Al-AlusiMaryam · 19:70–73

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Maryam 19:70–73

19:70Page 310

ثُمَّ لَنَحۡنُ أَعۡلَمُ بِٱلَّذِينَ هُمۡ أَوۡلَىٰ بِهَا صِلِيّٗا ٧٠

Then, surely it is We who are most knowing of those most worthy of burning therein.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أعْلَمُ بِالَّذِينَ هم أوْلى بِها صِلِيًّا﴾ فالمُرادُ بِالَّذِينِ هم أوْلى المُنْتَزِعُونَ بِاعْتِبارِ التَّرْتِيبِ، وقَدْ يُرادُ بِهِمْ أُولَئِكَ بِاعْتِبارِ المَجْمُوعِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ثُمَّ لَنَحْنُ أعْلَمُ بِتَصْلِيَةِ هَؤُلاءِ وهم أوْلى بِالصِّلِيِّ مِن بَيْنِ سائِرِ الصّالِّينَ ودَرَكاتُهم أسْفَلُ وعَذابُهم أشَدُّ فَفي الكَلامِ إقامَةُ المُظْهَرِ مَقامَ المُضْمَرِ، وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ النَّزْعَ بِالرَّمْيِ مِن نَزَعْتُ السَّهْمَ عَنِ القَوْسِ أيْ رَمْيَتُهُ، فالمَعْنى لَنَرْمِيَنَّ فِيها الأعْصى فالأعْصى مِن كُلِّ طائِفَةٍ مِن تِلْكَ الطَّوائِفِ ثُمَّ لَنَحْنُ أعْلَمُ بِتَصْلِيَتِهِمْ وحَمْلِ الآيَةِ عَلى البَدْءِ بِالأشَدِّ فالأشَدِّ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ. وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِأشَدِّهِمْ عِتِيًّا رُؤَساءُ الشِّيَعِ وأئِمَّتُهم لِتَضاعُفِ جُرْمِهِمْ بِكَوْنِهِمْ ضُلّالًا مُضِلِّينَ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهم عَذابًا فَوْقَ العَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ﴾، ﴿ولَيَحْمِلُنَّ أثْقالَهم وأثْقالا مَعَ أثْقالَهُمْ﴾ .

وأخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ وعَلَيْهِ لا يَجِبُ الِاسْتِمْرارُ والإحاطَةُ. وأوْرَدَ عَلى القَوْلِ بِالعُمُومِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿ولَيَحْمِلُنَّ أثْقالَهم وأثْقالا مَعَ أثْقالَهُمْ﴾ يَقْتَضِي اشْتِراكَ الكُلِّ في العِتِيِّ بَلْ في أشَدِّيَّتِهِ وهو لا يُناسِبُ المُؤْمِنِينَ، وأُجِيبُ عَنْهُ بِأنَّ ذَلِكَ مِن نِسْبَةِ ما لِلْبَعْضِ إلى الكُلِّ، والتَّفْضِيلُ عَلى طائِفَةٍ لا يَقْتَضِي مُشارَكَةَ كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ فَإذا قُلْتَ: هو أشْجَعُ العَرَبِ لا يَلْزَمُهُ وُجُودُ الشَّجاعَةِ في جَمِيعِ أفْرادِهِمْ، وعَلى هَذا يَكُونُ في الآيَةِ إيماءٌ إلى التَّجاوُزِ عَنْ كَثِيرٍ حَيْثُ خُصَّ العَذابُ بِالأشَدِّ مَعْصِيَةً، (وأيُّهُمْ) مَفْعُولُ (لَنَنْزِعَنَّ) وهو اسْمٌ مَوْصُولٌ بِمَعْنى الَّذِي مَبْنِيٌّ عَلى الضَّمِّ مَحَلُّهُ

صفحة 120

النَّصْبُ (وأشَدُّ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هو أشَدُّ والجُمْلَةُ صِلَةٌ والعائِدُ المُبْتَدَأُ و﴿عَلى الرَّحْمَنِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِأشَدُّ (وعِتِيًّا) تَمْيِيزٌ مُحَوَّلٌ عَنِ المُبْتَدَأِ، ومَن زَعَمَ أنَّهُ جَمْعٌ جَعَلَهُ حالًا، وجُوِّزَ في الجارِّ أنْ يَكُونَ لِلْبَيانِ فَهو مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ كَما في سَقْيًا لَكَ، ويَجُوزُ تَعَلُّقُهُ بِعِتِيًّا، أمّا إنْ كانَ وصْفًا فَبِالِاتِّفاقِ، وأمّا إذا كانَ مَصْدَرًا فَعِنْدَ القائِلِ بِجَوازِ تَقَدُّمِ مَعْمُولِ المَصْدَرِ لا سِيَّما إذا كانَ ظَرْفًا، وكَذا الكَلامُ في (بِها) مِن قَوْلِهِ ﴿هم أوْلى بِها صِلِيًّا﴾ فَإنَّهُ جَوَّزَ أنْ يَكُونَ الجارُّ لِلْبَيانِ وأنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِأوْلى وأنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بَصَلِيًّا، وقَدْ قُرِئَ بِالضَّمِّ والكَسْرِ، وجُوِّزَ فِيهِ المَصْدَرِيَّةُ والوَصْفِيَّةُ، وهو عَلى الوَصْفِيَّةِ حالٌ وعَلى المَصْدَرِيَّةِ تَمْيِيزٌ عَلى طَرْزِ ما قِيلَ في (عِتِيًّا) إلّا أنَّهُ جُوِّزَ فِيهِ أنْ يَكُونَ تَمْيِيزًا عَنِ النِّسْبَةِ بَيْنَ (أوْلى) والمَجْرُورِ وقَدْ أُشِيرَ إلى ذَلِكَ فِيما مَرَّ.

والصِّلِيُّ مِن صَلِيَ النّارَ كَرَضِيَ وبِها قاسى حَرَّها، وقالَ الرّاغِبُ: يُقالُ صَلِيَ بِالنّارِ وبِكَذا أيْ بَلِيَ بِهِ، وعَنِ الكَلْبِيِّ أنَّهُ فَسَّرَ الصِّلِيَّ بِالدُّخُولِ، وعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّهُ فَسَّرَهُ بِالخُلُودِ، ولَيْسَ كُلٌّ مِنَ المَعْنَيَيْنِ بِحَقِيقِيٍّ لَهُ كَما لا يَخْفى، ثُمَّ ما ذُكِرَ مِن بِناءِ- أيُّ- هُنا هو مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ، وكانَ حَقُّها أنْ تُبْنى في كُلِّ مَوْضِعٍ كَسائِرِ المَوْصُولاتِ لِشَبَهِها الحَرْفَ بِافْتِقارِها لِما بَعْدَها مِنَ الصِّلَةِ لَكِنَّها لَمّا لَزِمَتِ الإضافَةَ إلى المُفْرَدِ لَفْظًا أوْ تَقْدِيرًا وهي مِن خَواصِّ الأسْماءِ بَعْدَ الشَّبَهِ فَرَجَعَتْ إلى الأصْلِ في الأسْماءِ وهو الإعْرابُ ولِأنَّها إذا أُضِيفَتْ إلى نَكِرَةٍ كانَتْ بِمَعْنى كُلٍّ وإذا أُضِيفَتْ إلى مَعْرِفَةٍ كانَتْ بِمَعْنى بَعْضٍ فَحُمِلَتْ في الإعْرابِ عَلى ما هي بِمَعْناهُ وعادَتْ هُنا عِنْدَهُ إلى ما هو حَقُّ المَوْصُولِ وهو البِناءُ لِأنَّهُ لَمّا حُذِفَ صَدْرُ صِلَتِها ازْدادَ نَقْصُها المَعْنَوِيُّ وهو الإبْهامُ والِافْتِقارُ لِلصِّلَةِ بِنَقْصِ الصِّلَةِ الَّتِي هي كَجُزْئِها فَقَوِيَتْ مُشابَهَتُها لِلْحَرْفِ، ولَمْ يَرْتَضِ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ ما ذَهَبَ إلَيْهِ.

قالَ أبُو عَمْرٍو الجَرْمِيُّ: خَرَجْتُ مِنَ البَصْرَةِ فَلَمْ أسْمَعْ مُنْذُ فارَقْتُ الخَنْدَقَ إلى مَكَّةَ أحَدًا يَقُولُ: لَأضْرِبَنَّ أيُّهم قائِمٌ بِالضَّمِّ، وقالَ أبُو جَعْفَرٍ النَّحّاسُ: ما عَلِمْتُ أحَدًا مِنَ النَّحْوِيِّينَ إلّا وقَدْ خَطَّأ سِيبَوَيْهِ في هَذِهِ المَسْألَةِ.

وقالَ الزَّجّاجُ: ما تَبَيَّنَ أنَّ سِيبَوَيْهَ غَلِطَ في كِتابِهِ إلّا في مَوْضِعَيْنِ هَذا أحَدُهُما، فَإنَّهُ يَقُولُ بِإعْرابِ أيِّ إذا أُفْرِدَتْ عَنِ الإضافَةِ فَكَيْفَ يَبْنِيها إذا أُضِيفَتْ. وقَدْ تَكَلَّفَ شَيْخُنا عَلاءُ الدِّينِ أعْلى اللَّهُ تَعالى مَقامَهُ في عِلِّيِّينَ لِلذَّبِّ عَنْ سِيبَوَيْهِ في ذَلِكَ بِما لا يَفِي بِمُؤْنَةِ نَقْلِهِ، وقَدْ ذَكَرْنا بَعْضًا مِنهُ في حَواشِينا عَلى شَرْحِ القَطْرِ لِلْمُصَنِّفِ.

نَعَمْ يُؤَيِّدُ ما ذَهَبَ إلَيْهِ سِيبَوَيْهِ مِنَ المَفْعُولِيَّةِ قِراءَةُ طَلْحَةَ بْنِ مُصْرِّفٍ ومُعاذِ بْنِ مُسْلِمٍ الهَرّاءِ أُسْتاذِ الفَرّاءِ وزائِدَةُ عَنِ الأعْمَشِ أيَّهم بِالنَّصْبِ لَكِنَّها تَرُدُّ ما نُقِلَ عَنْهُ مِن تَحَتُّمِ البِناءِ إذا أُضِيفَتْ وحُذِفَ صَدْرُ صِلَتِها، ويَنْبَغِي إذا كانَ واقِفًا عَلى هَذِهِ القِراءَةِ أنْ يَقُولَ بِجَوازِ الأمْرَيْنِ فِيها حِينَئِذٍ، وقالَ الخَلِيلُ: مَفْعُولُ نَنْزِعَنَّ مَوْصُولٌ مَحْذُوفٌ وأيُّ هُنا اسْتِفْهامِيَّةٌ مُبْتَدَأٌ وأشَدُّ خَبَرُهُ والجُمْلَةُ مَحْكِيَّةٌ بِقَوْلٍ وقَعَ صِلَةً لِلْمَوْصُولِ المَحْذُوفِ أيْ لَنَنْزِعَنَّ الَّذِينَ يُقالُ فِيهِمْ: أيُّهم أشَدُّ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا مَعْنى لِجَعْلِ ( النَّزْعِ ) لِمَن يَسْألُ عَنْهُ بِهَذا الِاسْتِفْهامِ، وأُجِيبُ بِأنَّ ذَلِكَ مَجازٌ عَنْ تَقارُبِ أحْوالِهِمْ وتَشابُهِها في العُتُوِّ حَتّى يَسْتَحِقَّ أنْ يُسْألَ عَنْها أوِ المُرادُ الَّذِينَ يُجابُ بِهِمْ عَنْ هَذا السُّؤالِ، وحاصِلُهُ لَنَنْزِعَنَّ الأشَدَّ عِتِيًّا وهو مَعَ تَكَلُّفِهِ فِيهِ حَذْفُ المَوْصُولِ مَعَ بَعْضِ الصِّلَةِ وهو تَكَلُّفٌ عَلى تَكَلُّفٍ ومِثْلُهُ لا يَنْقاسُ، نَعَمْ مِثْلُهُ في الحَذْفِ عَلى ما قِيلَ قَوْلُ الشّاعِرِ:

ولَقَدْ أبِيتُ مِنَ الفَتاةِ بِمَنزِلٍ فَأبِيتُ لا حَرِجٌ ولا مَحْرُومُ

وذَهَبَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ إلى ما قالَهُ الخَلِيلُ إلّا أنَّهُما جَعَلا الجُمْلَةَ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِنَنْزِعَنَّ، والمُرادُ لَنَنْزِعَنَّ مَن يَقَعُ في جَوابِ هَذا السُّؤالِ، والفِعْلُ مُعَلَّقٌ بِالِاسْتِفْهامِ، وساغَ تَعْلِيقَهُ عِنْدَهُما لِأنَّ المَعْنى لَنُنادِيَنَّ وهُما

صفحة 121

يَرَيانِ تَعْلِيقَ النِّداءِ وإنْ لَمْ يَكُنْ مِن أفْعالِ القُلُوبِ وإلى ذَلِكَ ذَهَبِ المَهْدَوِيُّ، وقِيلَ: لَمّا كانَ النَّزْعُ مُتَضَمِّنًا مَعْنى الإفْرازِ والتَّمْيِيزِ وهو مِمّا يَلْزَمُهُ العَلَمُ عُومِلَ مُعامَلَةَ العَلَمِ فَساغَ تَعْلِيقُهُ. ويُونُسُ لا يَرى التَّعْلِيقَ مُخْتَصًّا بِصِنْفٍ مِنَ الأفْعالِ بَلْ سائِرُ أصْنافِها سَواءٌ في صِحَّةِ التَّعْلِيقِ عِنْدَهُ، وقِيلَ: الجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِيَّةُ اسْتِئْنافِيَّةٌ والفِعْلُ واقِعٌ عَلى ﴿كُلِّ شِيعَةٍ﴾ عَلى زِيادَةِ مِن في الإثْباتِ كَما يَراهُ الأخْفَشُ أوْ عَلى مَعْنى لِنَنْزِعَنَّ بَعْضَ كُلِّ شِيعَةٍ بِجَعْلِ (مِن) مَفْعُولًا لِتَأْوِيلِها بِاسْمٍ، ثُمَّ إذا كانَ الِاسْتِئْنافُ بَيانِيًّا واقِعًا في جَوابِ مَنِ المَنزُوعُونَ؟ احْتِيجَ إلى التَّأْوِيلِ كَأنْ يُقالَ: المُرادُ الَّذِينَ يَقَعُونَ في جَوابِ: أيُّهم أشَدُّ أوْ نَحْوَ ذَلِكَ، وإذا كانَتْ أيُّ عَلى تَقْدِيرِ الِاسْتِئْنافِ ووُقُوعِ الفِعْلِ عَلى ما ذُكِرَ مَوْصُولَةٌ لَمْ يَحْتَجْ إلى التَّأْوِيلِ إلّا أنَّ في القَوْلِ بِالِاسْتِئْنافِ عُدُولًا عَنِ الظّاهِرِ مِن كَوْنِ الكَلامِ جُمْلَةً واحِدَةً إلى خِلافِ الظّاهِرِ مِن كَوْنِهِ جُمْلَتَيْنِ.

ونَقَلَ بَعْضُهم عَنِ المِبْرَدِ أنَّ (أيُّهُمْ) فاعِلُ (شِيعَةٍ) لِأنَّ مَعْناهُ يَشِيعُ، والتَّقْدِيرُ لَنَنْزِعَنَّ مِن كُلِّ فَرِيقٍ يَشِيعُ أيُّهم هو أشَدُّ، وأيُّ عَلى هَذا عَلى ما قالَ أبُو البَقاءِ. ونُقِلَ عَنِ الرَّضِيِّ بِمَعْنى الَّذِي، وفي البَحْرِ قالَ المُبَرِّدُ: أيُّهم مُتَعَلِّقٌ بِشِيعَةٍ فَلِذَلِكَ ارْتَفَعَ، والمَعْنى أنَّ الَّذِينَ تَشايَعُوا أيُّهم أشَدُّ كَأنَّهم يَتَبادَرُونَ إلى هَذا، ويَلْزَمُهُ أنْ يُقَدِّرَ مَفْعُولًا لِنَنْزِعَنَّ مَحْذُوفًا، وقُدِّرَ أيْضًا في هَذا المَذْهَبِ مِنَ الَّذِينَ تَشايَعُوا أيُّهم أشَدُّ عَلى مَعْنى مِنَ الَّذِينَ تَعاوَنُوا فَنَظَرُوا أيُّهم أشَدُّ، قالَ النَّحّاسُ:

وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ انْتَهى، وهو خِلافُ ما نُقِلَ أوَّلًا، ولَعَمْرِي إنَّ ما نُسِبَ إلى المُبَرِّدِ أوَّلًا وأخِيرًا أبْرَدُ مِن يَخٍ، وقِيلَ: إنَّ الجُمْلَةَ اسْتِفْهامِيَّةٌ وقَعَتْ صِفَةً لِشِيعَةٍ عَلى مَعْنى لَنَنْزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ مَقُولٌ فِيهِمْ أيُّهم أشَدُّ أيْ مِن كُلِّ شِيعَةٍ مُتَقارِبِي الأحْوالِ، ومِن مَزِيدَةٌ والنَّزْعُ الرَّمْيُ، وحَكى أبُو بَكْرِ بْنُ شُقَيْرٍ أنَّ بَعْضَ الكُوفِيِّينَ يَقُولُ: في أيِّهِمْ مَعْنى الشَّرْطِ تَقُولُ: ضَرَبْتُ القَوْمَ أيُّهم غَضِبَ، والمَعْنى إنْ غَضِبُوا أوْ لَمْ يَغْضَبُوا قالَ أبُو حَيّانَ: فَعَلى هَذا يَكُونُ التَّقْدِيرُ هُنا إنِ اشْتَدَّ عُتُوُّهم أوْ لَمْ يَشْتَدَّ انْتَهى وهو كَما تَرى، والوَجْهُ الَّذِي يَنْساقُ إلَيْهِ الذِّهْنُ ويُساعِدُهُ اللَّفْظُ، والمَعْنى هو ما ذَهَبَ إلَيْهِ سِيبَوَيْهِ ومَدارُ ما ذَهَبَ إلَيْهِ في أيٍّ مِنَ الإعْرابِ والبِناءِ هو المُساعُ في الحَقِيقَةِ، وتَعْلِيلاتُ النَّحْوِيِّينَ عَلى ما فِيها إنَّما هي بَعْدَ الوُقُوعِ، وعَدَمِ سَماعٍ لا يَقْدَحُ في سَماعِهِ فَتَدَبَّرْ.

19:71Page 310

وَإِن مِّنكُمۡ إِلَّا وَارِدُهَاۚ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتۡمٗا مَّقۡضِيّٗا ٧١

And there is none of you except he will come to it.1 This is upon your Lord an inevitability decreed.

﴿وإنْ مِنكُمْ﴾ التِفاتٌ إلى خِطابِ الإنْسانِ سَواءٌ أُرِيدَ مِنهُ العُمُومُ أوْ خُصُوصُ الكَفَرَةِ لِإظْهارِ مَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِمَضْمُونِ الكَلامِ. وقِيلَ: هو خِطابٌ لِلنّاسِ وابْتِداءُ كَلامٍ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ بَعْدَ ما أتَمَّ الغَرَضَ مِنَ الأوَّلِ فَلا التِفاتَ أصْلًا. ولَعَلَّهُ الأسْبَقُ إلى الذِّهْنِ لَكِنْ قِيلَ يُؤَيِّدُ الأوَّلَ قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةَ وجَماعَةٍ ﴿وإنَّ مِنهُمْ﴾ أيْ وما مِنكم أحَدٌ ﴿إلا وارِدُها﴾ أيْ: داخِلُها كَما ذَهَبَ إلى ذَلِكَ جَمْعٌ كَثِيرٌ مِن سَلَفِ المُفَسِّرِينَ وأهْلِ السُّنَّةِ، وعَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أنْتُمْ لَها وارِدُونَ﴾ . وقَوْلُهُ تَعالى: في فِرْعَوْنَ ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القِيامَةِ فَأوْرَدَهُمُ النّارَ وبِئْسَ الوِرْدُ المَوْرُودُ﴾ . واحْتَجَّ ابْنُ عَبّاسٍ بِما ذُكِرَ عَلى ابْنِ الأزْرَقِ حِينَ أنْكَرَ عَلَيْهِ تَفْسِيرَ الوُرُودِ بِالدُّخُولِ وهو جارٍ عَلى تَقْدِيرِ عُمُومِ الخِطابِ أيْضًا فَيَدْخُلُها المُؤْمِنُ إلّا أنَّها تَضُرُّهُ عَلى ما قِيلَ، فَقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ، والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وجَماعَةٌ عَنْ أبِي سُمَيَّةَ قالَ: اخْتَلَفْنا في الوُرُودِ فَقالَ بَعْضُنا: لا يَدْخُلُها مُؤْمِنٌ. وقالَ آخَرُ: يَدْخُلُونَها جَمِيعًا ثُمَّ يُنَجِّي اللَّهُ تَعالى الَّذِينَ اتَّقَوْا، فَلَقِيتُ جابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى

صفحة 122

عَنْهُ فَذَكَرْتُ لَهُ فَقالَ: وأهْوى بِإصْبَعِهِ إلى أُذُنَيْهِ صَمْتًا إنْ لَمْ أكُنْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ( «لا يَبْقى بَرٌّ ولا فاجِرٌ إلّا دَخَلَها فَتَكُونُ عَلى المُؤْمِنِ بَرْدًا وسَلامًا كَما كانَتْ عَلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، حَتّى إنَّ لِلنّارِ ضَجِيجًا مِن بَرْدِهِمْ ثُمَّ يُنَجِّي اللَّهُ تَعالى الَّذِينَ اتَّقَوْا» ).، وقَدْ ذَكَرَ الإمامُ الرّازِيُّ لِهَذا الدُّخُولِ عِدَّةَ فَوائِدَ في تَفْسِيرِهِ فَلْيُراجَعْ.

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ الأنْبارِيِّ والبَيْهَقِيُّ عَنِ الحَسَنِ: الوُرُودُ المُرُورُ عَلَيْها مِن غَيْرِ دُخُولٍ، ورُوِيَ ذَلِكَ أيْضًا عَنْ قَتادَةَ وذَلِكَ بِالمُرُورِ عَلى الصِّراطِ المَوْضُوعِ عَلى مَتْنِها عَلى ما رَواهُ جَماعَةٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، ويَمُرُّ المُؤْمِنُ ولا يَشْعُرُ بِها بِناءً عَلى ما أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والحَكِيمُ وغَيْرُهم عَنْ خالِدِ بْنِ مَعْدانَ قالَ:

إذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ قالُوا: رَبَّنا ألَمْ تَعِدْنا أنَّ نَرِدَ النّارَ؟ قالَ: بَلى ولَكِنَّكم مَرَرْتُمْ عَلَيْها وهي خامِدَةٌ، ولا يُنافِي هَذا ما أخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ والطَّبَرانِيُّ وغَيْرُهُما عَنْ يَعْلى بْنِ أُمَيَّةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ( «تَقُولُ النّارُ لِلْمُؤْمِنِ يَوْمَ القِيامَةِ جُزْ يا مُؤْمِنُ فَقَدْ أطْفَأ نُورُكَ لَهَبِي»؛ لِجَوازِ أنْ لا يَكُونَ مُتَذَكِّرًا هَذا القَوْلَ عِنْدَ السُّؤالِ أوْ لَمْ يَكُنْ سَمِعَهُ لِاشْتِغالِهِ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: وُرُودُ المُسْلِمِينَ المُرُورُ عَلى الجِسْرِ بَيْنَ ظَهْرَيْها ووُرُودُ المُشْرِكِينَ أنْ يَدْخُلُوها، ولا بُدَّ عَلى هَذا مِنِ ارْتِكابِ عُمُومِ المَجازِ عِنْدَ مَن لا يَرى جَوازَ اسْتِعْمالِ اللَّفْظِ في مَعْنَيَيْنِ، وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّ وُرُودَ المُؤْمِنِ النّارَ هو مَسُّ الحُمّى جَسَدَهُ في الدُّنْيا لِما صَحَّ مِن قَوْلِهِ ﷺ ( «الحُمّى مِن فَيْحٍ جَهَنَّمَ» )

ولا يَخْفى خَفاءُ الِاسْتِدْلالِ بِهِ عَلى المَطْلُوبِ.

واسْتَدَلَّ بَعْضُهم عَلى ذَلِكَ بِما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعُودُ رَجُلًا مِن أصْحابِهِ وعِكًا وأنا مَعَهُ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ( «إنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ هي نارِي أُسَلِّطُها عَلى عَبْدِي المُؤْمِنِ لِتَكُونَ حَظَّهُ مِنَ النّارِ في الآخِرَةِ، وفِيهِ خَفاءٌ أيْضًا» )

والحَقُّ أنَّهُ لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى عَدَمِ وُرُودِ المُؤْمِنِ المَحْمُومِ في الدُّنْيا النّارَ في الآخِرَةِ، وقُصارى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ يُحْفَظُ مِن ألَمِ النّارِ يَوْمَ القِيامَةِ، وأخْرَجَ عَبْدُ ابْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ أنَّ الوُرُودَ الحُضُورُ والقُرْبُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ﴾ واخْتارَ بَعْضُهم أنَّ المُرادَ حُضُورُهم جاثِينَ حَوالَيْها، واسْتُدِلَّ عَلَيْهِ بِما سَتَعْلَمُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، ولا مُنافاةَ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ﴾ لِأنَّ المُرادَ مُبْعَدُونَ عَنْ عَذابِها، وقِيلَ: المُرادُ إبْعادُهم عَنْها بَعْدَ أنْ يَكُونُوا قَرِيبًا مِنها (كانَ) أيْ ورَوْدُهم إيّاها ﴿عَلى رَبِّكَ حَتْمًا﴾ أمْرًا واجِبًا كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والمُرادُ بِمَنزِلَةِ الواجِبِ في تَحَتُّمٍ لِلْوُقُوعِ إذْ لا يَجِبُ عَلى اللَّهِ تَعالى شَيْءٌ عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ (مَقْضِيًّا) قُضِيَ بِوُقُوعِهِ البَتَّةَ.

وأخْرَجَ الخَطِيبُ عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّ مَعْنى كانَ حَتْمًا مَقْضِيًّا كانَ قَسَمًا واجِبًا، ورُوِيَ ذَلِكَ أيْضًا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ والحَسَنِ وقَتادَةَ، قِيلَ: والمُرادُ مِنهُ إنْشاءُ القَسَمِ، وقِيلَ: قَدْ يُقالُ: إنَّ ﴿عَلى رَبِّكَ﴾ المَقْصُودُ مِنهُ اليَمِينُ كَما تَقُولُ: لِلَّهِ تَعالى عَلَيَّ كَذا إذْ لا مَعْنى لَهُ إلّا تَأكُّدُ اللُّزُومِ، والقَسَمُ لا يُذْكَرُ إلّا لِمَثَلِهِ، وعَلَيَّ ورَدَ في كَلامِهِمْ كَثِيرًا لِلْقَسَمِ كَقَوْلِهِ:

عَلَيَّ إذا ما جِئْتُ لَيْلى أزُورُها زِيارَةُ بَيْتِ اللَّهِ رَجْلانَ حافِيا

فَإنَّ صِيغَةَ النَّذْرِ قَدْ يُرادُ بِها اليَمِينُ كَما صَرَّحُوا بِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ القَسَمَ كَقَوْلِهِمْ: عَزَمْتُ عَلَيْكَ إلّا فَعَلْتَ كَذا انْتَهى، ويُعْلَمُ مِمّا ذُكِرَ المُرادُ مِنَ القَسَمِ فِيما أخْرَجَهُ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ وغَيْرُهم عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ( لا يَمُوتُ لِمُسْلِمٍ ثَلاثَةٌ مِنَ

صفحة 123

الوَلَدِ فَيَلِجُ النّارَ إلّا تَحِلَّةَ القَسَمِ ) .

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ عَطِيَّةَ وتَبِعَهُما غَيْرُ واحِدٍ: إنَّ القَسَمَ في الخَبَرِ إشارَةٌ إلى القَسَمِ في المُبْتَدَأِ أعْنِي ﴿وإنْ مِنكم إلا وارِدُها﴾، وصَرَّحَ بَعْضُهم أنَّ الواوَ فِيهِ لِلْقَسَمِ، وتَعَقَّبَ ذَلِكَ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ لا يَذْهَبُ نَحْوِي إلى أنَّ مِثْلَ هَذِهِ الواوِ واوُ قَسَمٍ لِأنَّهُ يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ حَذْفُ المَجْرُورِ وإبْقاءُ الجارِّ وهو لا يَجُوزُ إلّا أنْ وقَعَ في شِعْرٍ أوْ نادِرِ كَلامٍ بِشَرْطِ أنْ تَقُومَ صِفَةُ المَحْذُوفِ مَقامَهُ كَما في قَوْلِهِ: واللَّهِ ما لَيْلِي يَنامُ صاحِبُهُ.

وقالَ أيْضًا: نَصَّ النَّحْوِيُّونَ عَلى أنَّهُ لا يُسْتَغْنى عَنِ القَسَمِ بِالجَوابِ لِدَلالَةِ المَعْنى إلّا إذا كانَ الجَوابُ بِاللّامِ أوْ بِأنْ وأيْنَ ذَلِكَ في الآيَةِ، وجَعَلَ ابْنُ هِشامٍ تَحِلَّةَ القَسَمِ كِنايَةً عَنِ القِلَّةِ وقَدْ شاعَ في ذَلِكَ، ومِنهُ قَوْلُ كَعْبٍ:

تَخْذِي عَلى يَسَراتٍ وهي لاحِقَةٌ ∗∗∗ ذَوابِلٌ مَسَّهُنَّ الأرْضَ تَحْلِيلُ

فَإنَّ المَعْنى مَسَّهُنَّ الأرْضَ قَلِيلٌ كَما يَحْلِفُ الإنْسانُ عَلى شَيْءٍ لَيَفْعَلَنَّهُ فَيَفْعَلُ مِنهُ اليَسِيرَ لِيَتَحَلَّلَ بِهِ مِن قَسَمِهِ ثُمَّ قالَ: إنَّ فِيما قالَهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ مِن أنَّ القَسَمَ عَلى الأصْلِ وهو إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ مِنكم إلا وارِدُها﴾ إلَخْ نَظَرًا لِأنَّ الجُمْلَةَ لا قَسَمَ فِيها إلّا إنْ عُطِفَتْ عَلى الجُمَلِ الَّتِي أُجِيبَ بِها القَسَمُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ﴾ إلى آخِرِها وفِيهِ بُعْدٌ انْتَهى. والخَفاجِيُّ جَوَّزَ الحالِيَّةَ والعَطْفَ، وقالَ: حَدِيثُ البُعْدِ غَيْرُ مَسْمُوعٍ لِعَدَمِ تَخَلُّلِ الفاصِلِ وهو كَما تَرى، ولَعَلَّ الأسْلَمَ مِنَ القِيلِ والقالِ جَعْلُ ذَلِكَ مَجازًا عَنِ القِلَّةِ وهو مَجازٌ مَشْهُورٌ فِيما ذُكِرَ، ولا يُعَكِّرُ عَلى هَذا ما أخْرَجَهُ أحْمَدُ والبُخارِيُّ في تارِيخِهِ والطَّبَرانِيُّ وغَيْرُهم عَنْ مُعاذِ بْنِ أنَسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ: ( «مَن حَرَسَ مِن وراءِ المُسْلِمِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى مُتَطَوِّعًا لا يَأْخُذُهُ سُلْطانٌ لَمْ يَرَ النّارَ بِعَيْنِهِ إلّا تَحِلَّةَ القَسَمِ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿وإنْ مِنكم إلا وارِدُها﴾» .

فَإنَّ التَّعْلِيلَ صَحِيحٌ مَعَ إرادَةِ القِلَّةِ مِن ذَلِكَ أيْضًا فَكَأنَّهُ قِيلَ: لَمْ يَرَ النّارَ إلّا قَلِيلًا لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَ بِوُرُودِ كُلِّ أحَدٍ إيّاها ولا بُدَّ مِن وُقُوعِ ما أخْبَرَ بِهِ ولَوْلا ذَلِكَ لَجازَ أنْ لا يَراها أصْلًا

19:72Page 310

ثُمَّ نُنَجِّي ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّنَذَرُ ٱلظَّٰلِمِينَ فِيهَا جِثِيّٗا ٧٢

Then We will save those who feared Allāh and leave the wrongdoers within it, on their knees.

﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ بِالإخْراجِ مِنها عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الجَمْعُ الكَثِيرُ ﴿ونَذَرُ الظّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا﴾ عَلى رُكَبِهِمْ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ وابْنِ زَيْدٍ، وهَذِهِ الآيَةُ ظاهِرَةٌ عِنْدِي في أنَّ المُرادَ بِالوُرُودِ الدُّخُولُ وهو الأمْرُ المُشْتَرَكُ.

وقالَ بَعْضُهم: إنَّها دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُرادَ بِالوُرُودِ الجُثُوُّ حَوالَيْها وذَلِكَ لِأنَّ نُنَجِّي (ونَذَرُ) تَفْصِيلٌ لِلْجِنْسِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ نُنَجِّي هَؤُلاءِ ونَتْرُكُ هَؤُلاءِ عَلى حالِهِمُ الَّذِي أحْضَرُوا فِيهِ جاثِينَ، ولا بُدَّ عَلى هَذا مِن أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ في حَوالَيْها، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الظّاهِرَ عَدَمُ التَّقْدِيرِ والجُثُوُّ لا يُوجِبُ ذَلِكَ، وخُولِفَ بَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: (اتَّقَوا) وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ (الظّالِمِينَ) لِيُؤْذِنَ بِتَرْجِيحِ جانِبِ الرَّحْمَةِ وأنَّ التَّوْحِيدَ هو المُنَجِّي والإشْراكُ هو المَرَدِّي فَكَأنَّهُ قِيلَ: ثُمَّ نُنَجِّي مَن وُجِدَ مِنهُ تَقْوى ما وهو الِاحْتِرازُ مِنَ الشِّرْكِ ونُهْلِكُ مَنِ اتَّصَفَ بِالظُّلْمِ أيْ بِالشِّرْكِ وثَبَتَ عَلَيْهِ، وفي إيقاعِ (نَذَرُ) مُقابِلًا لِنُنَجِّي إشْعارٌ بِتِلْكَ اللَّطِيفَةِ أيْضًا، وقالَ الرّاغِبُ: يُقالُ: فُلانٌ يَذَرُ الشَّيْءَ أيْ يَقْذِفُهُ لِقِلَّةِ اعْتِدادِهِ بِهِ. ومِن ذَلِكَ قِيلَ لِقِطْعَةِ اللَّحْمِ الَّتِي لا يُعْتَدُّ بِها وذَرَ، وجِيءَ بِثُمَّ لِلْإيذانِ بِالتَّفاوُتِ بَيْنَ فِعْلِ الخَلْقِ وهو وُرُودُهُمُ النّارَ وفِعْلِ الحَقِّ سُبْحانَهُ وهو النَّجاةُ والدَّمارُ زَمانًا ورُتْبَةً، قالَهُ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ طَيَّبَ

صفحة 124

اللَّهُ تَعالى ثَراهُ، والَّذِي تَقْتَضِيهِ الآثارُ الوارِدَةُ في عُصاةِ المُؤْمِنِينَ أنْ يُقالَ: إنَّ التَّنْجِيَةَ المَذْكُورَةَ لَيْسَتْ دَفْعِيَّةً بَلْ تَحْصُلُ أوَّلًا فَأوَّلًا عَلى حَسَبِ قُوَّةِ التَّقْوى وضَعْفِها حَتّى يَخْرُجَ مِنَ النّارِ مَن في قَلْبِهِ وزْنُ ذَرَّةٍ مِن خَيْرٍ، وذَلِكَ بَعْدَ العَذابِ حَسَبَ مَعْصِيَتِهِ وما ظاهِرُهُ مِنَ الأخْبارِ كَخَبَرِ جابِرٍ السّابِقِ: إنَّ المُؤْمِنَ لا تَضُرُّهُ النّارُ مُؤَوَّلٌ بِحَمْلِ المُؤْمِنِ عَلى المُؤْمِنِ الكامِلِ لِكَثْرَةِ الأخْبارِ الدّالَّةِ عَلى أنَّ بَعْضَ المُؤْمِنِينَ يُعَذَّبُونَ.

ومِن ذَلِكَ ما أخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ جابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أيْضًا قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ( «يُعَذَّبُ ناسٌ مِن أهْلِ التَّوْحِيدِ في النّارِ حَتّى يَكُونُوا حُمَمًا ثُمَّ تُدْرِكُهُمُ الرَّحْمَةُ فَيُخْرَجُونَ فَيُطْرَحُونَ عَلى أبْوابِ الجَنَّةِ، فَيَرُشُّ عَلَيْهِمْ أهْلُ الجَنَّةِ الماءَ، فَيَنْبُتُونَ كَما يَنْبُتُ الغُثاءُ في حَمِيلِ السَّيْلِ» )

ومِن هُنا حَظَّرَ بَعْضُ العُلَماءِ أنْ يُقالَ في الدُّعاءِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِجَمِيعِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ جَمِيعَ ذُنُوبِهِمْ أوِ اللَّهُمَّ لا تُعَذِّبْ أحَدًا مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ هَذا، وقالَ بَعْضُهم: إنَّ المُرادَ مِنَ التَّنْجِيَةِ عَلى تَقْدِيرِ أنَّ الخِطابَ خاصٌّ بِالكَفَرَةِ أنْ يُساقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا إلى الجَنَّةِ بَعْدَ أنْ كانُوا عَلى شَفِيرِ النّارِ، وجِيءَ بِثُمَّ لِبَيانِ التَّفاوُتِ بَيْنَ وُرُودِ الكافِرِينَ النّارَ وسَوْقِ المَذْكُورِينَ إلى الجَنَّةِ وأنَّ الأوَّلَ لِلْإهانَةِ والآخَرَ لِلْكَرامَةِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الَّذِينَ يُذْهَبُ بِهِمْ إلى الجَنَّةِ مِنَ الَّذِينَ اتَّقَوْا مِن غَيْرِ دُخُولٍ في النّارِ أصْلًا لَيْسُوا إلّا الخَواصَّ. والمُعْتَزِلَةُ خَصُّوا الَّذِينَ اتَّقَوْا بِغَيْرِ أصْحابِ الكَبائِرِ وأدْخَلُوهم في الظّالِمِينَ، واسْتَدَلُّوا بِالآيَةِ عَلى خُلُودِهِمْ في النّارِ وكانُوا ظالِمِينَ.

وقَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ مَسْعُودٍ وأُبَيٌّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم والجَحْدَرِيُّ ومُعاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ ويَعْقُوبُ (ثَمَّ) بِفَتْحِ الثّاءِ أيْ هُناكَ وابْنُ أبِي لَيْلى (ثَمَّةَ) بِالفَتْحِ مَعَ هاءِ السَّكْتِ وهو ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِما بَعْدَهُ وقَرَأ يَحْيى والأعْمَشُ والكِسائِيُّ وابْنُ مُحَيْصِنٍ ويَعْقُوبُ ( نُنْجِي ) بِتَخْفِيفِ الجِيمِ. وقُرِئَ ( يُنْجِي ) و(يُنَجّى) بِالتَّشْدِيدِ والتَّخْفِيفِ مَعَ البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ (نُجِّيَ) بِنُونٍ واحِدَةٍ مَضْمُومَةٍ وجِيمٍ مُشَدَّدَةٍ، وقَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ ( نُنَحِّي ) بِحاءٍ مُهْمَلَةٍ، وهَذِهِ القِراءَةُ تُؤَيِّدُ بِظاهِرِها تَفْسِيرَ الوُرُودِ بِالقُرْبِ والحُضُورِ.

19:73Page 310

وَإِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُنَا بَيِّنَٰتٖ قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَيُّ ٱلۡفَرِيقَيۡنِ خَيۡرٞ مَّقَامٗا وَأَحۡسَنُ نَدِيّٗا ٧٣

And when Our verses are recited to them as clear evidences, those who disbelieve say to those who believe, "Which of [our] two parties is best in position and best in association?"1

﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ﴾ الآيَةُ إلى آخِرِها حِكايَةٌ لِما قالُوا عِنْدَ سَماعِ الآياتِ النّاعِيَةِ عَلَيْهِمْ فَظاعَةَ حالِهِمْ ووَخامَةَ مَآلِهِمْ أيْ وإذا تُتْلى عَلى المُشْرِكِينَ ﴿آياتُنا﴾ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الآياتُ السّابِقَةُ ﴿بَيِّناتٍ﴾ أيْ: ظاهِراتِ الإعْجازِ تُحُدِّيَ بِها فَلَمْ يَقْدِرْ عَلى مُعارَضَتِها أوْ مُرَتَّلاتِ الألْفاظِ مُلَخَّصاتِ المَعْنى مُبَيِّناتِ المَقاصِدِ، أمّا مُحْكَماتٌ أوْ مُتَشابِهاتٌ قَدْ تَبِعَها البَيانُ بِالمُحْكَماتِ أوْ تَبْيِينُ الرَّسُولِ ﷺ قَوْلًا أوْ فِعْلًا، والوَجْهُ كَما في الكَشّافِ أنْ يَكُونَ ﴿بَيِّناتٍ﴾ حالًا مُؤَكِّدَةً لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ وإنْ لَمْ يَكُنْ عَقَدَها مِنِ اسْمَيْنِ لِأنَّ المَعْنى عَلَيْهِ.

وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ والأعْرَجُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ ( وإذا يُتْلى ) بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ لِأنَّ المَرْفُوعَ مَجازِيُّ التَّأْنِيثِ مَعَ وُجُودِ الفاصِلِ ﴿قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ قالُوا. ووُضِعَ المَوْصُولُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم قالُوا ما قالُوا كافِرِينَ بِما يُتْلى عَلَيْهِمْ رادِّينَ لَهُ أوْ قالَ الَّذِينَ مَرَدُوا مِنهم عَلى الكُفْرِ وأصَرُّوا عَلى العُتُوِّ والعِنادِ وهُمُ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ وأتْباعُهُ الفَجَرَةُ فَإنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِمْ. واللّامُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ لِلتَّبْلِيغِ كَما في قُلْتُ لَهُ كَذا إذا خاطَبْتَهُ بِهِ، وقِيلَ لامُ الأجَلِ أيْ قالُوا لِأجْلِهِمْ وفي حَقِّهِمْ، ورَجَّحَ الأوَّلَ بِأنَّ قَوْلَهم لَيْسَ في

صفحة 125

حَقِّ المُؤْمِنِينَ فَقَطْ كَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿أيُّ الفَرِيقَيْنِ﴾ أيِ: المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ كَأنَّهم قالُوا: أيُّنا (خَيْرٌ) نَحْنُ أوْ أنْتُمْ (مَقامًا) أيْ مَكانًا ومَنزِلًا، وأصْلُهُ مَوْضِعُ القِيامِ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ لِمُطْلَقِ المَكانِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ وحُمَيْدٌ والجُعْفِيُّ وأبُو حاتِمٍ عَنْ أبِي عَمْرٍو ( مُقامًا ) بِضَمِّ المِيمِ وأصْلُهُ مَوْضِعُ الإقامَةِ، والمُرادُ بِهِ أيْضًا المَنزِلُ والمَكانُ فَتَتَوافَقُ القِراءَتانِ.

وجُوِّزَ في البَحْرِ احْتِمالُ المَفْتُوحِ والمَضْمُومِ لِلْمَصْدَرِيَّةِ عَلى أنَّ الأصْلَ مَصْدَرُ قامَ يَقُومُ، والثّانِي مَصْدَرُ أقامَ يُقِيمُ، ورَأيْتُ في بَعْضِ المَجْمُوعاتِ كَلامًا يُنْسَبُ لِأبِي السُّعُودِ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ في الفَرْقِ بَيْنَ المَقامِ بِالفَتْحِ والمُقامِ بِالضَّمِّ وقَدْ سَألَهُ بَعْضُهم عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ:

يا وحِيدَ الدَّهْرِ يا شَيْخَ الأنامِ نَبْتَغِي فَرْقَ المَقامِ والمُقامِ

وهُوَ أنَّ الأوَّلَ يَعْنِي المَفْتُوحَ المِيمِ مَوْضِعُ قِيامِ الشَّيْءِ أعَمُّ مِن أنْ يَكُونَ قِيامُهُ فِيهِ بِنَفْسِهِ أوْ بِإقامَةِ غَيْرِهِ، ومِن أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِطَرِيقِ المُكَثَّفِ فِيهِ أوْ بِدُونِهِ، والثّانِي مَوْضِعُ إقامَةِ الغَيْرِ إيّاهُ أوْ مَوْضِعُ قِيامِهِ بِنَفْسِهِ قِيامًا مُمْتَدًّا، فَإنْ كانَ الفِعْلُ النّاصِبُ ثُلاثِيًّا فَمُقْتَضى المُقامُ هو الأوَّلُ، وكَذا إنْ كانَ رُباعِيًّا ولَمْ يُقْصَدْ بَيانُ كَوْنِ المَقامِ مَوْضِعَ قِيامِ المُضافِ إلَيْهِ بِإقامَةِ غَيْرِهِ أوْ مَوْضِعَ قِيامِهِ المُمْتَدِّ، وأمّا إذا قُصِدَ ذَلِكَ فَمُقْتَضاهُ الثّانِي كَما إذا قُلْتَ: أُقِيمَتْ تاءُ القَسَمِ مَقامَ الواوِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّها خَلْفٌ عَنِ الباءِ الَّتِي هي الأصْلُ مِن أحْرُفِ القَسَمِ.

ومَقاماتُ الكَلِماتِ كُلِّها وإنْ كانَتْ مَنُوطَةً بِوَضْعِ الواضِعِ لَكِنَّ مَقامَها المَنُوطَ بِأصْلِ الوَضْعِ لِكَوْنِهِ مَقامًا أصْلِيًّا لَها قَدْ نَزَلَ مَنزِلَةَ مَوْضِعِ قِيامِها بِأنْفُسِها، وجَعْلُ مَقامِها المَنُوطِ بِالِاسْتِعْمالِ الطّارِئِ جارِيًا مَجْرى المَقامِ الِاضْطِرارِيِّ لِذَواتِ الِاخْتِيارِ، هَذا إذا كانَ المَقامُ ظَرْفًا أمّا إذا كانَ مَصْدَرًا مِيمِيًّا والفِعْلُ النّاصِبُ رُباعِيٌّ فَحَقُّهُ ضَمُّ المِيمِ. انْتَهى المُرادُ مِنهُ.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ في هَذا المَقامِ لَيْسَ مَنصُوبًا عَلى الظَّرْفِيَّةِ ولا عَلى المَصْدَرِيَّةِ بَلْ مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ وهو مُحَوَّلٌ عَنِ المُبْتَدَأِ عَلى ما قِيلَ: أيْ أيُّ الفَرِيقَيْنِ مَقامُهُ خَيْرٌ ﴿وأحْسَنُ نَدِيًّا﴾ أيْ مَجْلِسًا ومُجْتَمَعًا، وفي البَحْرِ هو المَجْلِسُ الَّذِي يَجْتَمِعُ فِيهِ لِحادِثَةٍ أوْ مَشُورَةٍ، وقِيلَ: مَجْلِسُ أهْلِ النَّدى أيِ الكَرَمِ. وكَذا النّادِي يُرْوى أنَّهم كانُوا يُرَجِّلُونَ شُعُورَهم ويَدْهُنُونَها ويَتَطَيَّبُونَ ويَلْبَسُونَ مُفاخِرَ المَلابِسِ ثُمَّ يَقُولُونَ ذَلِكَ لِفُقَراءِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ لا يَقْدِرُونَ عَلى ذَلِكَ إذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمُ الآياتُ، قالَ الإمامُ: ومُرادُهم مِن ذَلِكَ مُعارَضَةُ المُؤْمِنِينَ كَأنَّهم قالُوا: لَوْ كُنْتُمْ عَلى الحَقِّ وكُنّا عَلى الباطِلِ كانَ حالُكم في الدُّنْيا أحْسَنَ وأطْيَبَ مِن حالِنا؛ لِأنَّ الحَكِيمَ لا يَلِيقُ بِهِ أنْ يُوقِعَ أوْلِياءَهُ المُخْلِصِينَ في العَذابِ والذُّلِّ وأعْداءَهُ المُعْرِضِينَ عَنْ خِدْمَتِهِ في العِزِّ والرّاحَةِ لَكِنَّ الكَفّارَ كانُوا في النِّعْمَةِ والرّاحَةِ والمُؤْمِنِينَ كانُوا بِعَكْسِ ذَلِكَ، فَعُلِمَ أنَّ الحَقَّ لَيْسَ مَعَ المُؤْمِنِينَ، وهَذا مَعَ ظُهُورِ أنَّهُ قِياسٌ عَقِيمٌ ناشِئٌ مِن رَأْيٍ سَقِيمٍ نَقَضَهُ اللَّهُ تَعالى وأبْطَلَهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском