Al-AlusiMaryam · 19:59–64

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Maryam 19:59–64

19:59Page 309

۞ فَخَلَفَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ خَلۡفٌ أَضَاعُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوَٰتِۖ فَسَوۡفَ يَلۡقَوۡنَ غَيًّا ٥٩

But there came after them successors [i.e., later generations] who neglected prayer and pursued desires; so they are going to meet evil1 -

﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ أيْ جاءَ بَعْدَهم عَقِبُ سُوءٍ، فَإنَّ المَشْهُورَ في الخَلْفِ ساكِنُ اللّامِ ذَلِكَ والمَشْهُورَ في مَفْتُوحِ اللّامِ ضِدُّهُ، وقالَ أبُو حاتِمٍ: الخَلْفُ بِالسُّكُونِ الأوْلادُ الجَمْعُ والواحِدُ فِيهِ سَواءٌ وبِالفَتْحِ البَدَلُ ولَدًا كانَ أوْ غَيْرَهُ، وقالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: الخَلْفُ بِالتَّحْرِيكِ والإسْكانِ القَرْنُ السُّوءُ أمّا الصّالِحُ فالتَّحْرِيكُ لا غَيْرَ، وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أكْثَرُ ما جاءَ في المَدْحِ بِفَتْحِ اللّامِ وفي الذَّمِّ بِتَسْكِينِها وقَدْ يُعْكَسُ، وعَلى اسْتِعْمالِ المَفْتُوحِ في الذَّمِّ جاءَ قَوْلُ لَبِيدٍ:

ذَهَبَ الَّذِينَ يُعاشُ في أكْنافِهِمْ وبَقِيتُ في خَلْفٍ كَجِلْدِ الأجْرَبِ

﴿أضاعُوا الصَّلاةَ﴾ وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ والحَسَنُ وأبُو رَزِينٍ العُقَيْلِيُّ والضَّحّاكُ وابْنُ مِقْسَمٍ ( الصَّلَواتِ ) بِالجَمْعِ وهو ظاهِرٌ، ولَعَلَّ الأفْرادَ لِلِاتِّفاقِ في النَّوْعِ، وإضاعَتُها عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ والنَّخَعِيِّ والقاسِمِ بْنِ مُخَيْمِرَةَ ومُجاهِدٍ وإبْراهِيمَ. وعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ تَأْخِيرُها عَنْ وقْتِها، ورَوى ذَلِكَ الإمامِيَّةُ عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، واخْتارَ الزَّجّاجُ أنَّ إضاعَتَها الِاخْتِلالُ بِشُرُوطِها مِنَ الوَقْتِ وغَيْرِهِ، وقِيلَ: إقامَتُها في غَيْرِ جَماعَةٍ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ أنَّ إضاعَتَها تَرْكُها، وقِيلَ: عَدَمُ اعْتِقادِ وُجُوبِها، وعَلى هَذا الآيَةُ في الكُفّارِ وعَلى ما قَبْلَهُ لا قَطْعَ، واسْتَظْهَرَ أنَّها عَلَيْهِ في قَوْمٍ مُسْلِمِينَ بِناءً عَلى أنَّ الكَفّارَ غَيْرُ مُكَلَّفِينَ بِالفُرُوعِ إلّا أنْ يُقالَ: المُرادُ أنَّ مِن شَأْنِهِمْ ذَلِكَ فَتَدَبَّرْ، وعَلى ما قَبْلَهُما في قَوْمٍ مُسْلِمِينَ قَوْلًا واحِدًا.

والمَشْهُورُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُقاتِلٍ أنَّها في اليَهُودِ، وعَنِ السُّدِّيِّ أنَّها فِيهِمْ وفي النَّصارى، واخْتِيرَ كَوْنُها في الكَفَرَةِ مُطْلَقًا لِما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى قَرِيبًا، وعَلَيْهِ بَنى حَسَنٌ مَوْقِعَ حِكايَةِ قَوْلِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ الآتِي، وكَوْنُها في قَوْمٍ مُسْلِمِينَ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ مَرْوِيٌّ عَنْ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ وعَطاءٍ وغَيْرِهِمْ قالُوا: إنَّهم يَأْتُونَ عِنْدَ ذَهابِ الصّالِحِينَ يَتَبادَرُونَ بِالزِّنا يَنْزُو بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ في الأزِقَّةِ كالأنْعامِ لا يَسْتَحْيُونَ مِنَ النّاسِ ولا يَخافُونَ مِنَ اللَّهِ تَعالى ﴿واتَّبَعُوا الشَّهَواتِ﴾ وانْهَمَكُوا في المَعاصِي المُخْتَلِفَةِ الأنْواعِ، وفي البَحْرِ (الشَّهَواتِ) عامٌّ في كُلِّ مُشْتَهًى يُشْغِلُ عَنِ الصَّلاةِ وعَنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى، وعَدَّ بَعْضُهم مِن ذَلِكَ نِكاحَ الأُخْتِ مِنَ الأبِ وهو عَلى القَوْلِ بِأنَّ الآيَةَ فِيما يَعُمُّ اليَهُودَ لِأنَّ مِن مَذْهَبِهِمْ فِيما قِيلَ ذَلِكَ ولَيْسَ بِحَقٍّ. والَّذِي صَحَّ عَنْهم أنَّهم يُجَوِّزُونَ نِكاحَ بِنْتِ الأخِ وبِنْتِ الأُخْتِ ونَحْوِهِما، وعَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: مَن بَنى المُشَيَّدَ ورَكِبَ المَنظُورَ ولَبِسَ المَشْهُورَ ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ والطَّبَرانِيُّ وغَيْرُهُما مِن حَدِيثِ أبِي أُمامَةَ مَرْفُوعًا «أنَّهُ نَهْرٌ في أسْفَلِ جَهَنَّمَ يَسِيلُ فِيهِ صَدِيدُ أهْلِ النّارِ وفِيهِ لَوْ أنَّ صَخْرَةً زِنَةَ عَشْرِ عُشَراواتِ قُذِفَ بِها مِن شَفِيرِ جَهَنَّمَ ما بَلَغَتْ قَعْرَها سَبْعِينَ خَرِيفًا، ثُمَّ تَنْتَهِي إلى غَيٍّ وأثامٍ»، ويُعْلَمُ مِنهُ سِرُّ التَّعْبِيرِ بِسَوْفَ يَلْقَوْنَ.

صفحة 110

وأخْرَجَ جَماعَةٌ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: (الغَيُّ) نَهْرٌ أوْ وادٍ في جَهَنَّمَ مِن قَيْحٍ بَعِيدُ القَعْرِ خَبِيثُ الطَّعْمِ يُقْذَفُ فِيهِ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ، وحَكى الكِرْمانِيُّ أنَّهُ آبارٌ في جَهَنَّمَ يَسِيلُ إلَيْها الصَّدِيدُ والقَيْحُ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ أنَّ الغَيَّ السُّوءُ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ مُرَقِّشٍ الأصْغَرِ:

فَمَن يَلْقَ خَيْرًا يَحْمَدِ النّاسُ أمْرَهُ ∗∗∗ ومَن يَغْوَ لا يَعْدَمْ عَلى الغَيِّ لائِما

وعَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّهُ الضَّلالُ وهو المَعْنى المَشْهُورُ، وعَلَيْهِ قِيلَ المُرادُ جَزاءُ غَيٍّ. ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الضَّحّاكِ واخْتارَهُ الزَّجّاجُ، وقِيلَ: المُرادُ غَيًّا عَنْ طَرِيقِ الجَنَّةِ. وقُرِئَ فِيما حَكى الأخْفَشُ ( يُلَقَّوْنَ ) بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ اللّامِ وشَدِّ القافِ

19:60Page 309

إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَأُوْلَٰٓئِكَ يَدۡخُلُونَ ٱلۡجَنَّةَ وَلَا يُظۡلَمُونَ شَيۡـٔٗا ٦٠

Except those who repent, believe and do righteousness; for those will enter Paradise and will not be wronged at all.

﴿إلا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ عِنْدَ الزَّجّاجِ. وقالَ في البَحْرِ: ظاهِرُهُ الِاتِّصالُ، وأُيِّدَ بِذِكْرِ الإيمانِ كَوْنُ الآيَةِ في الكَفَرَةِ أوْ عامَّةً لَهم ولِغَيْرِهِمْ لِأنَّ مَن آمَنَ لا يُقالُ إلّا لِمَن كانَ كافِرًا إلّا بِحَسَبِ التَّغْلِيظِ، وحَمْلُ الإيمانِ عَلى الكامِلِ خِلافُ الظّاهِرِ، وكَذا كَوْنُ المُرادِ إلّا مَن جَمَعَ التَّوْبَةَ والإيمانَ، وقِيلَ: المُرادُ مِنَ الإيمانِ الصَّلاةُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ﴾ ويَكُونُ ذِكْرُهُ في مُقابَلَةِ إضاعَةِ الصَّلاةِ وذِكْرِ العَمَلِ الصّالِحِ في مُقابَلَةِ اتِّباعِ الشَّهَواتِ (فَأُولَئِكَ) المَنعُوتُونَ بِالتَّوْبَةِ والإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ ﴿يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ﴾ بِمُوجِبِ الوَعْدِ المَحْتُومِ، ولا يَخْفى ما في تَرْكِ التَّسْوِيفِ مَعَ ذِكْرِ أُولَئِكَ مِنَ اللُّطْفِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وأبُو بَكْرٍ ويَعْقُوبُ (يُدْخَلُونَ) بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ مِن أدْخَلَ. وقَرَأ ابْنُ غَزْوانَ عَنْ طَلْحَةَ ( سَيَدْخُلُونَ ) بِسِينِ الِاسْتِقْبالِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ ﴿ولا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾ أيْ لا يُنْقَصُونَ مِن جَزاءِ أعْمالِهِمْ شَيْئًا أوْ لا يُنْقَصُونَ شَيْئًا مِنَ النَّقْصِ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ فِعْلَهُمُ السّابِقَ لا يَضُرُّهم ولا يَنْقُصُ أُجُورَهم. واسْتَدَلَّ المُعْتَزِلَةُ بِالآيَةِ عَلى أنَّ العَمَلَ شَرْطُ دُخُولِ الجَنَّةِ. وأُجِيبُ بِأنَّ المُرادَ ﴿يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ﴾ بِلا تَسْوِيفٍ بِقَرِينَةِ المُقابَلَةِ وذَلِكَ بِتَنْزِيلِ الزَّمانِ السّابِقِ عَلى الدُّخُولِ لِحِفْظِهِمْ فِيهِ عَمّا يَنالُ غَيْرُهم مَنزِلَةَ العَدَمِ فَيَكُونُ العَمَلُ شَرْطًا لِهَذا الدُّخُولِ لا لِلدُّخُولِ مُطْلَقًا، وأيْضًا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ شَرْطًا لِدُخُولِ جَنَّةِ عَدْنٍ لا مُطْلَقَ الجَنَّةِ، وقِيلَ هو شَرْطٌ لِعَدَمِ نَقْصِ شَيْءٍ مِن ثَوابِ الأعْمالِ وهو كَما تَرى، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. واعْتَرَضَ بَعْضُهم عَلى القَوْلِ بِالشَّرْطِيَّةِ بِأنَّهُ يَلْزَمُ أنْ لا يَكُونَ مَن تابَ وآمَنَ ولَمْ يَتَمَكَّنْ مِنَ العَمَلِ الصّالِحِ يَدْخُلُ الجَنَّةَ. وأُجِيبُ بِأنَّ ذَلِكَ مِنَ الصُّوَرِ النّادِرَةِ، والأحْكامُ إنَّما تُناطُ بِالأعَمِّ الأغْلَبِ فَتَأمَّلْ.

19:61Page 309

جَنَّٰتِ عَدۡنٍ ٱلَّتِي وَعَدَ ٱلرَّحۡمَٰنُ عِبَادَهُۥ بِٱلۡغَيۡبِۚ إِنَّهُۥ كَانَ وَعۡدُهُۥ مَأۡتِيّٗا ٦١

[Therein are] gardens of perpetual residence which the Most Merciful has promised His servants in the unseen. Indeed, His promise has ever been eminent.1

﴿جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ بَدَلٌ مِنَ الجَنَّةِ بَدَلُ البَعْضِ لِاشْتِمالِها عَلَيْها اشْتِمالَ الكُلِّ عَلى الجُزْءِ بِناءً عَلى ما قِيلَ: إنَّ ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ عَلَمٌ لِإحْدى الجَنّاتِ الثَّمانِ كَعَلَمِيَّةِ بَناتِ أوْبَرَ. وقِيلَ: إنَّ العَلَمَ هو جَنَّةُ عَدْنٍ إلّا أنَّهُ أُقِيمَ الجُزْءُ الثّانِي بَعْدَ حَذْفِ الأوَّلِ مَقامَ المَجْمُوعِ كَما في شَهْرِ رَمَضانَ ورَمَضانَ فَكانَ الأصْلُ جَنّاتِ جَنَّةِ عَدْنٍ. والَّذِي حَسَّنَ هَذِهِ الإقامَةَ أنَّ المُعْتَبَرَ عَلَمِيَّتُهُ في المَنقُولِ الإضافِيِّ هو الجُزْءُ الثّانِي حَتّى كَأنَّهُ نُقِلَ وحْدَهُ كَما قُرِّرَ في مَوْضِعِهِ مِن كُتُبِ النَّحْوِ المُفَصَّلَةِ. وفي الكَشْفِ إذا كانَتِ التَّسْمِيَةُ بِالمُضافِ والمُضافِ إلَيْهِ جَعَلُوا المُضافَ إلَيْهِ في نَحْوِهِ مُقَدَّرَ العَلَمَيَّةِ لِأنَّ المَعْهُودَ في كَلامِهِمْ في هَذا البابِ الإضافَةُ إلى الأعْلامِ والكُنى فَإذا أضافُوا إلى غَيْرِها أجْرَوْهُ مَجْراها كَأبِي تُرابٍ، ألا تَرى أنَّهم لا يُجَوِّزُونَ إدْخالَ اللّامِ في ابْنِ دايَةَ وأبِي تُرابٍ ويُوجِبُونَهُ في نَحْوِ امْرِئِ

صفحة 111

القَيْسِ وماءِ السَّماءِ، كُلُّ ذَلِكَ نَظَرًا إلى أنَّهُ لا يُغَيَّرُ مِن حالِهِ كالعَلَمِ إلى آخِرِ ما فِيهِ.

ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أيْضًا مَنعُهُ مِنَ الصَّرْفِ في بَناتِ أوْبَرَ وأبِي قَتَرَةَ وابْنِ دايَةَ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، فَجَنّاتُ عَدْنٍ عَلى القَوْلَيْنِ مَعْرِفَةٌ أمّا عَلى الأوَّلِ فَلِلْعَلَمِيَّةِ، وأمّا عَلى الثّانِي فَلِلْإضافَةِ المَذْكُورَةِ وإنْ لَمْ يَكُنْ عَدْنٌ في الأصْلِ عَلَمًا ولا مَعْرِفَةً بَلْ هو مَصْدَرُ عَدَنَ بِالمَكانِ يَعْدِنُ ويَعْدُنَ أقامَ بِهِ. واعْتِبارُ كَوْنِ عَدْنٍ قَبْلَ التَّرْكِيبِ عَلَمًا لِإحْدى الجَنّاتِ يَسْتَدْعِي أنْ تَكُونَ الإضافَةُ في ( جَنَّةِ عَدْنٍ ) مِن إضافَةِ الأعَمِّ مُطْلَقًا إلى الأخَصِّ بِناءً عَلى أنَّ المُتَبادَرَ مِنَ الجَنَّةِ المَكانُ المَعْرُوفُ لا الأشْجارُ ونَحْوُها وهي لا تَحْسُنُ مُطْلَقًا بَلْ مِنها حَسَنٌ كَشَجَرِ الأراكِ ومَدِينَةِ بَغْدادَ ومِنها قَبِيحٌ كَإنْسانِ زَيْدٍ ولا فارِقَ بَيْنَهُما إلّا الذَّوْقُ وهو غَيْرُ مَضْبُوطٍ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ( عَدْنٌ ) عَلَمًا لِلْعَدْنِ بِمَعْنى الإقامَةِ كَسِحْرٍ عَلَمٌ لِلسِّحْرِ وأمْسُ لِلْأمْسِ وتَعْرِيفُ ( جَنّاتٍ ) عَلَيْهِ ظاهِرٌ أيْضًا، وإنَّما قالُوا تَصْحِيحًا لِلْبَدَلِيَّةِ لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يُعْتَبَرِ التَّعْرِيفُ لَزِمَ إبْدالُ النَّكِرَةِ مِنَ المَعْرِفَةِ وهو عَلى رَأْيِ القائِلِ لا يَجُوزُ إلّا إذا كانَتِ النَّكِرَةُ مَوْصُوفَةً ولِلْوَصْفِيَّةِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿الَّتِي وعَدَ الرَّحْمَنُ عِبادَهُ﴾ وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ اعْتِبارَ ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ نَكِرَةً عَلى مَعْنى جَنّاتِ إقامَةٍ واسْتِقْرارٍ وقالَ: إنَّ دَعْوى أنَّ عَدْنًا عَلَمٌ لِمَعْنى العَدْنِ يَحْتاجُ إلى تَوْقِيفٍ وسَماعٍ مِنَ العَرَبِ مَعَ ما في ذَلِكَ مِمّا يُوهِمُ اقْتِضاءَ البِناءِ. وكَذا دَعْوى العَلَمِيَّةِ الشَّخْصِيَّةِ فِيهِ. وعَدَمُ جَوازِ إبْدالِ النَّكِرَةِ مِنَ المَعْرِفَةِ إلّا مَوْصُوفَةً شَيْءٌ قالَهُ البَغْدادِيُّونَ وهم مَحْجُوجُونَ بِالسَّماعِ. ومَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ جَوازُ الإبْدالِ وإنْ لَمْ تَكُنِ النَّكِرَةُ مَوْصُوفَةً وقالَ أبُو عَلِيٍّ: يَجُوزُ ذَلِكَ إذا كانَ في إبْدالِ النَّكِرَةِ فائِدَةٌ لا تُسْتَفادُ مِنَ المُبْدَلِ مِنهُ مَعَ أنَّهُ لا تَتَعَيَّنُ البَدَلِيَّةُ لِجَوازِ النَّصْبِ عَلى المَدْحِ، وكَذا لا يَتَعَيَّنُ كَوْنُ المَوْصُولِ صِفَةً لِجَوازِ الإبْدالِ ا هـ بِأدْنى زِيادَةٍ.

وتُعُقِّبَ إبْدالُ المَوْصُولِ بِأنَّهُ في حُكْمِ المُشْتَقِّ. وقَدْ نَصُّوا عَلى أنَّ إبْدالَ المُشْتَقِّ ضَعِيفٌ. ولَعَلَّ أبا حَيّانَ لا يُسَلِّمُ ذَلِكَ ثُمَّ إنَّهُ جَوَّزَ كَوْنَ ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ بَدَلَ كُلٍّ. وكَذا جَوَّزَ كَوْنَهُ عَطْفَ بَيانٍ. وجُمْلَةُ ( لا يُظْلَمُونَ ) عَلى وجْهَيِ البَدَلِيَّةِ. والعَطْفُ اعْتِراضٌ أوْ حالٌ. وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو حَيْوَةَ وعِيسى بْنُ عُمَرَ والأعْمَشُ وأحْمَدُ بْنُ مُوسى عَنْ أبِي عَمْرٍو (جَنّاتُ عَدْنٍ) بِالرَّفْعِ، وخَرَّجَهُ أبُو حَيّانَ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ تِلْكَ جَنّاتٌ، وغَيْرُهُ عَلى أنَّها مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ المَوْصُولُ. وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ حَيٍّ وعَلِيُّ بْنُ صالِحٍ ( جَنَّةَ عَدْنٍ ) بِالنَّصْبِ والإفْرادِ، ورُوِيَتْ عَنِ الأعْمَشِ وهي كَذَلِكَ في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ.

وقَرَأ اليَمانِيُّ والحَسَنُ في رِوايَةٍ وإسْحاقُ الأزْرَقُ عَنْ حَمْزَةِ ( جَنَّةُ عَدْنٍ ) بِالرَّفْعِ والإفْرادِ والعائِدُ إلى المَوْصُولِ مَحْذُوفٌ أيْ وعَدَها الرَّحْمَنُ، والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرَّحْمَةِ لِلْإيذانِ بِأنَّ وعْدَها وإنْجازَهُ لِكَمالِ سِعَةِ رَحْمَتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، والباءُ في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: (بِالغَيْبِ) لِلْمُلابَسَةِ وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِمُضْمَرٍ هو حالٌ مِنَ العائِدِ أوْ مِن (عِبادَهُ) أيْ: وعَدَها إيّاهم مُلْتَبِسَةً أوْ مُلْتَبِسِينَ بِالغَيْبِ أيْ غائِبَةً عَنْهم غَيْرَ حاضِرَةٍ أوْ غائِبِينَ عَنْها لا يَرَوْنَها أوْ لِلسَّبَبِيَّةِ وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِوَعْدٍ أيْ وعَدَها إيّاهم بِسَبَبِ تَصْدِيقِ الغَيْبِ والإيمانِ بِهِ، وقِيلَ: هي صِلَةُ ( عِبادَهُ ) عَلى مَعْنى الَّذِينَ يَعْبُدُونَهُ سُبْحانَهُ بِالغَيْبِ أيْ في السِّرِّ وهو كَما تَرى (إنَّهُ) أيِ: الرَّحْمَنَ، وجُوِّزَ كَوْنُ الضَّمِيرِ

صفحة 112

لِلشّانِّ ﴿كانَ وعْدُهُ﴾ أيْ: مَوْعُودُهُ سُبْحانَهُ وهو الجَنّاتُ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أوْ مَوْعُودُهُ كائِنًا ما كانَ فَيَدْخُلُ فِيهِ ما ذُكِرَ دُخُولًا أوَّلِيًّا كَما قِيلَ، وجُوِّزَ إبْقاءُ الوَعْدِ عَلى مَصْدَرِيَّتِهِ وإطْلاقُهُ عَلى ما ذُكِرَ لِلْمُبالَغَةِ.

والتَّعْبِيرُ بِكانَ لِلْإيذانِ بِتَحَقُّقِ الوُقُوعِ أيْ كانَ ذَلِكَ (مَأْتِيًّا) أيْ يَأْتِيهِ مِن وعْدٍ لَهُ لا مَحالَةَ، وقِيلَ: (مَأْتِيًّا) مَفْعُولٌ بِمَعْنى فاعِلٍ أيْ آتِيًا، وقِيلَ: هو مَفْعُولٌ مِن أتى إلَيْهِ إحْسانًا أيْ فَعَلَ بِهِ ما يُعَدُّ إحْسانًا وجَمِيلًا والوَعْدُ عَلى ظاهِرِهِ.

ومَعْنى كَوْنِهِ مَفْعُولًا كَوْنُهُ مُنْجَزًا لِأنَّ فِعْلَ الوَعْدِ بَعْدَ صُدُورِهِ وإيجادِهِ إنَّما هو تَنْجِيزُهُ أيْ إنَّهُ كانَ وعْدُهُ عِبادَهُ مُنْجَزًا

19:62Page 309

لَّا يَسۡمَعُونَ فِيهَا لَغۡوًا إِلَّا سَلَٰمٗاۖ وَلَهُمۡ رِزۡقُهُمۡ فِيهَا بُكۡرَةٗ وَعَشِيّٗا ٦٢

They will not hear therein any ill speech - only [greetings of] peace - and they will have their provision therein, morning and afternoon.

﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا﴾ فُضُولَ كَلامٍ لا طائِلَ تَحْتَهُ بَلْ هو جارٍ مَجْرى اللِّغاءِ وهو صَوْتُ العَصافِيرِ ونَحْوِها مِنَ الطَّيْرِ.

والكَلامُ كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ صُدُورِ اللَّغْوِ عَنْ أهْلِها، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ اللَّغْوَ مِمّا يَنْبَغِي أنْ يُجْتَنَبَ عَنْهُ في هَذِهِ الدّارِ ما أمْكَنَ، وعَنْ مُجاهِدٍ تَفْسِيرُ اللَّغْوِ بِالكَلامِ المُشْتَمِلِ عَلى السَّبِّ، والمُرادُ لا يَتَسابُّونَ والتَّعْمِيمُ أُولى ﴿إلا سَلامًا﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، (والسَّلامُ) إمّا بِمَعْناهُ المَعْرُوفِ أيْ لَكِنْ يَسْمَعُونَ تَسْلِيمَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلَيْهِمْ أوْ تَسْلِيمَ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ أوْ بِمَعْنى الكَلامِ السّالِمِ مِنَ العَيْبِ والنَّقْصِ أيْ لَكِنْ يَسْمَعُونَ كَلامًا سالِمًا مِنَ العَيْبِ والنَّقْصِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا وهو مِن تَأْكِيدِ المَدْحِ بِما يُشْبِهُ الذَّمَّ كَما في قَوْلِهِ:

ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم بِهِنَّ فُلُولٌ مِن قِراعِ الكَتائِبِ

وهُوَ يُفِيدُ نَفْيَ سَماعِ اللَّغْوِ بِالطَّرِيقِ البُرْهانِيِّ الأقْوى. والِاتِّصالُ عَلى هَذا عَلى طَرِيقِ الفَرْضِ، والتَّقْدِيرُ ولَوْلا ذَلِكَ لَمْ يَقَعْ مَوْقِعَهُ مِنَ الحُسْنِ والمُبالَغَةِ، وقِيلَ: اتِّصالُ الِاسْتِثْناءِ عَلى أنَّ مَعْنى السَّلامِ الدُّعاءُ بِالسَّلامَةِ مِنَ الآفاتِ وحَيْثُ إنَّ أهْلَ الجَنَّةِ أغْنِياءُ عَنْ ذَلِكَ إذْ لا آفَةَ فِيها كانَ السَّلامُ لَغْوًا بِحَسَبِ الظّاهِرِ وإنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ نَظَرًا لِلْمَقْصُودِ مِنهُ وهو الإكْرامُ وإظْهارُ التَّحابُبِ، ولِذا كانَ لائِقًا بِأهْلِ الجَنَّةِ.

﴿ولَهم رِزْقُهم فِيها بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ وارِدٌ عَلى عادَةِ المُتَنَعِّمِينَ في هَذِهِ الدّارِ، أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ يَحْيى بْنِ كَثِيرٍ قالَ: كانَتِ العَرَبُ في زَمانِها إنَّما لَها أكْلَةٌ واحِدَةٌ فَمَن أصابَ أكْلَتَيْنِ سُمِّيَ: فُلانٌ النّاعِمُ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذا يُرَغِّبُ عِبادَهُ فِيما عِنْدَهُ، ورُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ، وقِيلَ: المُرادُ دَوامُ رِزْقِهِمْ ودُرُورُهُ وإلّا فَلَيْسَ في الجَنَّةِ بُكْرَةٌ ولا عَشِيٌّ لَكِنْ جاءَ في بَعْضِ الآثارِ أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ يَعْرِفُونَ مِقْدارَ اللَّيْلِ بِإرْخاءِ الحُجُبِ وإغْلاقِ الأبْوابِ ويَعْرِفُونَ مِقْدارَ النَّهارِ بِرَفْعِ الحُجُبِ وفَتْحِ الأبْوابِ، وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ مِن طَرِيقِ أبانَ عَنِ الحَسَنِ. وأبِي قِلابَةَ قالا: ( «جاءَ رَجُلٌ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ في الجَنَّةِ مِن لَيْلٍ؟ قالَ: وما هَيَّجَكَ عَلى هَذا؟ قالَ: سَمِعْتُ اللَّهَ تَعالى يَذْكُرُ في الكِتابِ ﴿ولَهم رِزْقُهم فِيها بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ فَقُلْتُ: اللَّيْلُ مِنَ البُكْرَةِ والعَشِيِّ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَيْسَ هُناكَ لَيْلٌ وإنَّما هو ضَوْءٌ ونُورٌ يَرِدُ الغُدُوُّ عَلى الرَّواحِ والرَّواحُ عَلى الغُدُوِّ وتَأْتِيهِمْ طَرَفُ الهَدايا مِنَ اللَّهِ تَعالى لِمَواقِيتِ الصَّلاةِ الَّتِي كانُوا يُصَلُّونَ فِيها في الدُّنْيا وتُسَلِّمُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ» ) .

19:63Page 309

تِلۡكَ ٱلۡجَنَّةُ ٱلَّتِي نُورِثُ مِنۡ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيّٗا ٦٣

That is Paradise, which We give as inheritance to those of Our servants who were fearing of Allāh.

﴿تِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِن عِبادِنا مِن كانَ تَقِيًّا﴾ اسْتِئْنافٌ جِيءَ بِهِ لِتَعْظِيمِ شَأْنِ الجَنَّةِ وتَعْيِينِ أهْلِها فاسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ (والجَنَّةُ) خَبَرٌ لَهُ والمَوْصُولُ صِفَةٌ لَها والجُمْلَةُ بَعْدَهُ صِلَتُهُ والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْ نُورِثُها، وبِذَلِكَ

صفحة 113

قَرَأ الأعْمَشُ وقَرَأ الحَسَنُ والأعْرَجُ وقَتادَةُ ورُوَيْسٌ وحُمَيْدٌ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وأبُو حَيْوَةَ ومَحْبُوبٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو ( نُوَرِّثُ ) بِفَتْحِ الواوِ وتَشْدِيدِ الرّاءِ، والمُرادُ نُبْقِيها عَلى مَن كانَ تَقِيًّا مِن ثَمَرَةِ تَقْواهُ ونُمَتِّعُهُ بِها كَما نُبْقِي عَلى الوارِثِ مالَ مُوَرِّثِهِ ونُمَتِّعُهُ بِهِ فالإيراثُ مُسْتَعارٌ لِلْإبْقاءِ، وإيثارُهُ عَلى سائِرِ ما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ كالبَيْعِ والهِبَةِ لِأنَّهُ أتَمُّ أنْواعِ التَّمْلِيكِ مِن حَيْثُ إنَّهُ لا يُعَقَّبُ بِفَسْخٍ ولا اسْتِرْجاعٍ ولا إبْطالٍ، وقِيلَ: يُوَرَّثُ المُتَّقُونَ مِنَ الجَنَّةِ المَساكِنَ الَّتِي كانَتْ لِأهْلِ النّارِ لَوْ آمَنُوا.

أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ شَوْذَبٍ قالَ: لَيْسَ مِن أحَدٍ إلّا ولَهُ في الجَنَّةِ مَنزِلٌ وأزْواجٌ فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ ورَّثَ اللَّهُ تَعالى المُؤْمِنَ كَذا وكَذا مَنزِلًا مِن مَنازِلِ الكُفّارِ وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ﴾ الآيَةَ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا إنْ صَحَّ فِيهِ أثَرٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَعَلى العَيْنِ والرَّأْسِ وإلّا فَقَدَ قِيلَ عَلَيْهِ: إنَّهُ ضَعِيفٌ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ بَعْضَ الجَنَّةِ مَوْرُوثٌ والنَّظْمُ الجَلِيلُ يَدُلُّ عَلى أنَّها كُلَّها كَذَلِكَ ولِأنَّ الإيراثَ يُنْبِئُ عَنْ مِلْكٍ سابِقٍ لا عَلى فَرْضِهِ مَعَ أنَّهُ لا داعِيَ لِلْفَرْضِ هُنا لَكِنْ تُعُقِّبَ بِأنَّهُ يَكْفِي في الإيراثِ كَوْنُهُ المَوْرُوثَ كانَ مَوْجُودًا لَكِنْ بِشَرْطِ التَّقْوى بِناءً عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُهم في قَوْلِهِ تَعالى ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدَ الرَّحْمَنُ عِبادَهُ﴾ حَيْثُ قالَ: المُرادُ مِنَ العِبادِ ما يَعُمُّ المُؤْمِنَ التَّقِيَّ وغَيْرَهُ ووَعْدُ غَيْرِ المُؤْمِنِ التَّقِيِّ مَشْرُوطٌ بِالإيمانِ والتَّقْوى، نَعَمِ اخْتارَ الأكْثَرُونَ أنَّ المُرادَ مِنَ العِبادِ هُناكَ المُتَّقُونَ والمُرادُ مِنهم هُنا الأعَمُّ، والمُرادُ مَنِ التَقى مَن آمَنَ وعَمِلَ صالَحا عَلى ما قِيلَ، ولا دَلالَةَ في الآيَةِ عَلى أنَّ غَيْرَهُ لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مُطْلَقًا، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ داوُدَ بْنِ أبِي هِنْدٍ أنَّهُ المُوَحِّدُ فَتَذَكَّرْ ولا تَغْفُلْ.

19:64Page 309

وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمۡرِ رَبِّكَۖ لَهُۥ مَا بَيۡنَ أَيۡدِينَا وَمَا خَلۡفَنَا وَمَا بَيۡنَ ذَٰلِكَۚ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّٗا ٦٤

[Gabriel said],1 "And we [angels] descend not except by the order of your Lord. To Him belongs that before us and that behind us and what is in between. And never is your Lord forgetful -

﴿وما نَتَنَزَّلُ إلا بِأمْرِ رَبِّكَ﴾ حِكايَةُ قَوْلِ جِبْرائِيلِ صَلَواتُ اللَّهِ تَعالى وسَلامُهُ عَلَيْهِ، فَقَدْ رُوِيَ أنَّهُ احْتَبَسَ عَنْهُ ﷺ أيّامًا حِينَ سُئِلَ عَنْ قِصَّةِ أصْحابِ الكَهْفِ وذِي القَرْنَيْنِ والرُّوحِ فَلَمْ يَدْرِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَيْفَ يُجِيبُ حَتّى حَزِنَ واشْتَدَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ وقالَ المُشْرِكُونَ: إنَّ رَبَّهُ ودَعَهُ وقَلاهُ، فَلَمّا نَزَلَ قالَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «يا جِبْرِيلُ احْتَبَسْتَ عَنِّي حَتّى ساءَ ظَنِّي واشْتَقْتُ إلَيْكَ، فَقالَ: إنِّي كُنْتُ أشْوَقَ ولَكِنِّي عَبْدٌ مَأْمُورٌ إذا بُعِثْتُ نَزَلْتُ وإذا حُبِسْتُ احْتَبَسْتُ» وأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ وسُورَةَ الضُّحى. قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ، فَهو مِن عَطْفِ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ عَلى ما قالَهُ الخَفاجِيُّ. وفي الكَشْفِ وجْهُ وُقُوعِ ذَلِكَ هَذا المَوْقِعَ أنَّهُ تَعالى لَمّا فَرَغَ مِن أقاصِيصِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ تَثْبِيتًا لَهُ ﷺ وذَنْبٌ بِما أحْدَثَ بَعْدَهُمُ الخُلُوفُ واسْتَثْنى الأخْلافَ وذَكَرَ جَزاءَ الفَرِيقَيْنِ عَقَّبَ بِحِكايَةِ نُزُولِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ وما رَماهُ المُشْرِكُونَ بِهِ مِن تَوْدِيعِ رَبِّهِ سُبْحانَهُ إيّاهُ زِيادَةً في التَّسْلِيَةِ وأنَّ الأمْرَ لَيْسَ عَلى ما زَعَمَ هَؤُلاءِ الخُلُوفُ وأدْمَجَ فِيهِ مُناسَبَتَهُ لِحَدِيثِ التَّقْوى بِما دَلَّ عَلى أنَّهم مَأْمُورُونَ في حَرَكَةٍ وسُكُونٍ مُنْقادُونَ مُفَوَّضُونَ لُطْفًا لَهُ ولِأُمَّتِهِ ﷺ ولِهَذا صَرَّحَ بَعْدَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿فاعْبُدْهُ واصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ﴾ وفِيهِ إنَّكَ لا يَنْبَغِي أنْ تَكْتَرِثَ بِمَقالَةِ المُخالِفِينَ إلى أنْ تَلْقى رَبَّكَ سَعِيدًا، وعَطَفَ عَلَيْهِ مَقالَةَ الكُفّارِ بَيانًا لِتَبايُنِ ما بَيْنَ المَقالَتَيْنِ وما عَلَيْهِ المَلَكُ المَعْصُومُ والإنْسانُ الجاهِلُ الظَّلُومُ فَهو اسْتِطْرادٌ شَبِيهٌ بِالِاعْتِراضِ حَسَنُ المَوْقِعِ انْتَهى، ولا يَأْبى ما تَقَدَّمَ في سَبَبِ النُّزُولِ ما أخْرَجَهُ أحْمَدُ والبُخارِيُّ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وجَماعَةٌ في سَبَبِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: ( قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ:

صفحة 114

ما يَمْنَعُكَ أنْ تَزُورَنا أكْثَرَ مِمّا تَزُورُنا؟ فَنَزَلَتْ ﴿وما نَتَنَزَّلُ إلا بِأمْرِ رَبِّكَ﴾ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ ذَلِكَ في أثْناءِ مُحاوَرَتِهِ السّابِقَةِ أيْضًا واقْتَصَرَ في كُلِّ رِوايَةٍ عَلى شَيْءٍ مِمّا وقَعَ في المُحاوَرَةِ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ النُّزُولُ مُتَكَرِّرًا نَعَمْ ما ذُكِرَ في التَّوْجِيهِ إنَّما يَحْسُنُ عَلى بَعْضِ الرِّواياتِ السّابِقَةِ في المُرادِ بِالخَلْفِ الَّذِينَ أضاعُوا الصَّلاةَ واتَّبَعُوا الشَّهَواتِ.

وقالَ بَعْضُهم: إنَّ التَّقْدِيرَ هَذا، وقالَ جِبْرِيلُ: وما نَتَنَزَّلُ إلَخْ وبِهِ يَظْهَرُ حُسْنُ العَطْفِ ووَجْهُهُ انْتَهى وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا مُحَصِّلَ لَهُ. وحَكى النِّقّاشُ عَنْ قَوْمٍ أنَّ الآيَةَ مُتَّصِلَةً بِقَوْلِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ أوَّلًا ﴿إنَّما أنا رَسُولُ رَبِّكِ لأهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا﴾ وهو قَوْلٌ نازِلٌ عَنْ دَرَجَةِ القَبُولِ جِدًّا، والتَّنَزُّلُ النُّزُولُ عَلى مَهَلٍ لِأنَّهُ مُطاوِعُ نَزَلَ يُقالُ نَزَّلْتُهُ فَتَنَزَّلُ، وقَدْ يُطْلَقُ بِمَعْنى النُّزُولِ مُطْلَقًا كَما يُطْلَقُ نَزَلَ بِمَعْنى أنْزَلَ، وعَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ:

فَلَسْتَ لِإنْسِيٍّ ولَكِنْ لَمَلَأكٍ تَنَزَّلَ مِن جَوِّ السَّماءِ يَصُوبُ

إذْ لا أثَرَ لِلتَّدَرُّجِ في مَقْصُودِ الشّاعِرِ، والمَعْنى ما نَتَنَزَّلُ وقْتًا غِبَّ وقْتٍ إلّا بِأمْرَ اللَّهَ تَعالى عَلى ما تَقْتَضِيهَ حِكْمَتُهُ سُبْحانَهُ، وقَرَأ الأعْرَجُ ( وما يَتَنَزَّلُ ) بِالياءِ والضَّمِيرُ لِلْوَحْيِ بِقَرِينَةِ الحالِ، وسَبَبُ النُّزُولِ والكَلامُ لِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ والكَلامُ لَهُ عَزَّ وجَلَّ. خَبَّرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ لا يَتَنَزَّلُ جِبْرِيلُ إلّا بِأمْرِهِ تَعالى قائِلًا ﴿لَهُ ما بَيْنَ أيْدِينا﴾ ما قُدّامَنا مِنَ الزَّمانِ المُسْتَقْبَلِ ﴿وما خَلْفَنا﴾ مِنَ الزَّمانِ الماضِي ﴿وما بَيْنَ ذَلِكَ﴾ المَذْكُورِ مِنَ الزَّمانِ الحالِ فَلا نَنْزِلُ في زَمانٍ دُونَ زَمانٍ إلّا بِأمْرِهِ سُبْحانَهُ ومَشِيئَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: ما بَيْنَ الأيْدِي هو ما مَرَّ مِنَ الزَّمانِ قَبْلَ الإيجادِ وما خَلْفَ هو ما بَعْدَ مَوْتِهِمْ إلى اسْتِمْرارِ الآخِرَةِ وما بَيْنَ ذَلِكَ هو مُدَّةُ الحَياةِ، وقالَ أبُو العالِيَةِ: ما بَيْنَ الأيْدِي الدُّنْيا بِأسْرِها إلى النَّفْخَةِ الأُولى وما خَلْفَ ذَلِكَ الآخِرَةُ مِن وقْتِ البَعْثِ وما بَيْنَ ذَلِكَ ما بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ وهو أرْبَعُونَ سَنَةً، وفي كِتابِ التَّحْرِيرِ والتَّحْبِيرِ ما بَيْنَ الأيْدِي الآخِرَةُ وما خَلْفَ الدُّنْيا، ورَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وبِهِ قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ وقَتادَةُ ومُقاتِلٌ وسُفْيانُ، وقالَ الأخْفَشُ: ما بَيْنَ الأيْدِي هو ما قَبْلَ الخَلْقِ وما خَلْفَ هو ما بَعْدَ الفَناءِ وما بَيْنَ ذَلِكَ ما بَيْنَ الدُّنْيا والآخِرَةِ فالمِئاتُ عَلى هَذِهِ الأقْوالِ مِنَ الزَّمانِ.

وقالَ صاحِبُ الفَنِّيّانِ: ما بَيْنَ أيْدِينا السَّماءُ وما خَلْفَنا الأرْضَ وما بَيْنَ ذَلِكَ ما بَيْنَ الأرْضِ والسَّماءِ، وقِيلَ: ما بَيْنَ الأيْدِي الأرْضُ وما خَلْفَ السَّماءُ وقِيلَ: ما بَيْنَ الأيْدِي المَكانُ الَّذِي يَنْتَقِلُونَ إلَيْهِ وما خَلْفَ المَكانِ الَّذِي يَنْتَقِلُونَ مِنهُ وما بَيْنَ ذَلِكَ المَكانِ الَّذِي هم فِيهِ فالمِئاتُ مِنَ الأمْكِنَةِ، واخْتارَ بَعْضُهم تَفْسِيرَها بِما يَعُمُّ الزَّمانَ والمَكانَ، والمُرادُ أنَّهُ تَعالى المالِكُ لِكُلِّ ذَلِكَ فَلا نَنْتَقِلُ مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ ولا نَنْزِلُ في زَمانٍ دُونَ زَمانٍ إلّا بِإذْنِهِ عَزَّ وجَلَّ.

وقالَ البَغَوِيُّ: المُرادُ لَهُ عِلْمُ ما بَيْنَ أيْدِينا إلَخْ أيْ فَلا نُقَدِّمُ عَلى ما لَمْ يَكُنْ مُوافِقَ حِكْمَتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى.

واخْتارَ بَعْضُهُمُ التَّعْمِيمَ أيْ لَهُ سُبْحانَهُ ذَلِكَ مِلْكًا وعِلْمًا ﴿وما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ أيْ تارِكًا أنْبِياءَهُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ويَدْخُلُ ﷺ في ذَلِكَ دُخُولًا أوَّلِيًّا أيْ ما كانَ عَدَمُ النُّزُولِ إلّا لِعَدَمِ الأمْرِ بِهِ ولَمْ يَكُنْ عَنْ تَرْكِ اللَّهِ تَعالى لَكَ وتَوْدِيعِهِ إيّاكَ كَما زَعَمَتِ الكَفَرَةَ وإنَّما كانَ لِحِكْمَةٍ بالِغَةٍ، وقِيلَ: النِّسْيانُ عَلى ظاهِرِهِ يَعْنِي أنَّهُ سُبْحانَهُ لِإحاطَةِ عِلْمِهِ ومِلْكِهِ لا يَطْرَأُ عَلَيْهِ الغَفْلَةُ والنِّسْيانُ حَتّى يَغْفُلَ عَنْكَ وعَنِ الإيحاءِ إلَيْكَ وإنَّما كانَ تَأْخِيرُ الإيحاءِ لِحِكْمَةِ عَلَمِها جَلَّ شَأْنُهُ، واخْتِيرَ الأوَّلُ لِأنَّ هَذا المَعْنى لا يَجُوزُ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ فَلا حاجَةَ إلى نَفْيِهِ عَنْهُ عَزَّ وجَلَّ مَعَ

صفحة 115

أنَّ الأوَّلَ هو الأوْفَقُ لِسَبَبِ النُّزُولِ.

ورَجَّحَ الثّانِي بِأنَّهُ أوْفَقُ بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ فَإنَّها بِاعْتِبارِ كَثْرَةٍ مِن فَرَضَ التَّعَلُّقَ بِهِ وهي أتَمُّ عَلى الثّانِي مَعَ ما في ذَلِكَ مِن إبْقاءِ اللَّفْظِ عَلى حَقِيقَتِهِ، وكَثِيرًا ما جاءَ في القُرْآنِ نَفْيُ ما لا يَجُوزُ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وفِيهِ نَظَرٌ، نَعَمْ لا شُبْهَةَ في أنَّ المُتَبادَرَ الثّانِيَ وأمْرَ الأوْفَقِيَّةِ لِسَبَبِ النُّزُولِ سَهْلٌ، وفي إعادَةِ اسْمِ الرَّبِّ المُعْرِبِ عَنِ التَّبْلِيغِ إلى الكَمالِ اللّائِقِ مُضافًا إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن تَشْرِيفِهِ ﷺ والإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ ما لا يَخْفى، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ وابْنُ بَحْرٍ: أوَّلُ الآيَةِ إلى ﴿وما بَيْنَ ذَلِكَ﴾ مِن كَلامِ المُتَّقِينَ حِينَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ والتَّنَزُّلُ فِيهِ مِنَ النُّزُولِ في المَكانِ، والمَعْنى وما نَحِلُّ الجَنَّةَ ونَتَّخِذُها مَنازِلَ إلّا بِأمْرِ رَبِّكَ تَعالى ولُطْفِهِ وهو سُبْحانَهُ مالِكُ الأُمُورِ كُلِّها سالِفِها ومُتَرَقَّبِها وحاضِرِها، فَما وجَدْنا وما نَجِدُهُ مِن لُطْفِهِ وفَضْلِهِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿وما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ تَقْرِيرٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى لِقَوْلِهِمْ أيْ وما كانَ سُبْحانَهُ تارِكًا لِثَوابِ العالَمِينَ أوْ ما كانَ ناسِيًا لِأعْمالِهِمْ والثَّوابِ عَلَيْها حَسْبَما وعَدَ جَلَّ وعَلا، وفِيهِ أنَّ حَمْلَ التَّنَزُّلِ عَلى ما ذُكِرَ خِلافُ الظّاهِرِ. وأيْضًا مُقْتَضاهُ بِأمْرِ رَبِّنا لِأنَّ خِطابَ النَّبِيِّ ﷺ كَما في الوَجْهِ الأوَّلِ غَيْرُ ظاهِرٍ إلّا أنْ يَكُونَ حَكاهُ اللَّهُ تَعالى عَلى المَعْنى لِأنَّ رَبَّهم ورَبَّهُ واحِدٌ ولَوْ حُكِيَ عَلى لَفْظِهِمْ لَقِيلَ رَبُّنا، وإنَّما حُكِيَ كَذَلِكَ لِيُجْعَلَ تَمْهِيدًا لِما بَعْدَهُ، وكَوْنُ ذَلِكَ خِطابَ جَماعَةِ المُتَّقِينَ لِواحِدٍ مِنهم بِعِيدٌ وكَذا ﴿وما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ إذْ لَمْ يَقُلْ رَبُّهم. وأيْضًا لا يُوافِقُ ذَلِكَ سَبَبَ النُّزُولِ بِوَجْهٍ، وكَأنَّ القائِلَ إنَّما اخْتارَهُ لِيُناسِبَ الكَلامُ ما قَبْلَهُ ويُظْهِرَ عَطْفَهُ عَلَيْهِ. وقَدْ تَحَقَّقَ أنا في غِنًى عَنِ ارْتِكابِهِ لِهَذا الغَرَضِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском