Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Maryam 19:6–8
19:6Page 305
يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنۡ ءَالِ يَعۡقُوبَۖ وَٱجۡعَلۡهُ رَبِّ رَضِيّٗا ٦
Who will inherit me1 and inherit from the family of Jacob. And make him, my Lord, pleasing [to You]."
وقَوْلُهُ ﴿يَرِثُنِي ويَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ﴾ صِفَةٌ لَوَلِيًّا كَما هو المُتَبادَرُ مِنَ الجُمْلَةِ الواقِعَةِ بَعْدَ النَّكِراتِ، ويُقالُ: ورِثَهُ ووَرِثَ مِنهُ لُغَتانِ كَما قِيلَ، وقِيلَ مِن لِلتَّبْعِيضِ لا لِلتَّعْدِيَةِ، وآلُ الرَّجُلِ خاصَّتُهُ الَّذِينَ يَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُهم لِلْقَرابَةِ أوِ الصُّحْبَةِ أوِ المُوافَقَةِ في الدِّينِ، ويَعْقُوبُ عَلى ما رُوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ هو يَعْقُوبُ بْنُ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ فَإنَّ زَكَرِيّا مِن ولَدِ هارُونَ وهو مِن ولَدِ لاوِي ابْنِ يَعْقُوبَ وكانَ مُتَزَوِّجًا بِأُخْتِ مَرْيَمَ بِنْتِ عُمْرانَ وهي مِن ولَدِ سُلَيْمانَ بْنِ داوُدَ عَلَيْهِما السَّلامُ وهو مِن ولَدِ يَهُوذَ بْنِ يَعْقُوبَ أيْضًا. وقالَ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ: هو يَعْقُوبُ بْنُ ماثانَ وأخُوهُ عِمْرانَ بْنِ ماثانَ أبُو مَرْيَمَ.
وقِيلَ: هو أخُو زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ والمُرادُ مِنَ الوِراثَةِ في المَوْضِعَيْنِ العِلْمُ عَلى ما قِيلَ.
وقالَ الكَلْبِيُّ: كانَ بَنُو ماثانَ رُؤُوسَ بَنِي إسْرائِيلَ ومُلُوكَهُمْ، وكانَ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ رَئِيسَ الأحْبارِ يَوْمَئِذٍ فَأرادَ أنْ يَرِثَهُ ولَدُهُ الحُبُورَةَ ويَرِثَ مِن بَنِي ماثانَ مُلْكَهم فَتَكُونُ الوِراثَةُ مُخْتَلِفَةً في المَوْضِعَيْنِ وأُيِّدَ ذَلِكَ بِعَدَمِ اخْتِيارِ العَطْفِ عَلى الضَّمِيرِ المَنصُوبِ والِاكْتِفاءِ بِيَرِثُ الأوَّلِ، وقِيلَ الوِراثَةُ الأُولى وِراثَةُ النُّبُوَّةِ والثّانِيَةُ وِراثَةُ المُلْكِ فَتَكُونُ
صفحة 63
مُخْتَلِفَةً أيْضًا إلّا أنَّ قَوْلَهُ ﴿واجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ أيْ مَرْضِيًّا عِنْدَكَ قَوْلًا وفِعْلًا، وقِيلَ راضِيًا والأوَّلُ أنْسَبُ يَكُونُ عَلى هَذا تَأْكِيدًا لِأنَّ النَّبِيَّ شَأْنُهُ أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ، وعَلى ما قُلْنا يَكُونُ دُعاءً بِتَوْفِيقِهِ لِلْعَمَلِ كَما أنَّ الأوَّلَ مُتَضَمِّنٌ لِلدُّعاءِ بِتَوْفِيقِهِ لِلْعِلْمِ، فَكَأنَّهُ طَلَبَ أنْ يَكُونَ ولَدُهُ عالِمًا عامِلًا، وقِيلَ: المُرادُ اجْعَلْهُ مَرْضِيًّا بَيْنَ عِبادِكَ أيْ مُتَّبِعًا فَلا يَكُونُ هُناكَ تَأْكِيدٌ مُطْلَقًا، وتَوْسِيطُ (رَبِّ) بَيْنَ مَفْعُولَيِ الجَعْلِ عَلى سائِرِ الأوْجُهِ لِلْمُبالَغَةِ في الِاعْتِناءِ بِشَأْنِ ما يَسْتَدْعِيهِ.
واخْتارَ السَّكّاكِيُّ أنَّ الجُمْلَتَيْنِ مُسْتَأْنِفَتانِ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِأنَّهُ يَرِدُ أنَّهُ يَلْزَمُ عَلى الوَصْفِيَّةِ أنْ لا يَكُونَ قَدْ وهَبَ لِزَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ مِن وصْفٍ لِهَلاكِ يَحْيى عَلَيْهِ السَّلامُ قَبْلَ هَلاكِهِ لِقَتْلِ يَحْيى عَلَيْهِ السَّلامُ قَبْلَ قَتْلِهِ. وتُعُقِّبَ ذَلِكَ في الكَشْفِ بِأنَّهُ مَدْفُوعٌ بِأنَّ الرِّواياتِ مُتَعارِضَةٌ والأكْثَرُ عَلى هَلاكِ زَكَرِيّا قَبْلَهُ عَلَيْهِما السَّلامُ، ثُمَّ قالَ: وأمّا الجَوابُ بِأنَّهُ لا غَضاضَةَ في أنْ يُسْتَجابَ لِلنَّبِيِّ بَعْضُ ما سَألَ دُونَ بَعْضٍ ألا تَرى إلى دَعْوَةِ نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في حَقِّ أُمَّتِهِ حَيْثُ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ( «وسَألْتُهُ أنْ لا يُذِيقَ بَعْضَهم بَأْسَ بَعْضٍ فَمَنَعْنِيها» ).
وإلى دَعْوَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ في حَقِّ أبِيهِ فَإنَّما يَتِمُّ لَوْ كانَ المَحْذُورُ ذَلِكَ وإنَّما المَحْذُورُ لُزُومُ الخُلْفِ في خَبَرِهِ تَعالى فَقَدْ قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى في الأنْبِياءِ ﴿فاسْتَجَبْنا لَهُ﴾ وهو يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أُعْطِيَ ما سَألَ مِن غَيْرِ تَفْرِقَةٍ بَيْنَ بَعْضٍ وبَعْضٍ، وكَذَلِكَ سِياقُ الآياتِ الأُخَرِ. ولَكَ أنْ تَسْتَدِلَّ بِظاهِرِ هَذِهِ الآيَةِ عَلى ضَعْفِ رِوايَةِ مَن زَعَمَ أنَّ يَحْيى هَلَكَ قَبْلَ أبِيهِ عَلَيْهِما السَّلامُ، وأمّا الإيرادُ بِأنَّ ما اخْتِيرَ مِنَ الحَمْلِ عَلى الِاسْتِئْنافِ لا يَدْفَعُ المَحْذُورَ لِأنَّهُ وصْلٌ مَعْنَوِيٌّ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّ الوَصْلَ ثابِتٌ ولَكِنَّهُ غَيْرُ داخِلٍ في المَسْؤُولِ لِأنَّهُ بَيانُ العِلَّةِ الباعِثَةِ عَلى السُّؤالِ ولا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ عِلَّةَ السُّؤالِ مَسْؤُولَةً انْتَهى.
وأجابَ بَعْضُهم بِأنَّهُ حَيْثُ كانَ المُرادُ مِنَ الوِراثَةِ هُنا وِراثَةَ العِلْمِ لا يَضُرُّ هَلاكُهُ قَبْلَ أبِيهِ عَلَيْهِما السَّلامُ لِحُصُولِ الغَرَضِ وهو أخْذُ ذَلِكَ وإفاضَتُهُ عَلى الغَيْرِ بِحَيْثُ تَبْقى آثارُهُ بَعْدَ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ زَمانًا طَوِيلًا ولا يَخْفى أنَّ المَعْرُوفَ بَقاءُ ذاتِ الوارِثِ بَعْدَ المَوْرُوثِ عَنْهُ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ والزُّهْرِيُّ والأعْمَشُ وطَلْحَةُ واليَزِيدِيُّ وابْنُ عِيسى الأصْفَهانِيُّ وابْنُ مُحَيْصِنٍ وقَتادَةُ بِجَزْمِ الفِعْلَيْنِ عَلى أنَّهُما جَوابُ الدُّعاءِ والمَعْنى أنْ تَهَبَ لِي ذَلِكَ يَرِثُنِي إلَخْ، والمُرادُ أنَّهُ كَذَلِكَ في ظَنِّي ورَجائِي، وقَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ. وابْنُ عَبّاسٍ وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم والحَسَنُ وابْنُ يَعْمُرَ والجَحْدَرِيُّ وأبُو حَرْبِ بْنُ أبِي الأسْوَدِ وأبُو نَهِيكٍ ( يَرِثُنِي ) بِالرَّفْعِ ( وأرِثُ ) فِعْلًا مُضارِعًا مِن ورِثَ وخَرَجَ ذَلِكَ عَلى أنَّ المَعْنى يَرِثُنِي العِلْمَ وأرِثُ أنا بِهِ المُلْكَ مِن آلِ يَعْقُوبَ وذَلِكَ بِجَعْلِ وِراثَةِ الوَلِيِّ المُلْكَ وِراثَةً لِزَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّ رَفْعَةَ الوَلَدِ لِلْوالِدِ، والواوُ لِمُطْلَقِ الجَمْعِ، وقالَ بَعْضُهم: والواوُ لِلْحالِ والجُمْلَةُ حالٌ مِن أحَدِ الضَّمِيرَيْنِ، وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: فِيهِ تَقْدِيمٌ ومَعْناهُ فَهَبْ لِي ولِيًّا مِن آلِ يَعْقُوبَ يَرِثُنِي النُّبُوَّةَ إنْ مُتُّ قَبْلَهُ وأرِثُهُ مالَهُ إنْ ماتَ قَبْلِي وفِيهِ ما سَتَعْلَمُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى قَرِيبًا، ونُقِلَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، وجَماعَةٍ أنَّهم قَرَءُوا ( يَرِثُنِي وأرِثُ ) بِرَفْعِ وأرِثُ بِزِنَةِ فاعِلٍ عَلى أنَّهُ فاعِلُ يَرِثُنِي عَلى طَرِيقَةِ التَّجْرِيدِ كَما قالَ أبُو الفَتْحِ وغَيْرُهُ أيْ يَرِثُنِي ولِيٌّ مِن ذَلِكَ الوَلِيِّ أوْ بِهِ، فَقَدْ جَرَّدَ مِنَ الوَلِيِّ ولِيًّا كَما تَقُولُ رَأيْتُ مِنهُ أوْ بِهِ أسَدًا، وعَنِ الجَحْدَرِيِّ أنَّهُ قَرَأ ( وأرِثُ ) بِإمالَةِ الواوِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ ( أُوَيْرِثُ ) تَصْغِيرُ وارِثٍ وأصْلُهُ وُوَيْرِثُ
صفحة 64
بِواوَيْنِ الأُولى فاءُ الكَلِمَةِ الأصْلِيَّةِ والثّانِيَةُ بَدَلُ ألْفِ فاعِلٍ لِأنَّها تُقْلَبُ واوًا في التَّصْغِيرِ كَضُوَيْرِبٍ، ولَمّا وقَعَتِ الواوُ مَضْمُومَةً قَبْلَ أُخْرى في أوَّلِهِ قُلِبَتْ هَمْزَةً كَما تَقَرَّرَ في التَّصْرِيفِ، ونُقِلَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: التَّصْغِيرُ لِصِغَرِهِ فَإنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا طَلَبَهُ في كِبَرِهِ عَلِمَ ولَوْ حَدْسًا أنَّهُ يَرِثُهُ في صِغَرِ سِنِّهِ، وقِيلَ: لِلْمَدْحِ ولَيْسَ بِذاكَ.
هَذا واسْتَدَلَّ الشِّيعَةُ بِالآيَةِ عَلى أنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ تُورَثُ عَنْهم أمْوالُهم لِأنَّ الوِراثَةَ حَقِيقِيَّةٌ في وِراثَةِ المالِ ولا داعِيَ إلى الصَّرْفِ عَنِ الحَقِيقَةِ، وقَدْ ذَكَرَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ في الدُّرِّ المَنثُورِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ وأبِي صالِحٍ أنَّهم قالُوا في الآيَةِ: يَرِثُنِي مالِي.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ ﷺ قالَ في الآيَةِ: «يَرْحَمُ اللَّهُ تَعالى أخِي زَكَرِيّا ما كانَ عَلَيْهِ مِن ورَثَةٍ» . وفي رِوايَةٍ: «ما كانَ عَلَيْهِ مِمَّنْ يَرِثُ مالَهُ» .، وقالَ بَعْضُهم: إنَّ الوِراثَةَ ظاهِرَةٌ في ذَلِكَ ولا يَجُوزُ ها هُنا حَمْلُها عَلى وِراثَةِ النُّبُوَّةِ لِئَلّا يَلْغُوَ قَوْلُهُ: ﴿واجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ ولا عَلى وِراثَةِ العِلْمِ لِأنَّهُ كَسْبِي والمَوْرُوثُ حاصِلٌ بِلا كَسْبٍ. ومَذْهَبُ أهْلِ السُّنَّةِ أنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لا يَرْثُونَ مالًا ولا يُورِثُونَ لِما صَحَّ عِنْدَهم مِنَ الأخْبارِ. وقَدْ جاءَ ذَلِكَ أيْضًا مِن طَرِيقِ الشِّيعَةِ.
فَقَدْ رَوى الكُلِينِيُّ في الكافِي عَنْ أبِي البَخْتَرِيِّ عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرٍ الصّادِقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: إنَّ «العُلَماءَ ورَثَةُ الأنْبِياءِ» وذَلِكَ أنَّ الأنْبِياءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِرْهَمًا ولا دِينارًا وإنَّما ورَّثُوا أحادِيثَ مِن أحادِيثِهِمْ، فَمَن أخَذَ بِشَيْءٍ مِنها فَقَدْ أخَذَ بِحَظٍّ وافِرٍ.
وكَلِمَةُ إنَّما مُفِيدَةٌ لِلْحَصْرِ قَطْعًا بِاعْتِرافِ الشِّيعَةِ، والوِراثَةُ في الآيَةِ مَحْمُولَةٌ عَلى ما سَمِعْتَ ولا نُسَلِّمُ كَوْنَها حَقِيقَةً لُغَوِيَّةً في وِراثَةِ المالِ بَلْ هي حَقِيقَةٌ فِيما يَعُمُّ وِراثَةَ العِلْمِ والمَنصِبِ والمالِ، وإنَّما صارَتْ لِغَلَبَةِ الِاسْتِعْمالِ في عُرْفِ الفُقَهاءِ مُخْتَصَّةً بِالمالِ كالمَنقُولاتِ العُرْفِيَّةِ، ولَوْ سَلَّمْنا أنَّها مَجازٌ في ذَلِكَ فَهو مَجازٌ مُتَعارَفٌ مَشْهُورٌ خُصُوصًا في اسْتِعْمالِ القُرْآنِ المَجِيدِ، بِحَيْثُ يُساوِي الحَقِيقَةَ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِن عِبادِنا﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ ورِثُوا الكِتابَ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الكِتابَ مِن بَعْدِهِمْ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الأرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَن يَشاءُ مَن عِبادِهِ﴾، ﴿ولِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ قَوْلُهم لا داعِيَ إلى الصَّرْفِ عَنِ الحَقِيقَةِ قُلْنا: الدّاعِي مُتَحَقِّقٌ وهي صِيانَةُ قَوْلِ المَعْصُومِ عَنِ الكَذِبِ ودُونَ تَأْوِيلِهِ خَرْطُ القَتادِ، والآثارُ الدّالَّةُ عَلى أنَّهم يُوَرِّثُونَ المالَ لا يُعَوَّلُ عَلَيْها عِنْدَ النُّقّادِ، وزَعَمَ البَعْضُ أنَّهُ لا يَجُوزُ حَمْلُ الوِراثَةِ هُنا عَلى وِراثَةِ النُّبُوَّةِ لِئَلّا يَلْغُوَ قَوْلُهُ: ﴿واجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ قَدْ قَدَّمْنا ما يُعْلَمُ مِنهُ ما فِيهِ. وزُعِمَ أنَّ كَسَبِيَّةِ الشَّيْءِ تَمْنَعُ مِن كَوْنِهِ مَوْرُوثًا لَيْسَ بِشَيْءٍ، فَقَدْ تَعَلَّقَتِ الوِراثَةُ بِما لَيْسَ بِكَسْبِيٍّ في كَلامِ الصّادِقِ، ومِن ذَلِكَ أيْضًا ما رَواهُ الكُلِينِيُّ في الكافِي عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: إنَّ سَلِيمانَ ورِثَ داوُدَ وإنَّ مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ورِثَ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
فَإنَّ وِراثَةَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ لا يُتَصَوَّرُ أنْ تَكُونَ وِراثَةً غَيْرَ العِلْمِ والنُّبُوَّةِ ونَحْوِهِما، ومِمّا يُؤَيِّدُ حَمْلَ الوِراثَةِ هُنا عَلى وِراثَةِ العِلْمِ ونَحْوِهِ دُونَ المالِ أنَّهُ لَيْسَ في الأنْظارِ العالِيَةِ والهِمَمِ العَلْياءِ لِلنُّفُوسِ القُدْسِيَّةِ الَّتِي انْقَطَعَتْ مِن تَعَلُّقاتِ هَذا العالَمِ المُتَغَيِّرِ الفانِي واتَّصَلَتْ بِالعالَمِ الباقِي مَيْلٌ لِلْمَتاعِ الدُّنْيَوِيِّ قَدْرَ جَناحِ بَعُوضَةٍ لا سِيَّما جَنابُ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّهُ كانَ مَشْهُورًا بِكَمالِ الِانْقِطاعِ والتَّجَرُّدِ فَيَسْتَحِيلُ عادَةً أنْ يَخافَ مِن وِراثَةِ المالِ والمَتاعِ الَّذِي لَيْسَ لَهُ في نَظَرِهِ العالِي أدْنى قَدْرٍ أوْ يَظْهَرُ مِن أجْلِهِ الكَلَفُ والحُزْنُ والخَوْفُ ويَسْتَدْعِي مِن حَضْرَةِ الحَقِّ سُبْحانَهُ وتَعالى ذَلِكَ النَّحْوِ مِنَ الِاسْتِدْعاءِ وهو يَدُلُّ عَلى كَمالِ المَحَبَّةِ وتَعَلُّقِ القَلْبِ بِالدُّنْيا، وقالَتِ الشِّيعَةُ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ خافَ أنْ يَصْرِفَ بَنُو عَمِّهِ مالَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ فِيما لا يَنْبَغِي،
صفحة 65
فَطَلَبَ لَهُ الوارِثَ المَرْضِيَّ لِذَلِكَ، وفِيهِ أنَّ ذَلِكَ مِمّا لا يُخافُ مِنهُ إذِ الرَّجُلُ إذا ماتَ وانْتَقَلَ مالُهُ بِالوِراثَةِ إلى آخَرَ صارَ المالُ مالَ ذَلِكَ الآخَرِ فَصَرْفُهُ عَلى ذِمَّتِهِ صَوابًا أوْ خَطَأً ولا مُؤاخَذَةَ عَلى المَيِّتِ مِن ذَلِكَ الصَّرْفِ، بَلْ لا عِتابَ أيْضًا مَعَ أنَّ دَفْعَ هَذا الخَوْفِ كانَ مُيَسِّرًا لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنْ يَصْرِفَهُ قَبْلَ مَوْتِهِ ويَتَصَدَّقَ بِهِ كُلِّهِ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى ويَتْرُكَ بَنِي عَمِّهِ الأشْرارَ خائِبِينَ لِسُوءِ أحْوالِهِمْ وقُبْحِ أفْعالِهِمْ.
ولِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عِنْدَ الشِّيعَةِ خَبَرٌ بِزَمَنِ مَوْتِهِمْ وتَخْيِيرٌ فِيهِ فَما كانَ لَهُ خَوْفُ مَوْتِ الفَجْأةِ أيْضًا فَلَيْسَ قَصْدُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن مَسْألَةِ الوَلَدِ سِوى إجْراءِ أحْكامِ اللَّهِ تَعالى وتَرْوِيجِ الشَّرِيعَةِ وبَقاءِ النُّبُوَّةِ في أوْلادِهِ فَإنَّ ذَلِكَ مُوجِبٌ لِتَضاعُفِ الأجْرِ إلى حَيْثُ شاءَ اللَّهُ تَعالى مِنَ الدَّهْرِ، ومَن أنْصَفَ لَمْ يَتَوَقَّفْ في قَبُولِ ذَلِكَ واللَّهُ تَعالى الهادِي لِأقْوَمِ المَسالِكِ.
19:7Page 305
يَٰزَكَرِيَّآ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَٰمٍ ٱسۡمُهُۥ يَحۡيَىٰ لَمۡ نَجۡعَل لَّهُۥ مِن قَبۡلُ سَمِيّٗا ٧
[He was told],1 "O Zechariah, indeed We give you good tidings of a boy whose name will be John. We have not assigned to any before [this] name."
﴿يا زَكَرِيّا﴾ عَلى إرادَةِ القَوْلِ أيْ قِيلَ لَهُ أوْ قالَ اللَّهُ تَعالى يا زَكَرِيّا ﴿إنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى﴾ لَكِنْ لا بَأنْ يُخاطِبَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِذَلِكَ بِالذّاتِ بَلْ بِواسِطَةِ المَلِكِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ آيَةٌ أُخْرى عَلى أنْ يَحْكِيَ عَلَيْهِ السَّلامُ العِبارَةَ عَنْهُ عَزَّ وجَلَّ عَلى نَهْجِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ الآيَةَ وهَذا جَوابٌ لِنِدائِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ووَعْدٌ بِإجابَةِ دُعائِهِ كَما يُفْهِمُهُ التَّعْبِيرُ بِالبِشارَةِ دُونَ الإعْطاءِ أوْ نَحْوِهِ وما في الوَعْدِ مِنَ التَّراخِي لا يُنافِي التَّعْقِيبَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاسْتَجَبْنا لَهُ﴾ الآيَةَ لِأنَّهُ تَعْقِيبٌ عُرْفِيٌّ كَما في تَزَوَّجَ فَوُلِدَ لَهُ ولِأنَّ المُرادَ بِالِاسْتِجابَةِ الوَعْدُ أيْضًا لِأنَّ وعْدَ الكَرِيمِ نَقْدٌ، والمَشْهُورُ أنَّ هَذا القَوْلَ كانَ إثْرَ الدُّعاءِ ولَمْ يَكُنْ بَيْنَ البِشارَةِ والوِلادَةِ إلّا أشْهُرٌ، وقِيلَ: إنَّهُ رُزِقَ الوَلَدُ بَعْدَ أرْبَعِينَ سَنَةً مِن دُعائِهِ، وقِيلَ: بَعْدَ سِتِّينَ. والغُلامُ الوَلَدُ الذَّكَرُ، وقَدْ يُقالُ لِلْأُنْثى: غُلامَةٌ كَما قالَ:
تُهانُ لَها الغُلامَةُ والغُلامُ
وفِي تَعْيِينِ اسْمِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ تَأْكِيدٌ لِلْوَعْدِ وتَشْرِيفٌ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وفي تَخْصِيصِهِ بِهِ حَسْبَما يُعْرَفُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا﴾ أيْ شَرِيكًا لَهُ في الِاسْمِ حَيْثُ لَمْ يُسَمَّ أحَدٌ قَبْلَهُ بِيَحْيى عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ والسُّدِّيِّ وابْنِ أسْلَمَ مَزِيدُ تَشْرِيفٍ وتَفْخِيمٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وهَذا كَما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ شاهِدٌ عَلى أنَّ الأسْماءَ النّادِرَةَ الَّتِي لا يَكادُ النّاسُ يَسْتَعْمِلُونَها جَدِيرَةٌ بِالأثَرَةِ وإيّاها كانَتِ العَرَبُ تُنَحّى في التَّسْمِيَةِ لِكَوْنِها أنْبَهَ وأنْوَهَ وأنْزَهَ عَنِ النَّبْزِ حَتّى قالَ القائِلُ في مَدْحِ قَوْمٍ:
شُنْعُ الأسامِي مُسْبِلِي أُزُرِ ∗∗∗ حُمْرٌ تَمَسُّ الأرْضَ بِالهُدُبِ
وقِيلَ لِلصَّلْتِ بْنِ عَطاءٍ: كَيْفَ تَقَدَّمْتُ عِنْدَ البَرامِكَةِ وعِنْدَهم مَن هو آدَبُ مِنكَ؟ فَقالَ: كَنْتُ غَرِيبَ الدّارِ غَرِيبَ الِاسْمِ خَفِيفَ الجِرْمِ شَحِيحًا بِالأشْلاءِ، فَذُكِرَ مِمّا قَدَّمَهُ كَوْنُهُ غَرِيبَ الِاسْمِ وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُما عَنْ مُجاهِدٍ أنْ (سَمِيًّا) بِمَعْنى شَبِيهًا، ورُوِيَ عَنْ عَطاءٍ وابْنِ جُبَيْرٍ مِثْلُهُ أيْ لَمْ نَجْعَلْ لَهُ شَبِيهًا حَيْثُ أنَّهُ لَمْ يَعْصِ ولَمْ يَهُمَّ بِمَعْصِيَةٍ، فَقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ والحَكِيمُ والتِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ والحاكِمُ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ( «ما مِن أحَدٍ مِن ولَدِ آدَمَ إلّا وقَدْ أخْطَأ أوْ هَمَّ بِخَطِيئَةٍ إلّا يَحْيى بْنُ زَكَرِيّا عَلَيْهِما السَّلامُ لَمْ يَهُمَّ بِخَطِيئَةٍ ولَمْ يَعْمَلْها» )
والأخْبارُ في ذَلِكَ مُتَظافِرَةٌ، وقِيلَ: لَمْ يَكُنْ لَهُ شَبِيهٌ لِذَلِكَ ولِأنَّهُ وُلِدَ بَيْنَ شَيْخٍ فانٍ وعَجُوزٍ عاقِرٍ.
وقِيلَ لِأنَّهُ كانَ كَما وصَفَ اللَّهُ تَعالى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وسَيِّدًا وحَصُورًا ونَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ فَيَكُونُ هَذا إجْمالًا لِذَلِكَ، وإنَّما قِيلَ لِلشَّبِيهِ سَمِيٌّ لِأنَّ المُتَشابِهَيْنِ يَتَشارَكانِ في الِاسْمِ، ومِن هَذا الإطْلاقِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾
صفحة 66
لِأنَّهُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ التَّفْرِيعُ، والأظْهَرُ أنَّهُ اسْمٌ أعْجَمِيٌّ لِأنَّهُ لَمْ تَكُنْ عادَتُهُمُ التَّسْمِيَةَ بِالألْفاظِ العَرَبِيَّةِ فَيَكُونُ مَنعُهُ الصَّرْفَ عَلى القَوْلِ المَشْهُورِ في مِثْلِهِ لِلْعَلَمِيَّةِ والعُجْمَةِ، وقِيلَ أنَّهُ عَرَبِيٌّ ولِتِلْكَ العادَةِ مَدْخَلٌ في غَرابَتِهِ وعَلى هَذا فَهو مَنقُولٌ مِنَ الفِعْلِ كَيَعْمُرَ ويَعِيشَ وقَدْ سُمُّوا بِيَمُوتَ وهو يَمُوتُ بْنُ المُزَرِّعِ بْنِ أُخْتِ الجاحِظِ، ووَجْهُ تَسْمِيَتِهِ بِذَلِكَ عَلى القَوْلِ بِعَرَبِيَّتِهِ قِيلَ الإشارَةُ بِأنَّهُ يَعْمُرُ، وهَذا في مَعْنى التَّفاؤُلِ بِطُولِ حَياتِهِ، وكانَ في ذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَرِثُ حَسْبَما سَألَ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ حَيٌّ بِهِ رَحِمُ أُمِّهِ، وقِيلَ لِأنَّهُ حَيٌّ بَيْنَ شَيْخٍ فانٍ وعَجُوزٍ عاقِرٍ، وقِيلَ لِأنَّهُ يَحْيا بِالحِكْمَةِ والعِفَّةِ، وقِيلَ لِأنَّهُ يَحْيا بِإرْشادِ الخَلْقِ وهِدايَتِهِمْ، وقِيلَ لِأنَّهُ يُسْتَشْهَدُ والشُّهَداءُ أحْياءٌ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، ثُمَّ لا يَخْفى أنَّهُ عَلى العَرَبِيَّةِ والعُجْمَةِ يَخْتَلِفُ الوَزْنُ والتَّصْغِيرُ كَما بُيِّنَ في مَحَلِّهِ.
19:8Page 305
قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَٰمٞ وَكَانَتِ ٱمۡرَأَتِي عَاقِرٗا وَقَدۡ بَلَغۡتُ مِنَ ٱلۡكِبَرِ عِتِيّٗا ٨
He said, "My Lord, how will I have a boy when my wife has been barren and I have reached extreme old age?"
(قالَ) اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى السُّؤالِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَئِذٍ؟ فَقِيلَ قالَ (رَبِّ) ناداهُ تَعالى بِالذّاتِ مَعَ وُصُولِ خِطابِهِ تَعالى إلَيْهِ بِواسِطَةِ المَلَكِ لِلْمُبالَغَةِ في التَّضَرُّعِ والمُناجاةِ والجِدِّ في التَّبَتُّلِ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ، وقِيلَ لِذَلِكَ والِاحْتِرازِ عَمّا عَسى يُوهِمُ خِطابَهُ لِلْمَلِكِ مِن تَوَهُّمِ أنَّ عِلْمَهُ تَعالى بِما يَصْدُرُ عَنْهُ مُتَوَقِّفٌ عَلى تَوَسُّطِهِ كَما أنَّ عِلْمَ البَشَرِ بِما يَصْدُرُ عَنْهُ تَعالى مُتَوَقِّفٌ عَلى ذَلِكَ في عامَّةِ الأوْقاتِ، ولا يَخْفى أنَّ الِاقْتِصارَ عَلى الأوَّلِ أوْلى ﴿أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ كَلِمَةُ (أنّى) بِمَعْنى كَيْفَ أوْ مِن أيْنَ، وكانَ إمّا تامَّةً وأنّى واللّامُ مُتَعَلِّقانِ بِها، وتَقْدِيمُ الجارِّ عَلى الفاعِلِ لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ أيْ كَيْفَ أوْ مِن أيْنَ يَحْدُثُ لِي غُلامٌ، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ اللّامُ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن (غُلامٌ) أيْ: أنّى يَحْدُثُ كائِنًا لِي غُلامٌ، أوْ ناقِصَةٌ واسْمُها ظاهِرٌ وخَبَرُها إمّا أنّى و(لِي) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ كَما مَرَّ أوْ هو الخَبَرُ وأنّى نُصِبَ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وكانَتِ امْرَأتِي عاقِرًا﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ بِتَقْدِيرِ قَدْ وكَذا قَوْلُهُ تَعالى ﴿وقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكِبَرِ عِتِيًّا﴾ حالٌ مِنهُ مُؤَكِّدَةٌ لِلِاسْتِبْعادِ إثْرَ تَأْكِيدٍ، ومِن لِلِابْتِداءِ العَلِيِّ، والعِتِيُّ مِن عَتى يَعْتُو اليُبْسُ والقُحُولُ في المَفاصِلِ والعِظامِ.
وقالَ الرّاغِبُ: هو حالَةٌ لا سَبِيلَ إلى إصْلاحِها ومَداوَتِها، وقِيلَ إلى رِياضَتِها وهي الحالَةُ المُشارُ إلَيْها بِقَوْلِ الشّاعِرِ:
ومِنَ العَناءِ رِياضَةُ الهَرَمِ
وأصْلُهُ عُتُووٌ كَقُعُودٍ فاسْتُثْقِلَ تَوالِي الضَّمَّتَيْنِ والواوَيْنِ فَكُسِرَتِ التّاءُ فانْقَلَبَتِ الأُولى ياءً لِسُكُونِها وانْكِسارِ ما قَبْلَها ثُمَّ انْقَلَبَتِ الثّانِيَةُ أيْضًا لِاجْتِماعِ الواوِ والياءِ وسَبَقَ إحْداهُما بِالسُّكُونِ وكُسِرَتِ العَيْنُ اتِّباعًا لِما بَعْدَها، أيْ: كانَتِ امْرَأتِي عاقِرًا لَمْ تَلِدْ في شَبابِها وشَبابِي، فَكَيْفَ وهي الآنُ عَجُوزٌ وقَدْ بَلَغْتُ أنا مِن أجْلِ كِبَرِ السِّنِّ يَبَسًا وُقُحُولًا أوْ حالَةً لا سَبِيلَ إلى إصْلاحِها وقَدْ تَقَدَّمَ لَكَ الأقْوالُ في مِقْدارِ عُمُرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ إذْ ذاكَ. وأمّا عُمْرُ امْرَأتِهِ فَقَدْ قِيلَ إنَّهُ كانَ ثَمانِيَ وتِسْعِينَ.
وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ (مِن) لِلتَّبْعِيضِ أيْ بَلَغَتْ مِن مَدارِجِ الكِبَرِ ومَراتِبِهِ ما يُسَمّى عِتِيًّا، وجَعَلَها بَعْضُهم بَيانِيَّةً تَجْرِيدِيَّةً وفِيهِ بَحْثٌ والجارُّ والمَجْرُورُ إمّا مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن (عِتِيًّا) وهو نَصْبٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ، وأصْلُ المَعْنى مُتَّحِدٍ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى في آلِ عِمْرانَ حِكايَةً عَنْهُ بَلَغَنِيَ الكِبَرُ والتَّفاوُتُ في المُسْنَدِ إلَيْهِ لا يَضُرُّ فَإنَّ ما بَلَغَكَ مِنَ المَعانِي فَقَدْ بَلَغَتْهُ نِعَمٌ بَيْنَ الكَلامَيْنِ اخْتِلافٌ مِن حَيْثِيَّةٍ أُخْرى لا تَخْفى فَيَحْتاجُ اخْتِيارُ كُلٍّ مِنهُما في مَقامٍ إلى نُكْتَةٍ فَتُدَبَّرْ ذاكَ، وكَذا وجْهُ البَداءَةِ هاهُنا بِذِكْرِ حالِ امْرَأتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى عَكْسِ ما في تِلْكَ السُّورَةِ.
صفحة 67
وفِي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ لَعَلَّ ذَلِكَ لِما أنَّهُ قَدْ ذَكَرَ حالَهُ في تَضاعِيفِ دُعائِهِ وإنَّما المَذْكُورُ هاهُنا بُلُوغُهُ أقْصى مَراتِبِ الكِبَرِ تَتِمَّةً لِما ذُكِرَ قَبْلُ وأمّا هُنا لَكَ فَلَمْ يَسْبِقْ في الدُّعاءِ ذِكْرُ حالِهِ فَلِذَلِكَ قَدَّمَهُ عَلى ذِكْرِ حالِ امْرَأتِهِ لِما أنَّ المُسارَعَةَ إلى بَيانِ قُصُورِ شَأْنِهِ أنْسَبُ ا هـ.
وقالَ بَعْضُهم: يَحْتَمِلُ تَكَرُّرَ الدُّعاءِ والمُحاوَرَةَ واخْتِلافَ الأُسْلُوبِ لِلتَّفَنُّنِ مَعَ تَضَمُّنِ كُلِّ ما لَمْ يَتَضَمَّنْهُ الآخَرُ، فَتَأمَّلْ، واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ، والظّاهِرُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَعْرِفُ مِن نَفْسِهِ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ عاقِرًا، ولِذَلِكَ ذَكَرَ الكِبَرَ ولَمْ يَذْكُرِ العُقْرَ وإنَّما قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ ما ذَكَرَ مَعَ سَبْقِ دُعائِهِ بِذَلِكَ وقُوَّةِ يَقِينِهِ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى لا سِيَّما بَعْدَ مُشاهَدَتِهِ لِلشَّواهِدِ المَذْكُورَةِ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ اسْتِعْظامًا لِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى واعْتِدادًا بِنِعْمَتِهِ تَعالى عَلَيْهِ في ذَلِكَ بِإظْهارٍ أنَّهُ مِن مَحْضِ فَضْلِ اللَّهِ تَعالى ولُطْفِهِ مَعَ كَوْنِهِ في نَفْسِهِ مِنَ الأُمُورِ المُسْتَحِيلَةِ عادَةً ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ اسْتِبْعادًا، كَذا قِيلَ.
وقِيلَ: هو اسْتِبْعادٌ لَكِنَّهُ لَيْسَ راجِعًا إلى المُتَكَلِّمِ بَلْ هو بِالنِّسْبَةِ إلى المُبْطِلِينَ، وإنَّما طَلَبَ عَلَيْهِ السَّلامُ ما يُزِيلُ شَوْكَةَ اسْتِبْعادِهِمْ ويَجْلِبُ ارْتِداعَهم مِن سَيِّئِ عادَتِهِمْ، وذَلِكَ مِمّا لا بَأْسَ بِهِ مِنَ النَّبِيِّ خِلافًا لِابْنِ المُنِيرِ، نَعَمْ أُورِدَ عَلى ذَلِكَ أنَّ الدُّعاءَ كانَ خَفِيًّا عَنِ المُبْطِلِينَ.
وأُجِيبُ بِأنَّهُ يَحْتَمِلُ أنَّهُ جَهَرَ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ إظْهارًا لِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ وطَلَبًا لِما ذُكِرَ فَتَذَكَّرْ، وقِيلَ: هو اسْتِبْعادٌ راجِعٌ إلى المُتَكَلِّمِ حَيْثُ كانَ بَيْنَ الدُّعاءِ والبِشارَةِ سِتُّونَ سَنَةً، وكانَ قَدْ نَسِيَ عَلَيْهِ السَّلامُ دُعاءَهُ وهو بَعِيدٌ جِدًّا.
وقالَ في الِانْتِصافِ: الظّاهِرُ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ أنَّ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ طَلَبَ ولَدًا عَلى الجُمْلَةِ ولَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ أنَّهُ يُوجَدُ مِنهُ وهو هَرَمٌ، ولا إنَّهُ مِن زَوْجَتِهِ وهي عاقِرٌ، ولا أنَّهُ يُعادُ عَلَيْهِما قُوَّتُهُما وشَبابُهُما كَما فَعَلَ بِغَيْرِهِما أوْ يَكُونُ الوَلَدُ مِن غَيْرِ زَوْجَتِهِ العاقِرِ، فاسْتُبْعِدَ الوَلَدُ مِنهُما وهُما بِحالِهِما فاسْتَخْبَرَ أيَكُونُ وهُما كَذَلِكَ فَقِيلَ لَهُ كَذَلِكَ أيْ يَكُونُ الوَلَدُ وأنْتُما كَذَلِكَ. وتُعُقِّبَ بِأنَّ قَوْلَهُ ﴿فَهَبْ لِي مِن لَدُنْكَ﴾ ظاهِرٌ في أنَّهُ طَلَبُ الوَلَدِ وهُما عَلى حالَةٍ يَسْتَحِيلُ عادَةً مِنهُما الوَلَدُ.
والظّاهِرُ عِنْدِي كَوْنُهُ اسْتِبْعادًا مِن حَيْثُ العادَةُ أوْ هو بِالنِّسْبَةِ إلى المُبْطِلِينَ وهو كَما في الكَشْفِ أوْلى. وقَرَأ أكْثَرُ السَّبْعَةِ (عُتِيًّا) بِضَمِّ العَيْنِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ بِفَتْحِها وكَذا بِفَتْحِ صادِ (صِلِيًّا) وأصْلُ ذَلِكَ كَما قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ رَدًّا عَلى قَوْلِ ابْنِ مُجاهِدٍ لا أعْرِفُ لَهُما في العَرَبِيَّةِ أصْلًا ما جاءَ مِنَ المَصادِرِ عَلى فَعِيلٍ نَحْوَ الحَوِيلِ والزَّوِيلِ وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أيْضًا ومُجاهِدٍ أنَّهُما قَرَأ ( عُسِيًّا ) بِضَمِّ العَيْنِ وبِالسِّينِ مَكْسُورَةً. وحَكى ذَلِكَ الدّانِي عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والزَّمَخْشَرِيُّ عَنْ أُبَيٍّ، ومُجاهِدٌ وهو مِن عَسا العُودُ يَعْسُو إذا يَبِسَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences