Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:119–123
2:119Page 18
إِنَّآ أَرۡسَلۡنَٰكَ بِٱلۡحَقِّ بَشِيرٗا وَنَذِيرٗاۖ وَلَا تُسۡـَٔلُ عَنۡ أَصۡحَٰبِ ٱلۡجَحِيمِ ١١٩
Indeed, We have sent you, [O Muḥammad], with the truth as a bringer of good tidings and a warner, and you will not be asked about the companions of Hellfire.
﴿إنّا أرْسَلْناكَ بِالحَقِّ﴾ أيْ مُتَلَبِّسًا مُؤَيَّدًا بِهِ، فالظَّرْفُ مُسْتَقِرٌّ، وقِيلَ: لَغْوٌ مُتَعَلِّقٌ بِأرْسَلْنا، أوْ بِما بَعْدَهُ، وفُسِّرَ الحَقُّ بِالقُرْآنِ، أوْ بِالإسْلامِ، وبَقاؤُهُ عَلى عُمُومِهِ أوْلى ﴿بَشِيرًا ونَذِيرًا﴾ حالانِ مِنَ الكافِ، وقِيلَ: مِنَ الحَقِّ، والآيَةُ اعْتِراضً لِتَسْلِيَةِ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، لِأنَّهُ كانَ يَهْتَمُّ ويَضِيقُ صَدْرُهُ لِإصْرارِهِمْ عَلى الكُفْرِ، والمُرادُ إنّا أرْسَلْناكَ لِأنْ تُبَشِّرَ مَن أطاعَ وتُنْذِرَ مَن عَصى، لا لِتُجْبِرَ عَلى الإيمانِ، فَما عَلَيْكَ إنْ أصَرُّوا أوْ كابَرُوا، والتَّأْكِيدُ لِإقامَةِ غَيْرِ المُنْكِرِ مَقامَ المُنْكِرِ بِما لاحَ عَلَيْهِ مِن أمارَةِ الإنْكارِ، والقَصْرُ إفْرادِيٌّ.
﴿ولا تُسْألُ عَنْ أصْحابِ الجَحِيمِ﴾ تَذْيِيلٌ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، أوِ اعْتِراضٌ، أوْ حالٌ، أيْ أرْسَلْناكَ غَيْرَ مَسْؤُولٍ عَنْ أصْحابِ الجَحِيمِ، ما لَهم لَمْ يُؤْمِنُوا بَعْدَ أنْ بَلَّغْتَ ما أُرْسِلْتَ بِهِ، وألْزَمْتَ الحُجَّةَ عَلَيْهِمْ !
صفحة 371
وقَرَأ أُبَيٌّ (وما) بَدَلَ (ولا)، وابْنُ مَسْعُودٍ (ولَنْ) بَدَلَ (ذَلِكَ)، وقَرَأ نافِعٌ ويَعْقُوبُ (لا تَسْألْ) عَلى صِيغَةِ النَّهْيِ إيذانًا بِكَمالِ شِدَّةِ عُقُوبَةِ الكُفّارِ وتَهْوِيلًا لَها كَما تَقُولُ: كَيْفَ حالُ فُلانٍ، وقَدْ وقَعَ في مَكْرُوهٍ، فَيُقالُ لَكَ لا تَسْألْ عَنْهُ، أيْ أنَّهُ لِغايَةِ فَظاعَةِ ما حَلَّ بِهِ، لا يَقْدِرُ المُخْبِرُ عَلى إجْرائِهِ عَلى لِسانِهِ، أوْ لا يَسْتَطِيعُ السّامِعُ أنْ يَسْمَعَهُ، والجُمْلَةُ عَلى هَذا اعْتِراضٌ، أوْ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ، أيْ فَبَلِّغْ والنَّهْيُ مَجازِيٌّ، ومِنَ النّاسِ مَن جَعَلَهُ حَقِيقَةً، والمَقْصُودُ مِنهُ بِالذّاتِ نَهْيُهُ عَنِ السُّؤالِ عَنْ حالِ أبَوَيْهِ، عَلى ما رُوِيَ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ سَألَ جِبْرِيلَ عَنْ قَبْرَيْهِما فَدَلَّهُ عَلَيْهِما، فَذَهَبَ فَدَعا لَهُما، وتَمَنّى أنْ يَعْرِفَ حالَهُما في الآخِرَةِ، وقالَ: لَيْتَ شِعْرِي ما فَعَلَ أبَوايَ؟» فَنَزَلَتْ، ولا يَخْفى بُعْدُ هَذِهِ الرِّوايَةِ، لِأنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَما في المُنْتَخَبِ عالِمٌ بِما آلَ إلَيْهِ أمْرُهُما، وذَكَرَ الشَّيْخُ ولِيُّ الدِّينِ العِراقِيُّ أنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلَيْها، وقالَ الإمامُ السُّيُوطِيُّ: لَمْ يَرِدْ في هَذا إلّا أثَرٌ مُعْضَلٌ ضَعِيفُ الإسْنادِ، فَلا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، والَّذِي يُقْطَعُ بِهِ أنَّ الآيَةَ في كُفّارِ أهْلِ الكِتابِ كالآياتِ السّابِقَةِ عَلَيْها، والتّالِيَةِ لَها، لا في أبَوَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ولِتَعارُضِ الأحادِيثِ في هَذا البابِ وضَعْفِها قالَ السَّخاوِيُّ: الَّذِي نَدِينُ اللَّهَ تَعالى بِهِ الكَفُّ عَنْهُما، وعَنِ الخَوْضِ في أحْوالِهِما، والَّذِي أدِينُ اللَّهَ تَعالى بِهِ أنّا أنَّهُما ماتا مُوَحِّدَيْنِ في زَمَنِ الكُفْرِ، وعَلَيْهِ يُحْمَلُ كَلامُ الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ إنْ صَحَّ بَلْ أكادُ أقُولُ: إنَّهُما أفْضَلُ مِن عَلِيٍّ القارِيِّ وأضْرابِهِ، والجَحِيمُ النّارُ بِعَيْنِها إذا شَبَّ وقُودُها، ويُقالُ: جَحَمَتِ النّارُ تَجْحَمُ جَحْمًا إذا اضْطَرَبَتْ.
2:120Page 19
وَلَن تَرۡضَىٰ عَنكَ ٱلۡيَهُودُ وَلَا ٱلنَّصَٰرَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمۡۗ قُلۡ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلۡهُدَىٰۗ وَلَئِنِ ٱتَّبَعۡتَ أَهۡوَآءَهُم بَعۡدَ ٱلَّذِي جَآءَكَ مِنَ ٱلۡعِلۡمِ مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِيّٖ وَلَا نَصِيرٍ ١٢٠
And never will the Jews and the Christians approve of you until you follow their religion. Say, "Indeed, the guidance of Allāh is the [only] guidance." If you were to follow their desires after what has come to you of knowledge, you would have against Allāh no protector or helper.
﴿ولَنْ تَرْضى عَنْكَ اليَهُودُ ولا النَّصارى حَتّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ بَيانٌ لِكَمالِ شِدَّةِ شَكِيمَتَيْ هاتَيْنِ الطّائِفَتَيْنِ إثْرَ بَيانِ ما يَعُمُّهُما، والمُشْرِكِينَ مِمّا تَقَدَّمَ، ولا بَيْنَ المَعْطُوفَيْنِ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ، ولِلْإشْعارِ بِأنَّ رِضا كُلٍّ مِنهُما مُبايِنٌ لِرِضا الأُخْرى، والخِطابُ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وفِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ في إقْناطِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن إسْلامِهِمْ ما لا غايَةَ وراءَهُ، فَإنَّهم حَيْثُ لَمْ يَرْضَوْا عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولَوْ خَلّاهم يَفْعَلُونَ ما يَفْعَلُونَ بَلْ أمَّلُوا ما لا يَكادُ يَدْخُلُ دائِرَةَ الإمْكانِ، وهو الِاتِّباعُ لِمِلَّتِهِمُ الَّتِي جاءَ بِنَسْخِها، فَكَيْفَ يَتَصَوَّرُ اتِّباعَهم لِمِلَّتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، واحْتِيجَ لِهَذِهِ المُبالَغَةِ لِمَزِيدِ حِرْصِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى إيمانِهِمْ عَلى ما رُوِيَ أنَّهُ كانَ يُلاطِفُ كُلَّ فَرِيقٍ رَجاءَ أنْ يُسْلِمُوا، فَنَزَلَتْ، والمِلَّةُ في الأصْلِ اسْمٌ مِنَ أمْلَلْتُ الكِتابَ بِمَعْنى أمْلَيْتُهُ كَما قالَ الرّاغِبُ، ومِنهُ طَرِيقٌ مَلُولٌ أيْ مَسْلُوكٌ مَعْلُومٌ، كَما نَقَلَهُ الأزْهَرِيُّ، ثُمَّ نُقِلَتْ إلى أُصُولِ الشَّرائِعِ بِاعْتِبارِ أنَّها يُمْلِيها النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ولا يَخْتَلِفُ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فِيها، وقَدْ تُطْلَقُ عَلى الباطِلِ، كَـ(الكُفْرُ مِلَّةٌ واحِدَةٌ)، ولا تُضافُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ، فَلا يُقالُ: مِلَّةُ اللَّهِ، ولا إلى آحادِ الأُمَّةِ، والدِّينُ يُرادِفُها صِدْقًا، لَكِنَّهُ بِاعْتِبارِ قَبُولِ المَأْمُورِينَ لِأنَّهُ في الأصْلِ الطّاعَةُ والِانْقِيادُ، ولِاتِّحادِ ما صَدَّقَهُما قالَ تَعالى ﴿دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾ وقَدْ يُطْلَقُ الدِّينُ عَلى الفُرُوعِ تَجَوُّزًا ويُضافُ إلى اللَّهِ تَعالى، وإلى الآحادِ وإلى طَوائِفَ مَخْصُوصَةٍ، نَظَرًا إلى الأصْلِ، عَلى أنَّ تَغايُرَ الِاعْتِبارِ كافٍ في صِحَّةِ الإضافَةِ، ويَقَعُ عَلى الباطِلِ أيْضًا، وأمّا الشَّرِيعَةُ فَهي المَوْرِدُ في الأصْلِ، وجُعِلَتِ اسْمًا لِلْأحْكامِ الجُزْئِيَّةِ المُتَعَلِّقَةِ بِالمَعاشِ والمَعادِ، سَواءٌ كانَتْ مَنصُوصَةً مِنَ الشّارِعِ، أوْ لا، لَكِنَّها راجِعَةٌ إلَيْهِ، والنَّسْخُ والتَّبْدِيلُ يَقَعُ فِيها، وتُطْلَقُ عَلى الأُصُولِ الكُلِّيَّةِ تَجَوُّزًا، قالَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: ووُحِّدَتِ المِلَّةُ، وإنْ كانَ لَهم مِلَّتانِ لِلْإيجازِ، أوْ لِأنَّهُما يَجْمَعُهُما الكُفْرُ، وهو مِلَّةٌ واحِدَةٌ، ثُمَّ إنَّ هَذا لَيْسَ ابْتِداءَ كَلامٍ مِنهُ تَعالى بِعَدَمِ رِضاهُمْ، بَلْ هو حِكايَةٌ لِمَعْنى كَلامٍ قالُوهُ بِطَرِيقِ التَّكَلُّمِ لِيُطابِقَهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿قُلْ إنَّ هُدى اللَّهِ هو الهُدى﴾ فَإنَّهُ عَلى طَرِيقَةِ الجَوابِ لِمَقالَتِهِمْ، ولَعَلَّهم ما قالُوا ذَلِكَ إلّا لِزَعْمِهِمْ أنَّ دِينَهم
صفحة 372
حَقٌّ، وغَيْرَهُ باطِلٌ، فَأُجِيبُوا بِالقَصْرِ القَلْبِيِّ، أيْ دِينُ اللَّهِ تَعالى هو الحَقُّ ودِينُكم هو الباطِلُ، وهُدى اللَّهِ تَعالى الَّذِي هو الإسْلامُ هو الهُدى، وما يَدْعُونَ إلَيْهِ لَيْسَ بِهُدًى، بَلْ هَوًى عَلى أبْلَغِ وجْهٍ، لِإضافَةِ الهُدى إلَيْهِ تَعالى، وتَأْكِيدِهِ (بِإنَّ)، وإعادَةِ الهُدى في الخَبَرِ عَلى حَدِّ: شِعْرِي شِعْرِي، وجَعْلِهِ نَفْسَ الهُدى المَصْدَرِيِّ، وتَوْسِيطِ ضَمِيرِ الفَصْلِ، وتَعْرِيفِ الخَبَرِ، ويُحْتَمَلُ أنَّهم قالُوا ذَلِكَ فِيما بَيْنَهُمْ، والأمْرُ بِهَذا القَوْلِ لَهم لا يَجِبُ أنْ يَكُونَ جَوابًا لِعَيْنِ تِلْكَ العِبارَةِ بَلْ جَوابٌ ورَدَ لِما يَسْتَلْزِمُ مَضْمُونَها، أوْ يَلْزَمُهُ مِنَ الدَّعْوَةِ إلى اليَهُودِيَّةِ، أوِ النَّصْرانِيَّةِ، وأنَّ الِاهْتِداءَ فِيهِما، وقِيلَ: يَصِحُّ أنْ يَكُونَ لِإقْناطِهِمْ عَمّا يَتَمَنَّوْنَهُ، ويَطْمَعُونَهُ، ولَيْسَ بِجَوابٍ، ﴿ولَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهُمْ﴾ أيْ آراءَهُمُ الزّائِغَةَ المُنْحَرِفَةَ عَنِ الحَقِّ الصّادِرَةَ عَنْهم بِتَبَعِيَّةِ شَهَواتِ أنْفُسِهِمْ، وهي الَّتِي عَبَّرَ عَنْها فِيما قَبْلُ بِالمِلَّةِ، وكانَ الظّاهِرُ: ولَئِنِ اتَّبَعْتَها، إلّا أنَّهُ غَيَّرَ النَّظْمَ، ووَضَعَ الظّاهِرَ مَوْضِعَ المُضْمَرِ مِن غَيْرِ لَفْظِهِ إيذانًا بِأنَّهم غَيَّرُوا ما شَرَعَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ تَغْيِيرًا أخْرَجُوهُ بِهِ عَنْ مَوْضُوعِهِ، وفي صِيغَةِ الجَمْعِ إشارَةٌ إلى كَثْرَةِ الِاخْتِلافِ بَيْنَهُمْ، وأنَّ بَعْضَهم يُكَفِّرُ بَعْضًا.
﴿بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ العِلْمِ﴾ أيِ المَعْلُومِ، وهو الوَحْيُ، أوِ الدِّينُ لِأنَّهُ الَّذِي يَتَّصِفُ بِالمَجِيءِ دُونَ العِلْمِ نَفْسِهِ، ولَكَ أنْ تُفَسِّرَ المَجِيءَ بِالحُصُولِ فَيَجْرِي العِلْمُ عَلى ظاهِرِهِ، ﴿ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنَ ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ جَوابٌ لِلْقَسَمِ الدّالِّ عَلَيْهِ اللّامُ المُوَطِّئَةُ، ولَوْ أُجِيبَ بِهِ الشَّرْطُ هُنا لَوَجَبَتِ الفاءُ، وقِيلَ: إنَّهُ جَوابٌ لَهُ، ويَحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ القَسَمِ مُؤَخَّرًا عَنِ الشَّرْطِ، وتَأْوِيلِ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ بِالفِعْلِيَّةِ الِاسْتِقْبالِيَّةِ، أيْ: ما يَكُونُ لَكَ، وهو تَعَسُّفٌ، إذْ لَمْ يَقُلْ أحَدٌ مِنَ النُّحاةِ بِتَقْدِيرِ القَسَمِ مُؤَخَّرًا مَعَ اللّامِ المُوَطِّئَةِ، وتَأْوِيلُ الِاسْمِيَّةِ بِالفِعْلِيَّةِ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ، وقِيلَ: إنَّهُ جَوابٌ لِكِلا الأمْرَيْنِ القَسَمِ الدّالِّ عَلَيْهِ اللّامُ، وإنِ الشَّرْطِيَّةُ لِأحَدِهِما لَفْظًا، ولِلْآخَرِ مَعْنًى، وهو كَما تَرى، والخِطابُ أيْضًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وتَقْيِيدُ الشَّرْطِ بِما قُيِّدَ لِلدِّلالَةِ عَلى أنَّ مُتابَعَةِ أهْوائِهِمْ مُحالٌ، لِأنَّهُ خِلافُ ما عُلِمَ صِحَّتُهُ، فَلَوْ فُرِضَ وُقُوعُهُ كَما يُفْرَضُ المُحالُ لَمْ يَكُنْ لَهُ ولِيٌّ، ولا نَصِيرٌ يَدْفَعُ عَنْهُ العَذابَ، وفِيهِ أيْضًا مِنَ المُبالَغَةِ في الإقْناطِ ما لا يَخْفى، وقِيلَ: الخِطابُ هُناكَ، وهُنا، وإنْ كانَ ظاهِرًا لِلنَّبِيِّ ﷺ إلّا أنَّ المَقْصُودَ مِنهُ أُمَّتُهُ، وأنْتَ تَعْلَمُ مِمّا ذَكَرْنا أنَّهُ لا يَحْتاجُ إلى التِزامِ ذَلِكَ،
2:121Page 19
ٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ يَتۡلُونَهُۥ حَقَّ تِلَاوَتِهِۦٓ أُوْلَٰٓئِكَ يُؤۡمِنُونَ بِهِۦۗ وَمَن يَكۡفُرۡ بِهِۦ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ١٢١
Those to whom We have given the Book recite it with its true recital.1 They [are the ones who] believe in it. And whoever disbelieves in it - it is they who are the losers.
﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ اعْتِراضٌ لِبَيانِ حالِ مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ بَعْدَ ذِكْرِ أحْوالِ كَفَرَتِهِمْ، ولَمْ يُعْطَفْ تَنْبِيهًا عَلى كَمالِ التَّبايُنِ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ، والآيَةُ نازِلَةٌ فِيهِمْ، وهُمُ المَقْصُودُونَ مِنها سَواءٌ أُرِيدَ بِالمَوْصُولِ الجِنْسُ أوِ العَهْدُ، عَلى ما قِيلَ إنَّهُمُ الأرْبَعُونَ الَّذِينَ قَدِمُوا مِنَ الحَبَشَةِ مَعَ جَعْفَرِ بْنِ أبِي طالِبٍ اثْنانِ وثَلاثُونَ مِنهم مِنَ اليَمَنِ وثَمانِيَةٌ مِن عُلَماءِ الشّامِ، ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ﴾ أيْ يَقْرَؤُونَهُ حَقَّ قِراءَتِهِ، وهي قِراءَةٌ تَأْخُذُ بِمَجامِعِ القَلْبِ فَيُراعى فِيها ضَبْطُ اللَّفْظِ، والتَّأمُّلُ في المَعْنى، وحَقُّ الأمْرِ والنَّهْيِ، والجُمْلَةُ حالٌ مُقَدَّرَةٌ أيْ آتَيْناهُمُ الكِتابَ مُقَدَّرًا تِلاوَتُهُمْ، لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا تالِينَ، وقْتَ الإيتاءِ، وهَذِهِ الحالُ مُخَصَّصَةٌ لِأنَّ لَيْسَ كُلُّ مَن أُوتِيَهُ يَتْلُوهُ، (وحَقَّ) مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ لِإضافَتِهِ إلى المَصْدَرِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ وصْفًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، وأنْ يَكُونَ حالًا أيْ مُحِقِّينَ، والخَبَرُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ (يَتْلُونَهُ) خَبَرًا لا حالًا، (أُولَئِكَ) إلَخْ، خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، أوْ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ، وعَلى أوَّلِ الِاحْتِمالَيْنِ يَكُونُ المَوْصُولُ لِلْجِنْسِ، وعَلى ثانِيهِما يَكُونُ لِلْعَهْدِ، أيْ مُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ، وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ الفِعْلِيِّ لِلْحَصْرِ، والتَّعْرِيضِ، والضَّمِيرُ لِلْكِتابِ، أيْ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِكِتابِهِمْ دُونَ المُحَرِّفِينَ، فَإنَّهم غَيْرُ مُؤْمِنِينَ بِهِ، ومِن هُنا يَظْهَرُ فائِدَةُ الإخْبارِ عَلى الوَجْهِ الأخِيرِ، ولَكَ أنْ تَقُولَ: مَحَطُّ الفائِدَةِ ما يَلْزَمُ الإيمانُ بِهِ
صفحة 373
مِنَ الرِّبْحِ بِقَرِينَةِ ما يَأْتِي، ومِنَ النّاسِ مَن حَمَلَ المَوْصُولَ عَلى أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وإلَيْهِ ذَهَبَ عِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، فالمُرادُ مِنَ الكِتابِ حِينَئِذٍ القُرْآنُ، ومِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى الأنْبِياءِ والمُرْسَلِينَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وإلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ كَيْسانَ، فالمُرادُ مِنَ الكِتابِ حِينَئِذٍ الجِنْسُ لِيَشْمَلَ الكُتُبَ المُتَفَرِّقَةَ، ومِنهم مَن قالَ بِما قُلْنا، إلّا أنَّهُ جَوَّزَ عَوْدَ الضَّمِيرِ بِهِ إلى الهُدى، أوْ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، أوْ إلى اللَّهِ تَعالى، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ يَكُونُ في الكَلامِ التِفاتٌ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ، أوْ مِنَ التَّكَلُّمِ إلَيْها، ولا يَخْفى ما في بَعْضِ هَذِهِ الوُجُوهِ مِنَ البُعْدِ البَعِيدِ.
﴿ومَن يَكْفُرْ بِهِ﴾ أيِ الكِتابِ بِسَبَبِ التَّحْرِيفِ، والكُفْرِ بِما يُصَدِّقُهُ، واحْتِمالاتُ نَظِيرِ هَذا الضَّمِيرِ مَقُولَةٌ فِيهِ أيْضًا.
﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ مِن جِهَةِ أنَّهُمُ اشْتَرُوا الكُفْرَ بِالإيمانِ، وقِيلَ: بِتِجارَتِهِمُ الَّتِي كانُوا يَعْمَلُونَها بِأخْذِ الرِّشا عَلى التَّحْرِيفِ.
2:122–123Page 19
يَٰبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتِيَ ٱلَّتِيٓ أَنۡعَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ وَأَنِّي فَضَّلۡتُكُمۡ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٢٢
O Children of Israel, remember My favor which I have bestowed upon you and that I preferred you over the worlds.
وَٱتَّقُواْ يَوۡمٗا لَّا تَجۡزِي نَفۡسٌ عَن نَّفۡسٖ شَيۡـٔٗا وَلَا يُقۡبَلُ مِنۡهَا عَدۡلٞ وَلَا تَنفَعُهَا شَفَٰعَةٞ وَلَا هُمۡ يُنصَرُونَ ١٢٣
And fear a Day when no soul will suffice for another soul1 at all, and no compensation will be accepted from it, nor will any intercession benefit it, nor will they be aided.
﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكم وأنِّي فَضَّلْتُكم عَلى العالَمِينَ﴾ ﴿واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٌ شَيْئًا ولا يُقْبَلُ مِنها عَدْلٌ ولا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ تَكْرِيرٌ لِتَذْكِيرِ بَنِي إسْرائِيلَ، وإعادَةٌ لِتَحْذِيرِهِمْ لِلْمُبالَغَةِ في النُّصْحِ، ولِلْإيذانِ بِأنَّ ذَلِكَ فَذْلَكَةُ القِصَّةِ، والمَقْصُودُ مِنها، وقَدْ تَفَنَّنَ في التَّعْبِيرِ، فَجاءَتِ الشَّفاعَةُ أوَّلًا بِلَفْظِ القَبُولِ مُتَقَدِّمَةً عَلى العَدْلِ، وهُنا بِلَفْظِ النَّفْعِ مُتَأخِّرَةً عَنْهُ، ولَعَلَّهُ كَما قِيلَ: إشارَةٌ إلى انْتِفاءِ أصْلِ الشَّيْءِ، وانْتِفاءِ ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ، وأعْطى المُقَدَّمُ وُجُودًا تَقَدُّمَهُ ذِكْرًا، والمُتَأخِّرَ وُجُودًا تَأخُّرَهُ ذِكْرًا، وقِيلَ: إنَّ ما سَبَقَ كانَ لِلْأمْرِ بِالقِيامِ بِحُقُوقِ النِّعَمِ السّابِقَةِ، وما هُنا لِتَذْكِيرِ نِعْمَةٍ بِها فَضَّلَهم عَلى العالَمِينَ، وهي نِعْمَةُ الإيمانِ بِنَبِيِّ زَمانِهِمْ، وانْقِيادُهم لِأحْكامِهِ لِيَغْتَنِمُوها ويُؤْمِنُوا ويَكُونُوا مِنَ الفاضِلِينَ لا المَفْضُولِينَ، ولِيَتَّقُوا بِمُتابَعَتِهِ عَنْ أهْوالِ القِيامَةِ وخَوْفِها، كَما اتَّقَوْا بِمُتابَعَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ،
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences