Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:102
2:102Page 16
وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتۡلُواْ ٱلشَّيَٰطِينُ عَلَىٰ مُلۡكِ سُلَيۡمَٰنَۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيۡمَٰنُ وَلَٰكِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحۡرَ وَمَآ أُنزِلَ عَلَى ٱلۡمَلَكَيۡنِ بِبَابِلَ هَٰرُوتَ وَمَٰرُوتَۚ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنۡ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَآ إِنَّمَا نَحۡنُ فِتۡنَةٞ فَلَا تَكۡفُرۡۖ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنۡهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِۦ بَيۡنَ ٱلۡمَرۡءِ وَزَوۡجِهِۦۚ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِۦ مِنۡ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمۡ وَلَا يَنفَعُهُمۡۚ وَلَقَدۡ عَلِمُواْ لَمَنِ ٱشۡتَرَىٰهُ مَا لَهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنۡ خَلَٰقٖۚ وَلَبِئۡسَ مَا شَرَوۡاْ بِهِۦٓ أَنفُسَهُمۡۚ لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ ١٠٢
And they followed [instead] what the devils had recited during the reign of Solomon. It was not Solomon who disbelieved, but the devils disbelieved, teaching people magic and that which was revealed to the two angels at Babylon, Hārūt and Mārūt. But they [i.e., the two angels] do not teach anyone unless they say, "We are a trial, so do not disbelieve [by practicing magic]."1 And [yet] they learn from them that by which they cause separation between a man and his wife. But they do not harm anyone through it except by permission of Allāh. And they [i.e., people] learn what harms them and does not benefit them. But they [i.e., the Children of Israel] certainly knew that whoever purchased it [i.e., magic] would not have in the Hereafter any share. And wretched is that for which they sold themselves, if they only knew.
﴿واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ﴾ عَطْفٌ عَلى (نَبَذَ)، والضَّمِيرُ لِفَرِيقٍ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الِكَتابَ، عَلى ما تَقَدَّمَ عَنِ السُّدِّيِّ، وقِيلَ: عُطِفَ عَلى مَجْمُوعِ ما قَبْلَهُ، عَطْفَ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ، والضَّمِيرُ لِلَّذِينِ تَقَدَّمُوا مِنَ اليَهُودِ، أوِ الَّذِينَ كانُوا في زَمَنِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ، أوِ الَّذِينَ كانُوا في زَمَنِ نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، أوْ ما يَتَناوَلُ الكُلُّ، لِأنَّ ذاكَ غَيْرُ ظاهِرٍ، إذْ يَقْتَضِي الدُّخُولَ في حَيِّزِ لِـ(ما)، وأتْباعِهِمْ، هَذا لَيْسَ مُتَرَتِّبًا عَلى مَجِيءِ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وفِيهِ أنَّ ما عَلِمْتَ مِن قَوْلِ السُّدِّيِّ يَفْتَحُ بابَ الظُّهُورِ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يَكُونَ المَبْنِيُّ غَيْرَهُ، وقِيلَ: عَطْفٌ عَلى (أُشْرِبُوا)، وهو في غايَةِ البُعْدِ، بَلْ لا يَقْدَمُ عَلَيْهِ مَن جَرَعَ جَرْعَةً مِنَ الإنْصافِ، والمُرادُ بِالِاتِّباعِ التَّوَغُّلُ والإقْبالُ عَلى الشَّيْءِ بِالكُلِّيَّةِ، وقِيلَ: الِاقْتِداءُ، (وما) مَوْصُولَةٌ، (وتَتْلُو) صِلَتُها، ومَعْناهُ: تَتَّبِعُ، أوْ تَقْرَأُ، وهو حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ، والأصْلُ: تَلَتْ، وقَوْلُ الكُوفِيِّينَ: إنَّ المَعْنى ما كانَتْ تَتْلُو، مَحْمُولٌ عَلى ذَلِكَ، لا أنَّ كانَ هُناكَ مُقَدَّرَةٌ، والمُتَبادِرُ مِنَ الشَّياطِينِ مَرَدَةُ الجِنِّ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِمْ شَياطِينُ الإنْسِ، وهو قَوْلُ المُتَكَلِّمِينَ مِنَ المُعْتَزِلَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ، والضَّحّاكُ (الشَّياطُونَ)، عَلى حَدِّ ما رَواهُ الأصْمَعِيُّ عَنِ العَرَبِ: بُسْتانُ فُلانٍ حَوْلَهُ بَساتُونَ، وهو مِنَ الشُّذُوذِ بِمَكانٍ، حَتّى قِيلَ: إنَّهُ لَحْنٌ، ﴿عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ(تَتْلُو)، وفي الكَلامِ مُضافٌ مَحْذُوفٌ، أيْ عَهْدَ مُلْكِهِ، وزَمانَهُ، أوِ المُلْكُ مَجازٌ عَنِ العَهْدِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ، (عَلى) بِمَعْنى (فِي) كَما أنَّ (فِي) بِمَعْنى (عَلى) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولأُصَلِّبَنَّكم في جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ وقَدْ صُرِّحَ في التَّسْهِيلِ بِمَجِيئِها لِلظَّرْفِيَّةِ، ومَثَّلَ لَهُ بِهَذِهِ الآيَةِ، لِأنَّ المُلْكَ
صفحة 338
وكَذا العَهْدَ لا يَصْلُحُ كَوْنُهُ مَقْرُوءًا عَلَيْهِ، ومِنَ الأصْحابِ مَن أنْكَرَ مَجِيءَ (عَلى) بِمَعْنى (فِي) وجَعَلَ هَذا مِن تَضْمِينِ (تَتْلُو) مَعْنى تَتَقَوَّلُ، أوِ المُلْكُ عِبارَةٌ عَنِ الكُرْسِيِّ، لِأنَّهُ كانَ مِن آلاتِ مُلْكِهِ، فالكَلامُ عَلى حَدِّ: قَرَأْتُ عَلى المِنبَرِ، والمُرادُ بِما يَتْلُونَهُ السِّحْرُ، فَقَدْ أخْرَجَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: إنَّ الشَّياطِينَ كانُوا يَسْتَرِقُونَ السَّمْعَ مِنَ السَّماءِ، فَإذا سَمِعَ أحَدُهم بِكَلِمَةٍ كَذَبَ عَلَيْها ألْفَ كَذْبَةٍ، فَأُشْرِبَتْها قُلُوبُ النّاسِ، واتَّخَذُوها دَواوِينَ، فَأطْلَعَ اللَّهُ تَعالى عَلى ذَلِكَ سُلَيْمانَ بْنَ داوُدَ، فَأخَذَها وقَذَفَها تَحْتَ الكُرْسِيِّ، فَلَمّا ماتَ سُلَيْمانُ قامَ شَيْطانٌ بِالطَّرِيقِ، فَقالَ: ألا أدُلُّكم عَلى كَنْزِ سُلَيْمانَ الَّذِي لا كَنْزَ لِأحَدٍ مِثْلُ كَنْزِهِ المُمَنَّعِ؟ قالُوا: نَعَمْ فَأخْرَجُوهُ، فَإذا هو سِحْرٌ، فَتَناسَخَتْها الأُمَمُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى عُذْرَ سُلَيْمانَ فِيما قالُوا مِنَ السِّحْرِ، وقِيلَ: رُوِيَ أنَّ سُلَيْمانَ كانَ قَدْ دَفَنَ كَثِيرًا مِنَ العُلُومِ الَّتِي خَصَّهُ اللَّهُ تَعالى بِها تَحْتَ سَرِيرِ مُلْكِهِ خَوْفًا عَلى أنَّهُ إذا هَلَكَ الظّاهِرُ مِنها يَبْقى ذَلِكَ المَدْفُونُ، فَلَمّا مَضَتْ مُدَّةٌ عَلى ذَلِكَ، تَوَصَّلَ قَوْمٌ مِنَ المُنافِقِينَ إلى أنْ كَتَبُوا في خِلالِ ذَلِكَ أشْياءَ مِنَ السِّحْرِ تُناسِبُ تِلْكَ الأشْياءَ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ، ثُمَّ بَعْدَ مَوْتِهِ واطِّلاعِ النّاسِ عَلى تِلْكَ الكُتُبِ أوْهَمُوهم أنَّها مِن عِلْمِ سُلَيْمانَ، ولا يَخْفى ضَعْفُ هَذِهِ الرِّوايَةِ، وسُلَيْمانُ كَما في البَحْرِ: اسْمٌ أعْجَمِيٌّ، وامْتَنَعَ مِنَ الصَّرْفِ لِلْعَلَمِيَّةِ والعُجْمَةِ، ونَظِيرُهُ مِنَ الأعْجَمِيَّةِ في أنَّ آخِرَهُ ألِفٌ ونُونٌ هامانُ، وماهانُ وشامانُ، ولَيْسَ امْتِناعُهُ مِنَ الصَّرْفِ لِلْعَلَمِيَّةِ وزِيادَةِ الألِفِ والنُّونِ كَعُثْمانَ، لِأنَّ زِيادَتَهُما مَوْقُوفَةٌ عَلى الِاشْتِقاقِ، والتَّصْرِيفِ، وهُما يَدْخُلانِ الأسْماءَ الأعْجَمِيَّةَ، وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ اليَوْمَ عَلى خِلافِهِ، ﴿وما كَفَرَ سُلَيْمانُ﴾ اعْتِراضٌ لِتَبْرِئَةِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ، عَمّا نَسَبُوهُ إلَيْهِ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ قالَ: قالَ اليَهُودُ: انْظُرُوا إلى مُحَمَّدٍ يَخْلِطُ الحَقَّ بِالباطِلِ، يَذْكُرُ سُلَيْمانَ مَعَ الأنْبِياءِ، وإنَّما كانَ ساحِرًا، يَرْكَبُ الرِّيحَ، وعَبَّرَ سُبْحانَهُ عَنِ السِّحْرِ بِالكُفْرِ بِطَرِيقِ الكِنايَةِ رِعايَةً لِمُناسَبَةِ (لَكِنَّ) الِاسْتِدْراكِيَّةِ، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ﴾ فَإنَّ (كَفَرُوا) مَعَها مُسْتَعْمَلٌ في مَعْناهُ الحَقِيقِيِّ، وجُمْلَةُ (يُعَلِّمُونَ) حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ، وقِيلَ: مِنَ الشَّياطِينِ، ورُدَّ بِأنَّ (لَكِنْ) لا تَعْمَلُ في الحالِ، وأُجِيبَ بِأنَّ فِيها رائِحَةُ الفِعْلِ، وقِيلَ: بَدَلٌ مِن كَفَرُوا، وقِيلَ: اسْتِئْنافٌ، والضَّمِيرُ لِلشَّياطِينِ، أوْ لِلَّذِينِ اتَّبَعُوا، والسِّحْرُ في الأصْلِ مَصْدَرُ سَحَرَ يَسْحَرُ بِفَتْحِ العَيْنِ فِيهِما، إذا أبْدى ما يَدِقُّ ويَخْفى، وهو مِنَ المَصادِرِ الشّاذَّةِ، ويُسْتَعْمَلُ بِما لَطُفَ، وخَفِيَ سَبَبُهُ، والمُرادُ بِهِ أمْرٌ غَرِيبٌ يُشْبِهُ الخارِقَ، ولَيْسَ بِهَذا يَجْرِي فِيهِ التَّعَلُّمُ، ويُسْتَعانُ في تَحْصِيلِهِ بِالتَّقَرُّبِ إلى الشَّيْطانِ بِارْتِكابِ القَبائِحِ قَوْلًا كالرُّقى الَّتِي فِيها ألْفاظُ الشِّرْكِ، ومَدْحُ الشَّيْطانِ وتَسْخِيرُهُ، وعَمَلًا كَعِبادَةِ الكَواكِبِ والتِزامِ الجِنايَةِ وسائِرِ الفُسُوقِ، واعْتِقادًا كاسْتِحْسانِ ما يُوجِبُ التَّقَرُّبَ إلَيْهِ، ومَحَبَّتَهُ إيّاهُ، وذَلِكَ لا يَسْتَتِبُّ إلّا بِمَن يُناسِبُهُ في الشَّرارَةِ، وخُبْثِ النَّفْسِ، فَإنَّ التَّناسُبَ شَرْطُ التَّضامِّ والتَّعاوُنِ، فَكَما أنَّ المَلائِكَةَ لا تُعاوِنُ إلّا أخْيارَ النّاسِ المُشَبَّهِينَ بِهِمْ في المُواظَبَةِ عَلى العِبادَةِ والتَّقَرُّبِ إلى اللَّهِ تَعالى بِالقَوْلِ والفِعْلِ، كَذَلِكَ الشَّياطِينُ لا تُعاوِنُ إلّا الأشْرارَ المُشَبَّهِينَ بِهِمْ في الخِيانَةِ والنَّجاسَةِ قَوْلًا وفِعْلًا واعْتِقادًا، وبِهَذا يَتَمَيَّزُ السّاحِرُ عَنِ النَّبِيِّ والوَلِيِّ، فَلا يَرُدُّ ما قالَ المُعْتَزِلَةُ: مِن أنَّهُ لَوْ أمْكَنَ لِلْإنْسانِ مِن جِهَةِ الشَّيْطانِ ظُهُورُ الخَوارِقِ والإخْبارُ عَنِ المُغَيَّباتِ لاشْتَبَهَ طَرِيقُ النُّبُوَّةِ بِطَرِيقِ السِّحْرِ، وأمّا ما يُتَعَجَّبُ مِنهُ كَما يَفْعَلُهُ أصْحابُ الحِيَلِ بِمَعُونَةٍ الآلاتِ المُرَكَّبَةِ عَلى النِّسْبَةِ الهَنْدَسِيَّةِ تارَةً، وعَلى صَيْرُورَةِ الخَلاءِ مِلاءً أُخْرى، وبِمَعُونَةِ الأدْوِيَةِ كالنّارِنْجِيّاتِ أوْ يُرِيهِ صاحِبُ خِفَّةِ اليَدِ فَتَسْمِيَتُهُ سِحْرًا عَلى التَّجَوُّزِ، وهو مَذْمُومٌ أيْضًا
صفحة 339
عِنْدَ البَعْضِ، وصَرَّحَ النَّوَوِيُّ في الرَّوْضَةِ بِحُرْمَتِهِ، فَسَّرَهُ الجُمْهُورُ بِأنَّهُ خارِقُ العادَةِ يَظْهَرُ مِن نَفْسٍ شِرِّيرَةٍ بِمُباشَرَةِ أعْمالٍ مَخْصُوصَةٍ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّ لَهُ حَقِيقَةً، وأنَّهُ قَدْ يَبْلُغُ السّاحِرُ إلى حَيْثُ يَطِيرُ في الهَواءِ، ويَمْشِي عَلى الماءِ، ويَقْتُلُ النَّفْسَ، ويَقْلِبُ الإنْسانَ حِمارًا، والفاعِلُ الحَقِيقِيُّ في كُلِّ ذَلِكَ هو اللَّهُ تَعالى، ولَمْ تَجْرِ سُنَّتُهُ بِتَمْكِينِ السّاحِرِ مِن فَلْقِ البَحْرِ، وإحْياءِ المَوْتى، وإنْطاقِ العَجْماءِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن آياتِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، والمُعْتَزِلَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ الإسْتَراباذِيُّ مِن أصْحابِنا عَلى أنَّهُ لا حَقِيقَةَ لَهُ، وإنَّما هو تَخْيِيلٌ، وأكْفَرَ المُعْتَزِلَةُ مَن قالَ بِبُلُوغِ السّاحِرِ إلى حَيْثُ ما ذَكَرْنا زَعْمًا مِنهم أنَّ بِذَلِكَ انْسِدادَ طَرِيقِ النُّبُوَّةِ، ولَيْسَ كَما زَعَمُوا عَلى ما لا يَخْفى، ومِنَ المُحَقِّقِينَ مَن فَرَّقَ بَيْنَ السِّحْرِ والمُعْجِزَةِ بِاقْتِرانِ المُعْجِزَةِ بِالتَّحَدِّي بِخِلافِهِ، فَإنَّهُ لا يُمْكِنُ ظُهُورُهُ عَلى يَدِ مُدَّعِي نُبُوَّةٍ كاذِبًا، كَما جَرَتْ بِهِ عادَةُ اللَّهِ تَعالى المُسْتَمِرَّةُ صَوْنًا لِهَذا المَنصِبِ الجَلِيلِ عَنْ أنْ يَتَسَوَّرَ حِماهُ الكَذّابُونَ، وقَدْ شاعَ أنَّ العَمَلَ بِهِ كُفْرٌ، حَتّى قالَ العَلّامَةُ التَّفْتازانِيُّ: لا يُرْوى خِلافٌ في ذَلِكَ، وعَدُّهُ نَوْعًا مِنَ الكَبائِرِ مُغايِرَ الإشْراكِ لا يُنافِي ذَلِكَ، لِأنَّ الكُفْرَ أعَمُّ، والإشْراكَ نَوْعٌ مِنهُ، وفِيهِ بَحْثٌ، أمّا أوَّلًا: فَلِأنَّ الشَّيْخَ أبا مَنصُورٍ ذَهَبَ إلى أنَّ القَوْلَ بِأنَّ السِّحْرَ كُفْرٌ عَلى الإطْلاقِ خَطَأٌ، بَلْ يَجِبُ البَحْثُ عَنْ حَقِيقَتِهِ، فَإنْ كانَ في ذَلِكَ رَدُّ ما لَزِمَ مِن شَرْطِ الإيمانِ فَهو كُفْرٌ، وإلّا فَلا، ولَعَلَّ ما ذَهَبَ إلَيْهِ العَلّامَةُ مَبْنِيٌّ عَلى التَّفْسِيرِ أوَّلًا، فَإنَّهُ عَلَيْهِ مِمّا يُمْتَرى في كُفْرِ فاعِلِهِ، وأمّا ثانِيًا: فَلِأنَّ المُرادَ مِنَ الإشْراكِ فِيما عَدا الكَبائِرَ مُطْلَقُ الكُفْرِ، وإلّا تَخْرُجُ أنْواعُ الكُفْرِ مِنها، ثُمَّ السِّحْرُ الَّذِي هو كُفْرٌ يُقْتَلُ عَلَيْهِ الذُّكُورُ لا الإناثُ، وما لَيْسَ بِكُفْرٍ وفِيهِ إهْلاكُ النَّفْسِ فَفِيهِ حُكْمُ قُطّاعِ الطَّرِيقِ، ويَسْتَوِي فِيهِ الذُّكُورُ والإناثُ، وتُقْبَلُ تَوْبَتُهُ إذا تابَ، ومَن قالَ لا تُقْبَلُ، فَقَدْ غَلِطَ، فَإنَّ سَحَرَةَ مُوسى قُبِلَتْ تَوْبَتُهُمْ، كَذا في المَدارِكِ، ولَعَلَّهُ إلى الأُصُولِ أقْرَبُ، والمَشْهُورُ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّ السّاحِرَ يُقْتَلُ مُطْلَقًا، إذا عُلِمَ أنَّهُ ساحِرٌ، ولا يُقْبَلُ قَوْلُهُ: أتْرُكُ السِّحْرَ، وأتُوبُ عَنْهُ، فَإنْ أقَرَّ بِأنِّي كُنْتُ أسْحَرُ مُدَّةً، وقَدْ تَرَكْتُ مُنْذُ زَمانٍ قُبِلَ مِنهُ، ولَمْ يُقْتَلْ، واحْتُجَّ بِما رُوِيَ أنَّ جارِيَةً لِحَفْصَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها سَحَرَتْها، فَأخَذُوها فاعْتَرَفَتْ بِذَلِكَ، فَأمَرَتْ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ زَيْدٍ فَقَتَلَها، وإنْكارُ عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ إنَّما كانَ لِقَتْلِها بِغَيْرِ إذْنِهِ، وبِما رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: اقْتُلُوا كُلَّ ساحِرٍ وساحِرَةٍ، فَقَتَلُوا ثَلاثَ سَواحِرَ، والشّافِعِيَّةُ نَظَرُوا في هَذا الِاحْتِجاجِ، واعْتَرَضُوا عَلى القَوْلِ بِالقَتْلِ مُطْلَقًا بِأنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمْ يَقْتُلِ اليَهُودِيَّ الَّذِي سَحَرَهُ، فالمُؤْمِنُ مِثْلُهُ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: «(لَهم ما لِلْمُسْلِمِينَ وعَلَيْهِمْ ما عَلى المُسْلِمِينَ)،» وتَحْقِيقُهُ في الفُرُوعِ، واخْتُلِفَ في تَعْلِيمِهِ وتَعَلُّمِهِ، فَقِيلَ: كُفْرٌ لِهَذِهِ الآيَةِ، إذْ فِيها تَرْتِيبُ الحُكْمِ عَلى الوَصْفِ المُناسِبِ، وهو مُشْعِرٌ بِالعِلِّيَّةِ، وأُجِيبَ بِأنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ فِيها ذَلِكَ، لِأنَّ المَعْنى أنَّهم كَفَرُوا، وهم مَعَ ذَلِكَ يُعَلِّمُونَ السِّحْرَ، وقِيلَ: إنَّهُما حَرامانِ، وبِهِ قَطَعَ الجُمْهُورُ، وقِيلَ: مَكْرُوهانِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ البَعْضُ، وقِيلَ: مُباحانِ، والتَّعْلِيمُ المُساقُ لِلذَّمِّ هُنا مَحْمُولٌ عَلى التَّعْلِيمِ لِلْإغْواءِ والإضْلالِ، وإلَيْهِ مالَ الإمامُ الرّازِيُّ قائِلًا: اتَّفَقَ المُحَقِّقُونَ عَلى أنَّ العِلْمَ بِالسِّحْرِ لَيْسَ بِقَبِيحٍ ولا مَحْظُورٍ، لِأنَّ العِلْمَ لِذاتِهِ شَرِيفٌ لِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ ولَوْ لَمْ يُعْلَمِ السِّحْرُ لَما أمْكَنَ الفَرْقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ المُعْجِزَةِ، والعِلْمُ بِكَوْنِ المُعْجِزِ مُعْجِزًا واجِبٌ، وما يَتَوَقَّفُ الواجِبُ عَلَيْهِ فَهو واجِبٌ، فَهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ تَحْصِيلُ العِلْمِ بِالسِّحْرِ واجِبًا، وما يَكُونُ واجِبًا كَيْفَ يَكُونُ حَرامًا وقَبِيحًا، ونَقَلَ بَعْضُهم وُجُوبَ تَعَلُّمِهِ عَلى المُفْتِي حَتّى يَعْلَمَ ما يَقْتُلُ بِهِ، وما لا يَقْتُلُ بِهِ، فَيُفْتِيَ بِهِ في وُجُوبِ القِصاصِ انْتَهى، والحَقُّ عِنْدِي الحُرْمَةُ تَبَعًا لِلْجُمْهُورِ، إلّا لِداعٍ شَرْعِيٍّ، وفِيما قالَهُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى نَظَرٌ، أمّا أوَّلًا: فَلِأنّا لا نَدَّعِي أنَّهُ قَبِيحٌ لِذاتِهِ، وإنَّما قُبْحُهُ بِاعْتِبارِ ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ، فَتَحْرِيمُهُ
صفحة 340
مِن بابِ سَدِّ الذَّرائِعِ، وكَمْ مِن أمْرٍ حُرِّمَ لِذَلِكَ، وفي الحَدِيثِ: «(مَن حامَ حَوْلَ الحِمى يُوشِكُ أنْ يَقَعَ فِيهِ)،» وأمّا ثانِيًا: فَلِأنَّ تَوَقُّفَ الفَرْقِ بَيْنَهُ وبَيْنَ المُعْجِزَةِ عَلى العِلْمِ بِهِ مَمْنُوعٌ، ألا تَرى أنَّ أكْثَرَ العُلَماءِ، أوْ كُلَّهم إلّا النّادِرَ عَرَفُوا الفَرْقَ بَيْنَهُما، ولَمْ يَعْرِفُوا عِلْمَ السِّحْرِ، وكَفى فارِقًا بَيْنَهُما ما تَقَدَّمَ، ولَوْ كانَ تَعَلُّمُهُ واجِبًا لِذَلِكَ لَرَأيْتَ أعْلَمَ النّاسِ بِهِ الصَّدْرَ الأوَّلَ، مَعَ أنَّهم لَمْ يُنْقَلْ عَنْهم شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، أفَتَراهم أخَلُّوا بِهَذا الواجِبِ، وأتى بِهِ هَذا القائِلُ، أوْ أنَّهُ أخَلَّ بِهِ كَما أخَلُّوا، وأمّا ثالِثًا: فَلِأنَّ ما نُقِلَ عَنْ بَعْضِهِمْ غَيْرُ صَحِيحٍ، لِأنَّ إفْتاءَ المُفْتِي بِوُجُوبِ القَوَدِ أوْ عَدَمِهِ لا يَسْتَلْزِمُ مَعْرِفَتَهُ عِلْمَ السِّحْرِ، لِأنَّ صُورَةَ إفْتائِهِ عَلى ما ذَكَرَهُ العَلّامَةُ ابْنُ حَجَرٍ إنْ شَهِدَ عَدْلانِ عَرَفا السِّحْرَ وتابا مِنهُ أنَّهُ يُقْتَلُ غالِبًا قَتْلَ السّاحِرِ، وإلّا فَلا، هَذا وقَدْ أطْلَقَ بَعْضُ العُلَماءِ السِّحْرَ عَلى المَشْيِ بَيْنَ النّاسِ بِالنَّمِيمَةِ، لِأنَّ فِيها قَلْبَ الصَّدِيقِ عَدُوًّا، والعَدُوَّ صَدِيقًا، كَما أُطْلِقَ عَلى حُسْنِ التَّوَسُّلِ بِاللَّفْظِ الرّائِقِ العَذْبِ لِما فِيهِ مِنَ الِاسْتِمالَةِ، ويُسَمّى سِحْرًا حَلالًا، ومِنهُ قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «(إنَّ مِنَ البَيانِ لَسِحْرًا)،» والقَوْلُ بِأنَّهُ مُخَرَّجٌ مَخْرَجَ الذَّمِّ لِلْفَصاحَةِ والبَلاغَةِ بَعِيدٌ، وإنْ ذَهَبَ إلَيْهِ عامِرٌ الشَّعْبِيُّ راوِي الحَدِيثِ، وظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: (يُعَلِّمُونَ) إلَخْ، أنَّهم يُفَهِّمُونَهم إيّاهُ بِالإقْراءِ والتَّعْلِيمِ، وقِيلَ: يَدُلُّونَهم عَلى تِلْكَ الكُتُبِ، فَأُطْلِقَ عَلى تِلْكَ الدِّلالَةِ تَعْلِيمًا إطْلاقًا لِلسَّبَبِ عَلى المُسَبَّبِ، وقِيلَ: المَعْنى يُوَقِّرُونَ في قُلُوبِهِمْ أنَّها حَقٌّ تَضُرُّ وتَنْفَعُ، وأنَّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما تَمَّ لَهُ ما تَمَّ بِذَلِكَ، والإطْلاقُ عَلَيْهِ هو الإطْلاقُ، وقِيلَ: يُعَلِّمُونَ بِمَعْنى يُعْلِمُونَ مِنَ الإعْلامِ، وهو الإخْبارُ أيْ يُخْبِرُونَهم بِما أوْ بِمَن يَتَعَلَّمُونَ بِهِ، أوْ مِنهُ السِّحْرَ، وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو (لَكِنَّ) بِالتَّشْدِيدِ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِالتَّخْفِيفِ، وارْتِفاعُ ما بَعْدَها بِالِابْتِداءِ، والخَبَرِ، وهَلْ يَجُوزُ إعْمالُهُ إذا خُفِّفَتْ، فِيهِ خِلافٌ، والجَمْعُ عَلى المَنعِ، وهو الصَّحِيحُ، وعَنْ يُونُسَ والأخْفَشِ الجَوازُ، والصَّحِيحُ إنَّها بَسِيطَةٌ، ومِنهم مَن زَعَمَ أنَّها مُرَكَّبَةٌ مِن لا النّافِيَةِ، وكافِ الخِطابِ، وأنَّ المُؤَكِّدَةِ المَحْذُوفَةِ الهَمْزَةِ لِلِاسْتِثْقالِ، وهو إلى الفَسادِ أقْرَبُ، ﴿وما أُنْزِلَ عَلى المَلَكَيْنِ﴾ المُرادُ الجِنْسُ، وهو عَطْفٌ عَلى السِّحْرِ، وهُما واحِدٌ إلّا أنَّهُ نَزَّلَ تَغايُرَ المَفْهُومِ مَنزِلَةَ تَغايُرِ الذّاتِ كَما في قَوْلِهِ:
إلى المَلِكِ القَرْمِ وابْنِ الهُمامِ
البَيْتَ، وفائِدَةُ العَطْفِ التَّنْصِيصُ بِأنَّهم يُعَلِّمُونَ ما هو جامِعٌ بَيْنَ كَوْنِهِ سِحْرًا وبَيْنَ كَوْنِهِ مُنَزَّلًا عَلى المَلَكَيْنِ لِلِابْتِلاءِ، فَيُفِيدُ ذَمَّهم بِارْتِكابِهِمُ النَّهْيَ بِوَجْهَيْنِ، وقَدْ يُرادُ بِالمَوْصُولِ المَعْهُودُ، وهو نَوْعٌ آخَرُ أقْوى، فَيَكُونُ مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ إشارَةً إلى كَمالِهِ، وقالَ مُجاهِدٌ: هو دُونَ السِّحْرِ، وهو ما يُفَرَّقُ بِهِ بَيْنَ المَرْءِ وزَوْجِهِ لا غَيْرُ، والمَشْهُورُ الأوَّلُ، وجُوِّزَ العَطْفُ عَلى ما (تَتْلُو)، فَكَأنَّهُ قِيلَ: اتَّبَعُوا السِّحْرَ المُدَوَّنَ في الكُتُبِ وغَيْرِهِ، وهَذانِ المَلَكانِ أُنْزِلا لِتَعْلِيمِ السِّحْرِ ابْتِلاءً مِنَ اللَّهِ تَعالى لِلنّاسِ، فَمَن تَعَلَّمَ وعَمِلَ بِهِ كَفَرَ، ومَن تَعَلَّمَ وتَوَقّى عَمَلَهُ ثَبَتَ عَلى الإيمانِ، ولِلَّهِ تَعالى أنْ يَمْتَحِنَ عِبادَهُ بِما شاءَ، كَما امْتَحَنَ قَوْمَ طالُوتَ بِالنَّهَرِ، وتَمْيِيزًا بَيْنَهُ وبَيْنَ المُعْجِزَةِ، حَيْثُ إنَّهُ كَثُرَ في ذَلِكَ الزَّمانِ، وأظْهَرَ السَّحَرَةُ أُمُورًا غَرِيبَةً وقَعَ الشَّكُّ بِها في النُّبُوَّةِ، فَبَعَثَ اللَّهُ تَعالى المَلَكَيْنِ لِتَعْلِيمِ أبْوابِ السِّحْرِ، حَتّى يُزِيلا الشُّبَهَ ويُمِيطا الأذى عَنِ الطَّرِيقِ، قِيلَ: كانَ ذَلِكَ في زَمَنِ إدْرِيسَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأمّا ما رُوِيَ أنَّ المَلائِكَةَ تَعَجَّبَتْ مِن بَنِي آدَمَ في مُخالَفَتِهِمْ ما أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ وقالُوا لَهُ تَعالى: لَوْ كُنّا مَكانَهم ما عَصَيْناكَ، فَقالَ: اخْتارُوا مَلَكَيْنِ مِنكم فاخْتارُوهُما، فَهَبَطا إلى الأرْضِ، ومَثُلا بَشَرَيْنِ، وألْقى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِما الشَّبَقَ، وحَكَما بَيْنَ النّاسِ، فافْتَتَنا بِامْرَأةٍ يُقالُ لَها زُهَرَةُ، فَطَلَباها وامْتَنَعَتْ إلّا أنْ يَعْبُدا صَنَمًا، أوْ يَشْرَبا خَمْرًا، أوْ يَقْتُلا
صفحة 341
نَفْسًا، فَفَعَلا، ثُمَّ تَعَلَّمَتْ مِنهُما ما صَعِدَتْ بِهِ إلى السَّماءِ، فَصَعِدَتْ ومُسِخَتْ هَذا النَّجْمَ، وأرادا العُرُوجَ فَلَمْ يُمْكِنْهُما، فَخُيِّرا بَيْنَ عَذابِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، فاخْتارُوا عَذابَ الدُّنْيا، فَهُما الآنَ يُعَذَّبانِ فِيها، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآثارِ الَّتِي بَلَغَتْ طُرُقُها نَيِّفًا وعِشْرِينَ، فَقَدْ أنْكَرَهُ جَماعَةٌ مِنهُمُ القاضِي عِياضٌ، وذَكَرَ أنَّ ما ذَكَرَهُ أهْلُ الأخْبارِ، ونَقَلَهُ المُفَسِّرُونَ في قِصَّةِ هارُوتَ ومارُوتَ لَمْ يَرِدْ مِنهُ شَيْءٌ لا سَقِيمٌ ولا صَحِيحٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ولَيْسَ هو شَيْئًا يُؤْخَذُ بِالقِياسِ، وذَكَرَ في البَحْرِ أنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ لا يَصِحُّ مِنهُ شَيْءٌ، ولَمْ يَصِحَّ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ يَلْعَنُ الزُّهَرَةَ، وابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما خِلافًا لِمَن رَواهُ، وقالَ الإمامُ الرّازِيُّ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ الرِّوايَةَ في ذَلِكَ: إنَّ هَذِهِ الرِّوايَةَ فاسِدَةٌ مَرْدُودَةٌ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ، ونَصَّ الشِّهابُ العِراقِيُّ عَلى أنَّ مَنِ اعْتَقَدَ في هارُوتَ ومارُوتَ أنَّهُما مَلَكانِ يُعَذَّبانِ عَلى خَطِيئَتِهِما مَعَ الزُّهَرَةِ فَهو كافِرٌ بِاللَّهِ تَعالى العَظِيمِ، فَإنَّ المَلائِكَةَ مَعْصُومُونَ، ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أمَرَهم ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ ﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ ولا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ والزُّهَرَةُ كانَتْ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ تَعالى السَّماواتِ والأرْضَ، والقَوْلُ بِأنَّها تَمَثَّلَتْ لَهُما فَكانَ ما كانَ، ورُدَّتْ إلى مَكانِها غَيْرُ مَعْقُولٍ ولا مَقْبُولٍ، واعْتَرَضَ الإمامُ السُّيُوطِيُّ عَلى مَن أنْكَرَ القِصَّةَ بِأنَّ الإمامَ أحْمَدَ وابْنَ حِبّانَ والبَيْهَقِيَّ وغَيْرَهم رَوَوْها مَرْفُوعَةً ومَوْقُوفَةً عَلى عَلِيٍّ، وابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ عُمَرَ، وابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم بِأسانِيدَ عَدِيدَةٍ صَحِيحَةٍ، يَكادُ الواقِفُ عَلَيْها يَقْطَعُ بِصِحَّتِها لِكَثْرَتِها وقُوَّةِ مُخَرِّجِيها، وذَهَبَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ ما رُوِيَ مَرْوِيٌّ حِكايَةً لِما قالَهُ اليَهُودُ، وهو باطِلٌ في نَفْسِهِ، وبُطْلانُهُ في نَفْسِهِ لا يُنافِي صِحَّةَ الرِّوايَةِ، ولا يَرُدُّ ما قالَهُ الإمامُ السُّيُوطِيُّ عَلَيْهِ، إنَّما يَرُدُّ عَلى المُنْكِرِينَ بِالكُلِّيَّةِ، ولَعَلَّ ذَلِكَ مِن بابِ الرُّمُوزِ، والإشاراتِ، فَيُرادُ مِنَ المَلَكَيْنِ العَقْلُ النَّظَرِيُّ والعَقْلُ العَمَلِيُّ اللَّذانِ هُما مِن عالَمِ القُدْسِ، ومِنَ المَرْأةِ المُسَمّاةِ بِالزُّهَرَةِ النَّفْسُ النّاطِقَةُ، ومِن تَعَرُّضِهِما لَها تَعْلِيمُهُما لَها ما يُسْعِدُها، ومِن حَمْلِها إيّاهُما عَلى المَعاصِي تَحْرِيضُها إيّاهُما بِحُكْمِ الطَّبِيعَةِ المِزاجِيَّةِ إلى المَيْلِ إلى السُّفْلِيّاتِ المُدَنِّسَةِ لِجَوْهَرَيْهِما، ومِن صُعُودِها إلى السَّماءِ بِما تَعَلَّمَتْ مِنهُما عُرُوجُها إلى المَلَإ الأعْلى ومُخالَطَتُها مَعَ القُدْسِيِّينَ بِسَبَبِ انْتِصاحِها لِنُصْحِهِما، ومِن بَقائِهِما مُعَذَّبَيْنِ بَقاؤُهُما مَشْغُولَيْنِ بِتَدْبِيرِ الجَسَدِ، وحِرْمانِهِما عَنِ العُرُوجِ إلى سَماءِ الحَضْرَةِ، لِأنَّ طائِرَ العَقْلِ لا يَحُومُ حَوْلَ حِماها، ومِنَ الأكابِرِ مَن قالَ في حَلِّ هَذا الرَّمْزِ: إنَّ الرُّوحَ والعَقْلَ اللَّذَيْنِ هُما مِن عالَمِ المُجَرَّداتِ قَدْ نَزَلا مِن سَماءِ التَّجَرُّدِ إلى أرْضِ التَّعَلُّقِ، فَعَشِقا البَدَنَ الَّذِي هو كالزُّهَرَةِ في غايَةِ الحُسْنِ والجَمالِ، لِتَوَقُّفِ كَمالِهِما عَلَيْهِ، فاكْتَسَبا بِتَوَسُّطِهِ المَعاصِيَ، والشِّرْكَ، وتَحْصِيلَ اللَّذّاتِ الحِسِّيَّةَ الدَّنِيَّةَ، ثُمَّ صَعِدَ إلى السَّماءِ بِأنْ وصَلَ بِحُسْنِ تَدْبِيرِهِما إلى الكَمالِ اللّائِقِ بِهِ، ثُمَّ مُسِخَ بِأنِ انْقَطَعَ التَّعَلُّقُ وتَفَرَّقَتِ العَناصِرُ، وهُما بَقِيا مُعَذَّبَيْنِ بِعَذابِ الحِرْمانِ عَنِ الِاتِّصالِ بِعالَمِ القُدْسِ مُتَألِّمَيْنِ بِالآلامِ الرُّوحانِيَّةِ مَنكُوسَيِ الحالِ، حَيْثُ غَلَبَ التَّعَلُّقُ عَلى التَّجَرُّدِ، وانْعَكَسَ القُرْبُ بِالبُعْدِ، وقِيلَ: المَقْصُودُ مِن ذَلِكَ الإشارَةُ إلى أنَّ مَن كانَ مَلَكًا إنِ اتَّبَعَ الشَّهْوَةَ هَبَطَ عَنْ دَرَجَةِ المَلائِكَةِ إلى دَرَجَةِ البَهِيمَةِ، ومَن كانَ امْرَأةً ذاتَ شَهْوَةٍ إذا كَسَرَتْ شَهْوَتَها وغَلَبَتْ عَلَيْها، صَعِدَتْ إلى دَرَجِ المَلَكِ، واتَّصَلَتْ إلى سَماءِ المَنازِلِ والمَراتِبِ، وكَتَبَ بَعْضُهم لِحَلِّهِ:
مَلَّ وأيْمُ اللَّهِ نَفْسِي نَفْسِي ∗∗∗ وطالَ في مُكْثِ حَياتِي حَبْسِي
أصْبَحَ في مَضاجِعِي وأمْسى ∗∗∗ أمْسِي كَيَوْمِي وكَيَوْمِي أمْسِي
يا حَبَّذا يَوْمُ نُزُولِي رَمْسِي ∗∗∗ مَبْدَأُ سَعْدِي وانْتِهاءُ نَحْسِي
وكُلُّ جِنْسٍ لاحِقٍ بِالجِنْسِ ∗∗∗ مِن جَوْهَرٍ يَرْقى بِدارِ الأُنْسِ
صفحة 342
وعَرْضٌ يَبْقى بِدارِ الحِسِّ
هَذا، ومَن قالَ: بِصِحَّةِ هَذِهِ القِصَّةِ في نَفْسِ الأمْرِ، وحَمَلَها عَلى ظاهِرِها فَقَدْ رَكِبَ شَطَطًا، وقالَ غَلَطًا، وفَتَحَ بابًا مِنَ السِّحْرِ يُضْحِكُ المَوْتى، ويُبْكِي الأحْياءَ، ويُنَكِّسُ رايَةَ الإسْلامِ، ويَرْفَعُ رُؤُوسَ الكَفَرَةِ الطَّغامِ، كَما لا يَخْفى ذَلِكَ عَلى المُنْصِفِينَ مِنَ العُلَماءِ المُحَقِّقِينَ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وأبُو الأسْوَدِ، والضَّحّاكُ (المَلِكَيْنِ)، بِكَسْرِ اللّامِ، حَمَلَ بَعْضُهم قِراءَةَ الفَتْحِ عَلى ذَلِكَ، فَقالَ: هُما رَجُلانِ، إلّا أنَّهُما سُمِّيا مَلَكَيْنِ بِاعْتِبارِ صَلاحِهِما، ويُؤَيِّدُهُ ما قِيلَ: إنَّهُما داوُدُ وسُلَيْمانُ، ويَرُدُّهُ قَوْلُ الحَسَنِ: إنَّهُما عِلْجانِ كانا بِبابِلِ العِراقِ، وبَعْضُهم يَقُولُ: إنَّهُما مِنَ المَلائِكَةِ ظَهَرا في صُورَةِ المُلُوكِ، وفِيهِ حَمْلُ الكَسْرِ عَلى الفَتْحِ عَلى عَكْسِ ما تَقَدَّمَ، والإنْزالُ إمّا عَلى ظاهِرِهِ، أوْ بِمَعْنى القَذْفِ في قُلُوبِهِما، (بِبابِلَ) الباءُ بِمَعْنى فِي، وهي مُتَعَلِّقَةٌ (بِأُنْزِلَ)، أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ المَلَكَيْنِ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في أُنْزِلَ، وهي كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: بَلَدٌ في سَوادِ الكُوفَةِ، وقِيلَ: بابِلُ العِراقِ، وقالَ قَتادَةُ: هي مِن نُصَيْبِينَ إلى رَأْسِ العَيْنِ، وقِيلَ: جَبَلُ دَماوَنْدَ، وقِيلَ: بَلَدٌ بِالمَغْرِبِ، والمَشْهُورُ اليَوْمَ الثّانِي، وعِنْدَ البَعْضِ هو الأوَّلُ، قِيلَ: وسُمِّيَتْ بابِلَ، لِتَبَلْبُلِ الألْسِنَةِ فِيها عِنْدَ سُقُوطِ صَرْحِ نُمْرُودَ، وأخْرَجَ الدِّينَوَرِيُّ في المُجالَسَةِ، وابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ نُعَيْمِ بْنِ سالِمٍ، وهو مُتَّهَمٌ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: لَمّا حَشَرَ اللَّهُ تَعالى الخَلائِقَ إلى بابِلَ بَعَثَ إلَيْهِمْ رِيحًا شَرْقِيَّةً وغَرْبِيَّةً، وقِبْلِيَّةً وبَحْرِيَّةً، فَجَمَعَتْهم إلى بابِلَ، فاجْتَمَعُوا يَوْمَئِذٍ يَنْظُرُونَ لِما حُشِرُوا لَهُ، إذْ نادى مُنادٍ: مَن جَعَلَ المَغْرِبَ عَنْ يَمِينِهِ والمَشْرِقَ عَنْ يَسارِهِ، واقْتَصَدَ إلى البَيْتِ الحَرامِ بِوَجْهِهِ، فَلَهُ كَلامُ أهْلِ السَّماءِ، فَقامَ يَعْرُبُ ابْنُ قَحْطانَ فَقِيلَ لَهُ: يا يَعْرُبُ بْنَ قَحْطانَ بْنِ هُودٍ أنْتَ هُوَ، فَكانَ أوَّلَ مَن تَكَلَّمَ بِالعَرَبِيَّةِ، فَلَمْ يَزَلِ المُنادِي يُنادِي مَن فَعَلَ كَذا وكَذا، فَلَهُ كَذا وكَذا، حَتّى افَتَرَقُوا عَلى اثْنَيْنِ وسَبْعِينَ لِسانًا، وانْقَطَعَ الصَّوْتُ، وتَبَلْبَلَتِ الألْسُنُ، فَسُمِّيَتْ بابِلَ، وكانَ اللِّسانُ يَوْمَئِذٍ بابِلِيًّا، وعِنْدِي في القَوْلَيْنِ تَرَدُّدٌ، بَلْ عَدَمُ قَبُولٍ، والَّذِي أمِيلُ إلَيْهِ أنَّ بابِلَ اسْمٌ أعْجَمِيٌّ كَما نَصَّ عَلَيْهِ أبُو حَيّانَ لا عَرَبِيٌّ، كَما يُشِيرُ إلَيْهِ كَلامُ الأخْفَشِ، وأنَّهُ في الأصْلِ اسْمٌ لِلنَّهَرِ الكَبِيرِ في بَعْضِ اللُّغاتِ الأعْجَمِيَّةِ القَدِيمَةِ، وقَدْ أُطْلِقَ عَلى تِلْكَ الأرْضِ لِقُرْبِ الفُراتِ مِنها، ولَعَلَّ ذَلَكَ مِن قَبِيلِ تَسْمِيَةِ بَغْدادَ دارَ السَّلامِ بِناءً عَلى أنَّ السَّلامَ اسْمٌ لِدِجْلَةَ، وقَدْ رَأيْتُ لِذَلِكَ تَفْصِيلًا لا أدْرِيهِ اليَوْمَ في أيِّ كِتابٍ، وأظُنُّهُ قَرِيبًا مِمّا ذَكَرْتُهُ، فَلْيُحْفَظْ، ومَنَعَ بَعْضُهُمُ الصَّلاةَ بِأرْضٍ بابِلَ احْتِجاجًا بِما أخْرَجَ أبُو داوُدَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ «عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّ حَبِيبِي صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ نَهانِي أنْ أُصَلِّيَ بِأرْضِ بابِلَ،» فَإنَّها مَلْعُونَةٌ، وقالَ الخَطّابِيُّ: في إسْنادِ هَذا الحَدِيثِ مَقالٌ، ولا أعْلَمُ أحَدًا مِنَ العُلَماءِ حَرَّمَ الصَّلاةَ بِها، ويُشْبِهُ إنْ ثَبَتَ الحَدِيثُ أنْ يَكُونَ نَهاهُ عَنْ أنْ يَتَّخِذَها وطَنًا ومَقامًا، فَإذا أقامَ بِها كانَتْ صَلاتُهُ فِيها، وهَذا مِن بابِ التَّعْلِيقِ في عِلْمِ البَيانِ، أوْ لَعَلَّ النَّهْيَ لَهُ خاصَّةً، ألا تَرى قالَ: نَهانِي، ومِثْلُهُ حَدِيثٌ آخَرُ: (نَهانِي) أقْرَأُ ساجِدًا أوْ راكِعًا، ولا أقُولُ: (نَهاكُمْ)، وكانَ ذَلِكَ إنْذارًا مِنهُ بِما لَقِيَ مِنَ المِحْنَةِ في تِلْكَ النّاحِيَةِ، ﴿هارُوتَ ومارُوتَ﴾ عَطْفُ بَيانٍ لِلْمَلَكَيْنِ، وهُما اسْمانِ أعْجَمِيّانِ لَهُما، مُنِعا مِنَ الصَّرْفِ لِلْعَلَمِيَّةِ والعُجْمَةِ، وقِيلَ: عَرَبِيّانِ مِنَ الهَرْتِ والمَرْتِ بِمَعْنى الكَسْرِ، وكانَ اسْمُهُما قَبْلُ: عَزا، وعَزايا، فَلَمّا قارَفا الذَّنْبَ سُمِّيا بِذَلِكَ، ويُشْكِلُ عَلَيْهِ مَنعُهُما مِنَ الصَّرْفِ، ولَيْسَ إلّا العَلَمِيَّةُ، وتَكَلَّفَ لَهُ بَعْضُهم بِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: إنَّهُما مَعْدُولانِ مِنَ الهارِتِ والمارِتِ، وانْحِصارُ العَدْلِ في الأوْزانِ المَحْفُوظَةِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ، وهو كَما تَرى، وقَرَأ الحَسَنُ والزُّهْرِيُّ بِرَفْعِهِما عَلى أنَّ التَّقْدِيرَ هُما هارُوتُ ومارُوتُ، ومِمّا يَقْضِي مِنهُ العَجَبَ ما قالَهُ الإمامُ القُرْطُبِيُّ: إنَّ هارُوتَ ومارُوتَ
صفحة 343
بَدَلٌ مِنَ الشَّياطِينِ عَلى قِراءَةِ التَّشْدِيدِ، (وما) في ﴿وما أُنْزِلَ﴾ نافِيَةٌ، والمُرادُ مِنَ المَلَكَيْنِ جَبْرائِيلُ ومِيكائِيلُ، لِأنَّ اليَهُودَ زَعَمُوا أنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَهُما بِالسِّحْرِ، وفي الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والتَّقْدِيرُ: وما كَفَرَ سُلَيْمانُ، وما أُنْزِلَ عَلى المَلَكَيْنِ، ولَكِنَّ الشَّياطِينَ هارُوتَ ومارُوتَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ بِبابِلَ، وعَلَيْهِ فالبَدَلُ إمّا بَدَلُ بَعْضٍ مِن كُلٍّ، ونُصَّ عَلَيْهِما بِالذِّكْرِ لِتَمَرُّدِهِما، ولِكَوْنِهِما رَأْسًا في التَّعْلِيمِ، أوْ بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ، إمّا بِناءً عَلى أنَّ الجَمْعَ يُطْلَقُ عَلى الِاثْنَيْنِ، أوْ عَلى أنَّهُما عِبارَتانِ عَنْ قَبِيلَتَيْنِ مِنَ الشَّياطِينِ لَمْ يَكُنْ غَيْرُهُما بِهَذِهِ الصِّفَةِ، وأعْجَبُ مِن قَوْلِهِ هَذا قَوْلُهُ: وهَذا أوْلى ما حُمِلَتْ عَلَيْهِ الآيَةُ مِنَ التَّأْوِيلِ وأصَحُّ ما قِيلَ فِيها، ولا تَلْتَفِتْ إلى ما سِواهُ، ولا يَخْفى لَدى كُلِّ مُنْصِفٍ أنَّهُ لا يَنْبَغِي لِمُؤْمِنٍ حَمْلُ كَلامِ اللَّهِ تَعالى وهو في أعْلى مَراتِبِ البَلاغَةِ والفَصاحَةِ عَلى ما هو أدْنى مِن ذَلِكَ، وما هو إلّا مَسْخٌ لِكِتابِ اللَّهِ تَعالى عَزَّ شَأْنُهُ، وإهْباطٌ لَهُ عَنْ شَأْوْاهُ، ومَفاسِدُ قِلَّةِ البِضاعَةِ لا تُحْصى، وقِيلَ: إنَّهُما بَدَلٌ مِنَ النّاسِ، أيْ يُعَلِّمُونَ النّاسَ خُصُوصًا هارُوتَ ومارُوتَ، والنَّفْيُ هو النَّفْيُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences