Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Maryam 19:52–58
19:52Page 309
وَنَٰدَيۡنَٰهُ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ ٱلۡأَيۡمَنِ وَقَرَّبۡنَٰهُ نَجِيّٗا ٥٢
And We called him from the side of the mount1 at [his] right and brought him near, confiding [to him].
﴿ونادَيْناهُ مِن جانِبِ الطُّورِ الأيْمَنِ﴾ الطَّوْرُ جَبَلٌ بَيْنَ مِصْرَ ومَدْيَنَ والأيْمَنُ صِفَةٌ لِجانِبٍ لِقَوْلِهِ تَعالى في آيَةٍ أُخْرى ﴿جانِبِ الطُّورِ الأيْمَنِ﴾ بِالنَّصْبِ أيْ بادَيْناهُ مِن ناحِيَتِهِ اليُمْنى مِنَ اليَمِينِ المُقابِلِ لِلْيَسارِ. والمُرادُ بِهِ يَمِينُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أيِ النّاحِيَةُ الَّتِي تَلِي يَمِينَهُ إذِ الجَبَلُ نَفْسُهُ لا مَيْمَنَةَ لَهُ ولا مَيْسَرَةَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الأيْمَنُ مِنَ اليُمْنِ وهو البَرَكَةُ وهو صِفَةٌ لِجانِبٍ أيْضًا أيْ مِن جانِبِهِ المَيْمُونِ المُبارَكِ.
وجُوِّزَ عَلى هَذا أنْ يَكُونَ صِفَةً لِلطُّورِ والأوَّلُ أوْلى، والمُرادُ مِن نِدائِهِ مِن ذَلِكَ ظُهُورُ كَلامِهِ تَعالى مِن تِلْكَ الجِهَةِ، والظّاهِرُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما سَمِعَ الكَلامَ اللَّفْظِيَّ، وقالَ بَعْضُ: إنَّ الَّذِي سَمِعَهُ كانَ بِلا حَرْفٍ ولا
صفحة 104
صَوْتٍ وأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ سَمِعَهُ بِجَمِيعِ أعْضائِهِ مِن جَمِيعِ الجِهاتِ، وبِذَلِكَ يَتَيَقَّنُ أنَّ المُنادِيَ هو اللَّهُ تَعالى، ومِن هُنا قِيلَ: إنَّ المُرادَ نادَيْناهُ مُقْبِلًا مِن جانِبِ الطُّورِ المُبارَكِ وهو طُورٌ ما وراءَ طُورِ العَقْلِ، وفي الأخْبارِ ما يُنادِي عَلى خِلافِهِ ﴿وقَرَّبْناهُ نَجِيًّا﴾ تَقْرِيبٌ تَشْرِيفٌ مِثْلُ حالِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِحالِ مَن قَرَّبَهُ المَلِكُ لِمُناجاتِهِ واصْطَفاهُ لِمُصاحَبَتِهِ ورَفَعَ الوَسائِطَ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ و(نَجِيًّا) فَعِيلٌ بِمَعْنى مُفاعِلٍ كَجَلِيسٍ بِمَعْنى مُجالِسٍ ونَدِيمٍ بِمَعْنى مُنادِمٍ مِنَ المُناجاةِ المَسارَّةُ بِالكَلامِ ونَصْبُهُ عَلى الحالِيَّةِ مِن أحَدِ ضَمِيرَيْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في نادَيْناهُ وقَرَّبْناهُ، أيْ نادَيْناهُ أوْ قَرَّبْناهُ حالَ كَوْنِهِ مُناجِيًا، وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: مُرْتَفِعًا عَلى أنَّهُ مِنَ النَّجْوِ وهو الِارْتِفاعُ.
( فَقَدْ أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّ جِبْرائِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ أرْدَفَهُ حَتّى سَمِعَ صَرِيرَ القَلَمِ والتَّوْراةُ تُكْتَبُ لَهُ أيْ كِتابَةً ثانِيَةً، وإلّا فَفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ الوارِدِ في شَأْنِ مِحاجَّةِ آدَمَ ومُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ أنَّها كُتِبَتْ قَبْلَ خَلْقِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأرْبَعِينَ سَنَةً، وخَبَرُ رَفْعِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى السَّماءِ حَتّى سَمِعَ صَرِيرَ القَلَمِ رَواهُ غَيْرُ واحِدٍ وصَحَّحَهُ الحاكِمُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وعَلى ذَلِكَ لا يَكُونُ المِعْراجُ مُطْلَقًا مُخْتَصًّا بِنَبِيِّنا ﷺ بَلِ المِعْراجُ الأكْمَلُ، وقِيلَ مَعْنى (نَجِيًّا) ناجِيًا بِصِدْقِهِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ قَتادَةَ ولا يَخْفى بُعْدُهُ.
19:53Page 309
وَوَهَبۡنَا لَهُۥ مِن رَّحۡمَتِنَآ أَخَاهُ هَٰرُونَ نَبِيّٗا ٥٣
And We gave him out of Our mercy his brother Aaron as a prophet.
﴿ووَهَبْنا لَهُ مِن رَحْمَتِنا﴾ أيْ: مِن أجْلِ رَحْمَتِنا لَهُ (أخاهُ) أيْ: مُعاضَدَةَ أخِيهِ ومُؤازَرَتَهُ إجابَةً لِدَعْوَتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي﴾ ﴿هارُونَ أخِي﴾ لا نَفْسَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّهُ كانَ أكْبَرَ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ سِنًّا فَوُجُودُهُ سابِقٌ عَلى وُجُودِهِ وهو مَفْعُولُ (وهَبْنا) وقَوْلُهُ تَعالى (هارُونَ) عَطْفُ بَيانٍ لَهُ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ (نَبِيًّا) حالٌ مِنهُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِن لِلتَّبْعِيضِ قِيلَ وحِينَئِذٍ يَكُونُ (أخاهُ) بَدَلَ بَعْضٍ مَن كُلٍّ أوْ كُلٍّ مَن كُلٍّ أوِ اشْتِمالٍ مِن مِن، وتُعُقِّبَ بِأنَّها إنْ كانَتِ اسْمًا مُرادِفَةً لِبَعْضٍ فَهو خِلافُ الظّاهِرِ وإنْ كانَتْ حَرْفًا فَإبْدالُ الِاسْمِ مِنَ الحَرْفِ مِمّا لَمْ يُوجَدْ في كَلامِهِمْ، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ وهَبْنا لَهُ شَيْئًا مِن رَحْمَتِنا فَأخاهُ بَدَلٌ مِن شَيْئًا المُقَدَّرِ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الظّاهِرَ هو كَوْنُهُ مَفْعُولًا
19:54Page 309
وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ إِسۡمَٰعِيلَۚ إِنَّهُۥ كَانَ صَادِقَ ٱلۡوَعۡدِ وَكَانَ رَسُولٗا نَّبِيّٗا ٥٤
And mention in the Book, Ishmael. Indeed, he was true to his promise, and he was a messenger and a prophet.
﴿واذْكُرْ في الكِتابِ إسْماعِيلَ﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ ابْنُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِما السَّلامُ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الجُمْهُورُ وهو الحَقُّ، وفَصْلُ ذِكْرِهِ عَنْ ذِكْرِ أبِيهِ وأخِيهِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لِإبْرازِ كَمالِ الِاعْتِناءِ بِأمْرِهِ بِإيرادِهِ مُسْتَقِلًّا، وقِيلَ: إنَّهُ إسْماعِيلُ بْنُ حِزْقِيلَ بَعَثَهُ اللَّهُ تَعالى إلى قَوْمِهِ فَسَلَخُوا جِلْدَةَ رَأْسِهِ فَخَيَّرَهُ اللَّهُ تَعالى فِيما شاءَ مِن عَذابِهِمْ فاسْتَعْفاهُ ورَضِيَ بِثَوابِهِ سُبْحانَهُ وفَوَّضَ أمْرَهم إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ في العَفْوِ والعُقُوبَةِ، ورَوى ذَلِكَ الإمامِيَّةُ عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وغالِبُ الظَّنِّ أنَّهُ لا يَصِحُّ عَنْهُ ﴿إنَّهُ كانَ صادِقَ الوَعْدِ﴾ تَعْلِيلٌ لِمُوجِبِ الأمْرِ، وإيرادُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهَذا الوَصْفِ لِكَمالِ شُهْرَتِهِ بِذَلِكَ.
وقَدْ جاءَ في بَعْضِ الأخْبارِ أنَّهُ وعَدَ رَجُلًا أنْ يُقِيمَ لَهُ بِمَكانٍ فَغابَ عَنْهُ حَوْلًا فَلَمّا جاءَهُ قالَ لَهُ: ما بَرِحْتَ مِن مَكانِكَ؟ فَقالَ: لا واللَّهِ ما كُنْتُ لِأُخْلِفَ مَوْعِدِي، وقِيلَ: غابَ عَنْهُ اثْنَيْ عَشَرَ يَوْمًا، وعَنْ مُقاتِلٍ: ثَلاثَةَ أيّامٍ، وعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٌ: يَوْمًا ولَيْلَةً، والأوَّلُ أشْهَرُ ورَواهُ الإمامِيَّةُ أيْضًا عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ؛ وإذا كانَ هو الذَّبِيحَ فَناهِيكَ في صِدْقِهِ أنَّهُ وعَدَ أباهُ الصَّبْرَ عَلى الذَّبْحِ بِقَوْلِهِ: ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ فَوَفى.
وقالَ بَعْضُ الأذْكِياءِ طالَ بَقاؤُهُ: لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ إشارَةً إلى هَذا الوَعْدِ والصِّدْقِ فِيهِ مِن أعْظَمِ ما يُتَصَوَّرُ.
﴿وكانَ رَسُولا نَبِيًّا﴾ الكَلامُ فِيهِ كالكَلامِ في السّابِقِ بَيْدَ أنَّهم قالُوا هُنا: إنَّ فِيهِ دَلالَةً عَلى أنَّ الرَّسُولَ لا يَجِبُ
صفحة 105
أنْ يَكُونَ صاحِبَ شَرِيعَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ فَإنَّ أوْلادَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ كانُوا عَلى شَرِيعَتِهِ، وقَدِ اشْتَهَرَ خِلافُهُ بَلِ اشْتَرَطَ بَعْضُهم فِيهِ أنْ يَكُونَ صاحِبَ كِتابٍ أيْضًا والحَقُّ أنَّهُ لَيْسَ بِلازِمٍ، وقِيلَ: إنَّ المُرادَ بِكَوْنِهِ صاحِبَ شَرِيعَةٍ أنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيعَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلى المَبْعُوثِ إلَيْهِمْ، وإسْماعِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ كَذَلِكَ لِأنَّهُ بُعِثَ إلى جُرْهُمَ بِشَرِيعَةِ أبِيهِ ولَمْ يُبْعَثْ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ إلَيْهِمْ ولا يَخْفى ما فِيهِ
19:55Page 309
وَكَانَ يَأۡمُرُ أَهۡلَهُۥ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱلزَّكَوٰةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِۦ مَرۡضِيّٗا ٥٥
And he used to enjoin on his people prayer and zakāh and was to his Lord pleasing [i.e., accepted by Him].
﴿وكانَ يَأْمُرُ أهْلَهُ بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ﴾ اشْتِغالًا بِالأهَمِّ وهو أنْ يَبْدَأ الرَّجُلُ بَعْدَ تَكْمِيلِ نَفْسِهِ بِتَكْمِيلِ مَن هو أقْرَبُ النّاسِ إلَيْهِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾، ﴿وأْمُرْ أهْلَكَ بِالصَّلاةِ﴾، ﴿قُوا أنْفُسَكم وأهْلِيكم نارًا﴾ أوْ قَصْدًا إلى تَكْمِيلِ الكُلِّ بِتَكْمِيلِهِمْ لِأنَّهم قُدْوَةٌ يُؤْتَسى بِهِمْ.
وقالَ الحَسَنُ: المُرادُ بِأهْلِهِ أُمَّتُهُ لِكَوْنِ النَّبِيِّ بِمَنزِلَةِ الأبِ لِأُمَّتِهِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ أنَّ في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ وكانَ يَأْمُرُ قَوْمَهُ، والمُرادُ بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ قِيلَ مَعْناهُما المَشْهُورُ، وقِيلَ: المُرادُ بِالزَّكاةِ مُطْلَقُ الصَّدَقَةِ، وحُكِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ ( يَأْمُرُ أهْلَهُ بِالصَّلاةِ لَيْلًا والصَّدَقَةِ نَهارًا، وقِيلَ المُرادُ بِها تَزْكِيَةُ النَّفْسِ وتَطْهِيرُها ﴿وكانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ لِاسْتِقامَةِ أقْوالِهِ وأفْعالِهِ وهو اسْمُ مَفْعُولٍ وأصْلُهُ مَرْضُووٌ فَأُعِلَّ بِقَلْبِ واوِهِ ياءً لِأنَّها طَرَفٌ بَعْدَ واوٍ ساكِنَةٍ فاجْتَمَعَتِ الواوُ والياءُ وسُبِقَتْ إحْداهُما بِالسُّكُونِ فَقُلِبَتِ الواوُ ياءً وأُدْغِمَتِ الياءُ في الياءِ وقُلِبَتِ الضَّمَّةُ كَسْرَةً.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ ( مَرْضُوًّا ) مِن غَيْرِ إعْلالٍ، وعَنِ العَرَبِ أنَّهم قالُوا: أرْضٌ مُسْنِيَةٌ ومُسْنِوَةٌ وهي الَّتِي تُسْقى بِالسَّوانِي
19:56Page 309
وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ إِدۡرِيسَۚ إِنَّهُۥ كَانَ صِدِّيقٗا نَّبِيّٗا ٥٦
And mention in the Book, Idrees. Indeed, he was a man of truth and a prophet.
﴿واذْكُرْ في الكِتابِ إدْرِيسَ﴾ هو نَبِيٌّ قَبْلَ نُوحٍ وبَيْنَهُما عَلى ما في المُسْتَدْرَكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ألْفَ سَنَةٍ وهو أخْنُوخُ بْنُ يَرْدَ بْنِ مُهَلايِيلَ بْنِ أنُّوشَ بْنِ قِينانَ بْنِ شِيثَ بْنِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وعَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أنَّهُ جَدُّ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، والمَشْهُورُ أنَّهُ جَدُّ أبِيهِ فَإنَّهُ ابْنُ لَمَكَ بْنِ مُتَوَشْلِخَ بْنِ أخْنُوخَ وهو أوَّلُ مَن نَظَرَ في النُّجُومِ والحِسابِ وجَعَلَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ مِن مُعْجِزاتِهِ عَلى ما في البَحْرِ، وأوَّلُ مَن خَطَّ بِالقَلَمِ وخاطَ الثِّيابَ ولَبِسَ المَخِيطَ وكانَ خَيّاطًا وكانُوا قَبْلُ يَلْبَسُونَ الجُلُودَ، وأوَّلُ مُرْسَلٌ بَعْدَ آدَمَ، وقَدْ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ ثَلاثِينَ صَحِيفَةً، وأوَّلُ مَنِ اتَّخَذَ المَوازِينَ والمَكايِيلَ والأسْلِحَةَ فَقاتَلَ بَنِي قابِيلَ، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ إلْياسُ بُعِثَ إلى قَوْمِهِ أنْ يَقُولُوا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ويَعْمَلُوا ما شاءُوا فَأبَوْا وأُهْلِكُوا، والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ الأوَّلُ وإنْ رَوى القَوْلَ بِأنَّهُ إلْياسُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وهَذا اللَّفْظُ سُرْيانِيٌّ عِنْدَ الأكْثَرِينَ ولَيْسَ مُشْتَقًّا مِنَ الدَّرْسِ لِأنَّ الِاشْتِقاقَ مِن غَيْرِ العَرَبِيِّ مِمّا لَمْ يَقُلْ بِهِ أحَدٌ وكَوْنُهُ عَرَبِيًّا مُشْتَقًّا مِن ذَلِكَ يَرُدُّهُ مَنعُ صَرْفِهِ، نَعَمْ لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ في تِلْكَ اللُّغَةِ قَرِيبًا مِن ذَلِكَ فَلُقِّبَ بِهِ لِكَثْرَةِ دِراسَتِهِ ﴿إنَّهُ كانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ هو كَما تَقَدَّمَ.
﴿ورَفَعْناهُ مَكانًا عَلِيًّا﴾ هو شَرَفُ النُّبُوَّةِ والزُّلْفى عِنْدَ اللَّهِ تَعالى كَما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ وإلَيْهِ ذَهَبَ الجُبّائِيُّ وأبُو مُسْلِمٍ، وعَنْ أنَسٍ وأبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ وكَعْبٍ ومُجاهِدٍ: السَّماءِ الرّابِعَةِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والضَّحّاكِ: السَّماءَ السّادِسَةَ وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنِ الحَسَنِ الجَنَّةَ لا شَيْءَ أعَلا مِنَ الجَنَّةِ، وعَنِ النّابِغَةِ الجَعْدِيِّ أنَّهُ لَمّا أنْشَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الشِّعْرَ الَّذِي آخِرُهُ:
بَلَغْنا السَّماءَ مَجْدُنا وسَناؤُنا وإنّا لَنَرْجُو فَوْقَ ذَلِكَ مَظْهَرا
صفحة 106
قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَهُ: إلى أيْنَ المَظْهَرُ يا أبا لَيْلى؟ قالَ إلى الجَنَّةِ يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: أجَلْ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
وعَنْ قَتادَةَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَعْبُدُ اللَّهَ تَعالى مَعَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ في السَّماءِ السّابِعَةِ ويَرْتَعُ تارَةً في الجَنَّةِ حَيْثُ شاءَ، وأكْثَرُ القائِلِينَ بِرَفْعِهِ حِسًّا قائِلُونَ بِأنَّهُ حَيٌّ حَيْثُ رُفِعَ، وعَنْ مُقاتِلٍ أنَّهُ مَيِّتٌ في السَّماءِ وهو قَوْلٌ شاذٌّ. وسَبَبُ رَفْعِهِ عَلى ما رُوِيَ عَنْ كَعْبِ وغَيْرِهِ أنَّهُ مَرَّ ذاتَ يَوْمٍ في حاجَةٍ فَأصابَهُ وهَجُ الشَّمْسِ فَقالَ: يا رَبِّ إنِّي مَشَيْتُ يَوْمًا في الشَّمْسِ فَأصابَنِي مِنها ما أصابَنِي فَكَيْفَ بِمَن يَحْمِلُها مَسِيرَةَ خَمْسِمِائَةِ عامٍ في يَوْمٍ واحِدٍ اللَّهُمَّ خَفِّفْ عَنْهُ مِن ثِقَلِها وحَرِّها، فَلَمّا أصْبَحَ المَلَكُ وجَدَ مِن خِفَّةِ الشَّمْسِ وحَرِّها ما لا يَعْرِفُ فَقالَ: يا رَبِّ خَلَقْتَنِي لِحَمْلِ الشَّمْسِ فَماذا الَّذِي قَضَيْتَ فِيهِ قالَ: إنَّ عَبْدِي إدْرِيسَ سَألَنِي أنْ أُخَفِّفَ عَنْكَ حِمْلَها وحَرَّها فَأجَبْتَهُ قالَ: يا رَبِّ فاجْمَعْ بَيْنِي وبَيْنَهُ واجْعَلْ بَيْنِي وبَيْنَهُ خَلَّةٌ، فَأذِنَ لَهُ حَتّى أتى إدْرِيسَ ثُمَّ إنَّهُ طَلَبَ مِنهُ رَفْعَهُ إلى السَّماءِ فَأذِنَ اللَّهُ تَعالى لَهُ بِذَلِكَ فَرَفَعَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عُمَرَ مَوْلى عَفْرَةَ يَرْفَعُ الحَدِيثَ إلى النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ( «قالَ: بَلْ إنِّي مَعَكَ وإنِّي أقْبِضُ نَفْسَ مَن أُمِرْتُ بِقَبْضِ نَفْسِهِ في مَشارِقِ الأرْضِ ومَغارِبِها وما الدُّنْيا كُلُّها عِنْدِي إلّا كَمائِدَةٍ بَيْنَ يَدَيِ الرَّجُلِ يَتَناوَلُ مِنها ما شاءَ فَقالَ لَهُ: يا مَلَكَ المَوْتِ أسْألُكَ بِالَّذِي أحْبَبْتَنِي لَهُ وفِيهِ إلّا قَضَيْتَ لِي حاجَةً أسْألُكَها فَقالَ: سَلْنِي يا نَبِيَّ اللَّهِ فَقالَ: أُحِبُّ أنْ تُذِيقَنِي المَوْتَ ثُمَّ تَرُدُّ عَلَيَّ رُوحِي، فَقالَ: ما أقْدِرُ إلّا أنْ أسْتَأْذِنَ فاسْتَأْذَنَ رَبَّهُ تَعالى فَأذِنَ لَهُ، فَقَبَضَ رَوْحَهُ ثُمَّ رَدَّها اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ، فَقالَ لَهُ مَلَكُ المَوْتِ: يا نَبِيَّ اللَّهِ كَيْفَ وجَدْتَ المَوْتَ؟ قالَ: أعْظَمُ مِمّا كُنْتُ أُحَدَّثُ وأسْمَعُ، ثُمَّ سَألَهُ رُؤْيَةَ النّارِ فانْطَلَقَ إلى أحَدِ أبْوابِ جَهَنَّمَ فَنادى بَعْضَ خَزَنَتَها فَلَمّا عَلِمُوا أنَّهُ مَلَكُ المَوْتِ ارْتَعَدَتْ فَرائِصُهم وقالُوا: أُمِرْتَ فِينا بِأمْرٍ؟ فَقالَ: لَوْ أُمِرْتُ فِيكم بِأمْرٍ ما ناظَرْتُكم ولَكِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ إدْرِيسَ سَألَنِي أنْ تُرُوهُ لَمْحَةً مِنَ النّارِ، فَفَتَحُوا لَهُ قَدْرَ ثُقْبِ المَخِيطِ، فَأصابَهُ مِن حَرِّها ما صَعَقَ مِنهُ، فَقالَ مَلَكُ المَوْتِ: أغْلِقُوا، فَغَلَقُوا، وجَعَلَ يَمْسَحُ مَلَكُ المَوْتِ وجْهَ إدْرِيسَ ويَقُولُ: يا نَبِيَّ اللَّهِ تَعالى، ما كُنْتُ أُحِبُّ أنْ يَكُونَ هَذا حَظَّكَ مِن صُحْبَتِي، فَلَمّا أفاقَ سَألَهُ: كَيْفَ رَأيْتَ؟ قالَ: أعْظَمُ مِمّا كُنْتُ أُحَدَّثُ وأسْمَعُ إنَّ إدْرِيسَ كانَ نَبِيًّا تَقِيًّا زَكِيًّا وكانَ يَقْسِمُ دَهْرَهُ عَلى نِصْفَيْنِ ثَلاثَةَ أيّامٍ يُعَلِّمُ النّاسَ الخَيْرَ وأرْبَعَةَ أيّامٍ يَسِيحُ في الأرْضِ ويَعْبُدُ اللَّهَ تَعالى مُجْتَهِدًا، وكانَ يَصْعَدُ مِن عَمَلِهِ وحْدَهُ إلى السَّماءِ مِنَ الخَيْرِ مِثْلُ ما يَصْعَدُ مِن جَمِيعِ أعْمالِ بَنِي آدَمَ وأنَّ مَلَكَ المَوْتِ أحَبَّهُ في اللَّهِ تَعالى فَأتاهُ حِينَ خَرَجَ لِلسِّياحَةِ فَقالَ لَهُ: يا نَبِيَّ اللَّهِ إنِّي أُرِيدُ أنْ تَأْذَنَ لِي في صُحْبَتِكَ، فَقالَ لَهُ إدْرِيسُ وهو لا يَعْرِفُهُ: إنَّكَ لَنْ تَقْوى عَلى صُحْبَتِي قالَ: بَلى إنِّي أرْجُو أنْ يُقَوِّيَنِي اللَّهُ تَعالى عَلى ذَلِكَ، فَخَرَجَ مَعَهُ يَوْمَهُ ذَلِكَ حَتّى إذا كانَ مِن آخِرِ النَّهارِ مَرّا بِراعِي غَنَمٍ فَقالَ مَلَكُ المَوْتِ: يا نَبِيَّ اللَّهِ إنّا لا نَدْرِي حَيْثُ نُمْسِي، فَلَوْ أخَذْنا جَفْرَةً مِن هَذِهِ الغَنَمِ فَأفْطَرْنا عَلَيْها، فَقالَ لَهُ: لا تَعُدْ إلى مِثْلِ هَذا أتَدْعُونِي إلى أخْذَ ما لَيْسَ لَنا مِن حَيْثُ نُمْسِي يَأْتِينا اللَّهُ تَعالى بِرِزْقٍ، فَلَمّا أمْسى أتاهُ اللَّهُ تَعالى بِالرِّزْقِ الَّذِي كانَ يَأْتِيهِ، فَقالَ لِمَلَكِ المَوْتِ: تَقَدَّمْ فَكُلْ، فَقالَ: لا والَّذِي أكْرَمَكَ بِالنُّبُوَّةِ ما أشْتَهِي فَأكَلَ وحْدَهُ وقاما جَمِيعًا إلى الصَّلاةِ، فَفَتَرَ إدْرِيسُ ونَعَسَ ولَمْ يَفْتُرِ المَلَكُ ولَمْ يَنْعَسْ، فَعَجِبَ مِنهُ وصَغُرَتْ عِنْدَهُ عِبادَتُهُ مِمّا رَأى ثُمَّ أصْبَحا فَساحا، فَلَمّا كانَ آخِرُ النَّهارِ مَرّا بِحَدِيقَةِ عِنَبٍ فَقالَ لَهُ مِثْلَ ما قالَ أوَّلًا، فَلَمّا أمْسَيا أتاهُ اللَّهُ تَعالى بِالرِّزْقِ فَدَعاهُ إلى الأكْلِ فَلَمْ يَأْكُلْ وقاما إلى الصَّلاةِ، وكانَ مِن أمْرِهِما ما كانَ أوَّلًا، فَقالَ لَهُ إدْرِيسُ: لا والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ما أنْتَ مِن بَنِي آدَمَ فَقالَ: أجَلْ لَسْتُ مِنهُمْ، وذَكَرَ لَهُ أنَّهُ مَلَكُ المَوْتِ فَقالَ: أُمِرْتَ فِيَّ بِأمْرٍ؟ فَقالَ: لَوْ أُمِرْتُ فِيكَ بِأمْرٍ ما ناظَرْتُكَ ولَكِنِّي أُحِبُّكَ في اللَّهِ تَعالى وصَحِبْتُكَ لَهُ، فَقالَ لَهُ: إنَّكَ مَعِي هَذِهِ المُدَّةَ لَمْ تَقْبِضْ رُوحَ أحَدٍ مِنَ الخَلْقِ» ! قالَ: بَلْ إنِّي مَعَكَ وإنِّي أقْبِضُ نَفْسَ مَن أُمِرْتُ بِقَبْضِ نَفْسِهِ في مَشارِقِ الأرْضِ ومَغارِبِها وما الدُّنْيا كُلُّها عِنْدِي إلّا كَمائِدَةٍ بَيْنَ يَدَيِ الرَّجُلِ يَتَناوَلُ مِنها ما شاءَ فَقالَ لَهُ: يا مَلَكَ المَوْتِ أسْألُكَ بِالَّذِي أحْبَبْتَنِي لَهُ وفِيهِ إلّا قَضَيْتَ لِي حاجَةً أسْألُكَها فَقالَ: سَلْنِي يا نَبِيَّ اللَّهِ فَقالَ: أُحِبُّ أنْ تُذِيقَنِي المَوْتَ ثُمَّ تَرُدُّ عَلَيَّ رُوحِي، فَقالَ: ما أقْدِرُ إلّا أنْ أسْتَأْذِنَ فاسْتَأْذَنَ رَبَّهُ تَعالى فَأذِنَ لَهُ، فَقَبَضَ رَوْحَهُ ثُمَّ رَدَّها اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ، فَقالَ لَهُ مَلَكُ المَوْتِ: يا نَبِيَّ اللَّهِ كَيْفَ وجَدْتَ المَوْتَ؟ قالَ: أعْظَمُ مِمّا كُنْتُ أُحَدَّثُ وأسْمَعُ، ثُمَّ سَألَهُ رُؤْيَةَ النّارِ فانْطَلَقَ إلى أحَدِ أبْوابِ جَهَنَّمَ فَنادى بَعْضَ خَزَنَتَها فَلَمّا عَلِمُوا أنَّهُ مَلَكُ المَوْتِ ارْتَعَدَتْ فَرائِصُهم وقالُوا: أُمِرْتَ فِينا بِأمْرٍ؟ فَقالَ: لَوْ أُمِرْتُ فِيكم بِأمْرٍ ما ناظَرْتُكم ولَكِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ إدْرِيسَ سَألَنِي أنْ تُرُوهُ لَمْحَةً مِنَ النّارِ، فَفَتَحُوا لَهُ قَدْرَ ثُقْبِ المَخِيطِ، فَأصابَهُ مِن حَرِّها ما صَعَقَ مِنهُ، فَقالَ مَلَكُ المَوْتِ: أغْلِقُوا، فَغَلَقُوا، وجَعَلَ يَمْسَحُ مَلَكُ المَوْتِ وجْهَ إدْرِيسَ ويَقُولُ: يا نَبِيَّ اللَّهِ تَعالى، ما كُنْتُ أُحِبُّ أنْ يَكُونَ هَذا حَظَّكَ مِن صُحْبَتِي، فَلَمّا أفاقَ سَألَهُ: كَيْفَ رَأيْتَ؟ قالَ: أعْظَمُ مِمّا كُنْتُ أُحَدَّثُ وأسْمَعُ! ثُمَّ سَألَهُ: أنْ يُرِيَهُ لَمْحَةً مِنَ الجَنَّةِ فَفَعَلَ نَظِيرَ ما فَعَلَ قَبْلُ
صفحة 107
فَلَمّا فَتَحُوا لَهُ أصابَهُ مِن بَرْدِها وطِيبِها ورَيْحانِها ما أخَذَ بِقَلْبِهِ فَقالَ: يا مَلَكَ المَوْتِ إنِّي أُحِبُّ أنْ أدْخُلَ الجَنَّةَ فَآكُلَ أكْلَةً مِن ثِمارِها وأشْرَبَ شَرْبَةً مِن مائِها، فَلَعَلَّ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ أشَدَّ لِطُلْبَتِي ورَغْبَتِي، فَدَخَلَ وأكَلَ وشَرِبَ فَقالَ لَهُ مَلَكُ المَوْتِ: اخْرُجْ يا نَبِيَّ اللَّهِ تَعالى، قَدْ أصَبْتَ حاجَتَكَ حَتّى يَرُدَّكَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ مَعَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ يَوْمَ القِيامَةِ، فاحْتَضَنَ بِساقِ شَجَرَةٍ مِن أشْجارِها وقالَ: ما أنا بِخارِجٍ وإنْ شِئْتَ أنْ أُخاصِمَكَ خاصَمْتُكَ فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلى مَلَكِ المَوْتِ: قاضِهِ الخُصُومَةَ فَقالَ لَهُ: ما الَّذِي تُخاصِمُنِي بِهِ يا نَبِيَّ اللَّهِ تَعالى؟ فَقالَ إدْرِيسُ: قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ﴾ وقَدْ ذُقْتُهُ، وقالَ سُبْحانَهُ ﴿وإنْ مِنكم إلا وارِدُها﴾ وقَدْ ورَدْتُها وقالَ جَلَّ وعَلا لِأهْلِ الجَنَّةِ ﴿وما هم مِنها بِمُخْرَجِينَ﴾ فَأخْرُجُ مِن شَيْءٍ ساقَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ إلَيَّ فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلى مَلَكِ المَوْتِ: خَصَمَكَ عَبْدِي إدْرِيسُ وعِزَّتِي وجَلالِي إنَّ في سابِقِ عِلْمِي أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ، فَدَعْهُ فَقَدِ احْتَجَّ عَلَيْكَ بِحُجَّةٍ قَوِيَّةٍ ) الحَدِيثَ. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِصِحَّتِهِ، وكَذا بِصِحَّةِ ما قَبْلَهُ مِن خَبَرِ كَعْبٍ، وهَذا الرَّفْعُ لِاقْتِضائِهِ عُلُوَّ الشَّأْنِ ورِفْعَةَ القَدْرِ كانَ فِيهِ مِنَ المَدْحِ ما فِيهِ وإلّا فَمُجَرَّدُ الرَّفْعِ إلى مَكانٍ عالٍ حِسًّا لَيْسَ بِشَيْءٍ:
فالنّارُ يَعْلُوها الدُّخانُ ورُبَّما ∗∗∗ يَعْلُو الغُبارَ عَمائِمُ الفُرْسانِ
وادَّعى بَعْضُهم أنَّ الأقْرَبَ أنَّ العُلُوَّ حِسِّيٌّ لِأنَّ الرِّفْعَةَ المُقْتَرِنَةَ بِالمَكانِ لا تَكُونُ مَعْنَوِيَّةً. وتُعُقِّبَ بِأنْ فِيهِ نَظَرًا لِأنَّهُ ورَدَ مِثْلُهُ بَلْ ما هو أظْهَرُ مِنهُ كَقَوْلِهِ:
وكُنْ في مَكانٍ إذا ما سَقَطْتَ ∗∗∗ تَقُومُ ورِجْلُكَ في عافِيَةٍ
فَتَأمَّلْ.
19:58Page 309
أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ مِن ذُرِّيَّةِ ءَادَمَ وَمِمَّنۡ حَمَلۡنَا مَعَ نُوحٖ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡرَٰٓءِيلَ وَمِمَّنۡ هَدَيۡنَا وَٱجۡتَبَيۡنَآۚ إِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُ ٱلرَّحۡمَٰنِ خَرُّواْۤ سُجَّدٗاۤ وَبُكِيّٗا۩ ٥٨
Those were the ones upon whom Allāh bestowed favor from among the prophets of the descendants of Adam and of those We carried [in the ship] with Noah, and of the descendants of Abraham and Israel [i.e., Jacob], and of those whom We guided and chose. When the verses of the Most Merciful were recited to them, they fell in prostration and weeping.
(أُولَئِكَ) إشارَةٌ إلى المَذْكُورِينَ في السُّورَةِ الكَرِيمَةِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإشْعارِ بِعُلُوِّ مَرْتَبَتِهِمْ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الفَضْلِ. وهو مُبْتَدَأٌ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ بِفُنُونِ النِّعَمِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ حَسْبَما أُشِيرَ إلَيْهِ مُجْمَلًا خَبَرُهُ عَلى ما اسْتَظْهَرَهُ في البَحْرِ، والحَصْرُ عِنْدَ القائِلِ بِهِ إضافِيٌّ بِالنِّسْبَةِ إلى غَيْرِ الأنْبِياءِ الباقِينَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِأنَّهم مَعْرُوفُونَ بِكَوْنِهِمْ مُنْعَمًا عَلَيْهِمْ فَيَنْزِلُ الإنْعامُ عَلى غَيْرِهِمْ مَنزِلَةَ العَدَمِ، وقِيلَ: يُقَدَّرُ مُضافٌ أيْ بَعْضُ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ بَيانٌ لِلْمَوْصُولِ، وقِيلَ: مِن تَبْعِيضِيَّةٌ بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ أُولَئِكَ المَذْكُورُونَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِالنِّعَمِ المَعْهُودَةِ المَذْكُورَةِ هُنا، فَيَكُونُ المَوْضُوعُ والمَحْمُولُ مَخْصُوصًا بِمَن سُمِعْتَ وهم بَعْضُ النَّبِيِّينَ وعُمُومُ المَفْهُومِ المُرادِ مِنَ المَحْمُولِ في نَفْسِهِ ومِن حَيْثُ هو في الذِّهْنِ لا يُنافِي أنْ يُقْصَدَ بِهِ أمْرٌ خاصٌّ في الخارِجِ كَما لا يَخْفى واخْتِيرَ حَمْلُ التَّعْرِيفِ في الخَبَرِ عَنِ الجِنْسِ لِلْمُبالَغَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ذَلِكَ الكِتابُ﴾، والمَحْذُورُ مُنْدَفِعٌ بِما ذَكَرْنا و(مِنَ) في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ﴾ قِيلَ بَيانِيَّةٌ والجارُّ والمَجْرُورُ بَدَلٌ مِنَ الجارِّ والمَجْرُورِ السّابِقِ، والمَجْرُورُ بَدَلٌ مِنَ المَجْرُورِ بِإعادَةِ الجارِّ وهو بَدَلُ بَعْضٍ مِن كُلٍّ بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ ذُرِّيَّتُهُ الأنْبِياءُ وهي غَيْرُ شامِلَةٍ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ولا يَخْفى بُعْدُهُ، وقِيلَ: هي تَبْعِيضِيَّةٌ لِأنَّ المُنْعَمَ عَلَيْهِ أخَصُّ مِنَ الذُّرِّيَّةِ مِن وجْهٍ لِشُمُولِها بِناءً عَلى الظّاهِرِ المُتَبادِرِ مِنها غَيْرَ مَن أنْعَمَ عَلَيْهِ دُونَهُ ولا يَضُرُّ في ذَلِكَ كَوْنُها أعَمَّ مِنها مِن وجْهٍ لِشُمُولِهِ آدَمَ والمَلَكَ. ومُؤْمِنِي الجِنِّ دُونَها ﴿ومِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ﴾ أيْ ومِن ذُرِّيَّةِ مَن حَمَلْناهم مَعَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ خُصُوصًا وهم مَن عَدا إدْرِيسَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِما سَمِعْتَ مِن أنَّهُ قَبْلَ نُوحٍ وإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ بِالإجْماعِ مِن ذُرِّيَّةِ سامِ بْنِ نُوحٍ عَلَيْهِما السَّلامُ ﴿ومِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ﴾ وهُمُ الباقُونَ.
صفحة 108
(وإسْرائِيلَ) عَطْفٌ عَلى (إبْراهِيمَ) أيْ ومِن ذُرِّيَّةِ إسْرائِيلَ أيْ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وكانَ مِنهم مُوسى وهارُونُ وزَكَرِيّا ويَحْيى وعِيسى عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ أوْلادَ البَناتِ مِنَ الذُّرِّيَّةِ لِدُخُولِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ ولا أبَ لَهُ، وجَعْلُ إطْلاقِ الذَّرِّيَّةِ عَلَيْهِ بِطَرِيقِ التَّغْلِيبِ خِلافُ الظّاهِرِ ﴿ومِمَّنْ هَدَيْنا واجْتَبَيْنا﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ﴾ ومِن لِلتَّبْعِيضِ أيْ ومِن جُمْلَةِ مَن هَدَيْناهم إلى الحَقِّ واخْتَرْناهم لِلنُّبُوَّةِ والكَرامَةِ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ . ومِن لِلْبَيانِ وأوْرَدَ عَلَيْهِ أنَّ ظاهِرَ العَطْفِ المُغايَرَةُ فَيَحْتاجُ إلى أنْ يُقالَ: المُرادُ مِمَّنْ جَمَعْنا لَهُ بَيْنَ النُّبُوَّةِ والهِدايَةِ والِاجْتِباءِ لِلْكَرامَةِ وهو خِلافُ الظّاهِرِ، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وبُكِيًّا﴾ اسْتِئْنافٌ مُساقٌ لِبَيانِ خَشْيَتِهِمْ مِنَ اللَّهِ تَعالى وإخْبِاتِهِمْ لَهُ سُبْحانَهُ مَعَ ما لَهم مِن عُلُوِّ الرُّتْبَةِ وسُمُوِّ الطَّبَقَةِ في شَرَفِ النَّسَبِ وكَمالِ النَّفْسِ والزُّلْفى مِنَ اللَّهِ عَزَّ سُلْطانُهُ.
وقِيلَ: خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ لِاسْمِ الإشارَةِ، وقِيلَ: إنَّ الكَلامَ انْقَطَعَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (وإسْرائِيلَ)، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿ومِمَّنْ هَدَيْنا﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ وهَذِهِ الجُمْلَةُ صِفَةٌ لِذَلِكَ المَحْذُوفِ أيْ ومِمَّنْ هَدَيْنا واجْتَبَيْنا قَوْمٌ إذا تُتْلى عَلَيْهِمْ إلَخْ، ونُقِلَ ذَلِكَ عَنْ أبِي مُسْلِمٍ، ورَوى بَعْضُ الإمامِيَّةِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ: نَحْنُ عُنِينا بِهَؤُلاءِ القَوْمِ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا خِلافُ الظّاهِرِ جِدًّا وحالُ رِواياتِ الإمامِيَّةِ لا يَخْفى عَلى أرْبابِ التَّمْيِيزِ، وظاهِرُ صَنِيعِ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ اخْتِيارُ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ صِفَةً لِاسْمِ الإشارَةِ عَلى ما هو الشّائِعُ فِيما بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ وهَذِهِ الجُمْلَةُ هي الخَبَرُ لِأنَّ ذَلِكَ أمْدَحُ لَهم، ووَجْهُ ذَلِكَ ظاهِرٌ عِنْدَ مَن يَعْرِفُ حُكْمَ الأوْصافِ والأخْبارِ، وسُجَّدًا جَمْعُ ساجِدٍ وكَذا (بُكِيًّا) جَمْعُ باكٍ كَشاهِدِ وشُهُودٍ، وأصْلًهً بُكُوًّى اجْتَمَعَتِ الواوُ والياءُ وسُبِقَتْ إحْداهُما بِالسُّكُونِ فَقُلِبَتِ الواوُ ياءً وأُدْغِمَتِ الياءُ في الياءِ وحُرِّكَتِ الكافُ بِالكَسْرِ لِمُناسَبَةِ الياءِ وجَمْعُهُ المَقِيسُ بُكاةٌ كِرامٌ ورُماةٌ إلّا أنَّهُ لَمْ يُسْمَعْ عَلى ما في البَحْرِ وهو مُخالِفٌ لِما في القامُوسِ وغَيْرِهِ، وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ مَصْدَرُ بَكى كَجُلُوسًا مَصْدَرُ جَلَسَ وهو خِلافُ الظّاهِرِ، نَعَمْ رُبَّما يَقْتَضِيهِ ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في البُكاءِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ سُورَةَ مَرْيَمَ فَسَجَدَ ثُمَّ قالَ: هَذا السُّجُودُ فَأيْنَ البُكى، وزَعَمَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّ ذَلِكَ مُتَعَيِّنٌ في قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ ويَحْيى والأعْمَشِ وحَمْزَةَ والكِسائِيِّ ( بِكِيًّا ) بِكَسْرِ أوَّلِهِ ولَيْسَ كَما زَعَمَ لِأنَّ ذَلِكَ إتْباعٌ، وظاهِرُ أنَّهُ لا يُعَيِّنُ المَصْدَرِيَّةَ. ونَصْبُ الِاسْمَيْنِ عَلى الحالِيَّةِ مِن ضَمِيرِ (خَرُّوا) أيْ: ساجِدِينَ وباكِينَ والأوَّلُ حالٌ مُقَدَّرَةٌ كَما قالَ الزَّجّاجُ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ مِنَ السُّجُودِ مَعْناهُ الشَّرْعِيُّ والمُرادُ مِنَ الآياتِ ما تَضَمَّنَتْهُ الكُتُبُ السَّماوِيَّةُ سَواءٌ كانَ مُشْتَمِلًا عَلى ذِكْرِ السُّجُودِ أمْ لا وسَواءٌ كانَ مُتَضَمِّنًا لِذِكْرِ العَذابِ المُنَزَّلِ بِالكَفّارِ أمْ لا، ومِن هُنا اسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى اسْتِحْبابِ السُّجُودِ والبُكاءِ عِنْدَ تِلاوَةِ القُرْآنِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ ماجَةَ وإسْحاقُ بْنُ راهَوَيْهِ والبَزّارُ في مَسْنَدَيْهِما مِن حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ مَرْفُوعًا: «اتْلُوا القُرْآنَ وابْكُوا فَإنْ لَمْ تَبْكُوا فَتَباكَوْا»، وقِيلَ: المُرادُ مِنَ السُّجُودِ سُجُودُ التِّلاوَةِ حَسْبَما تَعَبَّدْنا بِهِ عِنْدَ سَماعِ بَعْضِ الآياتِ القُرْآنِيَّةِ، فالمُرادُ بِآياتِ الرَّحْمَنِ آياتٌ مَخْصُوصَةٌ مُتَضَمِّنَةٌ لِذِكْرِ السُّجُودِ، وقِيلَ: المُرادُ مِنهُ الصَّلاةُ وهو قَوْلٌ ساقِطٌ جِدًّا، وقِيلَ: المُرادُ مِنهُ الخُشُوعُ والخُضُوعُ، والمُرادُ مِنَ الآياتِ ما تَضَمَّنَ العَذابَ المُنَزَّلَ بِالكُفّارِ وهَذا قَرِيبٌ مِن سابِقِهِ، ونَقَلَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ عَنِ الرّازِيِّ أنَّهُ اسْتَدَلَّ بِالآيَةِ عَلى وُجُوبِ سُجُودِ التِّلاوَةِ وهو كَما قالَ الكَيا: بَعِيدٌ، وذَكَرُوا أنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يَدْعُوَ السّاجِدُ في سَجْدَتِهِ بِما يَلِيقُ بِآيَتِها فَها هُنا يَقُولُ: اللَّهُمَّ
صفحة 109
اجْعَلْنِي مِن عِبادِكَ المُنْعَمِ عَلَيْهِمُ المُهْتَدِينَ السّاجِدِينَ لَكَ الباكِينَ عِنْدَ تِلاوَةِ آياتِكَ، وفي آيَةِ الإسْراءِ اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ الباكِينَ إلَيْكَ الخاشِعِينَ لَكَ، وفي آيَةِ تَنْزِيلِ السَّجْدَةِ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ السّاجِدِينَ لِوَجْهِكَ المُسَبِّحِينَ بِحَمْدِكَ ورَحْمَتِكَ وأعُوذُ بِكَ مِن أنْ أكُونَ مِنَ المُسْتَكْبِرِينَ عَنْ أمْرِكَ.
وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ وشِبْلُ بْنُ عَبّادٍ وأبُو حَيْوَةَ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ العِجْلِيُّ عَنْ حَمْزَةَ وقُتَيْبَةُ في رِوايَةٍ ووَرْشٌ في رِوايَةِ النَّحّاسِ وابْنُ ذَكْوانَ في رِوايَةِ التَّغْلِبِيِّ ( يُتْلى ) بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ لِأنَّ التَّأْنِيثَ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ ولِوُجُودِ الفاصِلِ
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences