Al-AlusiMaryam · 19:86–92

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Maryam 19:86–92

19:86Page 311

وَنَسُوقُ ٱلۡمُجۡرِمِينَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرۡدٗا ٨٦

And will drive the criminals to Hell in thirst

وقَدْ قابَلَ سُبْحانَهُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿ونَسُوقُ المُجْرِمِينَ﴾ كَما تُساقُ البَهائِمُ ﴿إلى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ أيْ عِطاشًا كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأبِي هُرَيْرَةَ والحَسَنِ وقَتادَةَ ومُجاهِدٍ، وأصْلُهُ مَصْدَرُ ورَدَ أيْ سارَ إلى الماءِ، قالَ الرّاجِزُ:

رِدِي رِدِي وِرْدَ قَطاةٍ صَمّا كُدْرِيَّةٍ أعْجَبَها بَرْدَ الما

وإطْلاقُهُ عَلى العِطاشِ مَجازٌ لِعَلاقَةِ اللُّزُومِ لِأنَّ مَن يَرِدُ الماءَ لا يَرِدُهُ إلّا لِعَطَشٍ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الوِرْدِ الدَّوابَّ الَّتِي تَرِدُ الماءَ، والكَلامُ عَلى التَّشْبِيهِ أيْ نَسُوقُهم كالدَّوابِّ الَّتِي تَرِدُ الماءَ، وفي الكَشْفِ في لَفْظِ الوِرْدِ تَهَكُّمٌ واسْتِخْفافٌ عَظِيمٌ لا سِيَّما وقَدْ جَعَلَ المَوْرِدَ جَهَنَّمَ أعاذَنا اللَّهُ تَعالى مِنها بِرَحْمَتِهِ، فَلْيَنْظُرْ ما بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ مِنَ الفَرْقِ العَظِيمِ وقَرَأ الحَسَنُ والجَحْدَرِيُّ ( يُحْشَرُ المُتَّقُونَ ويُساقُ المُجْرِمُونَ ) بِبِناءِ الفِعْلَيْنِ لِلْمَفْعُولِ.

واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ أهْوالَ القِيامَةِ تَخْتَصُّ بِالمُجْرِمِينَ لِأنَّ المُتَّقِينَ مِنَ الِابْتِداءِ يُحْشَرُونَ مُكَرَّمِينَ فَكَيْفَ يَنالُهم بَعْدَ ذَلِكَ شِدَّةٌ، وفي البَحْرِ الظّاهِرِ أنَّ حَشْرَ المُتَّقِينَ إلى الرَّحْمَنِ وفْدًا أبْعَدَ انْقِضاءَ الحِسابِ وامْتِيازَ الفَرِيقَيْنِ، وحَكاهُ ابْنُ الجَوْزِيِّ عَنْ أبِي سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيِّ، وذَكَرَ ذَلِكَ النَّيْسابُورِيُّ احْتِمالًا بَحْثًا في الِاسْتِدْلالِ السّابِقِ.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ ذَلِكَ لا يَتَأتّى عَلى ما سَمِعْتَ في الخَبَرِ المَرْوِيِّ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ فَإنَّهُ صَرِيحٌ في أنَّهم يَرْكَبُونَ عِنْدَ خُرُوجِهِمْ مِنَ القُبُورِ ويَنْتَهُونَ إلى بابِ الجَنَّةِ وهو ظاهِرٌ في أنَّهم لا يُحاسَبُونَ.

وقالَ بَعْضُهم: إنَّ المُرادَ بِالمُتَّقِينَ المَوْصُوفُونَ بِالتَّقْوى الكامِلَةِ ولا يَبْعُدُ أنْ يَدْخُلُوا الجَنَّةَ بِلا حِسابٍ فَقَدْ صَحَّتِ الأخْبارُ بِدُخُولِ طائِفَةٍ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ الجَنَّةَ كَذَلِكَ، فَفي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: خَرَجَ إلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذاتَ يَوْمٍ فَقالَ: ( عُرِضَتْ عَلَيَّ الأُمَمُ يَمُرُّ النَّبِيُّ مَعَهُ الرَّجُلُ والنَّبِيُّ مَعَهُ الرَّجُلانِ والنَّبِيُّ لَيْسَ مَعَهُ أحَدٌ والنَّبِيُّ مَعَهُ الرَّهْطُ، فَرَأيْتُ سَوادًا كَثِيرًا فَرَجَوْتُ أنْ يَكُونَ أُمَّتِي فَقِيلَ: هَذا مُوسى وقَوْمُهُ ثُمَّ قِيلَ: انْظُرْ فَرَأيْتُ سَوادًا كَثِيرًا فَقِيلَ: هَؤُلاءِ أمَتُّكَ ومَعَ هَؤُلاءِ سَبْعُونَ ألْفًا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسابٍ، فَتَفَرَّقَ النّاسُ ولَمْ يُبَيِّنْ لَهم رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَتَذاكَرَ أصْحابُهُ فَقالُوا: أمّا نَحْنُ فَوُلِدْنا في الشِّرْكِ ولَكِنْ قَدْ آمَنّا بِاللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ هَؤُلاءِ أبْناؤُنا

صفحة 137

فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ( هُمُ الَّذِينَ لا يَسْتَرْقُونَ ولا يَكْتَوُونَ ولا يَتَطَيَّرُونَ وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ) الحَدِيثَ.

وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ «عَنْ أبِي أُمامَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: ( سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: وعَدَنِي رَبِّي أنْ يُدْخِلَ الجَنَّةَ مِن أُمَّتِي سَبْعِينَ ألْفًا لا حِسابَ عَلَيْهِمْ ولا عَذابَ مَعَ كُلِّ ألْفٍ سَبْعِينَ ألْفًا وثَلاثَ حَثَياتٍ مِن حَثَياتِ رَبِّي» ).

وأخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ والبَزّارُ والطَّبَرانِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ( «إنَّ رَبِّي أعْطانِي سَبْعِينَ ألْفًا مِن أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسابٍ، فَقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: هَلّا اسْتَزَدْتَهُ؟ قالَ: قَدِ اسْتَزَدْتُهُ فَأعْطانِي هَكَذا، وفَرَّجَ بَيْنَ يَدَيْهِ وبَسَطَ باعَيْهِ وجَثى» ).

قالَ هِشامٌ: هَذا مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لا يُدْرى ما عَدَدُهُ.

وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ «عَنْ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ الأنْصارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: ( احْتَبَسَ عَنّا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلاثًا لا ) يَخْرُجُ إلّا إلى صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ ثُمَّ يَرْجِعُ، فَلَمّا كانَ اليَوْمُ الرّابِعُ خَرَجَ إلَيْنا ﷺ فَقُلْنا: يا رَسُولَ اللَّهِ احْتَبَسْتَ عَنّا حَتّى ظَنَنّا أنَّهُ حَدَثَ حَدَثٌ قالَ: لَمْ يَحْدُثِ الأخِيرَ إنَّ رَبِّي وعَدَنِي أنْ يُدْخِلَ مِن أُمَّتِي الجَنَّةَ سَبْعِينَ ألْفًا بِلا حِسابٍ، وإنِّي سَألْتُ رَبِّي في هَذِهِ الثَّلاثِ أيّامٍ المَزِيدَ فَوَجَدْتُ رَبِّي ماجِدًا كَرِيمًا فَأعْطانِي مَعَ كُلِّ واحِدٍ سَبْعِينَ ألْفًا» ) الخَبَرَ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأخْبارِ وفي بَعْضِها ذُكِرَ مَن يَدْخُلُ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسابٍ بِوَصْفِهِ كالحامِدِينَ اللَّهَ تَعالى شَأْنُهُ في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ، وكالَّذِينِ تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ وكالَّذِينِ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى، وكالَّذِي يَمُوتُ في طَرِيقِ مَكَّةَ ذاهِبًا أوْ راجِعًا، وكَطالِبِ العِلْمِ والمَرْأةِ المُطِيعَةِ لِزَوْجِها والوَلَدِ البارِّ بِوالِدَيْهِ، وكالرَّحِيمِ الصَّبُورِ وغَيْرِ ذَلِكَ، ووَجْهُ الجَمْعِ بَيْنَ الأخْبارِ ظاهِرٌ ويَلْزَمُ عَلى تَخْصِيصِ المُتَّقِينَ بِالمَوْصُوفِينَ بِالتَّقْوى الكامِلَةِ دُخُولُ عُصاةِ المُؤْمِنِينَ في المُجْرِمِينَ أوْ عَدَمُ احْتِمالِ الآيَةِ عَلى بَيانِ حالِهِمْ، واسْتَدَلَّ بَعْضُهم بِالآيَةِ عَلى ما رُوِيَ مِنَ الخَبَرِ عَلى عَدَمِ إحْضارِ المُتَّقِينَ جِثِيًّا حَوْلَ جَهَنَّمَ، فَما يَدُلُّ عَلى العُمُومِ مُخَصَّصٌ بِمِثْلِ ذَلِكَ فَتَأمَّلْ، واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ.

ونُصِبَ (يَوْمَ) عَلى الظَّرْفِيَّةِ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ مُؤَخَّرٍ أيْ يَوْمَ نَحْشُرُ ونَسُوقُ نَفْعَلُ بِالفَرِيقَيْنِ مِنَ الأفْعالِ ما لا يُحِيطُ بِبَيانُهُ نِطاقَ المَقالِ، وقِيلَ: عَلى المَفْعُولِيَّةِ بِمَحْذُوفٍ مُقَدَّمٍ خُوطِبَ بِهِ سَيِّدُ المُخاطَبِينَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أيِ اذْكُرْ لَهم بِطَرِيقِ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ يَوْمَ نَحْشُرُ إلَخْ، وقِيلَ: عَلى الظَّرْفِيَّةِ بِنَعُدُّ بِاعْتِبارِ مَعْنى المُجازاةِ، وقِيلَ: بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ﴿سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ﴾ .

وقِيلَ بِقَوْلِهِ جَلَّ وعَلا ﴿ويَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾، وقِيلَ: بِقَوْلِهِ تَعالى شَأْنُهُ:

19:87Page 311

لَّا يَمۡلِكُونَ ٱلشَّفَٰعَةَ إِلَّا مَنِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحۡمَٰنِ عَهۡدٗا ٨٧

None will have [power of] intercession except he who had taken from the Most Merciful a covenant.1

﴿لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ﴾ والَّذِي يَقْتَضِيهِ مَقامُ التَّهْوِيلِ وتَسْتَدْعِيهِ جَزالَةُ التَّنْزِيلِ أنْ يَنْتَصِبَ بِأحَدِ الوَجْهَيْنِ الأوَّلَيْنِ ويَكُونُ هَذا اسْتِئْنافًا مُبَيِّنًا لِبَعْضِ ما في ذَلِكَ اليَوْمِ مِنَ الأُمُورِ الدّالَّةِ عَلى هَوْلِهِ، وضَمِيرُ الجَمْعِ لِما يَعُمُّ المُتَّقِينَ والمُجْرِمِينَ أيِ العِبادَ مُطْلَقًا وقِيلَ: لِلْمُتَّقِينَ، وقِيلَ: لِلْمُجْرِمِينَ مِن أهْلِ الإيمانِ وأهْلِ الكُفْرِ (والشَّفاعَةَ)، عَلى الأوَّلِينَ مَصْدَرُ المَبْنِيِّ لِلْفاعِلِ، وعَلى الثّالِثِ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مَصْدَرُ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿إلا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ مِنَ الضَّمِيرِ عَلى الأوَّلِ ومَحَلُّ المُسْتَثْنى إمّا الرَّفْعُ عَلى البَدَلِ أوِ النَّصْبِ عَلى أصْلِ الِاسْتِثْناءِ، والمَعْنى لا يَمْلِكُ العِبادُ أنْ يَشْفَعُوا لِغَيْرِهِمْ إلّا مَنِ اتَّصَفَ مِنهم بِما يَسْتَأْهِلُ مَعَهُ أنْ يَشْفَعَ وهو المُرادُ بِالعَهْدِ، وفَسَّرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ بِشَهادَةِ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، والتَّبَرِّي مِنَ الحَوْلِ والقُوَّةِ عَدَمُ رَجاءِ أحَدٍ إلّا اللَّهُ تَعالى، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ

صفحة 138

والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قَرَأ الآيَةَ وقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ يَوْمَ القِيامَةِ: ( مَن كانَ لَهُ عِنْدِي عَهْدٌ فَلْيَقُمْ فَلا يَقُومُ إلّا مَن قالَ هَذا في الدُّنْيا: اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ إنِّي أعْهَدُ إلَيْكَ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا أنَّكَ إنْ تَكِلْنِي إلى نَفْسِي تُقَرِّبْنِي مِنَ الشَّرِّ وتُباعِدْنِي مِنَ الخَيْرِ وإنِّي لا أثِقُ إلّا بِرَحْمَتِكَ فاجْعَلْهُ لِي عَهْدًا عِنْدَكَ تُؤَدِّيهِ إلَيَّ يَوْمَ القِيامَةِ إنَّكَ لا تُخْلِفُ المِيعادَ )، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ مُقاتِلٍ أنَّهُ قالَ: العَهْدُ الصَّلاحُ، ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنِ السُّدِّيِّ وابْنِ جُرَيْجٍ، وقالَ اللَّيْثُ: هو حِفْظُ كِتابِ اللَّهِ تَعالى، وتَسْمِيَةُ ما ذُكِرَ عَهْدًا عَلى سَبِيلِ التَّشْبِيهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالعَهْدِ الأمْرُ والإذْنُ مِن قَوْلِهِمْ: عَهِدَ الأمِيرُ إلى فُلانٍ بِكَذا إذا أمَرَهُ بِهِ أيْ لا يَمْلِكُ العِبادُ أنْ يَشْفَعُوا إلّا مَن أذِنَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لَهُ بِالشَّفاعَةِ وأمَرَهُ بِها فَإنَّهُ يَمْلِكُ ذَلِكَ، ولا يَأْبى (عِنْدَ) الِاتِّخاذِ أصْلًا فَإنَّهُ كَما يُقالُ: أخَذْتُ الإذْنَ في كَذا يُقالُ: اتَّخَذْتُهُ، نَعَمْ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿عِنْدَ الرَّحْمَنِ﴾ نَوْعُ إباءٍ عَنْهُ مَعَ أنَّ الجُمْهُورَ عَلى الأوَّلِ، والمُرادُ بِالشَّفاعَةِ عَلى القَوْلَيْنِ ما يَعُمُّ الشَّفاعَةَ في دُخُولِ الجَنَّةِ والشَّفاعَةَ في غَيْرِهِ، ونازَعَ في ذَلِكَ المُعْتَزِلَةُ فَلَمْ يُجَوِّزُوا الشَّفاعَةَ في دُخُولِ الجَنَّةِ والأخْبارُ تُكَذِّبُهم، فَعَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: ( قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ الرَّجُلَ مِن أُمَّتِي لَيَشْفَعُ لِلْفِئامِ مِنَ النّاسِ، فَيُدْخِلُونَ الجَنَّةَ بِشَفاعَتِهِ، وإنَّ الرَّجُلَ لَيَشْفَعُ لِلرَّجُلِ وأهْلِ بَيْتِهِ فَيَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِشَفاعَتِهِ»، وجَوَّزَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يُرادَ بِالشَّفاعَةِ الشَّفاعَةُ العامَّةُ في فَصْلِ القَضاءِ وبِمَنِ اتَّخَذَ النَّبِيُّ ﷺ، وبِالعَهْدِ الوَعْدُ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ وهو خِلافُ الظّاهِرِ جِدًّا، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي في ضَمِيرِ الجَمْعِ الِاسْتِثْناءُ مِنَ الشَّفاعَةِ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ وهو مُتَّصِلٌ أيْضًا.

وفِي المُسْتَثْنى الوَجْهانِ السّابِقانِ أيْ لا يَمْلِكُ المُتَّقُونَ الشَّفاعَةَ إلّا شَفاعَةَ مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا، والمُرادُ بِهِ الإيمانُ، وإضافَةُ المَصْدَرِ إلى المَفْعُولِ. وقِيلَ: المُسْتَثْنى مِنهُ مَحْذُوفٌ عَلى هَذا الوَجْهِ أيْ لا يَمْلِكُ المُتَّقُونَ الشَّفاعَةَ لِأحَدٍ إلّا مَنِ اتَّخَذَ إلَخْ أيْ إلّا لِمَنِ اتَّصَفَ بِالإيمانِ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ مِنَ الشَّفاعَةِ بِتَقْدِيرِ المُضافِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ في الضَّمِيرِ أيْضًا، وأنْ يَكُونَ المَصْدَرُ مُضافًا لِفاعِلِهِ أوْ مُضافًا لِمَفْعُولِهِ. وجُوِّزَ عَلَيْهِ أيْضًا أنْ يَكُونَ المُسْتَثْنى مِنهُ مَحْذُوفًا كَما سَمِعْتَ، وعَلى الوَجْهِ الثّالِثِ الِاسْتِثْناءُ مِنَ الضَّمِيرِ وهو مُتَّصِلٌ أيْضًا، وفي المُسْتَثْنى الوَجْهانِ أيْ لا يَمْلِكُ المُجْرِمُونَ أنْ يُشْفَعَ لَهم إلّا مَن كانَ مُؤْمِنًا فَإنَّهُ يَمْلِكُ أنْ يُشْفَعَ لَهُ. وقِيلَ: الِاسْتِثْناءُ عَلى تَقْدِيرِ رُجُوعِ الضَّمِيرِ إلى المُجْرِمِينَ مُنْقَطِعٌ لِأنَّ المُرادَ بِهِمُ الكَفّارُ، وحَمْلُ ذَلِكَ عَلى العُصاةِ والكُفّارِ بِعِيدٌ كَما قالَ أبُو حَيّانَ، والمُسْتَثْنى حِينَئِذٍ لازِمُ النَّصْبِ عِنْدَ الحِجازِيِّينَ جائِزُ نَصْبِهِ وإبْدالِهِ عِنْدَ تَمِيمٍ.

وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ تَكُونَ الواوُ في ﴿لا يَمْلِكُونَ﴾ عَلامَةَ الجَمْعِ كالَّتِي فِي- أكَلُونِي البَراغِيثُ- والفاعِلُ ﴿مَنِ اتَّخَذَ﴾ لِأنَّهُ في مَعْنى الجَمْعِ. وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِقَوْلِهِ: لا يَنْبَغِي حَمْلُ القُرْآنِ عَلى هَذِهِ اللُّغَةِ القَلِيلَةِ مَعَ وُضُوحِ جَعْلِ الواوِ ضَمِيرًا. وذَكَرَ الأُسْتاذُ أبُو الحَسَنِ بْنُ عُصْفُورٍ أنَّها لُغَةٌ ضَعِيفَةٌ، وأيْضًا فالواوُ والألِفُ والنُّونُ الَّتِي تَكُونُ عَلاماتٍ لا يُحْفَظُ ما يَجِيءُ بَعْدَها فاعِلًا إلّا بِصَرِيحِ الجَمْعِ وصَرِيحِ التَّثْنِيَةِ أوِ العَطْفِ إمّا أنْ يَأْتِيَ بِلَفْظٍ مُفْرَدٍ يُطْلَقُ عَلى جَمْعٍ أوْ مُثَنًّى فَيَحْتاجُ في إثْباتِهِ إلى نَقْلٍ، وأمّا عَوْدُ الضَّمائِرِ مُثَنّاةً ومَجْمُوعَةً عَلى مُفْرَدٍ في اللَّفْظِ يُرادُ بِهِ المُثَنّى والمَجْمُوعُ فَمَسْمُوعٌ مَعْرُوفٌ في لِسانِ العَرَبِ فَيُمْكِنُ قِياسُ هَذِهِ العَلاماتِ عَلى تِلْكَ الضَّمائِرِ ولَكِنَّ الأحْوَطَ أنْ لا يُقالَ ذَلِكَ إلّا بِسَماعٍ. انْتَهى. وتَعَقَّبَهُ أيْضًا ابْنُ المُنِيرِ بِأنَّ فِيهِ تَعَسُّفًا لِأنَّهُ إذا جَعَلَ الواوَ عَلامَةً لِمَن ثَمَّ أعادَ عَلى لَفْظِها بِالإفْرادِ ضَمِيرَ (اتَّخَذَ) كانَ ذَلِكَ إجْمالًا بَعْدَ إيضاحٍ وهو تَعْكِيسٌ في طَرِيقِ البَلاغَةِ الَّتِي

صفحة 139

هِيَ الإيضاحُ بَعْدَ الإجْمالِ والواوُ عَلى إعْرابِهِ وإنْ لَمْ تَكُنْ عائِدَةً عَلى مَن إلّا أنَّها كاشِفَةٌ لِمَعْناها كَشْفَ الضَّمِيرِ العائِدِ لَها ثُمَّ قالَ:

فَتَنَبَّهْ لِهَذا النَّقْدِ فَإنَّهُ أرْوَجُ مِنَ النَّقْدِ

وفِي عُنُقِ الحَسْناءِ يُسْتَحْسَنُ العِقْدُ

انْتَهى، ومِنهُ يُعْلِمُ القَوْلُ بِجَوازِ رُجُوعِ الضَّمِيرِ لَها أوَّلًا بِاعْتِبارِ مَعْناها وثانِيًا بِاعْتِبارِ لَفْظِها لا يَخْلُو عَنْ كَدَرٍ.

19:88Page 311

وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحۡمَٰنُ وَلَدٗا ٨٨

And they say, "The Most Merciful has taken [for Himself] a son."

﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾ حِكايَةٌ لِجِنايَةِ القائِلِينَ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وعِيسى ابْنُ اللَّهِ والمَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى والعَرَبِ تَعالى شَأْنُهُ عَمّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا إثْرَ حِكايَةِ جِنايَةِ مَن عَبَدَ ما عُبِدَ مِن دُونِهِ عَزَّ وجَلَّ بِطَرِيقِ عَطْفِ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ، فالضَّمِيرُ راجِعٌ لِمَن عَلِمْتَ وإنْ لَمْ يُذْكَرْ صَرِيحًا لِظُهُورِ الأمْرِ.

وقِيلَ: راجِعٌ لِلْمُجْرِمِينَ وقِيلَ: لِلْكافِرِينَ وقِيلَ: لِلظّالِمِينَ وقِيلَ: لِلْعِبادِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِذِكْرِ الفَرِيقَيْنِ المُتَّقِينَ والمُجْرِمِينَ. وفِيهِ إسْنادُ ما لِلْبَعْضِ إلى الكُلِّ مَعَ أنَّهم لَمْ يُرْضَوْهُ وقَدْ تَقَدَّمَ البَحْثُ فِيهِ.

19:89Page 311

لَّقَدۡ جِئۡتُمۡ شَيۡـًٔا إِدّٗا ٨٩

You have done an atrocious thing.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا﴾ رَدٌّ لِمَقالَتِهِمُ الباطِلَةِ وتَهْوِيلٌ لِأمْرِها بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ المُنْبِئِ عَنْ كَمالِ السُّخْطِ وشِدَّةِ الغَضَبِ المُفْصِحِ عَنْ غايَةِ التَّشْنِيعِ والتَّقْبِيحِ وتَسْجِيلٍ عَلَيْهِمْ بِنِهايَةِ الوَقاحَةِ والجَهْلِ والجُرْأةِ، وقِيلَ: لا التِفاتَ والكَلامُ بِتَقْدِيرِ قُلْ لَهم لَقَدْ جِئْتُمْ إلَخْ، والإدُّ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ كَما في قِراءَةِ الجُمْهُورِ وبِفَتْحِها كَما قَرَأ السُّلَمِيُّ العَجَبُ كَما قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ. وقِيلَ: العَظِيمُ المُنْكَرُ والإدَّةُ الشِّدَّةُ وأدَّنِي الأمْرُ وآدَنِي الأمْرُ وآدَنِي أثْقَلَنِي وعَظُمَ عَلَيَّ. وقالَ الرّاغِبُ: الإدُّ المُنْكَرُ فِيهِ جَلَبَةٌ مِن قَوْلِهِمْ: أدَّتِ النّاقَةُ تَئِدُّ أيْ رَجَّعَتْ حَنِينَها تَرْجِيعًا شَدِيدًا. وقِيلَ: الإدُّ بِالفَتْحِ مَصْدَرٌ وبِالكَسْرِ اسْمٌ أيْ فَعَلْتُمْ أمْرًا عَجَبًا أوْ مُنْكَرًا شَدِيدًا لا يُقادَرُ قَدْرُهُ فَإنَّ جاءَ وأتى يُسْتَعْمَلانِ بِمَعْنى فَعَلَ فَيَتَعَدَّيانِ تَعْدِيَتَهُ. وقالَ الطَّبَرَسِيُّ: هو مِن بابِ الحَذْفِ والإيصالِ أيْ جِئْتُمْ بِشَيْءٍ إدٍّ

19:90Page 311

تَكَادُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ يَتَفَطَّرۡنَ مِنۡهُ وَتَنشَقُّ ٱلۡأَرۡضُ وَتَخِرُّ ٱلۡجِبَالُ هَدًّا ٩٠

The heavens almost rupture therefrom and the earth splits open and the mountains collapse in devastation

﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ﴾ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِ ( إدًّا ) أوِ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ عِظَمِ شَأْنِهِ في الشِّدَّةِ والهَوْلِ، والتَّفَطُّرِ عَلى ما ذَكَرَهُ الكَثِيرُ التَّشَقُّقُ مُطْلَقًا، وعَلى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلامُ الرّاغِبِ التَّشَقُّقُ طُولًا حَيْثُ فُسِّرَ الفَطْرُ وهو مِنهُ بِالشَّقِّ كَذَلِكَ، ومَوارِدُ الِاسْتِعْمالِ تَقْتَضِي عَدَمَ التَّقْيِيدِ بِما ذُكِرَ. نَعَمْ قِيلَ: إنَّها تَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الفِطْرُ مِن عَوارِضِ الجِسْمِ الصُّلْبِ فَإنَّهُ يُقالُ: إناءٌ مَفْطُورٌ ولا يُقالُ: ثَوْبٌ مَفْطُورٌ بَلْ مَشْقُوقٌ، وهو عِنْدِي في أعْرافِ الرَّدِّ والقَبُولِ وعَلَيْهِ يَكُونُ في نِسْبَةِ التَّفَطُّرِ إلى السَّماواتِ والِانْشِقاقِ إلى الأرْضِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتَنْشَقُّ الأرْضُ﴾ إشارَةً إلى أنَّ السَّماءَ أصْلَبُ مِنَ الأرْضِ، والتَّكْثِيرُ الَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ صِيغَةُ التَّفَعُّلِ قِيلَ في الفِعْلِ لِأنَّهُ الأوْفَقُ بِالمَقامِ، وقِيلَ: في مُتَعَلِّقِهِ ورُجِّحَ بِأنَّهُ قَدْ قَرَأ أبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ويَعْقُوبَ وأبُو بَحْرِيَّةَ والزُّهْرِيُّ وطَلْحَةُ وحُمَيْدٌ واليَزِيدِيُّ وأبُو عُبَيْدٍ ( يَنْفَطِرْنَ ) مُضارِعُ انْفَطَرَ وتَوافُقُ القِراءَتَيْنِ يَقْتَضِي ذَلِكَ، وبِأنَّهُ قَدِ اخْتِيرَ الِانْفِعالُ في تَنْشَقُّ الأرْضُ حَيْثُ لا كَثْرَةَ في المَفْعُولِ ولِذا أُوِّلَ ﴿ومِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ بِالأقالِيمِ ونَحْوِهِ كَما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. ووَجَّهَ بَعْضُهُمُ اخْتِلافَ الصِّيغَةِ عَلى القَوْلِ بِأنَّ التَّكْثِيرَ في الفِعْلِ بِأنَّ السَّماواتِ لِكَوْنِها مُقَدَّسَةً لَمْ يُعْصَ اللَّهُ تَعالى فِيها أصْلًا نَوْعًا ما مِنَ العِصْيانِ لَمْ يَكُنْ لَها أُلْفُ ما بِالمَعْصِيَةِ ولا كَذَلِكَ الأرْضُ فَهي تَتَأثَّرُ مِن عِظَمِ المَعْصِيَةِ ما لا تَتَأثَّرُ الأرْضُ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ ( يَتَصَدَّعْنَ ) قالَ في البَحْرِ: ويَنْبَغِي أنْ يُجْعَلَ ذَلِكَ تَفْسِيرًا لا قِراءَةً لِمُخالَفَتِهِ سَوادَ المُصْحَفِ المُجْمَعِ عَلَيْهِ ولِرِوايَةِ الثِّقاتِ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ كالجُمْهُورِ انْتَهى. ولا يَخْفى عَلَيْكَ أنَّ في ذَلِكَ كَيْفَما كانَ تَأْيِيدًا لِمَنِ ادَّعى

صفحة 140

أنَّ الفَطْرَ مِن عَوارِضِ الجِسْمِ الصُّلْبِ بِناءً عَلى ما في القامُوسِ مِن أنَّ الصَّدْعَ شَقٌّ في شَيْءٍ صُلْبٍ.

وقَرَأ نافِعٌ والكِسائِيُّ وأبُو حَيْوَةَ والأعْمَشُ ( يَكادُ ) بِالياءِ مِن تَحْتُ ﴿وتَخِرُّ الجِبالُ﴾ تَسْقُطُ وتَنْهَدُّ (هَدًّا) نُصِبَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِتَخِرَّ لِأنَّهُ بِمَعْنى تَنْهَدُّ كَما أشَرْنا إلَيْهِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ النَّحّاسِ وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مُطْلَقًا لِتَنْهَدُّ مُقَدَّرًا والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ، وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ مِن هَدَّ المُتَعَدِّي أيْ مَهْدُودَةً. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ أيْ لِأنَّها تَنْهَدُّ عَلى أنَّهُ مِن هَدَّ اللّازِمِ بِمَعْنى انْهَدَمَ، ومَجِيئُهُ لازِمًا مِمّا صَرَّحَ بِهِ أبُو حَيّانَ وهو إمامُ اللُّغَةِ والنَّحْوُ، فَلا عِبْرَةَ مِمَّنْ أنْكَرَهُ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ الهَدُّ مِن فِعْلِ الجِبالِ فَيَتَّحِدُ فاعِلُ المَصْدَرِ والفِعْلُ المُعَلَّلُ بِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ لَيْسَ مَن فِعْلِها لَكِنَّها إذا هَدَّها أحَدٌ يَحْصُلُ لَها الهَدُّ فَصَحَّ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ، وفي الكَلامِ تَقْرِيرٌ لِكَوْنِ ذَلِكَ إدًّا والكَيْدُودَةُ فِيهِ عَلى ظاهِرِها مِن مُقارَبَةِ الشَّيْءِ. وفَسَّرَها الأخْفَشُ هُنا. وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أكادُ أُخْفِيها﴾ بِالإرادَةِ وأنْشَدَ شاهِدًا عَلى ذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ:

كادَتْ وكِدْتُ وتِلْكَ خَيْرُ إرادَةٍ لَوْ عادَ مِن زَمَنِ الصَّبابَةِ ما مَضى

ولا حُجَّةَ لَهُ فِيهِ، والمَعْنى إنَّ هَوْلَ تِلْكَ الكَلِمَةِ الشَّنْعاءِ وعِظَمَها بِحَيْثُ لَوْ تَصَوَّرَ بِصُورَةٍ مَحْسُوسَةٍ لَمْ تَتَحَمَّلْها هَذِهِ الأجْرامُ العِظامُ وتَفَرَّقَتْ أجْزاؤُها مِن شِدَّتِها أوْ أنَّ حَقَّ تِلْكَ الكَلِمَةِ لَوْ فَهِمَتْها تِلْكَ الجَماداتُ العِظامُ أنْ تَتَفَطَّرَ وتَنْشَقَّ وتَخِرَّ مِن فَظاعَتِها، وقِيلَ: المَعْنى كادَتِ القِيامَةُ أنْ تَقُومَ فَإنَّ هَذِهِ الأشْياءَ تَكُونُ حَقِيقَةً يَوْمِ القِيامَةِ، وقِيلَ: الكَلامُ كِنايَةٌ عَنْ غَضَبِ اللَّهِ تَعالى عَلى قائِلِ تِلْكَ الكَلِمَةِ وأنَّهُ لَوْلا حِلْمُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَوَقَعَ ذَلِكَ وهَلَكَ القائِلُ وغَيْرُهُ أيْ كِدْتُ أفْعَلُ ذَلِكَ غَضَبًا لَوْلا حِلْمِي.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: إنَّ الشِّرْكَ فَزِعَتْ مِنهُ السَّماواتُ والأرْضُ والجِبالُ وجَمِيعُ الخَلائِقِ إلّا الثَّقَلَيْنِ، وكِدْنَ أنْ يَزُلْنَ مِنهُ تَعْظِيمًا لِلَّهِ تَعالى وفِيهِ إثْباتُ فَهْمٍ لِتِلْكَ الأجْرامِ والأجْسامِ لائِقٌ بِهِنَّ. وقَدْ تَقَدَّمَ ما يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ. وفي الدُّرِّ المَنثُورِ في الكَلامِ عَلى هَذِهِ الآيَةِ، أخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ وابْنُ المُبارَكِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ مِن طَرِيقِ عَوْنٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: إنَّ الجَبَلَ لِيُنادِيَ الجَبَلَ بِاسْمِهِ يا فُلانُ هَلْ مَرَّ بِكَ اليَوْمَ أحَدٌ ذاكِرٌ لِلَّهِ تَعالى فَإذا قالَ: نَعَمِ اسْتَبْشَرَ قالَ عَوْنٌ: أفَلا يَسْمَعْنَ الزُّورَ إذا قِيلَ ولا يَسْمَعْنَ الخَيْرَ هُنَّ لِلْخَيْرِ أسْمَعُ وقَرَأ (وقالُوا) الآياتِ ا هـ وهو ظاهِرٌ في الفَهْمِ.

وقالَ ابْنُ المُنِيرِ: يَظْهَرُ لِي في الآيَةِ مَعْنًى لَمْ أرَهُ لِغَيْرِي وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى قَدِ اسْتَعارَ لِدَلالَةِ هَذِهِ الأجْرامِ عَلى وُجُودِهِ عَزَّ وجَلَّ مَوْصُوفًا بِصِفاتِ الكَمالِ الواجِبَةِ لَهُ سُبْحانَهُ أنْ جَعَلَها مُسَبِّحَةً بِحَمْدِهِ قالَ تَعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ وإنْ مِن شَيْءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ ومِمّا دَلَّتْ عَلَيْهِ السَّماواتُ والأرْضُ والجِبالُ بَلْ وكُلُّ ذَرَّةٍ مِن ذَرّاتِها أنَّ اللَّهَ تَعالى مُقَدَّسٌ عَنْ نِسْبَةِ الوَلَدِ إلَيْهِ:

وفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ ∗∗∗ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ واحِدُ

فالمُعْتَقِدُ نِسْبَةَ الوَلَدِ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ قَدْ عَطَّلَ دَلالَةَ هَذِهِ المَوْجُوداتِ عَلى تَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى وتَقْدِيسِهِ، فاسْتُعِيرَ لِإبْطالِ ما فِيها مِن رُوحِ الدَّلالَةِ الَّتِي خُلِقَتْ لِأجْلِها إبْطالُ صُوَرِها بِالهَدِّ والِانْفِطارِ والِانْشِقاقِ ا هـ.

صفحة 141

واعْتَرَضَ عَلَيْهِ بِأنَّ المَوْجُوداتِ إنَّما تَدُلُّ عَلى خالِقٍ قادِرٍ عالِمٍ حَكِيمٍ لِدَلالَةِ الأثَرِ عَلى المُؤَثِّرِ والقُدْرَةِ عَلى المَقْدُورِ، وإتْقانُ العِلْمِ يَدُلُّ عَلى العِلْمِ والحِكْمَةِ، وأمّا دَلالَتُها عَلى الوَحْدانِيَّةِ فَلا وجْهَ لَهُ ولا يَثْبُتُ مِثْلُهُ بِالشِّعْرِ. ورُدَّ بِأنَّها لَوْ لَمْ تَدُلَّ جاءَ حَدِيثُ التَّمانُعِ كَما حَقَّقَهُ المَوْلى الخَيالِيُّ في حَواشِيهِ عَلى شَرْحِ عَقائِدِ النَّسَفِيِّ لِلْعَلّامَةِ الثّانِي.

وقالَ بَعْضُهم: إنَّها تَدُلُّ عَلى عِظَمِ شَأْنِهِ تَعالى وأنَّهُ لا يُشابِهُهُ ولا يُدانِيهِ شَيْءٌ فَلَزِمَ أنْ لا يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ ولا ولَدٌ لِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ نَظِيرًا عَزَّ وجَلَّ. ولِذا عَبَّرَ عَنْ هَذِهِ الدَّلالَةِ بِالتَّسْبِيحِ والتَّنْزِيهِ.

ولَعَلَّ ما أشَرْنا إلَيْهِ أوْلى وأدَقُّ، ولَيْسَ مُرادٌ مِن نَسَبِ الوَلَدِ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ إلّا الشِّرْكَ فَتَأمَّلْ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّ الكَلامَ لِبَيانِ بَشاعَةِ تِلْكَ الكَلِمَةِ عَلى مَعْنى أنَّها لَوْ فَهِمَتْها الجَماداتُ لاسْتَعْظَمَتْها وتَفَتَّتْ مِن بَشاعَتِها. ونَحْوَ هَذا مَهْيَعٌ لِلْعَرَبِ، قالَ الشّاعِرُ:

لَمّا أتى خَبَرُ الزُّبَيْرِ تَواضَعَتْ ∗∗∗ سُورُ المَدِينَةِ والجِبالُ الخُشَّعُ

وقالَ الآخَرُ:

فَأصْبَحَ بَطْنُ مَكَّةَ مُقْشَعِرًّا ∗∗∗ كَأنَّ الأرْضَ لَيْسَ بِها هِشامُ

وقالَ الآخَرُ:

ألَمْ تَرَ صَدْعًا في السَّماءِ مُبِينًا ∗∗∗ عَلى ابْنِ لُبَيْنى الحارِثِ بْنِ هِشامِ

إلى غَيْرِ ذَلِكَ وهو نَوْعٌ مِنَ المُبالَغَةِ ويَقْبَلُ إذا اقْتَرَنَ بِنَحْوِ كادَ كَما في الآيَةِ الكَرِيمَةِ، وقَدْ بُيِّنَ ذَلِكَ في مَحَلِّهِ.

19:91–92Page 311

أَن دَعَوۡاْ لِلرَّحۡمَٰنِ وَلَدٗا ٩١

That they attribute to the Most Merciful a son.

وَمَا يَنۢبَغِي لِلرَّحۡمَٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا ٩٢

And it is not appropriate for the Most Merciful that He should take a son.

﴿أنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَدًا﴾ بِتَقْدِيرِ اللّامِ التَّعْلِيلِيَّةِ. ومَحَلُّهُ بَعْدَ الحَذْفِ نَصْبٌ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ وجَرٌّ عِنْدَ الخَلِيلِ والكِسائِيِّ، وهو عِلَّةٌ لِلْعِلِّيَّةِ الَّتِي تَضَمَّنَها (مِنهُ) لَكِنْ بِاعْتِبارِ ما تَدُلُّ عَلَيْهِ الحالُ أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾ وقِيلَ: عِلَّةٌ لِتَكادَ إلَخْ، واعْتُرِضَ بِأنَّ كَوْنَ (تَكادُ) إلَخْ مُعَلَّلًا بِذَلِكَ قَدْ عُلِمَ مِن (إدًّا) فَيَلْزَمُ التَّكْرارُ. وأُجِيبُ بِما لا يَخْلُو عَنْ نَظَرٍ. وقِيلَ: عِلَّةٌ لِهَذا وهو عِلَّةٌ لِلْخُرُورِ، وقِيلَ: لَيْسَ هُناكَ لامٌ مُقَدَّرَةٌ بَلْ إنَّ وما بَعْدَها في تَأْوِيلِ مَصْدَرٍ مَجْرُورٍ بِالإبْدالِ مِنَ الهاءِ في مِنهُ كَما في قَوْلِهِ:

عَلى حالَةٍ لَوْ أنَّ في القَوْمِ حاتِمًا عَلى جُودِهِ لَضَنَّ بِالماءِ حاتِمِ

يُجَرُّ حاتِمٌ بِالإبْدالِ مِنَ الهاءِ في جُودِهِ، واسْتَبْعَدَهُ أبُو حَيّانَ لِلْفَصْلِ بِجُمْلَتَيْنِ بَيْنَ البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ، وقِيلَ: المَصْدَرُ مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ مَحْذُوفٌ أيْ المُوجِبُ لِذَلِكَ دُعاؤُهم لِلرَّحْمَنِ ولَدًا وفِيهِ بَحْثٌ. وقِيلَ: هو مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ فاعِلُ هَذا ويُعْتَبَرُ مَصْدَرًا مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ أيْ هَدَّها دُعاؤُهم لِلرَّحْمَنِ ولَدًا. وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ فِيهِ بُعْدًا لِأنَّ الظّاهِرَ كَوْنُ هَذا المَصْدَرِ تَأْكِيدِيًّا والمَصْدَرُ التَّأْكِيدِيُّ لا يَعْمَلُ ولَوْ فُرِضَ غَيْرُ تَأْكِيدِيٍّ لَمْ يَعْمَلْ بِقِياسٍ إلّا إذا كانَ أمْرًا كَضَرْبًا زَيْدًا أوْ بَعْدَ اسْتِفْهامٍ كاضْرِبا زَيْدًا وما هُنا لَيْسَ أحَدُ الأمْرَيْنِ وما جاءَ عامِلًا ولَيْسَ أحَدُهُما كَقَوْلِهِ:

وُقُوفًا بِها صَحْبِي عَلى مَطِيِّهِمْ

نادِرٌ. والتِزامُ كَوْنِ ما هُنا مِنَ النّادِرِ لا يَدْفَعُ البُعْدَ. ولَعَلَّ ما ذَكَرْناهُ أدَقُّ الأوْجَهِ وأوْلاها فَتَدَبَّرْ واللَّهُ تَعالى الهادِي إلى سَواءِ السَّبِيلِ. و(ولَدًا) عِنْدَ الأكْثَرِينَ بِمَعْنى سُمُوًّا. والدُّعاءُ بِمَعْنى التَّسْمِيَةِ يَتَعَدّى لِمَفْعُولَيْنِ بِنَفْسِهِ كَما في قَوْلِهِ:

دَعَتْنِي أخاها أُمُّ عَمْرٍو ولَمْ أكُنْ ∗∗∗ أخاها ولَمْ أرْضَعْ لَها بِلَبانِ

وقَدْ يَتَعَدّى لِلثّانِي بِالباءِ فَيُقالُ دَعَوْتُ ولَدِي بِزَيْدٍ واقْتَصَرَ هُنا عَلى الثّانِي وحُذِفَ الأوَّلُ دَلالَةً عَلى العُمُومِ والإحاطَةِ لِكُلِّ ما دَعا لَهُ عَزَّ وجَلَّ ولَدًا مِن عِيسى وعُزَيْرٌ عَلَيْهِما السَّلامُ وغَيْرُهُما. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مِن دَعا بِمَعْنى نَسَبَ الَّذِي مُطاوِعُهُ ما في قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ( «مَنِ ادَّعى إلى غَيْرِ مَوالِيهِ» )

وقَوْلِ الشّاعِرِ:

صفحة 142

إنّا بَنِي نَهْشَلٍ لا نُدْعى لِأبٍ ∗∗∗ عَنْهُ ولا هو بِالأبْناءِ يَشْرِينا

فَيَتَعَدّى لِواحِدٍ، والجارُّ والمَجْرُورُ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن (ولَدًا) وأنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِما عِنْدَهُ، وجُمْلَةُ (ما يَنْبَغِي) حالٌ مِن فاعِلِ (دَعَوْا)، وقِيلَ: مِن فاعِلِ (قالُوا)، (ويَنْبَغِي) مُضارِعُ انْبَغى مُطاوِعُ بَغى بِمَعْنى طَلَبَ وقَدْ سُمِعَ ماضِيهِ فَهو فِعْلٌ مُتَصَرِّفٌ في الجُمْلَةِ، وعَدَّهُ ابْنُ مالِكٍ في التَّسْهِيلِ مِنَ الأفْعالِ الَّتِي لا تَتَصَرَّفُ وغَلَّطَهُ في ذَلِكَ أبُو حَيّانَ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: مُرادُهُ أنَّهُ لا يَتَصَرَّفُ تامًّا، و(أنْ يَتَّخِذَ) في تَأْوِيلِ مَصْدَرِ فاعِلِهِ، والمُرادُ لا يَلِيقُ بِهِ سُبْحانَهُ اتِّخاذُ الوَلَدِ ولا يَتَطَلَّبُ لَهُ عَزَّ وجَلَّ لِاسْتِحالَةِ ذَلِكَ في نَفْسِهِ لِاقْتِضائِهِ الجُزْئِيَّةِ أوِ المُجانَسَةِ واسْتِحالَةِ كُلِّ ظاهِرَةٍ، ووَضْعُ الرَّحْمَنِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ بِالتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ كُلَّ ما سِواهُ تَعالى إمّا نِعْمَةٌ أوْ مُنْعِمٌ عَلَيْهِ وأيْنَ ذَلِكَ مِمَّنْ هو مَبْدَأُ النِّعَمِ ومَوالِي أُصُولِها وفُرُوعِها.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском