Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Maryam 19:74–78
19:74Page 310
وَكَمۡ أَهۡلَكۡنَا قَبۡلَهُم مِّن قَرۡنٍ هُمۡ أَحۡسَنُ أَثَٰثٗا وَرِءۡيٗا ٧٤
And how many a generation have We destroyed before them who were better in possessions and [outward] appearance?
﴿وكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِن قَرْنٍ هم أحْسَنُ أثاثًا ورِئْيًا﴾ .
وحاصِلُهُ أنَّ كَثِيرًا مِمَّنْ كانَ أعْظَمَ نِعْمَةً مِنكم في الدُّنْيا كَعادٍ وثَمُودَ وأضْرابِهِمْ مِنَ الأُمَمِ العاتِيَةِ قَدْ أهْلَكَهُمُ اللَّهُ تَعالى، فَلَوْ دَلَّ حُصُولُ نِعْمَةِ الدُّنْيا لِلْإنْسانِ عَلى كَوْنِهِ مُكَرَّمًا عِنْدَ اللَّهِ تَعالى وجَبَ أنْ لا يُهْلِكَ أحَدًا مِنَ المُتَنَعِّمِينَ في الدُّنْيا، وفِيهِ مِنَ التَّهْدِيدِ والوَعِيدِ ما لا يَخْفى كَأنَّهُ قِيلَ فَلْيَنْظُرْ هَؤُلاءِ أيْضًا مِثْلَ ذَلِكَ، ﴿وكَمْ﴾ خَبَرِيَّةٌ لِلتَّكْثِيرِ مَفْعُولُ
صفحة 126
﴿أهْلَكْنا﴾، وقُدِّمْتَ لِصَدارَتِها، وقِيلَ: اسْتِفْهامِيَّةٌ والأوَّلُ هو الظّاهِرُ و﴿مِن قَرْنٍ﴾ بَيانٌ لِإبْهامِها. والقَرْنُ أهْلُ كُلِّ عَصْرٍ، وقَدِ اخْتُلِفَ في مُدَّتِهِ وهو مِن قَرْنِ الدّابَّةِ سُمِّيَ بِهِ لِتَقَدُّمِهِ، ومِنهُ قَرْنُ الشَّمْسِ لِأوَّلِ ما يَطْلُعُ مِنها. و( هم أحْسَنُ ) في حَيِّزِ النَّصْبِ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ وتَبِعَهُ أبُو البَقاءِ صِفَةً لَكم ورَدَّهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ قَدْ صَرَّحَ الأصْحابُ بِأنَّ كَمْ سَواءٌ كانَتْ خَبَرِيَّةً أوِ اسْتِفْهامِيَّةً لا تُوصَفُ ولا يُوصَفُ بِها، وجَعَلَهُ صِفَةَ (قَرْنٍ) وضَمِيرُ الجَمْعِ لِاشْتِمالِ القَرْنِ عَلى أفْرادٍ كَثِيرَةٍ، ولَوْ أُفْرِدَ الضَّمِيرُ لَكانَ عَرَبِيًّا أيْضًا. ولا يُرَدُّ عَلَيْهِ كَما قالالخَفاجِيُّ: كَمْ مِن رَجُلٍ قامَ وكَمْ مِن قَرْيَةٍ هَلَكَتْ بِناءً عَلى أنَّ الجارَّ والمَجْرُورَ يَتَعَيَّنُ تَعَلُّقُهُ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لَكم كَما ادَّعى بَعْضُهم أنَّ الرَّضِيَّ أشارَ إلَيْهِ لِأنَّهُ يَجُوزُ في الجارِّ والمَجْرُورِ أنْ يَكُونَ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ والجُمْلَةُ مُفَسِّرَةٌ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ، فَما ادَّعى غَيْرُ مُسْلِمٍ عِنْدَهُ، و(أثاثًا) تَمْيِيزٌ وهو مَتاعُ البَيْتِ مِنَ الفَرْشِ والثِّيابِ وغَيْرِها واحِدُها أثاثَةٌ، وقِيلَ: لا واحِدَ لَها وقِيلَ: الأثاثُ ما جَدَّ مِنَ المَتاعِ والخُرْثِيُّ ما قَدُمَ وبَلى، وأنْشَدَ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الطُّوسِيُّ:
تَقادُمُ العَهْدِ مِن أُمِّ الوَلِيدِ بِنا دَهْرًا وصارَ أثاثُ البَيْتِ خُرْثِيًّا
والرِّئْيُ المَنظَرُ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وغَيْرُهُ، وهو فِعْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ مِنَ الرُّؤْيَةِ كالطَّحْنِ والسَّقْيِ. وقَرَأ الزَّهْرِيُّ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ وطَلْحَةُ في رِوايَةِ الهَمْدانِيِّ وأيُّوبَ وابْنِ سَعْدانَ وابْنِ ذَكْوانَ وقالُوا ( رِيًّا ) بِتَشْدِيدِ الياءِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ، فاحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ مِن ذَلِكَ عَلى قَلْبِ الهَمْزَةِ ياءً وإدْغامِها. واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مِنَ الرِّيِّ ضِدِّ العَطَشِ والمُرادُ بِهِ النَّضارَةُ والحُسْنُ.
وقَرَأ أبُو بَكْرٍ في رِوايَةِ الأعْمَشِ ( رِيئًا ) بِياءٍ ساكِنَةٍ بَعْدَها هَمْزَةٌ وهو عَلى القَلْبِ ووَزْنُهُ فِلْعًا، وقُرِئَ ( رِياءً ) بِياءٍ بَعْدَها ألِفٌ بَعْدَها هَمْزَةٌ حَكاها اليَزِيدِيُّ. ومَعْناها كَما في الدُّرِّ المَصُونِ مُراءاةُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ( رِيًّا ) بِحَذْفِ الهَمْزَةِ والقَصْرِ فَتَجاسَرَ بَعْضُ النّاسِ وقالَ: هي لَحْنٌ، ولَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ خَرَجَتْ عَلى وجْهَيْنِ أحَدُهُما أنْ يَكُونَ الأصْلُ (رِيًّا) بِتَشْدِيدِ الياءِ فَخُفِّفَ بِحَذْفِ إحْدى الياءَيْنِ وهي الثّانِيَةُ لِأنَّها الَّتِي حَصَلَ بِها الثِّقَلُ ولِأنَّ الآخَرَ مَحَلُّ التَّغْيِيرِ وذَلِكَ كَما حُذِفَتْ في لا سِيَّما. والثّانِي أنْ يَكُونَ الأصْلُ ( رِيئًا ) بِياءٍ ساكِنَةٍ بَعْدَها هَمْزَةٌ فَنُقِلَتْ حَرَكَةُ الهَمْزَةِ إلى الياءِ ثُمَّ حُذِفَتْ عَلى القاعِدَةِ المَعْرُوفَةِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، وابْنُ جُبَيْرٍ ويَزِيدُ البَرْبَرِيُّ والأعْصَمُ المَكِّيُّ (زِيًّا) بِالزّايِ وتَشْدِيدِ الياءِ وهو المَحاسِنُ المَجْمُوعَةُ يُقالُ: زَواهُ زَيًّا بِالفَتْحِ أيْ جَمَعَهُ، ويُرادُ مِنهُ الأثاثُ أيْضًا كَما ذَكَرَهُ المُبَرِّدُ في قَوْلِ الثَّقَفِيِّ:
أشاقَتْكَ الظَّعائِنُ يَوْمَ بانُوا ∗∗∗ بِذِي الزِّيِّ الجَمِيلِ مِنَ الأثاثِ
والظّاهِرُ في الآيَةِ المَعْنى الأوَّلُ
19:75Page 310
قُلۡ مَن كَانَ فِي ٱلضَّلَٰلَةِ فَلۡيَمۡدُدۡ لَهُ ٱلرَّحۡمَٰنُ مَدًّاۚ حَتَّىٰٓ إِذَا رَأَوۡاْ مَا يُوعَدُونَ إِمَّا ٱلۡعَذَابَ وَإِمَّا ٱلسَّاعَةَ فَسَيَعۡلَمُونَ مَنۡ هُوَ شَرّٞ مَّكَانٗا وَأَضۡعَفُ جُندٗا ٧٥
Say, "Whoever is in error - let the Most Merciful extend for him an extension [in wealth and time] until, when they see that which they were promised - either punishment [in this world] or the Hour [of resurrection] - they will come to know who is worst in position and weaker in soldiers."
﴿قُلْ مَن كانَ في الضَّلالَةِ﴾ إلَخْ أمْرٌ مِنهُ تَعالى لِرَسُولِهِ ﷺ بِأنْ يُجِيبَ هَؤُلاءِ المُفْتَخِرِينَ بِما لَهم مِنَ الحُظُوظِ الدُّنْيَوِيَّةِ عَلى المُؤْمِنِينَ بِبَيانِ مَآلِ أمْرِ الفَرِيقَيْنِ إمّا عَلى وجْهٍ كُلِّيٍّ مُتَناوِلِ لَهم ولِغَيْرِهِمْ مِنَ المُنْهَمِكِينَ في اللَّذَّةِ الفانِيَةِ المُبْتَهِجِينَ بِها عَلى أنَّ مِن عَلى عُمُومِها، وإمّا عَلى وجْهٍ خاصٍّ بِهِمْ عَلى أنَّها عِبارَةٌ عَنْهم ووَصَفَهم بِالتَّمَكُّنِ في الضَّلالَةِ لِذَمِّهِمْ والإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ أيْ مَن كانَ مُسْتَقِرًّا في الضَّلالَةِ مَغْمُورًا بِالجَهْلِ والغَفْلَةِ عَنْ عَواقِبِ الأُمُورِ ﴿فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ أيْ يَمُدُّ سُبْحانَهُ لَهُ ويُمْهِلُهُ بِطُولِ العُمْرِ وإعْطاءِ المالِ، والتَّمَكُّنُ مِنَ التَّصَرُّفاتِ، فالطَّلَبُ في مَعْنى الخَبَرِ، واخْتِيرَ لِلْإيذانِ بِأنَّ ذَلِكَ مِمّا يَنْبَغِي أنْ يُفْعَلَ بِمُوجِبِ الحِكْمَةِ لِقَطْعِ المَعاذِيرِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ نُعَمِّرْكم ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ﴾ فَيَكُونُ حاصِلُ
صفحة 127
المَعْنى مَن كانَ في الضَّلالَةِ فَلا عُذْرَ لَهُ فَقَدْ أمْهَلَهُ الرَّحْمَنُ ومَدَّ لَهُ مَدًّا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِلِاسْتِدْراجِ كَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا﴾ وحاصِلُ المَعْنى: مَن كانَ في الضَّلالَةِ فَعادَةُ اللَّهِ تَعالى أنْ يَمُدَّ لَهُ ويَسْتَدْرِ جَهُ لِيَزْدادَ إثْمًا، وقِيلَ: المُرادُ الدُّعاءُ بِالمَدِّ إظْهارًا لِعَدَمِ بَقاءِ عُذْرٍ بَعْدَ هَذا البَيانِ الواضِحِ فَهو عَلى أُسْلُوبِ ﴿رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ﴾ إنْ حُمِلَ عَلى الدُّعاءِ، قالَ في الكَشْفِ: الوَجْهُ الأوَّلُ أوْفَقُ بِهَذا المَقامِ، والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرَّحْمانِيَّةِ لِما أنَّ المُدُنَ أحْكامُها ﴿حَتّى إذا رَأوْا ما يُوعَدُونَ﴾ إلى آخِرِهِ غايَةٌ لِلْمَدِّ، وجَمْعُ الضَّمِيرِ في الفِعْلَيْنِ بِاعْتِبارِ مَعْنى مَن كَما أنَّ الإفْرادَ في الضَّمِيرَيْنِ الأوَّلِينَ بِاعْتِبارِ لَفْظِها، وما اسْمُ مَوْصُولٍ والجُمْلَةُ بَعْدَهُ صِلَةٌ والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيِ الَّذِي يُوعِدُونَهُ، واعْتِبارُ ما مَصْدَرِيَّةً خِلافُ الظّاهِرِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إمّا العَذابَ وإمّا السّاعَةَ﴾ بَدَلٌ مِن ( ما ) وتَفْصِيلٌ لِلْمَوْعُودِ عَلى طَرِيقَةِ مَنعِ الخُلُوِّ، والمُرادُ بِالعَذابِ العَذابُ الدُّنْيَوِيُّ بِغَلَبَةِ المُؤْمِنِينَ واسْتِيلائِهِمْ عَلَيْهِمْ، والمُرادُ بِالسّاعَةِ قِيلَ: يَوْمُ القِيامَةِ وهو الظّاهِرُ.
وقِيلَ: ما يَشْمَلُ حِينَ المَوْتِ ومُعايَنَةِ العَذابِ ومَن ماتَ فَقَدْ قامَتْ قِيامَتُهُ وذَلِكَ لِتَتَّصِلَ الغايَةُ بِالمُغَيّا فَإنَّ المَدَّ لا يَتَّصِلُ بِيَوْمِ القِيامَةِ، وأُجِيبُ بِأنَّ أمْرَ الفاصِلِ سَهْلٌ لِأنَّ أُمُورَ هَذِهِ الدُّنْيا لِزَوالِها وتَقَضِّيها لا تُعَدُّ فاصِلَةً كَما قِيلَ: ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نارًا﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: (فَسَيَعْلَمُونَ) جَوابُ الشَّرْطِ وهُما في الحَقِيقَةِ الغايَةُ إنْ قُلْنا: إنَّ المَجْمُوعَ هو الكَلامُ أوْ مَفْهُومُهُ فَقَطْ إنْ قُلْنا: إنَّهُ هو الكَلامُ والشَّرْطُ قَيْدٌ لَهُ، (وحَتّى) عِنْدَ ابْنِ مالِكٍ جارَّةٌ وهي لِمُجَرَّدِ الغايَةِ لا جارَّةٌ ولا عاطِفَةٌ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وهَكَذا هي كُلَّما دَخَلَتْ عَلى إذا الشَّرْطِيَّةِ وهي مَنصُوبَةٌ بِالشَّرْطِ أوِ الجَزاءِ عَلى الخِلافِ المَشْهُورِ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ، والمُرادُ حَتّى إذا عايَنُوا ما يُوعَدُونَ مِنَ العَذابِ الدُّنْيَوِيِّ أوِ الأُخْرَوِيِّ فَقَطْ فَسَيَعْلَمُونَ حِينَئِذٍ ﴿مَن هو شَرٌّ مَكانًا﴾ مِنَ الفَرِيقَيْنِ بِأنْ يُشاهِدُوا الأمْرَ عَلى عَكْسِ ما كانُوا يُقَدِّرُونَهُ فَيَعْلَمُونَ أنَّهم شَرٌّ مَكانًا لا خَيْرٌ مَقامًا، وفي التَّعْبِيرِ بِالمَكانِ هُنا دُونَ المَقامِ المُعَبَّرِ بِهِ هُناكَ مُبالَغَةٌ في إظْهارِ سُوءِ حالِهِمْ ﴿وأضْعَفُ جُنْدًا﴾ أيْ: فِئَةً وأنْصارًا لا أحْسَنُ نِدِّيًّا، ووَجْهُ التَّقابُلِ أنَّ حُسْنَ النَّدِيِّ بِاجْتِماعِ وُجُوهِ القَوْمِ وأعْيانِهِمْ وظُهُورِ شَوْكَتِهِمْ واسْتِظْهارِهِمْ.
وقِيلَ: إنَّ المُرادَ مِنَ النَّدِيِّ هُناكَ مَن فِيهِ كَما يُقالُ المَجْلِسُ العالِي لِلتَّعْظِيمِ ولَيْسَ المُرادُ أنَّ لَهُ ثَمَّةَ جُنْدًا ضَعِيفًا كَلًّا ﴿ولَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وما كانَ مُنْتَصِرًا﴾ وإنَّما ذَكَرَ ذَلِكَ رَدًّا لِما كانُوا يَزْعُمُونَهُ مِن أنَّ لَهم أعْوانًا مِن شُرَكائِهِمْ، والظّاهِرُ أنَّ مَن مَوْصُولَةٌ وهي في مَحَلِّ نَصْبِ مَفْعُولِ ( يَعْلَمُونَ ) وتَعَدّى إلى واحِدٍ لِأنَّ العِلْمَ بِمَعْنى المَعْرِفَةِ، وجُمْلَةُ ﴿هُوَ شَرٌّ﴾ صِلَةُ المَوْصُولِ. وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ كَوْنَها اسْتِفْهامِيَّةً والعِلْمُ عَلى بابِهِ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ سادَّةٌ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ وهو عِنْدَ أبِي البَقاءِ فَصْلٌ لا مُبْتَدَأٌ.
وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ وظاهِرُ صَنِيعِهِ اخْتِيارُهُ أنْ يَكُونَ ما تَقَدَّمَ غايَةً لِقَوْلِ الكَفَرَةِ ﴿أيُّ الفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ﴾ إلَخْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: (كَمْ أهْلَكْنا) إلَخْ و﴿قُلْ مَن كانَ﴾ إلَخْ جُمْلَتانِ مُعْتَرِضَتانِ لِلْإنْكارِ عَلَيْهِمْ أيْ لا يَبْرَحُونَ يَقُولُونَ هَذا القَوْلَ ويَتَوَلَّوْنَ بِهِ لا يَتَكافَوْنَ عَنْهُ إلى أنْ يُشاهِدُوا المَوْعُودَ رَأْيَ عَيْنٍ إمّا العَذابُ في الدُّنْيا بِأيْدِي المُؤْمِنِينَ وإمّا يَوْمَ القِيامَةِ، وما يَنالُهم فِيهِ مِنَ الخِزْيِ والنَّكالِ فَحِينَئِذٍ يَعْلَمُونَ أنَّ الأمْرَ عَلى عَكْسِ ما قَدَّرُوهُ وتَعَقَّبَهُ في البَحْرِ بِأنَّهُ في غايَةِ البُعْدِ لِطُولِ الفَصْلِ بَيْنَ الغايَةِ والمُغَيّا مَعَ أنَّ الفَصْلَ بِجُمْلَتَيِ اعْتِراضٍ فِيهِ
صفحة 128
خِلافُ أبِي عَلِيٍّ فَإنَّهُ لا يُجِيزُهُ، وأنْتَ تَعْلَمُ أيْضًا بَعْدَ إصْلاحِ أمْرِ انْقِطاعِ القَوْلِ حِينَ المَوْتِ وعَدَمِ امْتِدادِهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ أنَّ اعْتِبارَ اسْتِمْرارِ القَوْلِ وتَكَرُّرِهِ لا يَتِمُّ بِدُونِ اعْتِبارِ اسْتِمْرارِ التِّلاوَةِ لِوُقُوعِ القَوْلِ في حَيِّزِ جَوابِ إذا وهو كَما تَرى.
19:76Page 310
وَيَزِيدُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱهۡتَدَوۡاْ هُدٗىۗ وَٱلۡبَٰقِيَٰتُ ٱلصَّٰلِحَٰتُ خَيۡرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابٗا وَخَيۡرٞ مَّرَدًّا ٧٦
And Allāh increases those who were guided, in guidance, and the enduring good deeds are better to your Lord1 for reward and better for recourse.
﴿ويَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ سِيقَ لِبَيانِ حالِ المُهْتَدِينَ إثْرَ بَيانِ حالِ الضّالِّينَ كَما اخْتارَهُ أبُو السُّعُودِ، واخْتارَ الزَّمَخْشَرِيُّ وتَبِعَهُ أبُو البَقاءِ أنَّهُ عَطْفٌ عَلى مَوْضِعِ (فَلْيَمْدُدْ) إلَخْ ولَمْ يُجَوِّزْهُ أبُو حَيّانَ سَواءٌ كانَ ( فَلْيَمْدُدْ ) دُعاءً أوْ خَبَرًا في صُورَةِ الطَّلَبِ لِأنَّهُ في مَوْضِعِ الخَبَرِ إنْ كانَتْ مَن مَوْصُولَةً، وفي مَوْضِعِ الجَزاءِ إنْ كانَتْ شَرْطِيَّةً ومَوْضِعُ المَعْطُوفِ مَوْضِعَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ والجُمْلَةُ الَّتِي جُعِلَتْ مَعْطُوفَةً خالِيَةً مِن ضَمِيرٍ يَرْبُطُ الخَبَرَ بِالمُبْتَدَأِ والجَوابَ بِالشَّرْطِ، وقِيلَ عَلَيْهِ أيْضًا: إنَّ العَطْفَ غَيْرُ مُناسِبٍ مِن جِهَةِ المَعْنى كَما أنَّهُ غَيْرُ مُناسِبٍ مِن جِهَةِ الإعْرابِ إذْ لا يَتَّجِهُ أنْ يُقالَ: مَن كانَ في الضَّلالَةِ يَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى. وأُجِيبُ عَنْ هَذا بِأنَّ المَعْنى مَن كانَ في الضَّلالَةِ زِيدَ في ضَلالَتِهِ وزِيدَ في هِدايَةِ أعْدائِهِ لِأنَّهُ مِمّا يَغِيظُهُ وعَمّا سَبَقَ بِأنَّ مَن شَرْطِيَّةٌ لا مَوْصُولَةٌ. اشْتِراطُ ضَمِيرٍ يَعُودُ مِنَ الجَزاءِ عَلى اسْمِ الشَّرْطِ غَيْرِ الظَّرْفِ مَمْنُوعٌ وهو غَيْرُ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ عِنْدَ النُّحاةِ كَما في الدُّرِّ المَصُونِ مَعَ أنَّهُ مُقَدَّرٌ كَما سَمِعْتَ ولا يَخْفى أنَّ هَذا العَطْفَ لا يَخْلُو عَنْ تَكَلُّفٍ، واخْتارَ البَيْضاوِيُّ أنَّهُ عَطْفٌ عَلى مَجْمُوعِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن كانَ في الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ﴾ إلَخْ لِيَتِمَّ التَّقابُلُ فَإنَّهُ ﷺ أمَرَ أنْ يُجِيبَهم عَنْ قَوْلِهِمُ لِلْمُؤْمِنِينَ أيُّ الفَرِيقَيْنِ إلَخْ، فَلْيَأْتِ بِذِكْرِ القِسْمَيْنِ أصالَةً. قالَ الطِّيبِيُّ: فَكَأنَّهُ قِيلَ: قُلْ مَن كانَ في الضَّلالَةِ مِنَ الفَرِيقَيْنِ فَلْيُمْهِلْهُ اللَّهُ تَعالى ويُنَفِّسْ في مُدَّةِ حَياتِهِ لِيَزِيدَ في الغَيِّ ويَجْمَعَ اللَّهُ تَعالى لَهُ عَذابَ الدّارَيْنِ، ومَن كانَ في الهِدايَةِ مِنهُما يَزِيدُ اللَّهُ تَعالى هِدايَتَهُ فَيَجْمَعُ سُبْحانَهُ لَهُ خَيْرَ الدّارَيْنِ، وهَذا الجَوابُ مِنَ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ وفِيهِ مَعْنى قَوْلِ حَسّانَ:
أتَهْجُوهُ ولَسْتَ لَهُ بِكُفْءٍ فَشَرٌّ كَما لِخَيْرٍ كَما فِداءُ
فِي الدُّعاءِ والِاحْتِرازِ عَنِ المُواجَهَةِ، وفي الكَشْفِ أنَّ هَذا أوْلى مِمّا اخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ ﴿والباقِياتُ الصّالِحاتُ﴾ قَدْ تَقَدَّمَتِ الأقْوالُ المَأْثُورَةُ في تَفْسِيرِها، واخْتِيرَ أنَّها الطّاعاتُ الَّتِي تَبْقى فَوائِدُها وتَدُومُ عَوائِدُها لِعُمُومِهِ، وكُلُّها ﴿خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا﴾ بِمَعْناهُ المُتَعارَفِ، وقِيلَ: عائِدَةٌ مِمّا مُتِّعَ بِهِ الكَفَرَةُ مِنَ النِّعَمِ المُخْدَجَةِ الفانِيَةِ الَّتِي يَفْتَخِرُونَ بِها (وخَيْرٌ) مِن ذَلِكَ أيْضًا (مَرَدًّا) أيْ مَرْجِعًا وعاقِبَةً لِأنَّ عاقِبَتَها المَسَرَّةُ الأبَدِيَّةُ والنَّعِيمُ المُقِيمُ، وعاقِبَةُ ذَلِكَ الحَسْرَةُ السَّرْمَدِيَّةُ والعَذابُ الألِيمُ. وفي التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ اللُّطْفِ والتَّشْرِيفِ ما لا يَخْفى. وتَكْرِيرُ الخَيْرِ لِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِبَيانِ الخَيْرِيَّةِ وتَأْكِيدٍ لَها. وفي الآيَةِ عَلى ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ ضَرْبٌ مِنَ التَّهَكُّمِ بِالكَفَرَةِ حَيْثُ أشارَتْ إلى تَسْمِيَةِ جَزائِهِمْ ثَوابًا، والمُفاضَلَةُ عَلى ما قالَ عَلى طَرِيقَةِ- الصَّيْفُ أحَرُّ مِنَ الشِّتاءِ- أيْ أبْلَغُ في حَرِّهِ مِنَ الشِّتاءِ في بَرْدِهِ ولَيْسَتْ عَلى التَّهَكُّمِ لِأنَّكَ لَوْ قُلْتَ: النّارُ خَيْرٌ مِنَ الزَّمْهَرِيرِ أوْ بِالعَكْسِ تَهَكُّمًا كانَ التَّهَكُّمُ عَلى بابِهِ في المُفَضَّلِ والمُفَضَّلِ عَلَيْهِ وذَلِكَ مِمّا لا يَتَمَشّى فِيما نَحْنُ فِيهِ. وحاصِلُ ما أرادَهُ أنَّ المُرادَ ثَوابُ هَؤُلاءِ أبْلَغُ مِن ثَوابِ أُولَئِكَ أيْ عِقابِهِمْ. وقَوْلُ صاحِبِ التَّقْرِيبِ فِيهِ: إنَّهُ غَيْرُ مَعْلُومٍ جَوابُهُ كَيْفَ لا وقَدْ سَبَقَتِ الرَّحْمَةُ الغَضَبَ وفي الجَنَّةِ مِنَ الضَّعْفِ والإفْضالِ
صفحة 129
ما لا يُقادَرُ قَدْرُهُ والنّارُ مِن عَدْلِهِ تَعالى، وقَوْلُهُ: إنَّهُ غَيْرُ مُناسِبٍ لِمَقامِ التَّهْدِيدِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ المَنعِ يَرُدُّ عَلَيْهِ أنَّ الكَلامَ مَبْنِيٌّ عَلى التَّقابُلِ وأنَّهُ عَلى المُشاكَلَةِ في قَوْلِهِمْ ﴿أيُّ الفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقامًا﴾ وأحْسَنُ نَدِيًّا، فَوَعَدَ هَؤُلاءِ لَيْسَ لِمُجَرَّدِ تَهْدِيدِ أُولَئِكَ بَلْ مَقْصُودٌ لِذاتِهِ قالَهُ في الكَشْفِ.
وقالَ صاحِبُ الفَرائِدِ: ما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بَعِيدٌ عَنِ الطَّبْعِ والِاسْتِعْمالِ ولَيْسَ في كَلامِهِمْ ما يَشْهَدُ لَهُ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: المُرادُ ثَوابُ الأعْمالِ الصّالِحَةِ في الآخِرَةِ خَيْرٌ مِن ثَوابِهِمْ في الدُّنْيا وهو ما حَصَلَ لَهم مِنها مِنَ الخَيْرِ بِزَعْمِهِمْ ومِمّا أُوتُوا مِنَ المالِ والجاهِ والمَنافِعِ الحاصِلَةِ مِنهُما ا هـ، ورُدَّ إنْكارُهُ لَهُ بِأنَّ الزَّجّاجَ ذَكَرَهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أذَلِكَ خَيْرٌ أمْ جَنَّةُ الخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ﴾ وأنَّ لَهُ نَظائِرَ. والبُعْدُ عَنِ الطَّبْعِ في حَيِّزِ المَنعِ.
وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّ أفْعَلَ في الآيَةِ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاتِّصافِ بِالحَدَثِ وعَلى الزِّيادَةِ المُطْلَقَةِ كَما قِيلَ في يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ: أحْسَنُ إخْوَتِهِ وهي إحْدى حالاتِهِ الأرْبَعِ الَّتِي ذَكَرَها بَعْضُ عُلَماءِ العَرَبِيَّةِ، فالمَعْنى أنَّ ثَوابَهم ومَرَدَّهم مُتَّصِفٌ بِالزِّيادَةِ في الخَيْرِيَّةِ عَلى المُتَّصِفِ بِها بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ هَؤُلاءِ المُفْتَخِرِينَ بِدُنْياهم فَلا يَلْزَمُ مُشارَكَتُهم في الخَيْرِيَّةِ فَتَأمَّلْ. والجُمْلَةُ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ أبُو السُّعُودِ عَلى تَقْدِيرَيِ الِاسْتِئْنافِ والعَطْفِ فِيما قَبْلَها مُسْتَأْنَفَةٌ وارِدَةٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى لِبَيانِ فَضْلِ أعْمالِ المُهْتَدِينَ غَيْرُ داخِلَةٍ في حَيِّزِ الكَلامِ المُلَقَّنِ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ويَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ ومُشْتَمِلَةٌ عَلى تَسْلِيَةِ قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ مِمّا عَسى أنْ يَخْتَلِجَ فِيها مِن مُفاخَرَةِ الكَفَرَةِ شَيْءٌ كَما أنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿حَتّى إذا رَأوْا﴾ - إلى- (جُنْدًا) تَتْمِيمٌ لِوَعِيدِهِمْ، وكِلاهُما مِن تَتِمَّةِ الأمْرِ بِالجَوابِ عَنْ قَوْلِهِمْ ﴿أيُّ الفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقامًا وأحْسَنُ نَدِيًّا﴾، وجُعِلَ التَّعْبِيرُ بِخَيْرٍ وارِدًا عَلى طَرِيقِ المُشاكَلَةِ. وما ذَكَرَهُ مِن كَوْنِ ذَلِكَ مِن تَتِمَّةِ الجَوابِ هو المُنْساقُ إلى الذِّهْنِ إلّا أنَّ ظاهِرَ الخِطابِ يَأْباهُ وقَدْ يُتَكَلَّفُ لَهُ، ولَعَلَّنا قَدْ أسْلَفْنا في هَذِهِ السُّورَةِ ما يَنْفَعُكَ في أمْرِهِ فَتَذَكَّرْ.
19:77Page 311
أَفَرَءَيۡتَ ٱلَّذِي كَفَرَ بِـَٔايَٰتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالٗا وَوَلَدًا ٧٧
Then, have you seen he who disbelieved in Our verses and said, "I will surely be given wealth and children [in the next life]"?
﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا﴾ أيْ بِآياتِنا الَّتِي مِن جُمْلَتِها آياتُ البَعْثِ. أخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ حِبّانَ وغَيْرُهم عَنْ خَبّابِ بْنِ الأرَتِّ قالَ: كُنْتُ رَجُلًا قَيْنًا وكانَ لِي عَلى العاصِي بْنِ وائِلٍ دَيْنٌ فَأتَيْتُهُ أتَقاضاهُ فَقالَ: لا واللَّهِ لا أقْضِيَكَ حَتّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ فَقُلْتُ: لا واللَّهِ لا أكْفُرُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ حَتّى تَمُوتَ ثُمَّ تَبْعَثَ قالَ: فَإنِّي إذا مِتُّ ثُمَّ بُعِثْتُ جِئْتَنِي ولِي ثَمَّ مالٌ ووَلَدٌ فَأُعْطِيكَ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى (أفَرَأيْتَ) إلَخْ.
وفِي رِوايَةٍ أنَّ خَبّابًا قالَ لَهُ: لا واللَّهِ لا أكْفُرُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ حَيًّا ولا مَيِّتًا ولا إذا بُعِثْتَ فَقالَ العاصِي: فَإذا بُعِثْتُ جِئْتَنِي إلَخْ، وفي رِوايَةٍ «أنَّ رِجالًا مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ أتَوْهُ يَتَقاضَوْنَ دَيْنًا لَهم عَلَيْهِ فَقالَ: ألَسْتُمْ تَزْعُمُونَ أنَّ في الجَنَّةِ ذَهَبًا وفِضَّةً وحَرِيرًا ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ؟ قالُوا: بَلى قالَ: مَوْعِدُكُمُ الآخِرَةُ واللَّهِ لَأُوتِينَ مالًا ووَلَدًا ولَأُوتِينَ مِثْلَ كِتابِكُمُ الَّذِي جِئْتُمْ بِهِ» فَنَزَلَتْ، وقِيلَ: نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وقَدْ كانَتْ لَهُ أقْوالٌ تُشْبِهُ ذَلِكَ، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: هي عامَّةٌ في كُلِّ مَن لَهُ هَذِهِ الصِّفَةُ، والأوَّلُ هو الثّابِتُ في كُتُبِ الصَّحِيحِ، والهَمْزَةُ لِلتَّعْجِيبِ مِن حالِ ذَلِكَ الكافِرِ والإيذانِ بِأنَّها مِنَ الغَرابَةِ والشَّناعَةِ بِحَيْثُ يَجِبُ أنْ تُرى ويَقْضِيَ مِنها العَجَبُ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ أيْ أنَظَرْتَ فَرَأيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا الباهِرَةِ الَّتِي حَقُّها أنْ يُؤْمِنَ بِها كُلُّ مَن وقَفَ عَلَيْها (وقالَ)
صفحة 130
مُسْتَهْزَأً بِها مُصَدِّرًا كَلامَهُ بِاليَمِينِ الفاجِرَةِ واللَّهِ ﴿لأُوتَيَنَّ﴾ في الآخِرَةِ وارِدَةً في الدُّنْيا كَما حَكاهُ الطَّبَرَسِيُّ عَنْ بَعْضِهِمْ تَأْباهُ الأخْبارُ الصَّحِيحَةُ إلّا أنْ يُحْمَلَ الإيتاءُ عَلى ما قِيلَ عَلى الإيتاءِ المُسْتَمِرِّ إلى الآخِرَةِ أيْ لَأُوتَيَنَّ إيتاءً مُسْتَمِرًّا ﴿مالا ووَلَدًا﴾ والمُرادُ انْظُرْ إلَيْهِ فَتَعَجَّبْ مِن حالَتِهِ البَدِيعَةِ وجُرْأتِهِ الشَّنِيعَةِ، وقِيلَ: إنَّ الرُّؤْيَةَ مَجازٌ عَنِ الأخْبارِ مِن إطْلاقِ السَّبَبِ وإرادَةِ المُسَبِّبِ، والِاسْتِفْهامُ مَجازٌ عَنِ الأمْرِ بِهِ لِأنَّ المَقْصُودَ مِن نَحْوِ قَوْلِكَ: ما فَعَلْتَ؟ أخْبِرَنِي. فَهو إنْشاءٌ تُجُوِّزَ بِهِ عَنْ إنْشاءٍ آخَرَ والفاءُ عَلى أصْلِها.
والمَعْنى أخْبِرْ بِقِصَّةِ هَذا الكافِرِ عَقِيبَ حَدِيثِ أُولَئِكَ الَّذِينَ قالُوا: ﴿أيُّ الفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقامًا﴾ الآيَةَ، وقِيلَ: عَقِيبَ حَدِيثِ مَن قالَ: ﴿أإذا ما مِتُّ﴾ إلَخْ، وما قَدَّمْنا في مَعْنى الآيَةِ هو الأظْهَرُ واخْتارَهُ العَلّامَةُ أبُو السُّعُودِ.
وتُعُقِّبَ الثّانِي بِقَوْلِهِ: أنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ المَشْهُورَ اسْتِعْمالُ (أرَأيْتَ) في مَعْنى أخْبِرْنِي بِطَرِيقِ الِاسْتِفْهامِ جارِيًا عَلى أصْلِهِ أوْ مُخْرَجًا إلى ما يُناسِبُهُ مِنَ المَعانِي لا بِطَرِيقِ الأمْرِ بِالإخْبارِ لِغَيْرِهِ وإرادَةِ أخْبِرْنِي بِطَرِيقِ الِاسْتِفْهامِ جارِيًا عَلى أصْلِهِ أوْ مُخْرَجًا إلى ما يُناسِبُهُ مِنَ المَعانِي لا بِطَرِيقِ الأمْرِ بِالإخْبارِ لِغَيْرِهِ وإرادَةِ أخْبِرْنِي هُنا مِمّا لا يَكادُ يَصِحُّ كَما لا يَخْفى.
وقِيلَ: المُرادُ لَأُوتَيَنَّ في الدُّنْيا ويَأْباهُ سَبَبُ النُّزُولِ، قالَ العَلّامَةُ: إلّا أنْ يُحْمَلَ عَلى الإيتاءِ المُسْتَمِرِّ إلى الآخِرَةِ فَحِينَئِذٍ يَنْطَبِقُ عَلى ذَلِكَ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ والأعْمَشُ وطَلْحَةُ وابْنُ أبِي لَيْلى وابْنُ عِيسى الأصْبَهانِيُّ ( وُلْدًا ) بِضَمِّ الواوِ وسُكُونِ اللّامِ فَقِيلَ: هو جَمْعُ ولَدٍ كَأسَدٍ وأُسْدٍ وأنْشَدُوا لَهُ قَوْلَهُ:
ولَقَدْ رَأيْتُ مَعاشِرًا قَدْ ثَمَّرُوا مالًا ووُلْدًا
وقِيلَ هو لُغَةٌ في ولَدٍ كالعَرَبِ والعُرْبِ، وأنْشَدُوا لَهُ قَوْلَهُ:
فَلَيْتَ فُلانًا كانَ في بَطْنِ أُمِّهِ ∗∗∗ ولَيْتَ فُلانًا كانَ ولَدَ حِمارٍ
والحَقُّ أنَّهُ ورَدَ في كَلامِ العَرَبِ مُفْرَدًا وجَمْعًا وكِلاهُما صَحِيحٌ هُنا. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ ويَحْيى بْنُ يَعْمُرَ ( وِلْدًا ) بِكَسْرِ الواوِ وسُكُونِ اللّامِ وهو بِمَعْنى ذَلِكَ.
19:78Page 311
أَطَّلَعَ ٱلۡغَيۡبَ أَمِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحۡمَٰنِ عَهۡدٗا ٧٨
Has he looked into the unseen, or has he taken from the Most Merciful a promise?
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أطَّلَعَ الغَيْبَ﴾ رَدٌّ لِكَلِمَتِهِ الشَّنْعاءِ وإظْهارٌ لِبُطْلانِها إثْرَ ما أُشِيرَ إلَيْهِ بِالتَّعْجِيبِ مِنها، فالجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ، وقِيلَ: إنَّها في مَحَلِّ نَصْبٍ واقِعَةٌ مَوْقِعَ مَفْعُولٍ ثانٍ لِأرَأيْتَ عَلى أنَّهُ بِمَعْنى أخْبِرْنِي وهو كَما تَرى، والهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ، والأصْلُ أاطَّلَعَ فَحُذِفَتْ هَمْزَةُ الوَصْلِ تَخْفِيفًا، وقَرَأ ( إطَّلَعَ ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وحَذْفِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ لِدَلالَةِ أمْ عَلَيْها كَما في قَوْلِهِ: بِسَبْعٍ رَمَيْنَ الجَمْرَ أمْ بِثَمانِ والفِعْلُ مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ وقَدْ يَتَعَدّى بِعَلى ولَيْسَ بِلازِمٍ حَتّى تَكُونَ الآيَةُ مِنَ الحَذْفِ والإيصالِ، والمُرادُ مِنَ الطُّلُوعِ الظُّهُورُ عَلى وجْهِ العُلُوِّ والتَّمَلُّكِ ولِذا اخْتِيرَ عَلى التَّعْبِيرِ بِالعِلْمِ ونَحْوِهِ - أيْ أقَدْ بَلَغَ مِن عَظَمَةِ الشَّأْنِ إلى أنِ ارْتَقى عِلْمَ الغَيْبِ الَّذِي اسْتَأْثَرَ بِهِ العَلِيمُ الخَبِيرُ جَلَّ جَلالُهُ حَتّى ادَّعى عِلْمَ أنْ يُؤْتى في الآخِرَةِ مالًا ووَلَدًا وأقْسَمَ عَلَيْهِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المَعْنى انْظُرْ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ ﴿أمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَرْجُو بِها ذَلِكَ، وعَنْ قَتادَةَ: العَهْدُ العَمَلُ الصّالِحُ الَّذِي وعَدَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ الثَّوابَ، فالمَعْنى: أعَلِمَ الغَيْبَ أمْ عَمِلَ عَمَلًا يَرْجُو ذَلِكَ في مُقابَلَتِهِ. وقالَ بَعْضُهم: العَهْدُ عَلى ظاهِرِهِ.
والمَعْنى: أعَلِمَ الغَيْبَ أمْ أعْطاهُ اللَّهُ تَعالى عَهْدًا ومَوْثِقًا وقالَ لَهُ: إنَّ ذَلِكَ كائِنٌ لا مَحالَةَ.
ونُقِلَ هَذا عَنِ الكَلْبِيِّ، وهَذِهِ مُجاراةٌ مَعَ العَيْنِ بِحَسَبِ مَنطُوقِ مَقالِهِ كَما أنَّ كَلامَهُ كَذَلِكَ، والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرَّحْمانِيَّةِ لِلْإشْعارِ بِعِلِّيَّةِ الرَّحْمَةِ لِإيتاءِ ما يَدَّعِيهِ
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences