Al-AlusiMaryam · 19:45–51

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Maryam 19:45–51

19:45Page 308

يَٰٓأَبَتِ إِنِّيٓ أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٞ مِّنَ ٱلرَّحۡمَٰنِ فَتَكُونَ لِلشَّيۡطَٰنِ وَلِيّٗا ٤٥

O my father, indeed I fear that there will touch you a punishment from the Most Merciful so you would be to Satan a companion [in Hellfire]."

وقَوْلُهُ: ﴿يا أبَتِ إنِّي أخافُ أنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ تَحْذِيرٌ مِن سُوءِ عاقِبَةِ ما هو فِيهِ مِن عِبادَةِ الأصْنامِ والخَوْفِ كَما قالَ الرّاغِبُ: تَوَقُّعُ المَكْرُوهِ عَنْ أمارَةٍ مَظْنُونَةٍ أوْ مَعْلُومَةٍ فَهو غَيْرُ مَقْطُوعٍ فِيهِ بِما يُخافُ، ومِن هُنا قِيلَ: إنَّ في اخْتِيارِهِ مُجامَلَةٌ. وحَمَلَهُ الفَرّاءُ والطَّبَرِيُّ عَلى العِلْمِ ولَيْسَ بِذاكَ وتَنْوِينُ (عَذابٌ) عَلى ما اخْتارَهُ السَّعْدُ في المُطَوَّلِ يَحْتَمِلُ التَّعْظِيمَ والتَّقْلِيلَ أيْ عَذابٌ هائِلٌ أوْ أدْنى شَيْءٍ مِنهُ، وقالَ: لا دَلالَةَ لِلَفْظِ المَسِّ وإضافَةِ العَذابِ إلى الرَّحْمَنِ عَلى تَرْجِيحِ الثّانِي كَما ذَكَرَهُ بَعْضُهم لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَمَسَّكم في ما أفَضْتُمْ فِيهِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ ولِأنَّ العُقُوبَةَ مِنَ الكَرِيمِ الحَلِيمِ أشَدُّ ا هـ.

صفحة 98

واخْتارَ أبُو السُّعُودِ أنَّهُ لِلتَّعْظِيمِ، وقالَ: كَلِمَةُ مِن مُتَعَلِّقَةٌ بِمُضْمَرٍ وقَعَ صِفَةً لِلْعَذابِ مُؤَكِّدَةٌ لِما أفادَهُ التَّنْكِيرُ مِنَ الفَخامَةِ الذّاتِيَّةِ بِالفَخامَةِ الإضافِيَّةِ، وإظْهارُ الرَّحْمَنِ لِلْإشْعارِ بِأنَّ وصْفَ الرَّحْمانِيَّةِ لا يَدْفَعُ حُلُولَ العَذابِ كَما في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ﴾ انْتَهى، وفي الكَشْفِ أنَّ الحَمْلَ عَلى التَّفْخِيمِ فى (عَذابٌ) كَما جَوَّزَهُ صاحِبُ المِفْتاحِ مِمّا يَأْباهُ المَقامُ أيْ لِأنَّهُ مَقامُ إظْهارِ مَزِيدِ الشَّفَقَةِ ومُراعاةِ الأدَبِ وحُسْنِ المُعامَلَةِ وإنَّما قالَ ﴿مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ لِقَوْلِهِ أوَّلًا ﴿كانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾ ولِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ لَيْسَ عَلى وجْهِ الِانْتِقامِ بَلْ ذَلِكَ أيْضًا رَحْمَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى عِبادِهِ وتَنْبِيهٌ عَلى سَبْقِ الرَّحْمَةِ الغَضَبَ، وأنَّ الرَّحْمانِيَّةَ لا تُنافِي العَذابَ بَلِ الرَّحِيمِيَّةُ عَلى ما عَلَيْهِ الصُّوفِيَّةُ فَقَدْ قالَ المُحَقِّقُ القُونَوِيُّ في تَفْسِيرِ الفاتِحَةِ: الرَّحِيمُ كَما بَيَّنّا لِأهْلِ اليَمِينِ والجَمالِ، والرَّحْمَنُ الجامِعُ بَيْنَ اللُّطْفِ والقَهْرِ لِأهْلِ القَضِيَّةِ الأُخْرى والجَلالِ إلى آخِرِ ما قالَ، وأيَّدَ الحَمْلَ عَلى التَّفْخِيمِ بِقَوْلِهِ ﴿فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ ولِيًّا﴾ أيْ قَرِينًا تَلِيهِ ويَلِيكَ في العَذابِ، فَإنَّ الوِلايَةَ لِلشَّيْطانِ بِهَذا المَعْنى إنَّما تَتَرَتَّبُ عَلى مَسِّ العَذابِ العَظِيمِ.

وأُجِيبُ عَنْ كَوْنِ المَقامِ مَقامَ إظْهارِ مَزِيدِ الشَّفَقَةِ وهو يَأْبى ذَلِكَ بِأنَّ القَسْوَةَ أحْيانًا مِنَ الشَّفَقَةِ أيْضًا كَما قِيلَ:

فَقَسا لِيَزْدَجِرُوا ومَن يَكُ حازِمًا فَلْيَقْسُ أحْيانًا عَلى مَن يَرْحَمُ

وقَدْ تَقَدَّمَ هَذا مَعَ أبْياتٍ أُخَرَ بِهَذا المَعْنى، ويَكْفِي في مُراعاةِ الأدَبِ والمُجامَلَةِ عَدَمُ الجَزْمِ بِاللُّحُوقِ. والمَسُّ وإنْ كانَ مُشْعِرًا بِالقِلَّةِ عِنْدَ الجِلَّةِ لَكِنْ قالُوا: إنَّ الكَثْرَةَ والعَظَمَةَ بِاعْتِبارِ ما يَلْزَمُهُ ويَتْبَعُهُ لا بِالنَّظَرِ إلَيْهِ في نَفْسِهِ، فَإنَّهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ بِالذّاتِ وإنَّما هو كالذَّوْقِ مُقَدِّمَةٌ لِلْمَقْصُودِ فَيَصِحُّ وصْفُهُ بِكُلٍّ مِنَ الأمْرَيْنِ بِاعْتِبارَيْنِ. وكَأنِّي بِكَ تَخْتارُ التَّفْخِيمَ لِأنَّهُ أنْسَبُ بِالتَّخْوِيفِ وتَدَّعِي أنَّهُ هاهُنا مِن مَعْدِنِ الشَّفَقَةِ. فَتَدَبَّرْ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ (فَتَكُونَ) إلَخْ مُتَرَتِّبًا عَلى مَسِّ العَذابِ القَلِيلِ، والوَلِيُّ مِنَ المُوالاةِ وهي المُتابَعَةُ والمُصادَقَةُ. والمُرادُ تَفْرِيعُ الثَّباتِ عَلى حُكْمِ تِلْكَ المُوالاةِ وبَقاءِ آثارِها مِن سُخْطِ اللَّهِ تَعالى وغَضَبِهِ، ولا مانِعَ مِن أنْ يَتَفَرَّعَ مِن قَلِيلِ أمْرٍ عَظِيمٍ. ثُمَّ الظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالعَذابِ عَذابُ الآخِرَةِ وتَأوَّلَهُ بَعْضُهم بِعَذابِ الدُّنْيا وأرادَ بِهِ الخِذْلانَ أوْ شَيْئًا آخَرَ مِمّا أصابَ الكَفَرَةَ في الدُّنْيا مِن أنْواعِ البَلاءِ ولَيْسَ بِذاكَ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ في الكَلامِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا، والأصْلُ إنِّي أخافُ أنْ تَكُونَ ولِيًّا لِلشَّيْطانِ أيْ تابِعًا لَهُ في الدُّنْيا فَيَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ أيْ في العُقْبى وكَأنَّهُ أشْكَلَ عَلَيْهِ أمْرُ التَّفْرِيعِ فاضْطُرَّ لِما ذُكِرَ، وقَدْ أغْناكَ اللَّهُ تَعالى عَنْ ذَلِكَ بِما ذَكَرْنا

19:46Page 308

قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنۡ ءَالِهَتِي يَٰٓإِبۡرَٰهِيمُۖ لَئِن لَّمۡ تَنتَهِ لَأَرۡجُمَنَّكَۖ وَٱهۡجُرۡنِي مَلِيّٗا ٤٦

[His father] said, "Have you no desire for my gods, O Abraham? If you do not desist, I will surely stone you, so avoid me a prolonged time."

(قالَ) اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِن صَدْرِ الكَلامِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ أبُوهُ عِنْدَما سَمِعَ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ هَذِهِ النَّصائِحَ الواجِبَةَ القَبُولِ؟ فَقِيلَ: قالَ مُصِرًّا عَلى عِنادِهِ مُقابِلًا الِاسْتِعْطافَ واللُّطْفَ بِالفَظاظَةِ والغِلْظَةِ: ﴿أراغِبٌ أنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إبْراهِيمُ﴾ اخْتارَ الزَّمَخْشَرِيُّ كَوْنَ (راغِبٌ) خَبَرًا مُقَدَّمًا (وأنْتَ) مُبْتَدَأٌ وفِيهِ تَوْجِيهُ الإنْكارِ إلى نَفْسِ الرَّغْبَةِ مَعَ ضَرْبٍ مِنَ التَّعْجِيبِ. وذَهَبَ أبُو البَقاءِ وابْنُ مالِكٍ وغَيْرُهُما إلى أنَّ (أنْتَ) فاعِلُ الصِّفَةِ لِتَقَدُّمِ الِاسْتِفْهامِ وهو مُغْنٍ عَنِ الخَبَرِ وذَلِكَ لِئَلّا يَلْزَمَ الفَصْلُ بَيْنَ (أراغِبٌ) ومَعْمُولِهِ وهو ﴿عَنْ آلِهَتِي﴾ بِأجْنَبِيٍّ هو المُبْتَدَأُ. وأُجِيبُ بِأنَّ (عَنْ) مُتَعَلِّقٌ بِمُقَدَّرٍ بَعْدَ أنْتَ يَدُلُّ عَلَيْهِ أراغِبٌ.

وقالَ صاحِبُ الكَشْفِ: المُبْتَدَأُ لَيْسَ أجْنَبِيًّا مِن كُلِّ وجْهٍ لا سِيَّما والمَفْصُولُ ظَرْفٌ والمُقَدَّمُ في نِيَّةِ التَّأْخِيرِ، والبَلِيغُ يَلْتَفِتُ لَفْتَ المَعْنى بَعْدَ أنْ كانَ لِما يَرْتَكِبُهُ وجْهٌ مُساغٌ في العَرَبِيَّةِ وإنْ كانَ مَرْجُوحًا. ولَعَلَّ سُلُوكَ هَذا الأُسْلُوبِ قَرِيبٌ مِن تَرْجِيحِ الِاسْتِحْسانِ لِقُوَّةِ أثَرِهِ عَلى القِياسِ، ولا خَفاءَ أنَّ زِيادَةَ الإنْكارِ إنَّما نَشَأ مِن تَقْدِيمِ الخَبَرِ كَأنَّهُ قِيلَ: أراغِبٌ أنْتَ عَنْها لا طالِبَ لَها راغِبٌ فِيها مُنَبِّهًا لَهُ عَلى الخَطَأِ في صُدُوفِهِ ذَلِكَ ولَوْ قِيلَ: أتَرْغَبُ لَمْ يَكُنْ

صفحة 99

مِن هَذا البابِ في شَيْءٍ. انْتَهى.

ورَجَّحَ أبُو حَيّانَ إعْرابَ أبِي البَقاءِ ومَن مَعَهُ بِعَدَمِ لُزُومِ الفَصْلِ فِيهِ وبِسَلامَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ عَنْ خِلافِ الأصْلِ في التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، وتَوَقَّفَ البَدْرُ الدَّمامِينِيُّ في جَوازِ ابْتِدائِيَّةِ المُؤَخَّرِ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ وإنْ خَلا عَنْ فَصْلٍ أوْ مَحْذُورٍ آخَرَ كَما في أطالِعٌ الشَّمْسُ وذَلِكَ نَحْوَ أقائِمٌ زَيْدٌ لِلُزُومِ التِباسِ المُبْتَدَأِ بِالفاعِلِ كَما في ضَرَبَ زَيْدٌ فَإنَّهُ لا يَجُوزُ فِيهِ ابْتِدائِيَّةُ زَيْدٍ. وأجابَ الشُّمُنِّيُّ بِأنَّ زَيْدًا في الأوَّلِ يَحْتَمِلُ أمْرَيْنِ كُلٌّ مِنهُما بِخِلافِ الأصْلِ، وذَلِكَ إجْمالٌ لا لَبْسَ بِخِلافِهِ في الثّانِي فَتَأمَّلْ.

﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لأرْجُمَنَّكَ﴾ تَهْدِيدٌ وتَحْذِيرٌ عَمّا كانَ عَلَيْهِ مِنَ العِظَةِ والتَّذْكِيرِ أيْ واللَّهِ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ عَمّا أنْتَ عَلَيْهِ مِنَ النَّهْيِ عَنْ عِبادَتِها والدَّعْوَةِ إلى ما دَعَوْتَنِي إلَيْهِ لَأرْجُمَنَّكَ بِالحِجارَةِ عَلى ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ، وقِيلَ: بِاللِّسانِ والمُرادُ لَأشْتُمَنَّكَ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعَنِ السُّدِّيِّ والضَّحّاكِ وابْنِ جُرَيْجٍ، وقَدَّرَ بَعْضُهم مُتَعَلِّقَ النَّهْيِ الرَّغْبَةَ عَنِ الآلِهَةِ أيْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ عَنِ الرَّغْبَةِ عَنْ آلِهَتِي لَأرْجُمَنَّكَ ولَيْسَ بِذاكَ (واهْجُرْنِي) عَطْفٌ عَلى مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ التَّهْدِيدُ أيْ فاحْذَرْنِي واتْرُكْنِي وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ.

ولَعَلَّ الدّاعِيَ لِذَلِكَ وعَدَمَ اعْتِبارِ العَطْفِ عَلى المَذْكُورِ أنَّهُ لا يَصِحُّ أوْ لا يَحْسُنُ التَّخالُفُ بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ إنْشائِيَّةٍ وإخْبارِيَّةٍ، وجَوابُ القَسَمِ غَيْرُ الِاسْتِعْطافِيِّ لا يَكُونُ إنْشاءً ولَيْسَتِ الفاءُ في فاحْذَرْنِي عاطِفَةً حَتّى يَعُودَ المَحْذُورُ. ومِنَ النّاسِ مَن عَطَفَ عَلى الجُمْلَةِ السّابِقَةِ بِناءً عَلى تَجْوِيزِ سِيبَوَيْهِ العَطْفَ مَعَ التَّخالُفِ في الإخْبارِ والإنْشاءِ، والتَّقْدِيرُ أوْقَعُ في النَّفْسِ (مَلِيًّا) أيْ دَهْرًا طَوِيلًا عَنِ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ وجَماعَةٍ، وقالَ السُّدِّيُّ: أبَدًا وكَأنَّهُ المُرادُ، وأصْلُهُ عَلى ما قِيلَ مِنَ الإمْلاءِ أيِ الإمْدادِ وكَذا المَلاوَةِ بِتَثْلِيثِ المِيمِ وهي بِمَعْناهُ، ومِن ذَلِكَ المَلَوانِ اللَّيْلُ والنَّهارُ ونَصْبُهُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ كَما في قَوْلِ مُهَلْهِلٍ:

فَتَصَدَّعَتْ صُمُّ الجِبالِ لِمَوْتِهِ وبَكَتْ عَلَيْهِ المُرَمَّلاتُ مَلِيّا

وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ فَسَّرَهُ بِطَوِيلًا ولَمْ يَذْكُرِ المَوْصُوفَ فَقِيلَ هو نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ أيْ هَجْرًا مَلِيًّا، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المَعْنى سالِمًا سَوِيًّا والمُرادُ قادِرًا عَلى الهَجْرِ مُطِيقًا لَهُ، وهو حِينَئِذٍ حالٌ مِن فاعِلِ (اهْجُرْنِي) أيِ اهْجُرْنِي مَلِيًّا بِالهِجْرانِ والذَّهابِ عَنِّي قَبْلَ أنْ أُثْخِنَكَ بِالضَّرْبِ حَتّى لا تَقْدِرَ أنْ تَبْرَحَ، وكَأنَّهُ عَلى هَذا مِن تَمَلّى بِكَذا تَمَتَّعَ بِهِ مِلاوَةً مِنَ الدَّهْرِ.

19:47Page 308

قَالَ سَلَٰمٌ عَلَيۡكَۖ سَأَسۡتَغۡفِرُ لَكَ رَبِّيٓۖ إِنَّهُۥ كَانَ بِي حَفِيّٗا ٤٧

[Abraham] said, "Peace [i.e., safety] will be upon you.1 I will ask forgiveness for you of my Lord. Indeed, He is ever gracious to me.

(قالَ) اسْتِئْنافٌ كَما سَلَفَ ﴿سَلامٌ عَلَيْكَ﴾ تَوْدِيعٌ ومُتارَكَةٌ عَلى طَرِيقَةِ مُقابَلَةِ السَّيِّئَةِ بِالحَسَنَةِ فَإنَّ تَرْكَ الإساءَةِ لِلْمُسِيءِ إحْسانٌ أيْ لا أُصِيبُكَ بِمَكْرُوهٍ بَعْدُ ولا أشافِهُكَ بِما يُؤْذِيكَ، وهو نَظِيرُ ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم سَلامٌ عَلَيْكم لا نَبْتَغِي الجاهِلِينَ﴾ في قَوْلِهِ، وقِيلَ: هو تَحِيَّةُ مُفارِقٍ، وجَوَّزَ قائِلُ هَذا تَحِيَّةَ الكافِرِ وأنْ يَبْدَأ بِالسَّلامِ المَشْرُوعِ وهو مَذْهَبُ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ مُسْتَدِلًّا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ﴾ الآيَةَ، وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿قَدْ كانَتْ لَكم أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ في إبْراهِيمَ﴾ الآيَةَ، وما اسْتَدَلَّ بِهِ مُتَأوَّلٌ وهو مَحْجُوجٌ بِما ثَبَتَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ ( لا تَبْدَأِ اليَهُودَ والنَّصارى بِالسَّلامِ ) وقُرِئَ ( سَلامًا ) بِالنَّصْبِ عَلى المَصْدَرِيَّةِ والرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ ﴿سَأسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ أيِ اسْتَدْعِيهِ سُبْحانَهُ أنْ يَغْفِرَ لَكَ بِأنْ يُوَفِّقَكَ لِلتَّوْبَةِ ويَهْدِيَكَ إلى الإيمانِ كَما يُلَوِّحُ بِهِ تَعْلِيلُ قَوْلِهِ ( واغْفِرْ لِأبِي ) بِقَوْلِهِ ﴿إنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ﴾ كَذا قِيلَ فَيَكُونُ اسْتِغْفارُهُ في قُوَّةِ قَوْلِهِ: رَبِّي اهْدِهِ إلى الإيمانِ وأخْرِجْهُ مِنَ الضَّلالِ.

صفحة 100

والِاسْتِغْفارُ بِهَذا المَعْنى لِلْكافِرِ قَبْلَ تَبَيُّنِ تَحَتُّمِ أنَّهُ يَمُوتُ عَلى الكُفْرِ مِمَّ لا رَيْبَ في جَوازِهِ كَما أنَّهُ لا رَيْبَ في عَدَمِ جَوازِهِ عِنْدَ تَبَيُّنِ ذَلِكَ لِما فِيهِ مِن طَلَبِ المُحالِ، فَإنَّ ما أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى بِعَدَمِ وُقُوعِهِ مُحالٌ وُقُوعُهُ، ولِهَذا لَمّا تَبَيَّنَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالوَحْيِ عَلى أحَدِ القَوْلَيْنِ المَذْكُورَيْنِ في سُورَةِ التَّوْبَةِ أنَّهُ لا يُؤْمَنُ تَرْكُهُ أشَدَّ التَّرْكِ فالوَعْدُ والإنْجازُ كانا قَبْلَ التَّبْيِينِ، ولِذا لَمْ يُؤَذَنُوا بِالتَّأسِّي بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ في الِاسْتِغْفارِ، قالَ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ: إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ لِلْمُؤْمِنِينَ أنَّ أُولَئِكَ أعْداءُ اللَّهِ تَعالى بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ تُلْقُونَ إلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ﴾ وأنْ لا مَجالَ لِإظْهارِ المَوَدَّةِ بِوَجْهٍ ما ثُمَّ بالَغَ جَلَّ شَأْنُهُ في تَفْصِيلِ عَداوَتِهِمْ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إنْ يَثْقَفُوكم يَكُونُوا لَكم أعْداءً ويَبْسُطُوا إلَيْكم أيْدِيَهم وألْسِنَتَهم بِالسُّوءِ ووَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ ثُمَّ حَرَّضَهم تَعالى عَلى قَطِيعَةِ الأرْحامِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿لَنْ تَنْفَعَكم أرْحامُكم ولا أوْلادُكم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ ثُمَّ سَلّاهم عَزَّ وجَلَّ بِالتَّأسِّي في القَطِيعَةِ بِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وقَوْمِهِ بِقَوْلِهِ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿قَدْ كانَتْ لَكم أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ في إبْراهِيمَ والَّذِينَ مَعَهُ إذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إنّا بُرَآءُ مِنكم ومِمّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنا بِكُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى شَأْنُهُ ﴿إلا قَوْلَ إبْراهِيمَ لأبِيهِ لأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ فاسْتَثْنى مِنَ المَذْكُورِ ما لَمْ يَحْتَمِلْهُ المَقامُ كَما احْتَمَلَهُ ذَلِكَ المَقامُ لِلنَّصِّ القاطِعِ يَعْنِي لَكُمُ التَّأسِّي بِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ هَؤُلاءِ الكُفّارِ في القَطِيعَةِ والهِجْرانِ لا غَيْرَ فَلا تُجامِلُوهم ولا تُبْدُوا لَهُمُ الرَّأْفَةَ والرَّحْمَةَ كَما أبْدى إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأبِيهِ في قَوْلِهِ سَأسْتَغْفِرُ لَكَ لِأنَّهُ لَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ حِينَئِذٍ أنَّهُ لا يُؤْمِنُ كَما بَدا لَكم كُفْرُ هَؤُلاءِ وعَداوَتُهُمُ. انْتَهى.

واعْتَرَضَ بِأنَّ ما ذُكِرَ ظاهِرٌ في أنَّ الِاسْتِغْفارَ الَّذِي وقَعَ مِنَ المُؤْمِنِينَ لِأُولِي قَرابَتِهِمْ فَنُهُوا عَنْهُ لِأنَّهُ كانَ بَعْدَ التَّبْيِينِ كانَ كاسْتِغْفارِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِمَعْنى طَلَبِ التَّوْفِيقِ لِلتَّوْبَةِ والهِدايَةِ لِلْإيمانِ، والَّذِي اعْتَمَدَهُ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ الآيَةَ، نَزَلَ في اسْتِغْفارِهِ ﷺ لِعَمِّهِ أبِي طالِبٍ بَعْدَ مَوْتِهِ، وذَلِكَ الِاسْتِغْفارُ مِمّا لا يَكُونُ بِمَعْنى طَلَبِ الهِدايَةِ أصْلًا وكَيْفَ تُعْقَلُ الهِدايَةُ بَعْدَ المَوْتِ بَلْ لَوْ فُرِضَ أنَّ اسْتِغْفارَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَهُ كانَ قَبْلَ المَوْتِ لا يُتَصَوَّرُ أيْضًا أنْ يَكُونَ بِهَذا المَعْنى لِأنَّ الآيَةَ تَقْتَضِي أنَّهُ كانَ بَعْدَ تَبَيُّنِ أنَّهُ مِن أصْحابِ الجَحِيمِ، وإذا فُسِّرَ بِتَحَتُّمِ المَوْتِ عَلى الكُفْرِ كانَ ذَلِكَ دُعاءً بِالهِدايَةِ إلى الإيمانِ مَعَ العِلْمِ بِتَحَتُّمِ المَوْتِ عَلى الكُفْرِ ومُحالِيَّتِهِ إذا كانَتْ مَعْلُومَةً لَنا بِما مَرَّ فَهي أظْهَرُ شَيْءٍ عِنْدَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وعِنْدَ المُقْتَبِسِينَ مِن مِشْكاتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وهو اعْتِراضٌ قَوِيٌّ بِحَسَبِ الظّاهِرِ وعَلَيْهِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ اسْتِغْفارُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأبِيهِ بِذَلِكَ المَعْنى في حَياتِهِ لِعَدَمِ تَصَوُّرِ ذَلِكَ بَعْدَ المَوْتِ وهو ظاهِرٌ.

وقَدْ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في جَوابِ السُّؤالِ بِأنَّهُ كَيْفَ جازَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَسْتَغْفِرَ لِلْكافِرِ وأنْ يَعِدَهُ ذَلِكَ؟ قالُوا: أرادَ اشْتِراطَ التَّوْبَةِ عَنِ الكُفْرِ وقالُوا: إنَّما اسْتَغْفَرَ لَهُ بِقَوْلِهِ: ( واغْفِرْ لِأبِي ) لِأنَّهُ وعَدَهُ أنْ يُؤْمِنَ، واسْتَشْهَدُوا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كانَ اسْتِغْفارُ إبْراهِيمَ لأبِيهِ إلا عَنْ مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ﴾ ثُمَّ قالَ: ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: الَّذِي مَنَعَ مِنَ الِاسْتِغْفارِ لِلْكافِرِ إنَّما هو السَّمْعُ فَأمّا قَضِيَّةُ العَقْلِ فَلا تَأْباهُ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ الوَعْدُ بِالِاسْتِغْفارِ والوَفاءِ بِهِ قَبْلَ وُرُودِ السَّمْعِ، ويَدُلُّ عَلى صِحَّتِهِ أنَّهُ اسْتَثْنى قَوْلَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ( لَأسْتَغْفِرَنَّ ) لَكَ في آيَةِ ( قَدْ كانَتْ لَكم أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ في إبْراهِيمَ ) إلَخْ عَمّا وجَبَتْ فِيهِ الأُسْوَةُ ولَوْ كانَ بِشَرْطِ الإيمانِ والتَّوْبَةِ لَما صَحَّ الِاسْتِثْناءُ، وأمّا كَوْنُ الوَعْدِ مِن أبِيهِ فَيُخالِفُ الظّاهِرَ الَّذِي يَشْهَدُ لَهُ قِراءَةُ الحَسَنِ وغَيْرِهِ ( وعَدَها أباهُ ) بِالباءِ المُوَحَّدَةِ قالَ في الكَشْفِ:

صفحة 101

واعْتَرَضَ الإمامُ حَدِيثَ الِاسْتِثْناءِ بِأنَّ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى المَنعِ مِنَ التَّأسِّي لا أنْ ذَلِكَ كانَ مَعْصِيَةً، فَجازَ أنْ يَكُونَ مِن خَواصِّهِ كَكَثِيرٍ مِنَ المُباحاتِ الَّتِي اخْتُصَّ بِها النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ولَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ لَمْ يَذْهَبْ إلى أنَّ ما ارْتَكَبَهُ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مُنْكَرًا بَلْ إنَّما هو مُنْكَرٌ عَلَيْنا لِوُرُودِ السَّمْعِ.

واعْتَرَضَ صاحِبُ التَّقْرِيبِ بِأنَّ نَفْيَ اللّازِمِ مَمْنُوعٌ، فَإنَّ الِاسْتِثْناءَ عَمّا وجَبَتْ فِيهِ الأُسْوَةُ دَلَّ عَلى أنَّهُ غَيْرُ واجِبٍ لا عَلى أنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ، فَكانَ يَنْبَغِي عَمّا جازَتْ فِيهِ الأُسْوَةُ بَدَلٌ عَمّا وجَبَتْ إلَخْ، والآيَةُ لا دَلالَةَ فِيها عَلى الوُجُوبِ. والجَوابُ: أنَّ جَعْلَهُ مُسْتَنْكَرًا ومُسْتَثْنًى يَدُلُّ عَلى أنَّهُ مُنْكَرٌ لا الِاسْتِثْناءُ عَمّا وجَبَتْ فِيهِ فَقَطْ، وإنَّما أتى الِاسْتِنْكارُ لِأنَّهُ مُسْتَثْنًى عَنِ الأُسْوَةِ الحَسَنَةِ، فَلَوِ اؤْتُسِيَ بِهِ فِيهِ لَكانَ أُسْوَةً قَبِيحَةً، وأمّا الدَّلالَةُ عَلى الوُجُوبِ فَبَيِّنَةٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى آخِرًا ﴿لَقَدْ كانَ لَكم فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كانَ يَرْجُو اللَّهَ واليَوْمَ الآخِرَ﴾ كَما تَقَرَّرَ في الأُصُولِ.

والحاصِلُ أنَّ فِعْلَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ مُنْكَرًا في نَفْسِهِ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا﴾ إلَخْ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ الآنَ مُنْكَرٌ سَمْعًا وأنَّهُ كانَ مُسْتَنْكَرًا في زَمَنِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أيْضًا بَعْدَما كانَ غَيْرَ مُنْكَرٍ، ولِذا تَبَرَّأ مِنهُ، وهو ظاهِرٌ إلّا أنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ جَعَلَ مُدْرِكَ الجَوازِ قَبْلَ النَّهْيِ العَقْلُ وهي مَسْألَةٌ خِلافِيَّةٌ وكَمْ قائِلٍ: إنَّهُ السَّمْعُ لِدُخُولِهِ تَحْتَ بِرِّ الوالِدَيْنِ والشَّفَقَةِ عَلى أُمَّةِ الدَّعْوَةِ بَلْ قِيلَ: إنَّ الأوَّلَ مَذْهَبُ المُعْتَزِلَةِ وهَذا مَذْهَبُ أهْلِ السُّنَّةِ انْتَهى مَعَ تَغْيِيرٍ يَسِيرٍ.

واعْتَرَضَ القَوْلُ بِأنَّهُ اسْتُنْكِرَ في زَمَنِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ ما كانَ غَيْرَ مُنْكَرٍ بِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَفْعَلْهُ نَبِيُّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وقَدْ جاءَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَعَلَهُ لِعَمِّهِ أبِي طالِبٍ. وأُجِيبُ بِجَوازِ أنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ إذْ فَعَلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والتَّحْقِيقُ في هَذِهِ المَسْألَةِ أنَّ الِاسْتِغْفارَ لِلْكافِرِ الحَيِّ المَجْهُولِ العاقِبَةِ بِمَعْنى طَلَبِ هِدايَتِهِ لِلْإيمانِ مِمّا لا مَحْذُورَ فِيهِ عَقْلًا ونَقْلًا، وطَلَبِ ذَلِكَ لِلْكافِرِ المَعْلُومِ أنَّهُ قَدْ طُبِعَ عَلى قَلْبِهِ وأخْبَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ لا يُؤْمِنُ وعُلِمَ أنْ لا تَعْلِيقَ في أمْرِهِ أصْلًا مِمّا لا مَساغَ لَهُ عَقْلًا ونَقْلًا، ومِثْلُهُ طَلَبُ المَغْفِرَةِ لِلْكافِرِ مَعَ بَقائِهِ عَلى الكُفْرِ عَلى ما ذَكَرَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ، وكانَ ذَلِكَ عَلى ما قِيلَ لِما فِيهِ مِن إلْغاءِ أمْرِ الكُفْرِ الَّذِي لا شَيْءَ يَعْدِلُهُ مِنَ المَعاصِي وصَيْرُورَةِ التَّكْلِيفِ بِالإيمانِ الَّذِي لا شَيْءَ يَعْدِلُهُ مِنَ الطّاعاتِ عَبَثًا مَعَ ما في ذَلِكَ مِمّا لا يَلِيقُ بِعَظَمَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ويَكادُ يَلْحَقُ بِذَلِكَ فِيما ذُكِرَ طَلَبُ المَغْفِرَةِ لِسائِرِ العُصاةِ مَعَ البَقاءِ عَلى المَعْصِيَةِ إلّا أنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ الكَفْرِ وسائِرِ المَعاصِي، وأمّا طَلَبُ المَغْفِرَةِ لِلْكافِرِ بَعْدَ مَوْتِهِ عَلى الكُفْرِ فَلا تَأْباهُ قَضِيَّةُ العَقْلِ وإنَّما يَمْنَعُهُ السَّمْعُ وفَرَّقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ طَلَبِها لِلْكافِرِ مَعَ بَقائِهِ عَلى الكُفْرِ بِعَدَمِ جَرَيانِ التَّعْلِيلِ السّابِقِ فِيهِ ويَحْتاجُ ذَلِكَ إلى تَأمُّلٍ.

واسْتُدِلَّ عَلى جَوازِ ذَلِكَ عَقْلًا بِقَوْلِهِ ﷺ لِعَمِّهِ: ( «لا أزالُ أسْتَغْفِرُ لَكَ ما لَمْ أُنْهَ» ) فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ الآيَةَ، وحُمِلَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهم أنَّهم أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ عَلى مَعْنى مِن بَعْدِ ما ظَهَرَ لَهم أنَّهم ماتُوا كَفّارًا والتُزِمَ القَوْلُ بِنُزُولِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ بَعْدَ ذَلِكَ وإلّا فَلا يَتَسَنّى اسْتِغْفارُهُ ﷺ لِعَمِّهِ بَعْدَ العِلْمِ بِمَوْتِهِ كافِرًا وتَقَدَّمَ السَّماعُ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَغْفِرُ الكُفْرَ، وقِيلَ لا حاجَةَ إلى التِزامِ ذَلِكَ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِوُفُورِ شَفَقَتِهِ وشِدَّةِ رَأْفَتِهِ قَدْ حَمَلَ الآيَةَ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يَغْفِرُ الشِّرْكَ إذا لَمْ يُشَفَّعْ فِيهِ أوِ التَّرْكَ الَّذِي تَواطَأ فِيهِ القَلْبُ وسائِرُ الجَوارِحِ وعَلِمَ مِن عَمِّهِ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ شِرْكُهُ كَذَلِكَ فَطَلَبَ المَغْفِرَةَ حَتّى نُهِيَ ﷺ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ فَتَأمَّلْ، فالمَقامُ

صفحة 102

مُحْتاجٌ بَعْدُ إلى كَلامٍ واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ.

﴿إنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا﴾ بَلِيغًا في البِرِّ والإكْرامِ يُقالُ حَفِيٌّ بِهِ إذا اعْتَنى بِإكْرامِهِ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها، وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ لِرِعايَةِ الفَواصِلِ مَعَ الِاهْتِمامِ.

19:48Page 308

وَأَعۡتَزِلُكُمۡ وَمَا تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدۡعُواْ رَبِّي عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّي شَقِيّٗا ٤٨

And I will leave you and those you invoke other than Allāh and will invoke1 my Lord. I expect that I will not be in invocation to my Lord unhappy [i.e., disappointed]."

(وأعْتَزِلُكُمْ) الظّاهِرُ أنَّهُ عَطْفٌ عَلى (سَأسْتَغْفِرُ) والمُرادُ أتَباعَدُ عَنْكَ وعَنْ قَوْمِكَ ﴿وما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ بِالمُهاجَرَةِ بِدِينِي حَيْثُ لَمْ تُؤَثِّرْ فِيكم نَصائِحِي.

يُرْوى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ هاجَرَ إلى الشّامِ، وقِيلَ إلى حَرّانَ وهو قَرِيبٌ مِن ذَلِكَ وكانُوا بِأرْضِ كُوثا. وفي هِجْرَتِهِ هَذِهِ تَزَوَّجَ سارَةَ ولَقِيَ الجَبّارَ الَّذِي أخْدَمَ سارَةَ هاجَرَ، وجُوِّزَ حَمْلُ الِاعْتِزالِ عَلى الِاعْتِزالِ بِالقَلْبِ والِاعْتِقادِ وهو خِلافُ الظّاهِرِ المَأْثُورِ ﴿وأدْعُو رَبِّي﴾ أيْ أعْبُدُهُ سُبْحانَهُ وحْدَهُ كَما يُفْهَمُ مِنِ اجْتِنابِ غَيْرِهِ تَعالى مِنَ المَعْبُوداتِ ولِلتَّغايُرِ بَيْنَ العِبادَتَيْنِ غُوَيْرٌ بَيْنَ العِبارَتَيْنِ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّهُ عَبَّرَ بِالعِبادَةِ أوَّلًا لِأنَّ ذَلِكَ أوْفَقُ بِقَوْلِ أبِيهِ ﴿أراغِبٌ أنْتَ عَنْ آلِهَتِي﴾ مَعَ قَوْلِهِ فِيما سَبَقَ ﴿يا أبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ﴾ إلَخْ، وعَبَّرَ ثانِيًا بِالدُّعاءِ لِأنَّهُ أظْهَرُ في الإقْبالِ المُقابِلِ لِلِاعْتِزالِ.

وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِذَلِكَ الدُّعاءُ مُطْلَقًا أوْ ما حَكاهُ سُبْحانَهُ في سُورَةِ الشُّعَراءِ وهو قَوْلُهُ ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ وقِيلَ: لا يَبْعُدُ أنْ يُرادَ اسْتِدْعاءُ الوَلَدِ أيْضًا بِقَوْلِهِ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ حَسْبَما يُساعِدُهُ السِّياقُ والسِّباقُ ﴿عَسى ألا أكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ خائِبًا ضائِعَ السَّعْيِ. وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِشَقاوَتِهِمْ في عِبادَةِ آلِهَتِهِمْ. وفي تَصْدِيرِ الكَلامِ بِعَسى مِن إظْهارِ التَّواضُعِ ومُراعاةِ حُسْنِ الأدَبِ والتَّنْبِيهِ عَلى حَقِيقَةِ الحَقِّ مِن أنَّ الإثابَةَ والإجابَةَ بِطَرِيقِ التَّفَضُّلِ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ لا بِطَرِيقِ الوُجُوبِ وأنَّ العِبْرَةَ بِالخاتِمَةِ وذَلِكَ مِنَ الغُيُوبِ المُخْتَصَّةِ بِالعَلِيمِ الخَبِيرِ ما لا يَخْفى

19:49Page 308

فَلَمَّا ٱعۡتَزَلَهُمۡ وَمَا يَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَهَبۡنَا لَهُۥٓ إِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَۖ وَكُلّٗا جَعَلۡنَا نَبِيّٗا ٤٩

So when he had left them and those they worshipped other than Allāh, We gave him Isaac and Jacob, and each [of them] We made a prophet.

﴿فَلَمّا اعْتَزَلَهم وما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ بِالمُهاجَرَةِ إلى ما تَقَدَّمَ ﴿وهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ﴾ بَدَلٌ مِن فارَقَهم مِن أبِيهِ وقَوْمِهِ الكَفَرَةِ لَكِنْ لا عَقِيبَ المُهاجِرَةِ. والمَشْهُورُ أنَّ أوَّلَ ما وُهِبَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الأوْلادِ إسْماعِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ إثْرَ دُعائِهِ بِقَوْلِهِ ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ وكانَ مِن هاجَرَ فَغارَتْ سارَةُ فَحَمَلَتْ بِإسْحاقَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلَمّا كَبُرَ وُلِدَ لَهُ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ.

ولَعَلَّ تَرْتِيبَ هِبَتِهِما عَلى اعْتِزالِهِ هاهُنا لِبَيانِ كَمالِ عِظَمِ النِّعَمِ الَّتِي أعْطاها اللَّهُ تَعالى إيّاهُ بِمُقابَلَةِ مَنِ اعْتَزَلَهم مِنَ الأهْلِ والأقْرِباءِ، فَإنَّهُما شَجَرَتا الأنْبِياءِ ولَهُما أوْلادٌ وأحْفادٌ أُولُو شَأْنٍ خَطِيرٍ وذَوُو عَدَدٍ كَثِيرٍ مَعَ أنَّهُ سُبْحانَهُ أرادَ أنْ يُذَكِّرَ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِفَضْلِهِ عَلى الِانْفِرادِ. ورُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قَصَدَ الشّامَ أتى أوَّلًا حَرّانَ وتَزَوَّجَ سارَةَ ووَلَدَتْ لَهُ إسْحاقَ ووُلِدَ لِإسْحاقَ يَعْقُوبُ. والأوَّلُ هو الأقْرَبُ الأظْهَرُ (وكُلًّا) أيْ: كُلَّ واحِدٍ مِن إسْحاقَ ويَعْقُوبَ أوْ مِنهُما ومِن إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو مَفْعُولٌ أوَّلُ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿جَعَلْنا نَبِيًّا﴾ قُدِّمَ عَلَيْهِ لِلتَّخْصِيصِ لَكِنْ لا بِالنِّسْبَةِ إلى مَن عَداهم بَلْ بِالنِّسْبَةِ إلى بَعْضِهِمْ أيْ كُلَّ واحِدٍ مِنهم ﴿جَعَلْنا نَبِيًّا﴾ لا بَعْضَهم دُونَ بَعْضٍ، ولا يَظْهَرُ في هَذا التَّرْتِيبِ عَلى الوَجْهِ الثّانِي في (كُلًّا) كَوْنُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ نَبِيًّا قَبْلَ الِاعْتِزالِ

19:50Page 308

وَوَهَبۡنَا لَهُم مِّن رَّحۡمَتِنَا وَجَعَلۡنَا لَهُمۡ لِسَانَ صِدۡقٍ عَلِيّٗا ٥٠

And We gave them of Our mercy, and We made for them a mention [i.e., reputation] of high honor.

﴿ووَهَبْنا لَهم مِن رَحْمَتِنا﴾ قالَ الحَسَنُ: النُّبُوَّةُ.

صفحة 103

ولَعَلَّ ذِكْرَ ذَلِكَ بَعْدَ ذِكْرِ جَعْلِهِمْ أنْبِياءَ لِلْإيذانِ بِأنَّ النُّبُوَّةَ مِن بابِ الرَّحْمَةِ الَّتِي يَخْتَصُّ بِها مَن يَشاءُ. وقالَ الكَلْبِيُّ: هي المالُ والوَلَدُ وقِيلَ هو الكِتابُ، والأظْهَرُ أنَّها عامَّةٌ لِكُلِّ خَيْرٍ دِينِيٍّ ودُنْيَوِيٍّ أُوتُوهُ مِمّا لَمْ يُؤْتَ أحَدٌ مِنَ العالَمِينَ ﴿وجَعَلْنا لَهم لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ تَفْتَخِرُ بِهِمُ النّاسُ ويُثْنُونَ عَلَيْهِمُ اسْتِجابَةً لِدَعْوَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ وزِيادَةً عَلى ذَلِكَ. والمُرادُ بِاللِّسانِ ما يُوجَدُ بِهِ مِنَ الكَلامِ فَهو مَجازٌ بِعَلاقَةِ السَّبَبِيَّةِ كاليَدِ في العَطِيَّةِ ولِسانِ العَرَبِ لُغَتُهم. ويُطْلَقُ عَلى الرِّسالَةِ الرّائِعُ كَما في قَوْلِ أعْشى باهِلَةَ:

إنِّي أتَتْنِي لِسانٌ لا أُسَرُّ بِها

ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ:

نَدِمْتُ عَلى لِسانٍ كانَ مِنِّي

وإضافَتُهُ إلى الصِّدْقِ ووَصْفُهُ بِالعُلُوِّ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم أحِقّاءُ بِما يُثْنَوْنَ عَلَيْهِمْ وأنَّ مَحامِدَهم لا تَخْفى كَأنَّها نارٌ عَلى عَلَمٍ عَلى تَباعُدِ الأعْصارِ وتَبَدُّلِ الدُّوَلِ وتَغَيُّرِ المِلَلِ والنِّحَلِ، وخَصَّ بَعْضُهم لِسانَ الصِّدْقِ بِما يُتْلى في التَّشَهُّدِ: كَما صَلَّيْتَ عَلى إبْراهِيمَ وعَلى آلِ إبْراهِيمَ، والعُمُومُ أوْلى.

19:51Page 308

وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ مُوسَىٰٓۚ إِنَّهُۥ كَانَ مُخۡلَصٗا وَكَانَ رَسُولٗا نَّبِيّٗا ٥١

And mention in the Book, Moses. Indeed, he was chosen, and he was a messenger and a prophet.1

﴿واذْكُرْ في الكِتابِ مُوسى﴾ قِيلَ قُدِّمَ ذِكْرُهُ عَلى إسْماعِيلَ عَلَيْهِما السَّلامُ لِئَلّا يَنْفَصِلَ عَنْ ذِكْرِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ. وقِيلَ: تَعْجِيلًا لِاسْتِجْلابِ أهْلِ الكِتابِ بَعْدَ ما فِيهِ اسْتِجْلابُ العَرَبِ.

﴿إنَّهُ كانَ مُخْلَصًا﴾ مُوَحِّدًا أخْلَصَ عِبادَتَهُ عَنِ الشِّرْكِ والرِّياءِ أوْ أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ وأخْلَصَ عَنْ سِواهُ.

وقَرَأ الكُوفِيُّونَ وأبُو رَزِينٍ ويَحْيى وقَتادَةُ ( مُخْلَصًا ) بِفَتْحِ اللّامِ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى أخْلَصَهُ ﴿وكانَ رَسُولا﴾ مُرْسَلًا مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى إلى الخَلْقِ بِتَبْلِيغِ ما شاءَ مِنَ الأحْكامِ (نَبِيًّا) رَفِيعَ القَدْرِ عَلى كَثِيرٍ مِنَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أوْ عَلى سائِرِ النّاسِ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ فالنَّبِيُّ مِنَ النُّبُوَّةِ بِمَعْنى الرِّفْعَةِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ النَّبَأِ وأصْلُهُ نَبِيءٌ أيِ المُنْبِئُ عَنِ اللَّهِ تَعالى بِالتَّوْحِيدِ والشَّرائِعِ ورُجِّحَ الأوَّلُ بِأنَّهُ أبْلَغُ، قِيلَ ولِذَلِكَ قالَ ﷺ: ( «لَسْتُ بِنَبِيءِ اللَّهِ تَعالى بِالهَمْزَةِ ولَكِنْ نَبِيَّ اللَّهِ تَعالى» )

لِمَن خاطَبَهُ بِالهَمْزِ وأرادَ أنْ يَغُضَّ مِنهُ. والَّذِي ذَكَرَهُ الجَوْهَرِيُّ أنَّ القائِلَ أرادَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أخْرَجَهُ قَوْمُهُ مِن نَبَأٍ فَأجابَهُ ﷺ بِما يَدْفَعُ ذَلِكَ الِاحْتِمالَ. ووَجْهُ الإتْيانِ بِالنَّبِيِّ بَعْدَ الرَّسُولِ عَلى الأوَّلِ ظاهِرٌ. ووَجْهُ ذَلِكَ عَلى الثّانِي مُوافَقَةُ الواقِعِ بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ أرْسَلَهُ اللَّهُ تَعالى إلى الخَلْقِ فَأنْبَأهم عَنْهُ سُبْحانَهُ.

واخْتارَ بَعْضُهم أنَّ المُرادَ مِن كِلا اللَّفْظَيْنِ مَعَناهُما اللُّغَوِيُّ وأنَّ ذِكْرَ النَّبِيِّ بَعْدَ الرَّسُولِ لِما أنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مُرْسَلٍ نَبِيًّا لِأنَّهُ قَدْ يُرْسَلُ بِعَطِيَّةٍ أوْ مَكْتُوبٍ أوْ نَحْوِهِما.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском