولٌ لَهُما مَعًا، وفِيهِ أنَّ تَوارُدَ عامِلَيْنِ عَلى مَعْمُولٍ واحِدٍ غَيْرُ جائِزٍ عَلى الصَّحِيحِ، والقَوْلُ بِأنَّهُما جُعِلا بِتَأْوِيلِ اسْمٍ واحِدٍ كَتَأْوِيلِ حُلْوٍ حامِضٍ بِمَزٍّ أيْ جامِعًا لِخَصائِصِ الصِّدِّيقِينَ والأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ حِينَ خاطَبَ أباهُ لا يَخْفى ما فِيهِ، والَّذِي يَقْتَضِيهِ السِّياقُ ويَشْهَدُ بِهِ الذَّوْقُ البَدَلِيَّةُ وهو بَدَلُ اشْتِمالٍ، وتَعْلِيقُ الذَّكَرِ بِالأوْقاتِ مَعَ أنَّ المَقْصُودَ تَذْكِيرُ ما وقَعَ فِيها مِنَ الحَوادِثِ قَدْ مَرَّ سِرُّهُ مِرارًا فَتَذَكَّرْ.
19:43Page 308
يَٰٓأَبَتِ إِنِّي قَدۡ جَآءَنِي مِنَ ٱلۡعِلۡمِ مَا لَمۡ يَأۡتِكَ فَٱتَّبِعۡنِيٓ أَهۡدِكَ صِرَٰطٗا سَوِيّٗا ٤٣
O my father, indeed there has come to me of knowledge that which has not come to you, so follow me; I will guide you to an even path.
﴿يا أبَتِ﴾ أيْ: يا أبِي فَإنَّ التّاءَ عِوَضٌ مِن ياءِ الإضافَةِ ولِذَلِكَ لا يُجْمَعُ بَيْنَهُما إلّا شُذُوذًا كَقَوْلِهِ: يا أبَتِي أرَّقَنِي القُذّانُ، والجَمْعُ في يا أبَتا قِيلَ بَيْنَ عِوَضَيْنِ وهو جائِزٌ كَجَمْعِ صاحِبِ الجَبِيرَةِ بَيْنَ المَسْحِ والتَّيَمُّمِ وهُما عِوَضانِ عَنِ الغُسْلِ وقِيلَ المَجْمُوعُ فِيهِ عِوَضٌ، وقِيلَ: الألِفُ لِلْإشْباعِ وأنْتَ تَعْلَمُ حالَ العِلَلِ النَّحْوِيَّةِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ والأعْرَجُ وأبُو جَعْفَرٍ ( يا أبَتِ ) بِفَتْحِ التّاءِ، وزَعَمَ هارُونُ أنَّ ذَلِكَ لَحْنٌ والحَقُّ خِلافُهُ وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ ( وأبَتِ ) بِواوٍ بَدَلَ ياءٍ والنِّداءُ بِها في غَيْرِ النُّدْبَةِ قَلِيلٌ، وناداهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِذَلِكَ اسْتِعْطافًا لَهُ.
وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا: «حَقُّ الوالِدِ عَلى ولَدِهِ أنْ لا يُسَمِّيَهُ إلّا بِما سَمّى إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهِ أباهُ يا أبَتِ ولا يُسَمِّيهِ بِاسْمِهِ»، وهَذا ظاهِرٌ في أنَّهُ كانَ أباهُ حَقِيقَةً، وصَحَّحَ جَمْعٌ أنَّهُ كانَ عَمَّهُ وإطْلاقُ الأبِ عَلَيْهِ مَجازٌ ﴿لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ﴾ ثَناءَكَ عَلَيْهِ عِنْدَ عِبادَتِكَ لَهُ وجُؤارَكَ إلَيْهِ ﴿ولا يُبْصِرُ﴾ خُضُوعَكَ وخُشُوعَكَ بَيْنَ يَدَيْهِ أوْ لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ شَيْئًا مِنَ المَسْمُوعاتِ والمُبْصِراتِ فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ ما ذُكِرَ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وما مَوْصُولَةٌ وجَوَّزُوا أنْ تَكُونَ نَكِرَةً مَوْصُوفَةً ﴿ولا يُغْنِي﴾ أيْ لا يَقْدِرُ عَلى أنْ يُغْنِيَ ﴿عَنْكَ شَيْئًا﴾
صفحة 97
مِنَ الأشْياءِ أوْ شَيْئًا مِنَ الإغْناءِ فَهو نَصْبٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ أوِ المَصْدَرِيَّةِ. ولَقَدْ سَلَكَ عَلَيْهِ السَّلامُ في دَعْوَتِهِ أحْسَنَ مِنهاجٍ واحْتَجَّ عَلَيْهِ أبْدَعَ احْتِجاجٍ بِحُسْنِ أدَبٍ وخُلُقٍ لَيْسَ لَهُ مِنهاجٌ لِئَلّا يَرْكَبَ مَتْنَ المُكابَرَةِ والعِنادِ ولا يَنْكَبَّ بِالكُلِّيَّةِ عَنْ سَبِيلِ الرَّشادِ حَيْثُ طُلِبَ مِنهُ عِلَّةُ عِبادَتِهِ لِما يَسْتَخِفُّ بِهِ عَقْلُ كُلِّ عاقِلٍ مِن عالِمٍ وجاهِلٍ ويَأْبى الرُّكُونَ إلَيْهِ فَضْلًا عَنْ عِبادَتِهِ الَّتِي هي الغايَةُ القاصِيَةُ مِنَ التَّعْظِيمِ مَعَ أنَّها لا تَحِقُّ إلّا لِمَن لَهُ الِاسْتِغْناءُ التّامُّ والإنْعامُ العامُّ الخالِقُ الرّازِقُ المُحْيِي المُمِيتُ المُثِيبُ المُعاقِبُ. ونَبَّهَ عَلى أنَّ العاقِلَ يَجِبُ أنْ يَفْعَلَ كُلَّ ما يُفْعَلُ لِداعِيَةٍ صَحِيحَةٍ وغَرَضٍ صَحِيحٍ والشَّيْءِ لَوْ كانَ حَيًّا مُمَيِّزًا سَمِيعًا بَصِيرًا قادِرًا عَلى النَّفْعِ والضُّرِّ لَكِنْ كانَ مُمْكِنًا لاسْتَنْكَفَ ذُو العَقْلِ السَّلِيمِ عَنْ عِبادَتِهِ وإنْ كانَ أشْرَفَ الخَلائِقِ لِما يَراهُ مِثْلُهُ في الحاجَةِ والِانْقِيادِ لِلْقُدْرَةِ القاهِرَةِ الواجِبِيَّةِ فَما ظَنُّكَ بِجَمادٍ مَصْنُوعٍ لَيْسَ لَهُ مِن أوْصافِ الأحْياءِ عَيْنٌ ولا أثَرٌ.
ثُمَّ دَعاهُ إلى أنْ يَتْبَعَهُ لِيَهْدِيَهُ إلى الحَقِّ المُبِينِ لِما أنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَحْظُوظًا مِنَ العِلْمِ الإلَهِيِّ مُسْتَقِلًّا بِالنَّظَرِ السَّوِيِّ مُصَدِّرًا لِدَعْوَتِهِ بِما مَرَّ مِنَ الِاسْتِعْطافِ حَيْثُ قالَ: ﴿يا أبَتِ إنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ العِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ﴾ ولَمْ يُسَمِّ أباهُ بِالجَهْلِ المُفْرِطِ وإنْ كانَ في أقْصاهُ، ولا نَفْسَهُ بِالعِلْمِ الفائِقِ وإنْ كانَ كَذَلِكَ، بَلْ أبْرَزَ نَفْسَهُ في صُورَةِ رَقِيقٍ لَهُ يَكُونُ أعْرَفَ بِأحْوالِ ما سَلَكاهُ مِنَ الطَّرِيقِ فاسْتَمالَهُ بِرِفْقٍ حَيْثُ قالَ ﴿فاتَّبِعْنِي أهْدِكَ صِراطًا سَوِيًّا﴾ أيْ مُسْتَقِيمًا مُوَصِّلًا إلى أسْنى المَطالِبِ مُنَحِّيًا عَنِ الضَّلالِ المُؤَدِّي إلى مُهاوِي الرَّدى والمَعاطِبِ. وقَوْلُهُ (جاءَنِي) ظاهِرٌ في أنَّ هَذِهِ المُحاوَرَةَ كانَتْ بَعْدَ أنْ نُبِّئَ عَلَيْهِ السَّلامُ، والَّذِي جاءَهُ قِيلَ العِلْمُ بِما يَجِبُ لِلَّهِ تَعالى وما يَمْتَنِعُ في حَقِّهِ وما يَجُوزُ عَلى أتَمِّ وجْهٍ وأكْمَلِهِ. وقِيلَ: العِلْمُ بِأُمُورِ الآخِرَةِ وثَوابِها وعِقابِها. وقِيلَ: العِلْمُ بِما يَعُمُّ ذَلِكَ ثُمَّ ثَبَّطَهُ عَمّا هو عَلَيْهِ بِتَصْوِيرِهِ بِصُورَةٍ يَسْتَنْكِرُها كُلُّ عاقِلٍ بِبَيانِ أنَّهُ مَعَ عَرائِهِ عَنِ النَّفْعِ بِالمَرَّةِ مُسْتَجْلِبٌ لِضَرَرٍ عَظِيمٍ فَإنَّهُ في الحَقِيقَةِ عِبادَةُ الشَّيْطانِ لِما أنَّهُ الآمِرُ بِهِ فَقالَ:
19:44Page 308
يَٰٓأَبَتِ لَا تَعۡبُدِ ٱلشَّيۡطَٰنَۖ إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ كَانَ لِلرَّحۡمَٰنِ عَصِيّٗا ٤٤
O my father, do not worship [i.e., obey] Satan. Indeed Satan has ever been, to the Most Merciful, disobedient.
﴿يا أبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ﴾ فَإنَّ عِبادَتَكَ الأصْنامَ عِبادَةٌ لَهُ إذْ هو الَّذِي يُسَوِّلُها لَكَ ويُغْرِيكَ عَلَيْها.
وقَوْلُهُ ﴿إنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾ تَعْلِيلٌ لِمُوجِبِ النَّهْيِ وتَأْكِيدٌ لَهُ بِبَيانِ أنَّهُ مُسْتَعْصٍ عَلى مَن شَمَلَتْكَ رَحْمَتُهُ وعَمَّتْكَ نِعْمَتُهُ، ولا رَيْبَ في أنَّ المُطِيعَ لِلْعاصِي عاصٍ وكُلُّ مَن هو عاصٍ حَقِيقٌ بِأنْ تُسْتَرَدَّ مِنهُ النِّعَمُ ويُنْتَقَمَ مِنهُ، ولِلْإشارَةُ إلى هَذا المَعْنى جِيءَ بِالرَّحْمَنِ. وفِيهِ أيْضًا إشارَةٌ إلى كَمالِ شَناعَةِ عِصْيانِهِ. وفي الِاقْتِصارِ عَلى ذِكْرِ عِصْيانِهِ مِن بَيْنِ سائِرِ جِناياتِهِ لِأنَّهُ مِلاكُها أوْ لِأنَّهُ نَتِيجَةُ مُعاداتِهِ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَتَذْكِيرُهُ داعٍ لِأبِيهِ عَنِ الِاحْتِرازِ عَنْ مُوالاتِهِ وطاعَتِهِ، والإظْهارُ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences