Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:112–114
2:112Page 17
بَلَىٰۚ مَنۡ أَسۡلَمَ وَجۡهَهُۥ لِلَّهِ وَهُوَ مُحۡسِنٞ فَلَهُۥٓ أَجۡرُهُۥ عِندَ رَبِّهِۦ وَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ١١٢
Yes, [on the contrary], whoever submits his face [i.e., self] in Islām to Allāh while being a doer of good will have his reward with his Lord. And no fear will there be concerning them, nor will they grieve.
﴿بَلى﴾ رَدٌّ لِقَوْلِهِمُ الَّذِي زَعَمُوهُ، وإثْباتٌ لِما تَضَمَّنَهُ مِن نَفْيِ دُخُولِ غَيْرِهِمُ الجَنَّةَ والقَوْلُ بِأنَّهُ رَدٌّ لِما أشارَ إلَيْهِ ﴿قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾ مِن نَفْيِ أنْ يَكُونَ لَهم بُرْهانٌ مِمّا لا وجْهَ لَهُ، ولا بُرْهانَ عَلَيْهِ، ﴿مَن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ﴾ أيِ انْقادَ لِما قَضى اللَّهُ تَعالى وقَدَّرَ أوْ أخْلَصَ لَهُ نَفْسَهُ، أوْ قَصَدَهُ فَلَمْ يُشْرِكْ بِهِ تَعالى غَيْرَهُ، أوْ لَمْ يَقْصِدْ سِواهُ، فالوَجْهُ إمّا مُسْتَعارٌ لِلذّاتِ وتَخْصِيصُهُ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُ أشْرَفُ الأعْضاءِ، ومَعْدِنُ الحَواسِّ، وإمّا مَجازٌ عَنِ القَصْدِ، لِأنَّ القاصِدَ لِلشَّيْءِ مُواجِهٌ لَهُ، ﴿وهُوَ مُحْسِنٌ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ (أسْلَمَ)، أيْ والحالُ إنَّهُ مُحْسِنٌ في جَمِيعِ أعْمالِهِ، وإذا أُرِيدَ بِما تَقَدَّمَ الشِّرْكُ يُؤَوَّلُ المَعْنى إلى آمَنَ وعَمِلَ الصّالِحاتِ، وقَدْ فَسَّرَ النَّبِيُّ ﷺ الإحْسانَ بِقَوْلِهِ: «(أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ)،» ﴿فَلَهُ أجْرُهُ﴾ أيِ الَّذِي وُعِدَ لَهُ عَلى ذَلِكَ، لا الَّذِي يَسْتَوْجِبُهُ، كَما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ رِعايَةً لِمَذْهَبِ الِاعْتِزالِ، والتَّعْبِيرُ عَمّا وعَدَ بِالأجْرِ إيذانًا بِقُوَّةِ ارْتِباطِهِ بِالعَمَلِ ﴿عِنْدَ رَبِّهِ﴾ حالٌ مِن (أجْرُهُ) والعامِلُ فِيهِ مَعْنى الِاسْتِقْرارِ، والعِنْدِيَّةُ لِلتَّشْرِيفِ، والمُرادُ عَدَمُ الضَّياعِ والنُّقْصانِ، وأتى بِالرَّبِّ مُضافًا إلى ضَمِيرِ (مَن أسْلَمَ) إظْهارًا لِمَزِيدِ اللُّطْفِ بِهِ، وتَقْرِيرًا لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ، والجُمْلَةُ جَوابُ (مَن) إنْ كانَتْ شَرْطِيَّةً وخَبَرُها إنْ كانَتْ مَوْصُولَةً، والفاءُ فِيها لِتَضَمُّنِها مَعْنى الشَّرْطِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ يَكُونُ الرَّدُّ بِـ(بَلى) وحْدَهُ، وما بَعْدَهُ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: إذا بَطَلَ ما زَعَمُوهُ فَما الحَقُّ في ذَلِكَ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ (مَن) مَوْصُولَةً، فاعِلُ لِيَدْخُلَها مَحْذُوفًا، (وبَلى) مَعَ ما بَعْدَها رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ، ويَكُونُ ﴿فَلَهُ أجْرُهُ﴾ مَعْطُوفًا عَلى ذَلِكَ المَحْذُوفِ عَطْفَ الِاسْمِيَّةِ عَلى الفِعْلِيَّةِ، لِأنَّ المُرادَ بِالأُولى التَّجَدُّدُ وبِالثّانِيَةِ الثُّبُوتُ، وقَدْ نَصَّ السَّكّاكِيُّ بِأنَّ الجُمْلَتَيْنِ إذا اخْتَلَفَتا تَجَدُّدًا وثُبُوتًا يُراعى جانِبُ المَعْنى فَيَتَعاطَفانِ، ﴿ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ تَقَدَّمَ مِثْلُهُ، والجَمْعُ في الضَّمائِرِ الثَّلاثَةِ بِاعْتِبارِ مَعْنى (مَن) كَما أنَّ الإفْرادَ في الضَّمائِرِ الأُوَلِ بِاعْتِبارِ اللَّفْظِ، ويَجُوزُ في مِثْلِ هَذا العَكْسُ إلّا أنَّ الأفْصَحَ أنْ يُبْدَأ بِالحَمْلِ عَلى اللَّفْظِ، ثُمَّ بِالحَمْلِ عَلى المَعْنى لِتَقَدُّمِ اللَّفْظِ عَلَيْهِ في الإفْهامِ.
2:113Page 18
وَقَالَتِ ٱلۡيَهُودُ لَيۡسَتِ ٱلنَّصَٰرَىٰ عَلَىٰ شَيۡءٖ وَقَالَتِ ٱلنَّصَٰرَىٰ لَيۡسَتِ ٱلۡيَهُودُ عَلَىٰ شَيۡءٖ وَهُمۡ يَتۡلُونَ ٱلۡكِتَٰبَۗ كَذَٰلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَ مِثۡلَ قَوۡلِهِمۡۚ فَٱللَّهُ يَحۡكُمُ بَيۡنَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ ١١٣
The Jews say, "The Christians have nothing [true] to stand on," and the Christians say, "The Jews have nothing to stand on," although they [both] recite the Scripture. Thus do those who know not [i.e., the polytheists] speak the same as their words. But Allāh will judge between them on the Day of Resurrection concerning that over which they used to differ.
﴿وقالَتِ اليَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ وقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ اليَهُودُ عَلى شَيْءٍ﴾ المُرادُ يَهُودُ المَدِينَةِ، ووَفْدُ نَصارى نَجْرانَ تَمارَوْا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وتَسابُّوا، وأنْكَرَتِ اليَهُودُ الإنْجِيلَ، ونُبُوَّةَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وأنْكَرَ النَّصارى التَّوْراةَ ونُبُوَّةَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَألْ في المَوْضِعَيْنِ لِلْعَهْدِ، وقِيلَ: المُرادُ عامَّةُ اليَهُودِ وعامَّةُ النَّصارى، وهو مِنَ الإخْبارِ عَنِ الأُمَمِ السّالِفَةِ، وفِيهِ تَقْرِيعٌ لِمَن بِحَضْرَتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وتَسْلِيَةٌ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، إذْ كَذَّبُوا بِالرُّسُلِ، والكُتُبِ قَبْلَهُ، فَألْ في المَوْضِعَيْنِ لِلْجِنْسِ، والأوَّلُ هو المَرْوِيُّ في أسْبابِ النُّزُولِ، وعَلَيْهِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ القائِلُ كُلَّ واحِدٍ مِن آحادِ الطّائِفَتَيْنِ، وهو الظّاهِرُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ
صفحة 361
المُرادُ بِذَلِكَ رَجُلَيْنِ رَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ يُقالُ لَهُ نافِعُ بْنُ حَرْمَلَةَ، ورَجُلٌ مِن نَصارى نَجْرانَ، ونِسْبَةُ ذَلِكَ لِلْجَمِيعِ حَيْثُ وقَعَ مِن بَعْضِهِمْ، وهي طَرِيقَةٌ مَعْرُوفَةٌ عِنْدَ العَرَبِ في نَظْمِها ونَثْرِها، وهَذا بَيانٌ لِتَضْلِيلِ كُلِّ فَرِيقٍ صاحِبَهُ بِخُصُوصِهِ إثْرَ بَيانِ تَضْلِيلِهِ كُلَّ مَن عَداهُ عَلى وجْهِ العُمُومِ، (وعَلى شَيْءٍ) خَبَرُ لَيْسَ، وهو عِنْدَ بَعْضٍ مِن بابِ حَذْفِ الصِّفَةِ، أيْ شَيْءٍ يُعْتَدُّ بِهِ في الدِّينِ، لِأنَّهُ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ كُلًّا مِنهُما عَلى شَيْءٍ، والأوْلى عَدَمُ اعْتِبارِ الحَذْفِ، وفي ذَلِكَ مُبالَغَةٌ عَظِيمَةٌ، لِأنَّ الشَّيْءَ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ كَلامُ سِيبَوَيْهِ، ما يَصِحُّ أنْ يُعْلَمَ، ويُخْبَرَ عَنْهُ، فَإذا نُفِيَ مُطْلَقًا كانَ ذَلِكَ مُبالَغَةً في عَدَمِ الِاعْتِدادِ بِما هم عَلَيْهِ، وصارَ كَقَوْلِهِمْ: أقَلُّ مِن لا شَيْءَ، ﴿وهم يَتْلُونَ الكِتابَ﴾ حالٌ مِنَ الفَرِيقَيْنِ بِجَعْلِهِما فاعِلَ فِعْلٍ واحِدٍ، لِئَلّا يَلْزَمَ إعْمالُ عامِلَيْنِ في مَعْمُولٍ واحِدٍ، أيْ قالُوا ذَلِكَ وهم عالِمُونَ بِما في كُتُبِهِمُ النّاطِقَةِ بِخِلافِ ما يَقُولُونَ، وفي ذَلِكَ تَوْبِيخٌ لَهُمْ، وإرْشادٌ لِلْمُؤْمِنِينَ إلى أنَّ مَن كانَ عالِمًا بِالقُرْآنِ لا يَنْبَغِي أنْ يَقُولَ خِلافَ ما تَضَمَّنَهُ، والمُرادُ مِنَ الكِتابِ الجِنْسُ فَيَصْدُقُ عَلى التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ التَّوْراةُ لِأنَّ النَّصارى تَمْتَثِلُها أيْضًا.
﴿كَذَلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ وهم مُشْرِكُو العَرَبِ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، وقِيلَ: مُشْرِكُو قُرَيْشٍ، وقِيلَ: هم أُمَمٌ كانُوا قَبْلَ اليَهُودِ والنَّصارى، وأمّا القَوْلُ بِأنَّهُمُ اليَهُودُ، وأُعِيدَ قَوْلُهم مِثْلَ قَوْلِ النَّصارى، ونُفِيَ عَنْهُمُ العِلْمُ حَيْثُ لَمْ يَنْتَفِعُوا بِهِ، فالظّاهِرُ أنَّهُ قَوْلُ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ، والكافُ مِن (كَذَلِكَ) في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ مَنصُوبٍ (بِقالَ) مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ أيْ قَوْلًا مِثْلَ قَوْلِ اليَهُودِ والنَّصارى، ﴿قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ ويَكُونُ ﴿مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ عَلى هَذا مَنصُوبًا (بِيَعْلَمُونَ)، والقَوْلُ بِمَعْنى الِاعْتِقادِ، أوْ يُقالُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ، أوْ بَدَلٌ مِن مَحَلِّ الكافِ، وقِيلَ: (كَذَلِكَ)، مَفْعُولٌ بِهِ، (ومِثْلَ) مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ، والمَقْصُودُ تَشْبِيهُ المَقُولِ بِالمَقُولِ في المُؤَدّى والمَحْصُولِ، وتَشْبِيهُ القَوْلِ بِالقَوْلِ في الصُّدُورِ عَنْ مُجَرَّدِ التَّشَهِّي والهَوى والعَصَبِيَّةِ، وجَوَّزُوا أنْ تَكُونَ الكافُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، والجُمْلَةُ بَعْدَهُ خَبَرُهُ والعائِدُ مَحْذُوفٌ، أيْ قالَهُ، (ومِثْلَ) صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أوْ مَفْعُولُ (يَعْلَمُونَ)، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولُ (قالَ) لِأنَّهُ قَدِ اسْتَوْفى مَفْعُولَهُ واعْتُرِضَ هَذا بِأنَّ حَذْفَ العائِدِ عَلى المُبْتَدَإ الَّذِي لَوْ قُدِّرَ خُلُوُّ الفِعْلِ عَنِ الضَّمِيرِ لَنَصَبَهُ مِمّا خَصَّهُ الكَثِيرُ بِالضَّرُورَةِ، ومَثَّلُوا لَهُ بِقَوْلِهِ:
وخالِدٌ يَحْمَدُ ساداتِنا بِالحَقِّ لا تُحْمَدُ بِالباطِلِ
وقِيلَ: عَلَيْهِ وعَلى ما قَبْلَهُ أنَّ اسْتِعْمالَ الكافِ اسْمًا، وإنْ جَوَّزَهُ الأخْفَشُ إلّا أنَّ جَماعَةً خَصُّوهُ بِضَرُورَةِ الشِّعْرِ، مَعَ أنَّهُ قَدْ يُؤَوَّلُ ما ورَدَ مِنهُ فِيهِ عَلى أنَّهُ لا يَخْفى ما في تَوْجِيهِ التَّشْبِيهَيْنِ دَفْعًا لِتَوَهُّمِ اللُّغَوِيَّةِ مِنَ التَّكَلُّفِ والخُرُوجِ عَنِ الظّاهِرِ، ولَعَلَّ الأوْلى أنْ يُجْعَلَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ إعادَةً لِقَوْلِهِ تَعالى (كَذَلِكَ) لِلتَّأْكِيدِ والتَّقْرِيرِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو جَزاؤُهُ﴾ وبِهِ قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ، وقَدْ يُقالُ: إنَّ (كَذَلِكَ) لَيْسَتْ لِلتَّشْبِيهِ هُنا بَلْ لِإفادَةِ أنَّ هَذا الأمْرَ عَظِيمٌ مُقَرَّرٌ، وقَدْ نَقَلَ الوَزِيرُ عاصِمُ بْنُ أيُّوبَ في شَرْحِ قَوْلِ زُهَيْرٍ:
كَذَلِكَ خَيْمُهم ولِكُلِّ قَوْمٍ ∗∗∗ إذا مَسَّتْهُمُ الضَّرّاءُ خَيْمُ
عَنِ الإمامِ الجُرْجانِيِّ: إنَّ كَذَلِكَ تَأْتِي لِلتَّثْبِيتِ، إمّا لِخَبَرٍ مُقَدَّمٍ، وإمّا لِخَبَرٍ مُتَأخِّرٍ، وهي نَقِيضُ كَلّا، لِأنَّ كَلّا تَنْفِي، وكَذَلِكَ تُثْبِتُ، ومِثْلُهُ ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ وفي شَرْحِ المِفْتاحِ الشَّرِيفِيِّ: إنَّهُ لَيْسَ المَقْصُودُ مِنَ التَّشْبِيهاتِ هي المَعانِي الوَضْعِيَّةُ فَقَطْ، إذْ تَشْبِيهاتُ البُلَغاءِ قَلَّما تَخْلُو مِن مَجازاتٍ وكِناياتٍ، فَنَقُولُ: إنّا رَأيْناهم يَسْتَعْمِلُونَ كَذا وكَذا، لِلِاسْتِمْرارِ تارَةً نَحْوَ: عَدَلَ زَيْدٌ في قَضِيَّةِ فُلانٍ كَذا، وهَكَذا أيُّ عَدْلٍ مُسْتَمِرٍّ، وقالَ الحَماسِيُّ:
صفحة 362
هَكَذا يَذْهَبُ الزَّمانُ ويَفْنى الـ ∗∗∗ عِلْمُ فِيهِ ويَدْرُسُ الأثَرُ
نَصَّ عَلَيْهِ التَّبْرِيزِيُّ في شَرْحِ الحَماسَةِ، ولَهُ شَواهِدُ كَثِيرَةٌ، وقالَ في شَرْحِ قَوْلِ أبِي تَمّامٍ:
كَذا فَلْيَجِلَّ الخَطْبُ ولْيَفْدَحِ الأمْرُ
إنَّهُ لِلتَّهْوِيلِ والتَّعْظِيمِ، وهو في مَصْدَرِ القَصِيدَةِ لَمْ يَسْبِقْ ما يُشَبَّهُ بِهِ، وسَيَأْتِي لِذَلِكَ تَتِمَّةٌ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وإنَّما جُعِلَ قَوْلُ أُولَئِكَ مُشَبَّهًا بِهِ لِأنَّهُ أقْبَحُ إذِ الباطِلُ مِنَ العالِمِ أقْبَحُ مِنهُ مِنَ الجاهِلِ، وبَعْضُهم يَجْعَلُ التَّشْبِيهَ عَلى حَدِّ: ﴿إنَّما البَيْعُ مِثْلُ الرِّبا﴾ وفِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ والتَّوْبِيخِ عَلى التَّشَبُّهِ بِالجُهّالِ ما لا يَخْفى، وإنَّما وُبِّخُوا وقَدْ صَدَقُوا إذْ كِلا الدِّينَيْنِ بَعْدَ النَّسْخِ لَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأنَّهم لَمْ يَقْصِدُوا ذَلِكَ، وإنَّما قَصَدَ كُلُّ فَرِيقٍ إبْطالَ دِينِ الآخَرِ مِن أصْلِهِ، والكُفْرَ بِنَبِيِّهِ وكِتابِهِ، عَلى أنَّهُ لا يَصِحُّ الحُكْمُ بِأنَّ كِلا الدِّينَيْنِ بَعْدَ النَّسْخِ لَيْسَ بِشَيْءٍ يُعْتَدُّ بِهِ، لِأنَّ المُتَبادِرَ مِنهُ أنْ لا يَكُونَ كَذَلِكَ في حَدِّ ذاتِهِ، وما لا يُنْسَخُ مِنهُما حَقٌّ واجِبُ القَبُولِ والعَمَلِ، فَيَكُونُ شَيْئًا مُعْتَدًّا بِهِ في حَدِّ ذاتِهِ، وإنْ يَكُنْ شَيْئًا بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ، لِأنَّهُ لا انْتِفاعَ بِما لَمْ يُنْسَخْ مَعَ الكُفْرِ بِالنّاسِخِ.
﴿فاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ أيْ بَيْنَ اليَهُودِ والنَّصارى لا بَيْنَ الطَّوائِفِ الثَّلاثَةِ لِأنَّ مَساقَ النَّظْمِ لِبَيانِ حالِ تَيْنِكَ الطّائِفَتَيْنِ، والتَّعَرُّضُ لِمَقالَةِ غَيْرِهِمْ لِإظْهارِ كَمالِ بُطْلانِ مَقالِهِمْ، والحُكْمُ الفَصْلُ والقَضاءُ وهو يَسْتَدْعِي جارَيْنِ فَيُقالُ: حَكَمَ القاضِي في هَذِهِ الحادِثَةِ بِكَذا، وقَدْ حُذِفَ هُنا أحَدُهُما اخْتِصارًا وتَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ بِما يُقْسَمُ لِكُلِّ فَرِيقٍ ما يَلِيقُ بِهِ مِنَ العَذابِ، والمُتَبادِرُ مِنَ الحُكْمِ بَيْنَ فَرِيقَيْنِ أنْ يُحْكَمَ لِأحَدِهِما بِحَقٍّ دُونَ الآخَرِ، فَكَأنَّ اسْتِعْمالَهُ بِما ذُكِرَ مَجازٌ، وقالَ الحَسَنُ: المُرادُ بِالحُكْمِ بَيْنَ هَذَيْنِ الفَرِيقَيْنِ تَكْذِيبُهم وإدْخالُهُمُ النّارَ، وفي ذَلِكَ تَشْرِيكٌ في حُكْمٍ واحِدٍ، وهو بَعِيدٌ عَنْ حَقِيقَةِ الحُكْمِ، (ويَوْمَ) مُتَعَلِّقٌ (بِيَحْكُمُ)، وكَذا ما بَعْدَهُ، ولا ضَيْرَ لِاخْتِلافِ المَعْنى وفِيهِ مُتَعَلِّقٌ (بِيَخْتَلِفُونَ)، لا (بِكانُوا)، وقُدِّمَ عَلَيْهِ لِلْمُحافَظَةِ عَلى رُؤُوسِ الآيِ
* * *
ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ: ﴿ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ﴾ أيْ ما نُزِيلُ مِن صِفاتِكَ شَيْئًا عَنْ دِيوانِ قَلْبِكَ أوْ نُخْفِيهِ بِإشْراقِ أنْوارِنا عَلَيْهِ، إلّا ونَرْقُمُ فِيهِ مِن صِفاتِنا الَّتِي لا تَظُنُّ قابِلِيَّتَكَ لِما يُشارِكُها في الِاسْمِ، والَّتِي تَظُنُّ وُجُودَ ما لا يُشارِكُها فِيكَ، ﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ﴾ عالَمِ الأرْواحِ وأرْضِ الأجْسادِ، وهو المُتَصَرِّفُ فِيهِما بِيَدِ قُدْرَتِهِ بَلِ العَوالِمُ عَلى اخْتِلافِها ظاهِرُ شُئُونِ ذاتِهِ ومَظْهَرُ أسْمائِهِ وصِفاتِهِ، فَلَمْ يَبْقَ شَيْءٌ غَيْرُهُ يَنْصُرُكم ويَلِيكُمْ، ﴿أمْ تُرِيدُونَ أنْ تَسْألُوا رَسُولَكُمْ﴾ العَقْلِ مِنَ اللَّذّاتِ الدَّنِيَّةِ، والشَّهَواتِ الدُّنْيَوِيَّةِ كَما سُئِلَ مُوسى القَلْبُ مِن قَبْلُ، ومَن يَتَبَدَّلِ الظُّلْمَةَ بِالنُّورِ فَقَدْ ضَلَّ الطَّرِيقَ المُسْتَقِيمَ، وقالَتِ اليَهُودُ لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ المَعْهُودَةَ عِنْدَهُمْ، وهي جَنَّةُ الظّاهِرِ وعالَمُ المُلْكِ الَّتِي هي جَنَّةُ الأفْعالِ وجَنَّةُ النَّفْسِ إلّا مَن كانَ هُودًا وقالَتِ النَّصارى لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ المَعْهُودَةَ عِنْدَهُمْ، وهي جَنَّةُ الباطِنِ وعالَمُ المَلَكُوتِ الَّتِي هي جَنَّةُ الصِّفاتِ وجَنَّةُ القَلْبِ إلّا مَن كانَ نَصْرانِيًّا، ولِهَذا قالَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ: لَنْ يَلِجَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ مَن لَمْ يُولَدْ مَرَّتَيْنِ، تِلْكَ أمانِيُّهُمْ، أيْ غايَةُ مَطالِبِهِمُ الَّتِي وقَفُوا عَلى حَدِّها واحْتَجَبُوا بِها عَمّا فَوْقَها، قُلْ هاتُوا دَلِيلَكُمُ الدّالَّ عَلى نَفْيِ دُخُولِ غَيْرِكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في دَعْواكُمْ، بَلِ الدَّلِيلُ دَلَّ عَلى نَقِيضِ مُدَّعاكُمْ، فَإنَّ مَن أسْلَمَ وجْهَهُ وخَلَّصَ ذاتَهُ مِن جَمِيعِ لَوازِمِها وعَوارِضِها لِلَّهِ تَعالى بِالتَّوْحِيدِ الذّاتِيِّ عِنْدَ المَحْوِ الكُلِّيِّ، وهو مُسْتَقِيمٌ في أحْوالِهِ بِالبَقاءِ بَعْدَ الفَناءِ مُشاهِدٌ رَبَّهُ في أعْمالِهِ، راجِعٌ مِنَ الشُّهُودِ الذّاتِيِّ إلى مَقامِ الإحْسانِ الصِّفاتِيِّ الَّذِي هو المُشاهَدَةُ لِلْوُجُودِ الحَقّانِيِّ، فَلَهُ أجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ أيْ ما ذَكَرْتُمْ مِنَ الجَنَّةِ، وأصْفى، لِاخْتِصاصِهِ بِمَقامِ العِنْدِيَّةِ الَّتِي حُجِبْتُمْ عَنْها، ولَهم زِيادَةٌ عَلى ذَلِكَ هي عَدَمُ خَوْفِهِمْ مِنِ احْتِجابِ الذّاتِ، وعَدَمُ حُزْنِهِمْ عَلى ما فاتَهم مِن جَنَّةِ الأفْعالِ والصِّفاتِ الَّتِي حُجِبْتُمْ بِالوُقُوفِ عِنْدَها، وقالَتِ اليَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ لِاحْتِجابِهِمْ بِالباطِنِ عَنِ الظّاهِرِ، وقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ
صفحة 363
اليَهُودُ عَلى شَيْءٍ لِاحْتِجابِهِمْ عَنِ الباطِنِ بِالظّاهِرِ، وهم يَتْلُونَ الكِتابَ وفِيهِ ما يُرْشِدُهم إلى رَفْعِ الحِجابِ، ورُؤْيَةِ حَقِّيَّةِ كُلِّ مَذْهَبٍ في مَرْتَبَتِهِ، كَذَلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ المَراتِبَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ، فَخَطَّأ كُلُّ فِرْقَةٍ مِنهُمُ الفِرْقَةَ الأُخْرى، ولَمْ يُمَيِّزُوا بَيْنَ الإرادَةِ الكَوْنِيَّةِ، والإرادَةِ الشَّرْعِيَّةِ، ولَمْ يَعْرِفُوا وجْهَ الحَقِّ في كُلِّ مَرْتَبَةٍ مِن مَراتِبِ الوُجُودِ، فاللَّهُ تَعالى الجامِعُ لِجَمِيعِ الصِّفاتِ عَلى اخْتِلافِ مَراتِبِها وتَفاوُتِ دَرَجاتِها يَحْكُمُ بَيْنَهم بِالحَقِّ في اخْتِلافاتِهِمْ يَوْمَ قِيامِ القِيامَةِ الكُبْرى وظُهُورِ الوَحْدَةِ الذّاتِيَّةِ، وتَجَلِّي الرَّبِّ بِصُوَرِ المُعْتَقَداتِ، حَتّى يُنْكِرُونَهُ، فَلا يَسْجُدُ لَهُ إلّا مَن لَمْ يُقَيِّدْهُ سُبْحانَهُ حَتّى بِقَيْدِ الإطْلاقِ،
2:114Page 18
وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ أَن يُذۡكَرَ فِيهَا ٱسۡمُهُۥ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَآۚ أُوْلَٰٓئِكَ مَا كَانَ لَهُمۡ أَن يَدۡخُلُوهَآ إِلَّا خَآئِفِينَۚ لَهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا خِزۡيٞ وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٞ ١١٤
And who are more unjust than those who prevent the name of Allāh from being mentioned [i.e., praised] in His mosques and strive toward their destruction. It is not for them to enter them except in fear. For them in this world is disgrace, and they will have in the Hereafter a great punishment.
﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ﴾ نَزَلَتْ في طِيطُوسَ بْنِ إسْيانُوسَ الرُّومِيِّ وأصْحابِهِ، وذَلِكَ أنَّهم غَزَوْا بَنِي إسْرائِيلَ، فَقَتَلُوا مُقاتِلِيهِمْ، وسَبُوا ذَرارِيهِمْ، وحَرَقُوا التَّوْراةَ، وخَرَّبُوا بَيْتَ المَقْدِسِ، وقَذَفُوا فِيهِ الجِيَفَ، وذَبَّحُوا فِيهِ الخَنازِيرَ، وبَقِيَ خَرابًا إلى أنْ بَناهُ المُسْلِمُونَ في أيّامِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، ورَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، إنَّها نَزَلَتْ في مُشْرِكِي العَرَبِ، مَنَعُوا المُسْلِمِينَ مِن ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى في المَسْجِدِ الحَرامِ، وعَلى الأوَّلِ تَكُونُ الآيَةُ مَعْطُوفَةً عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالَتِ النَّصارى﴾ عَطْفَ قِصَّةٍ عَلى قِصَّةٍ تَقْرِيرًا لِقَبائِحِهِمْ، وعَلى الثّانِي تَكُونُ اعْتِراضًا بِأكْثَرِ مِن جُمْلَةٍ بَيْنَ المَعْطُوفِ، أعْنِي: قالُوا اتَّخَذَ، والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ أعْنِي: قالَتِ اليَهُودُ، لِبَيانِ حالِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ جَرى ذِكْرُهم بَيانًا لِكَمالِ شَناعَةِ أهْلِ الكِتابِ، فَإنَّ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ يُضاهُونَهم إذا كانُوا أظْلَمَ الكَفَرَةِ، وظاهِرُ الآيَةِ العُمُومُ في كُلِّ مانِعٍ، وفي كُلِّ مَسْجِدٍ، وخُصُوصُ السَّبَبِ لا يَمْنَعُهُ، (وأظْلَمُ) أفْعَلُ تَفْضِيلٍ خَبَرُ عَنْ مَن، ولا يُرادُ بِالِاسْتِفْهامِ حَقِيقَتُهُ وإنَّما هو بِمَعْنى النَّفْيِ، فَيَؤُولُ إلى الخَبَرِ، أيْ لا أحَدَ أظْلَمُ مِن ذَلِكَ، واسْتُشْكِلَ بِأنَّ هَذا التَّرْكِيبَ قَدْ تَقَرَّرَ في القُرْآنِ كَمَن ﴿أظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أعْرَضَ عَنْها﴾ ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، فَإذا كانَ المَعْنى عَلى هَذا، لَزِمَ التَّناقُضَ، وأُجِيبَ بِالتَّخْصِيصِ، إمّا بِما يُفْهَمُ مِن نَفْسِ الصِّلاتِ، أوْ بِالنِّسْبَةِ إلى مَن جاءَ بَعْدُ مِن ذَلِكَ النَّوْعِ، ويَؤُولُ مَعْناهُ إلى السَّبْقِ في المانِعِيَّةِ، أوِ الِافْتِرائِيَّةِ مَثَلًا، واعْتُرِضَ بِأنَّ ذَلِكَ بُعْدٌ عَنْ مَدْلُولِ الكَلامِ، ووَضْعِهِ العَرَبِيِّ، وعُجْمَةٌ في اللِّسانِ يَتْبَعُها اسْتِعْجامُ المَعْنى، فالأوْلى أنْ يُجابَ بِأنَّ ذَلِكَ لا يَدُلُّ عَلى نَفْيِ التَّسْوِيَةِ في الأظْلَمِيَّةِ، وقُصارى ما يُفْهَمُ مِنَ الآياتِ أظْلَمِيَّةُ أُولَئِكَ المَذْكُورِينَ فِيها مِمَّنْ عَداهُمْ، كَما أنَّكَ إذا قُلْتَ: لا أحَدَ أفْقَهُ مِن زَيْدٍ وعَمْرٍو وخالِدٍ، لا يَدُلُّ عَلى أكْثَرِ مِن نَفِيٍ أنْ يَكُونَ أحَدٌ أفْقَهَ مِنهُمْ، وإمّا أنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ أحَدَهم أفْقَهُ مِنَ الآخَرِ، فَلا، ولا يَرِدُ أنَّ مَن مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ مَثَلًا، ولَمْ يَفْتَرِ عَلى اللَّهِ كَذِبًا أقَلُّ ظُلْمًا مِمَّنْ جَمَعَ بَيْنَهُما، فَلا يَكُونُ مُساوِيًا في الأظْلَمِيَّةِ، لِأنَّ هَذِهِ الآياتِ إنَّما هي في الكُفّارِ، وهم مُتَساوُونَ فِيها، إذِ الكُفْرُ شَيْءٌ واحِدٌ لا يُمْكِنُ فِيهِ الزِّيادَةُ بِالنِّسْبَةِ لِإفْرادِ مَنِ اتَّصَفَ بِهِ، وإنَّما تُمْكِنُ بِالنِّسْبَةِ لَهُمْ، ولِعُصاةِ المُؤْمِنِينَ بِجامِعِ ما اشْتَرَكُوا فِيهِ مِنَ المُخالَفَةِ، قالَهُ أبُو حَيّانَ ولا يَخْفى ما فِيهِ، وقَدْ قالَ غَيْرُ واحِدٍ: إنَّ قَوْلَكَ: (مَن أظْلَمُ مِمَّنْ فَعَلَ كَذا) إنْكارٌ، لِأنْ يَكُونَ أحَدٌ أظْلَمَ مِنهُ، أوْ مُساوِيًا لَهُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ سَبْكُ التَّرْكِيبِ مُتَعَرِّضًا لِإنْكارِ المُساواةِ، ونَفْيِها، إلّا أنَّ العُرْفَ الفاشِيَ والِاسْتِعْمالَ المُطَّرِدَ يَشْهَدُ لَهُ، فَإنَّهُ إذا قِيلَ: مَن أكْرَمُ مِن فُلانٍ، أوْ لا أفْضَلَ مِن فُلانٍ، فالمُرادُ بِهِ حَتْمًا أنَّهُ أكْرَمُ مِن كُلِّ كَرِيمٍ، وأفْضَلُ مِن كُلِّ فاضِلٍ، فَلَعَلَّ الأوْلى الرُّجُوعُ إلى أحَدِ الجَوابَيْنِ مَعَ مُلاحَظَةِ الحَيْثِيَّةِ، وإنْ جَعَلْتَ ذَلِكَ الكَلامَ مُخَرَّجًا مَخْرَجَ المُبالَغَةِ في التَّهْدِيدِ، والزَّجْرِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ نَفْيِ المُساواةِ، أوِ الزِّيادَةِ في نَفْسِ الأمْرِ كَما قِيلَ بِهِ مُحَكِّمًا العُرْفَ أيْضًا زالَ الإشْكالُ، وارْتَفَعَ القِيلُ، والقالُ، فَتَدَبَّرْ، ﴿أنْ يُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ﴾ مَفْعُولٌ ثانٍ لِمَنَعَ، أوْ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ بِمَعْنى
صفحة 364
مَنَعَها كَراهِيَةَ أنْ يُذْكَرَ، أوْ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن مَساجِدَ، والمَفْعُولُ الثّانِي إذَنْ مُقَدَّرٌ أيْ عِمارَتَها، أوِ العِبادَةَ فِيها، أوْ نَحْوَهُ، أوِ النّاسَ مَساجِدَ اللَّهِ تَعالى، أوْ لا تَقْدِيرَ، والفِعْلُ مُتَعَدٍّ لِواحِدٍ، وكَنّى بِذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ تَعالى عَمّا يُوقَعُ في المَساجِدِ مِنَ الصَّلَواتِ والتَّقَرُّباتِ إلى اللَّهِ تَعالى بِالأفْعالِ القَلْبِيَّةِ والقالَبِيَّةِ المَأْذُونِ بِفِعْلِها فِيها.
﴿وسَعى في خَرابِها﴾ أيْ هَدْمِها وتَعْطِيلِها، وقالَ الواحِدِيُّ: إنَّهُ عَطْفُ تَفْسِيرٍ لِأنَّ عِمارَتَها بِالعِبادَةِ فِيها، ﴿أُولَئِكَ﴾ الظّالِمُونَ المانِعُونَ السّاعُونَ في خَرابِها.
﴿ما كانَ لَهم أنْ يَدْخُلُوها إلا خائِفِينَ﴾ اللّامُ في (لَهُمْ) إمّا لِلِاخْتِصاصِ عَلى وجْهِ اللِّياقَةِ كَما في الجُلِّ لِلْفَرَسِ، والمُرادُ مِنَ الخَوْفِ الخَوْفُ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وإمّا لِلِاسْتِحْقاقِ كَما في الجَنَّةِ لِلْمُؤْمِنِ، والمُرادُ مِنَ الخَوْفِ الخَوْفُ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وإمّا لِمُجَرَّدِ الِارْتِباطِ بِالحُصُولِ، أيْ ما كانَ لَهم في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى وقَضائِهِ أنْ يَدْخُلُوها فِيما سَيَجِيءُ إلّا خائِفِينَ، والجُمْلَةُ عَلى الأوَّلِ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابٌ لِسُؤالٍ نَشَأ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وسَعى في خَرابِها﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما اللّائِقُ بِهِمْ؟ والمُرادُ مِنَ الظُّلْمِ حِينَئِذٍ وضْعُ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ
وعَلى الثّانِي جَوابُ سُؤالٍ ناشِئٍ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما كانَ حَقُّهُمْ؟ والمُرادُ مِنَ الظُّلْمِ التَّصَرُّفُ في حَقِّ الغَيْرِ، وعَلى الثّالِثِ اعْتِراضٌ بَيْنَ كَلامَيْنِ مُتَّصِلَيْنِ مَعْنًى، وفِيهِ وعْدُ المُؤْمِنِينَ بِالنُّصْرَةِ، وتَخْلِيصُ المَساجِدِ عَنِ الكُفّارِ، ولِلِاهْتِمامِ بِذَلِكَ وسَّطَهُ، وقَدْ أنْجَزَ اللَّهُ تَعالى وعْدَهُ، والحَمْدُ لِلَّهِ فَقَدْ رُوِيَ أنَّهُ لا يَدْخُلُ بَيْتَ المَقْدِسِ أحَدٌ مِنَ النَّصارى إلّا مُتَنَكِّرًا مُسارَقَةً، وقالَ قَتادَةُ: لا يُوجَدُ نَصْرانِيٌّ في بَيْتِ المَقْدِسِ إلّا انْتُهِكَ ضَرْبًا، وأُبْلِغَ إلَيْهِ في العُقُوبَةِ، ولا نَقْضَ بِاسْتِيلاءِ الأقْرَعِ، وبَقاءِ بَيْتِ المَقْدِسِ في أيْدِي النَّصارى أكْثَرَ مِن مِائَةِ سَنَةٍ، إلى أنِ اسْتَخْلَصَهُ المَلِكُ صَلاحُ الدِّينِ، لِأنَّ الإنْجازَ يَسْتَدْعِي تَحْقِيقَهُ في وقْتٍ ما، ولا دِلالَةَ فِيهِ عَلى التَّكْرارِ، وقِيلَ: النَّفْيُ بِمَعْنى النَّهْيِ، ومَعْناهُ عَلى طَرِيقِ الكِنايَةِ النَّهْيُ عَنِ التَّخْلِيَةِ، والتَّمْكِينُ مِن دُخُولِهِمُ المَساجِدَ، وذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ أنْ لا يَدْخُلُوها إلّا خائِفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، فَذُكِرَ اللّازِمُ، وأُرِيدَ المَلْزُومُ ولا يَخْفى أنَّ النَّهْيَ عَنِ التَّخْلِيَةِ والتَّمْكِينِ المَذْكُورِ في وقْتِ قُوَّةِ الكُفّارِ ومَنعِهِمُ المَساجِدَ، لا فائِدَةَ فِيهِ سِوى الإشْعارِ بِوَعْدِ المُؤْمِنِينَ بِالنُّصْرَةِ والِاسْتِخْلاصِ مِنهُمْ، فالحَمْلُ عَلَيْهِ مِن أوَّلِ الأمْرِ أوْلى، واخْتَلَفَ الأئِمَّةُ في دُخُولِ الكُفّارِ المَسْجِدَ، فَجَوَّزَهُ الإمامُ أبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مُطْلَقًا لِلْآيَةِ، فَإنَّها تُفِيدُ دُخُولَهم بِخَشْيَةٍ وخُشُوعٍ، ولِأنَّ وفْدَ ثَقِيفَ قَدِمُوا عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَأنْزَلَهُمُ المَسْجِدَ، ولِقَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «(مَن دَخَلَ دارَ أبِي سُفْيانَ فَهو آمِنٌ، ومَن دَخَلَ الكَعْبَةَ فَهو آمِنٌ)،» والنَّهْيُ مَحْمُولٌ عَلى التَّنْزِيهِ، أوِ الدُّخُولُ لِلْحَرَمِ بِقَصْدِ الحَجِّ، ومَنَعَهُ مالِكٌ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مُطْلَقًا، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ والمَساجِدُ يَجِبُ تَطْهِيرُها عَنِ النَّجاساتِ، ولِذا يُمْنَعُ الجُنُبُ عَنِ الدُّخُولِ، وجَوَّزَهُ لِحاجَةٍ، وفَرَّقَ الإمامُ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بَيْنَ المَسْجِدِ الحَرامِ وغَيْرِهِ، وقالَ: الحَدِيثُ مَنسُوخٌ بِالآيَةِ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ (إلّا خِيفًا) وهو مِثْلُ صِيمٍ، ﴿لَهم في الدُّنْيا خِزْيٌ﴾ أيْ عَظِيمٌ بِقَتْلِ أبْطالِهِمْ، وأقْيالِهِمْ، وكَسْرِ أصْنامِهِمْ، وتَسْفِيهِ أحْلامِهِمْ، وإخْراجِهِمْ مِن جَزِيرَةِ العَرَبِ الَّتِي هي دارُ قَرارِهِمْ، ومَسْقَطُ رُؤُوسِهِمْ، أوْ بِضَرْبِ الجِزْيَةِ عَلى أهْلِ الذِّمَّةِ مِنهُمْ، ولَهم في الآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ، وهو عَذابُ النّارِ، لِما أنَّ سَبَبَهُ أيْضًا وهو ما حُكِيَ مِن ظُلْمِهِمْ كَذَلِكَ في العِظَمِ، وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ في المَوْضِعَيْنِ لِلتَّشْوِيقِ لِما يُذْكَرُ بَعْدَهُ.
* * *
ومِن بابِ الإشارَةِ في الآيَةِ: ومَن أبْخَسُ حَظًّا وأنْقَصُ حَقًّا مِمَّنْ مَنَعَ مَواضِعَ السُّجُودِ لِلَّهِ تَعالى، وهي القُلُوبُ
صفحة 365
الَّتِي يُعْرَفُ فِيها، فَيُسْجَدُ لَهُ بِالفَناءِ الذّاتِيِّ أنْ يُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ الخاصُّ الَّذِي هو الِاسْمُ الأعْظَمُ إذْ لا يَتَجَلّى بِهَذا الِاسْمِ إلّا في القَلْبِ، وهو التَّجَلِّي بِالذّاتِ مَعَ جَمِيعِ الصِّفاتِ، أوِ اسْمِهِ المَخْصُوصِ بِكُلِّ واحِدٍ مِنها، أيِ الكَمالِ اللّائِقِ بِاسْتِعْدادِهِ المُقْتَضِي لَهُ، وسَعى في خَرابِها بِتَكْدِيرِها بِالتَّعَصُّباتِ، وغَلَبَةِ الهَوى، ومَنعِ أهْلِها بِتَهْيِيجِ الفِتَنِ اللّازِمَةِ لِتَجاذُبِ قُوى النَّفْسِ، وداعِي الشَّيْطانِ والوَهْمِ، أُولَئِكَ ما كانَ لَهم أنْ يَدْخُلُوها ويُصَلُّوا إلَيْها، إلّا خائِفِينَ مُنْكَسِرِينَ لِظُهُورِ تَجَلِّي الحَقِّ فِيها، لَهم في الدُّنْيا خِزْيٌ وافْتِضاحٌ، وذِلَّةٌ بِظُهُورِ بُطْلانِ ما هم عَلَيْهِ، ولَهم في الآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ، وهو احْتِجابُهم عَنِ الحَقِّ سُبْحانَهُ،
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences